الشعراء وأوهام صناعة رياض الصالح الحسين!

ديسمبر 31, 2015 اضف تعليق

محمد حجيري

نعيد نشر هذا المقال بمناسبة اصدار الأعمال الكاملة لرياض الصالح الحسين عن منشورات المتوسط.

يُوصَف رياض الصالح الحسين بأنه "المنسي من ذاكرة الشعر والتاريخ"، والشاعر الأكثر جنونًا ودهشة وإنسانية
في الآونة الأخيرة، عادت الكتابة عن الشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين إلى الواجهة الثقافية والفايسبوكية، لكن ليس عبر التطرق إلى شعره الذي ما زال موضع اهتمام من الشعراء وكان له تأثيره الكبير في مجايلي الشاعر، ولا حتى عبر الكلام عن كتبه الضائعة في غياهب الدور الهامشية ودهاليز الإنترنت. جاءت العودة من بوابة أن الكتّاب أو الشعراء يكتبون عن الشاعر الراحل لأجل الكتابة عن أنفسهم ولمجرد مدح "أدوارهم" الغابرة...

أول المدائح اللافتة كتبه الشاعر العراقي أسعد الجبوري، صاحب موقع "الإمبراطور"، في "فايسبوك": "الذين يكيلون المديح لتجربتين سوريتين: الأولى في الشعر والثانية في القصة (يقصد جميل حتمل)، يجب أن يعرفوا بأنهم يكيلون المدائح لطرف ثالث". والطرف الثالث الذي هو الجبوري نفسه، الذي يضع مساعدته رياض الصالح الحسين في نشر القصائد في إطار الاعترافات كأنها من أدبيات "كشف المستور" أو القضايا الذاتية الخاصة. للمرة الأولى أعترف بأنني أول من نشر قصائد الشاعر رياض الصالح الحسين في جريدة "المسيرة"، ليمتد بعد ذلك تدخلي في مراجعة وإعادة بعض نصوص مخطوطه الأول "خراب الدورة الدموية (1979)". ويصل مديح الذات إلى ذروته: "من يراجع مقالًا كتبه رياض الصالح الحسين في مجلة "الشبيبة" السورية عن تجربتي الشعرية وتأثره بها، سيدرك هذه الحقيقة".
كتابات الجبوري عن "اكتشاف" رياض الصالح الحسين، سيأتي بمثلها شبيهه الشاعر العراقي هاشم شفيق ليحكي عن مرض الشاعر نفسه، فهو يبدأ بمقاله المنشور في "القدس العربي": "كثيرون هم الذين تناولوا حياة الشاعر الراحل رياض الصالح الحسين بالتقريظ وكيل المحاسن لسيرته، وهذا شيء جميل أن يبادر به الأصدقاء، وبخاصة لشاعر بحجم رياض"... ويقفز شفيق فوق الشعر إلى مكان آخر: "لكن اللافت في تلك الكتابات التمجيدية أنها كانت تعكس رؤية ناقصة ومعرفة غير دقيقة ودراية لم تكن ملمة بحياة وتفاصيل الشاعر وسويعاته الأخيرة، كيف مضى في مرضه؟ وكيف عاش أيامه الأخيرة في المستشفى؟".
يقدم الجبوري الاعترافات إذ يقول: "الحقيقة التي أعرفها عن كثب". يذكّر الآخرين بأنه "المكتشف" (مكتشف الشاعر) والمؤثر فيه، فيما يذكّر شفيق أصحاب الشاعر، وهم كثر، بأنهم تخلوا عنه في لحظة مرضه، "في تلك الأيام العصيبة من معاناة الشاعر المأساوية وهو يواجه مصيره الحزين، انفضَّ الجميع عن الشاعر، وخصوصًا الأصحاب، وهم كثر ممن كان يلتقيهم يوميًا" في المقاهي. "تهرّب الكل تقريبًا لحظة سقوطه بمرض الفشل الكلوي، حتى أهله"، و"المرأة التي كان يحبها لم تأت لرؤيته". ويصل شفيق إلى ذاته: "رياض دخل المستشفى وحيدًا، من دون عون من أحد، ما خلا صديقه الشاعر البصري مهدي محمد علي وكاتب هذه السطور". "ظللنا الشاعر مهدي محمد علي وأنا قربه بالتناوب كخفراء".
لا أدري إن كان ثمة رابط بين تعليق الجبوري الفايسبوكي وبين مقال هاشم شفيق الصحافي، أو أنها الصدفة جمعتهما في الحديث عن رياض الصالح الحسين. لكن بين "اعتراف" الأول بدوره، والثاني بإنسانيته، شيئاً من الكلام غير المفيد، أو غير المبرر، أو السلبي. ولا يبدو الحسين فيه سوى منصة للهجوم على الآخرين.
لا ينبغي أن يكون نشر أسعد الجبوري شعرًا أو مقالات لرياض الصالح حسين في خانة الاعترافات، فهذا أمر من البديهيات. ولا يبدو أن هاشم شفيق يكتب عن مرض الشاعر إلا ليذمّ الآخرين ويمدح نفسه. وليست المرة الأولى التي تتحوَّل سيرة هذا الشاعر الذي توفي في مقتبل العمر إلى مادة لإظهار "أنا" بعض الشعراء، فكثيرون يتحدَّثون كأنَّ لهم فضلًا عليه، سواء في نمط كتابته الشعرية أو في حياته الصعبة. وثمة من وظَّف شخصيته في الرواية.
اكتشاف شخص يحب الشعر لا يصنع موهبته، ولا يجعله شاعرًا متفردًا. الاكتشاف ليس أكثر من محطة عابرة في مسافة الألف ميل، ورياض الصالح الحسين كانت حياته كلها مأساة. منعه الصمم والبكم من إكمال دراسته، فدأب على تثقيف نفسه بنفسه. اضطر إلى ممارسة العمل مبكرًا، كعامل وموظف وصحافي، وعانى البطالة. راح يكتب القصائد والموضوعات الصحافية منذ العام 1976... كتب في الشعر، القصة القصيرة، قصص الأطفال، المقالة الصحافية، والنقد الأدبي. 
يوصف رياض الصالح الحسين بأنه "المنسي من ذاكرة الشعر والتاريخ"، والشاعر الأكثر جنونًا ودهشة وإنسانية... في حين أنه أحد أهم شعراء قصيدة النثر في العالم العربي عمومًا، وسوريا خصوصًا. والمقارنة بين أعماله وبين أعمال من جايلوه تظهره الأكثر تألقًا. حتى الكتابات الكثيرة عنه، السابقة والراهنة، لم تعطه حقه، مُركِّزةً على أنه كان من الصمم والبكم. كان ينبغي على العارفين بسيرته تدوين كتاب عنه، فهم لطالما وصفوه بـ"الأسطورة"، فيما بقي مدحهم له في إطاره الصحافي ولم يدخل في كتاب يعيد الاعتبار إليه.

- See more at:
http://www.almodon.com/culture/2015/1/22/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%a3%d9%88%d9%87%d8%a7%d9%85-%d8%b5%d9%86%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%a7%d9%84%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86#sthash.pYHmlPo0.dpuf

فادي أبو خليل... شاعر الصورة خارج الشاشة

ديسمبر 31, 2015 اضف تعليق
محمد حجيري

قد يكون من المفارقات، ان الشاعر والمسرحي فادي أبو خليل، الذي ذكره الروائي محمد أبي سمرا في مقاله "الخلاص الصوفي: بشير الجميل وميشال عون"، كنت ألتقيه يومياً في مقاهي شارع الحمرا الآفلة، وفجأة اختفى كأنه في غيبة سميناها على سبيل المزاح بـ"الصغرى". كان علامة من علامات عشق المكان ومشهديته ومدينيته، وفجأة انتبه كثيرون إلى أنه لم يعد يتسكع على رصيف رأس بيروت، ولا يلقي نظرة على الجالسين في المقهى ويمشي، لم يعد يقدم مسرحيات بأفكار جديدة مغايرة، وتوقف عن إصدار دواوين شعرٍية بلغة يومية حداثية مختلفة... وربما لم يكن سهلاً أن يمارس صاحب دواوين "فيديو" و"لا شيء تقريباً" و"غيوم طويلة" و"أني اتذكر"، قطيعة مع شارع كان صورة من صور يومياته وناسه ورواده.
آخر مرة سمعت خبراً عن فادي أبو خليل، كان في العام 2008، عندما قال الشاعر فيديل سبيتي للصديق رضوان الأمين: "لقد التقيت بفادي أبو خليل في متاجر abc الأشرفية، وبعدما تعارفنا من جديد، سألني: هل أنت فيديل؟ أجبته: فادي أينك لا نراك؟ فقال لي: "يا فيديل الوضع مش منيح".. وانتهى الحديث هنا، قبل أن يغادر فيديل المنطقة وهو دائماً يطمح إلى قراءة قصيدة جديدة لفادي أبو خليل الممثّل والشاعر والمسرحي.
وأتذكّر آخر مرّة شاهدتُ فيها فادي أبو خليل، ليس في الشارع بل في فيلم "خلص" (إخراج برهان علوية)، وهو قصّة صديقَين حميمَين من أيام الحرب الأهلية (فادي أبو خليل وريمون حصني) يتحوّلان إلى السرقة بعدما فشلا في تحقيق الآمال المعلّقة. أحدهما يعتقد أنه يستطيع أن يفعل كل شيء بما في ذلك الانتقام من حبيبته، لكنه في الحقيقة لا يستطيع سوى الهرب، إليها حيناً، وبعيداً منها حيناً آخر (تشبه القصة علاقة فادي والكثير من المثقفين بشارع الحمراء).
حين فتشت في الانترنت عن صور للشاعر المختفي، لم أجد إلا صورة له في مقهى "الروضة" من الفيلم المذكور، وآخر أخباره تعود إلى بداية الألفية الثالثة، وكان فادي أبو خليل في يومياته البيروتية، يتجوّل في سيارته الشيروكي وقبلها الرينو، أو يتمشّى ذهاباً وإياباً على الرصيف، ويجلس في المقهى متأمّلاً وممازحاً الجميع. غادر أبو خليل الشارع بإصرار ومن دون إعلان، وفي المقابل تبدّلت الأمكنة التي كان يرتادها، من مقهى "المودكا" إلى مقهى "الويمبي" (أصبحا محالاً لبيع الألبسة الجاهزة)، و"الكافيه دو باري" (باتت مطعماً للوجبات السريعة). ربما يكون شِعر أبو خليل خير معبّر عن أحوال المدينة وشوارعها. يقول في كتابه "فيديو" (منشورات دار الجديد) أن محل "Red Shoe" يبدّل كثيراً من لافتاته، والأمر ينطبق على معظم المحال التجارية في الحمرا: حانة "شي أندريه" التي كانت تعتبر الاقدم في المنطقة، واستقبلت الكثير من المشاهير اللبنانيين (مثل جورجينا رزق وزياد الرحباني) وحتى بعض العالميين (مثل جوني هوليداي)، فضَّل صاحبها إعدامها والخروج منها الى محل جديد متجاهلاً روادها التاريخيين وعلاقتهم بالمكان. واجهات السينما اندثرت ولم يعد للأفيشات الضخمة أي حضور. معظم المعالم القديمة استسلمت إلى تحوّلات المدينة التي غرقت في خضم الاستهلاك، مع تنامي ثقافي النراجيل وكثرة رواد الكحول والليل.
فادي أبو خليل ابن منطقة الأشرفية والمتحدر من بلدة اللويزة(جبل لبنان)، كان من عشاق شارع الحمراء، وحتى في خضم الحرب الأهلية اللبنانية اخترق خطوط التماس، وقيل إنه كان شيوعياً في الوسط الكتائبي، وتردّد أنه دوّن كتابه الأول عندما كان يقف في شارع الحمراء بسيارته. أما كتابه "فيديو" فكتبه عن محال شارع الحمراء وشخوصه وكتّابه وشعرائه (ثمة من اقترح عليه أن يسمّيه "ويمبي")، ويكتب فيه عن الشاعر بول شاوول "الملل كوشاح على وجهه"، ويهدي قصائد لبعض الشعراء، ويقول في مقدّمته: "تلهمني المباشرة، أن أرى نفسي أتكلّم مباشرة، بواسطة الشعر أو شاشة فيديو". أيضاً، يعلن أبو خليل في المقدّمة ذاتها: "النثر والمعدن والفيديو من علامات حياتنا الواضحة. ما عاد بالإمكان الاستمرار بدونها". وقصائد أبو خليل، عموما يتمّ التركيز فيها على الذاكرة السينمائية وعلى إيحاءاتها كما يقول الشاعر يوسف بزّي. كتب قصيدة بعنوان "فيلم" من "لا شيء تقريباً": "عندما أشعلت لولا سيجارتها/ وتمدّدت على السرير/ وقف "سيلر" على باب الحمّام/ يسترجع ماضيها بدون "سيلر"/ ماضيها الذي تألم كثيراً/ تلك اللحظة".
بل إنه كتب قصيدة أخرى، أيضاً بعنوان "فيلم" يقول فيها: "لست البطل/ ولا الظلّ/ في هذا/ الفيلم". وله قصيدة بعنوان Fiction: "أسماك قرش/ تسبح في التلفزيون/ ضفادع وعارضات أزياء/ مسوخ وأرقام/ مذيعون وأفلام كرتون/ لما أفقت/ كان كل شيء/ قد عاد الى أصله".

كان أبو خليل مُقلّاً في اصدار الشعر واختزالياً في الكتابة، وحجم الكثير من قصائده ربما مثل "سيستام" حجم قصيدة الهايكو. وعدا عن خروجه عن مشهد ثقافة المدينة، فهو كان ينعي موقع الشعر في آرائه، ويعتبر أنه(أي الشعر) "ينتمي الى العالم القديم الذي نعرفه نحن(..). وهو أيضاً مركز للكلمة الصافية التي تصفى الى درجة تشع معها. لقد جاءت الشاشة وخربت المواقع، (...) يقال مثلاً: موقع على الانترنت، وهو في قلب شاشة، والشاشة أمامك وحدك، لا يشاركك الآخرون فيها. بينما الشعر في زمنه كان لغة في الهواء، تصل الناس بعضهم ببعض، وتجعلهم يسهرون ويغنون ويحلمون معاً. ما نكتبه نحن اليوم، هو تماماً ما بعد الشعر... ربما كان جثة الشعر".
ولا يمكن اختصار تجربة ابو خليل في الشعر. فهو قام بالتمثيل في بعض الأفلام والمسلسلات اللبنانية، وكان أكثر حضورا في المسرح. عرفه الجمهور ممثلا في مسرحيّة جوزيف بونصّار "العائلة طوط" أوائل الثمانينات، وقدم تجارب مسرحية وصفت بالمحيرة، باعتبار أنه آت من خارج المدارس والاتجاهات الرسميّة. واشتهر بمسرحية "بوب كورن" ومسرحية "راديو وشعر وحديث" التي أحدثت صدمة، وتناول قصائد شعراء خمسة، هم حسب توالي نصوصهم على الخشبة: عبّاس بيضون، أنسي الحاج، بول شاوول، محمد الماغوط، رشيد الضعيف. يهتمّ أبو خليل باستخراج المادة المسرحيّة من النصّ، ويطرح أسئلة حول كيفيّة اداء المشهد الشعري.
منذ أن غادر أبو خليل شارع الحمراء كثرت التساؤلات حوله: أين هو؟ ماذا يفعل؟ هل ترونه؟ كيف نصل إليه؟ هل لديه رقم هاتف؟... صديقه الشاعر يحيى جابر كتب عنه نصاً عنوانه "عن شاعر مفقود يُدعى فادي أبو خليل"، قال إنه سيهديها إلى روح فادي الذي لم يمت. لا أحد ينكر أن أبو خليل كان من وجوه الشعر الحديث في لبنان، وقد سُمّي مع مجموعة من أبناء جيله بأنهم "جيل شعراء الحرب"، وهذه التسمية انتهت وباتت تلاقي اعتراض بعضهم... واللافت أن الكثير من معدي الانطولوجيات الشعرية تناسوا صاحب "فيديو"، ربما لأنه غادر الصورة النمطية للثقافة السائدة.

من قصائده:
دائرة الساعة
الواقفون في الخامسة،
الأشخاصُ الذين يلبسونَ دائرة الساعة
بطريقةٍ معكوسة.
ماذا يفعلون بالعقرب الصغير
بماذا يلوّنون وراءهم،
بصباغ الأحذية؟
لو أضاعوا طاقة أيديهم
في غرف التسلية؟
أو توزعوا إلى حركاتٍ حرةٍ،
كالمشي بأصبع واحدةٍ
على سِيركٍ طويلٍ
يصل إلى طاولةٍ مستديرةٍ محيِّرة.
تلمعُ الرئةُ بالدخان دون أن يشعر الشخص
بشيءٍ يذكر.
تُلقى مفاتيح الألعاب من الجوارير
على جبال الساعات،
دون أن تحدث صرخةٌ في المسافة.
الأشخاص الواقفون على رؤوسهم
في دائرة الساعة،
يحركون في الطناجر هزّةً كبيرةً بحجم طابقٍ
يأكلون روحاً حتى قدميها.

***
الضوء أيضاً
الحبُ نفسه هذا المساء
الضوء أيضاً خلف القماش
يقيسُ وجهكِ
اليدُ نفسها
كلما اقتربنا.
وجهةُ التماثيل على الطاولة
الإنحناءةُ في الهواء
حركة السرير.
النظرةُ نفسُها على الوسادة
الدبابيس المبعثرة
ولاّعتكِ
الدفاتر المحفوظة
الفسحةُ نفسها كلما تباعدنا
الرقةُ التاكيةُ على الكرسي
التمدّدُ في المرآة
الكلمات.
***

نائمون كعيون الأسماك
تلك المرأة
الرائحة المنقولة
بخطواتها الباحثة عن سمائنا
تحت الأرض،
حيث نسحب ببطءٍ
أسلاك أرواحنا
وتتأهب الجدران بعيوننا المدوّرة
كإنفجارات خفيفةٍ متلاحقة.
كنا فضائيين كمنازل
قد تخرجُ من نوافذها.
نُمسكُ جلودَنا
نعلق بالتحرّك الثقيل للعددِ والأقدام.
من عينيها المبعثرتين داخلها
إنفتحتْ صرخةٌ في أول الجدار،
فراشةٌ حول تراب أكتافها.
كأضلاع البناية التي غابت من
كثافة الفضاء المتواصل
ما بعد الباب الذي يلمع عليه الإنفجار
كنا ضعفاء،
نائمين كعيون الأسماك.
كنا لشدة أجسادنا وأماكننا
لشدّة دخاننا وابتعادنا تحت الطوابق.

***
للصمت آلاته وحركاته العازفة
للصمت ورقة خلف جسد الإختباء.
عينٌ مشدودةٌ بأقنعة العلب الداخلية
وأوتارٌ ملفوفة.
للصمت عبورٌ مالسٌ إذاً
فرصةٌ للتمرئي.
أزياحٌ إذاً،
لمساتٌ عاريةٌ لحفظ الرسائل.
للصمت كثافة الجلوس
خفّة الأقفال حطبُ الأرقام.
... بقايا طعامٍ وطاولاتٍ
راحاتٌ للذقون
أظافرٌ لجلد الصفحات والمساء.
... خدمٌ ذهبٌ وأجبانٌ مشعّة
أمشاطٌ للذهاب إلى نهاية
المرايا.
للصمت جوانبُ بارزة الأضراس.
للصمت
يدٌ تسحبُ وسادةً مغمياً عليها
من التفكير في هواءٍ دائريّ.
عتمة في الطناجر
وحياةُ الحشرات الخفيفة.
... عَرقُ عضلاتٍ
ومراقصُ لكائنات الغيظ.
- See more at:
http://www.almodon.com/culture/2015/12/23/%D9%81%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B4%D8%A9#sthash.iRiHaMng.dpuf
 

محمد عبد الحميد بيضون... أخلاق الميليشيات٠

ديسمبر 30, 2015 اضف تعليق


على باب "بكركي"اي مقر البطريركية المارونية التي أُعطي لها مجد لبنان سمعنا درساً في التعامل السياسي "الأخلاقي" والالتزام "الاخلاقي" الذي تزعم الميليشيات المتحكمة بلبنان انه يحكم علاقتها بميشال عون وأنها لن تستجيب لطلب البطريرك بالضغط على عون لكي ينهي مقاطعته هو والميليشيات "الحليفة" لجلسة انتخاب رئيس للجمهورية٠
الميليشيات الغارقة في الحروب المذهبية على مستوى المنطقة تتحدث عن "التعامل الاخلاقي"٠
الميليشيات التي أوغلت في الدم السوري وفي تشريد الشعب السوري وتدمير مناطق واسعة من سوريا تتحدث عن "التعامل الاخلاقي "٠
الميليشيات التي تعتدي يومياً على العيش المشترك وعلى الدستور والقوانين بكل انواع الخروقات من إشعال الحروب الى الأيام المجيدة الى القمصان السود الى التهديد المستمر بإرهاب البلد كله اذا لم يخضع لإرادتها السياسية والأمنية تتحدث عن "التعامل الاخلاقي"٠
صار الفراغ الرئاسي الذي هو اكبر طعنة للشعب والسيادة والعيش المشترك هو صورة السياسة الاخلاقية للميليشيات المهيمنة٠
مبروك لبكركي هذا الدرس في الأخلاق و نأمل ان يتكرر هذا الدرس مع كل المراجع الروحية التي تعتبرها هذه الميليشيات ناقصة المناعة الاخلاقية وتحتاج لتلقينها هذا الدرس المهم٠
ولكن غداً سيتوجه سليمان فرنجية الى بكركي وسيسأل على بابها لماذا "التعامل اخلاقي مع عون" وغير اخلاقي مع فرنجية؟
والأهم سيتوجه وفد من الحراك المدني يمثل كل الشعب اللبناني الى بكركي ليسأل لماذا "التعامل اخلاقي مع عون" وغير اخلاقي مع البلد كله ومع حياة المواطن ولقمة عيشه وأمنه ؟
متى تتعلم بكركي ان تقاطع المقاطعين على الأقل لحماية مجد لبنان؟

حسين الموزاني.... مصائر

ديسمبر 30, 2015 اضف تعليق

زماناً عندما كانت تستبد بي الوحدة والعزلة ويتمكّن منّي القنوط والسويداء أهرع إلى قراءة نيتشه أو ريلكه أو كافكا أو هايدغر فأجد فيهم بعضاً من العزاء. والآن عندما تبلغ حالة القنوط واليأس تخوم خراسان فلا أجد عزاءً لي سوى بضعة أمثال عراقية جاد بها الدهر علينا نحن المنفيين الذين لا وطن لنا سوى الفيسبوك والفيسبوكيين والفيسبوكيات. وأتذكر في هذا السيّاق مثلاً فلسفياً وبسيطاً في الوقت نفسه، يقول: "اليقرا هندي واليسمع من أهل الجريبات." وترجمته إلى اللغة الفصحى: مَن يقرأ هنديٌ ومن يستمع له فهو فرد من الجريبات. ويضرب هذا المثل عادة على انعدام روح التفاهم والحوار والإصغاء. ويقال إنّ هندياً جاء إلى العراق قادماً من أطراف بلدة حيدر أباد الهندية. وكان من طبقة المنبوذين الذين يحرّم مسّهم، فحين تكون منبوذاً في الهند فخير لك أن تصبح شيعياً وتغادر سرير المسامير وتذهب عبر طريق الحرير إلى مراقد العترة النبوية في النجف وكربلاء. لكنّ عبد الحسين الحيدرأبادي لم يكتف باعتناق المذهب وحده، إنما أصبح قارئاً للمقتل، أي وقائع مصرع الحسين بن علي وأهله وصحبه في كربلاء. لكّنه لم يكن يعرف من لغة أهل العراق إلا بضعة كلمات وكان فوق ذلك يلحن في الكلام. فقطع القارئ الهندي الوديان والجبال والفيافي والصحارى عبر الباكستان وأفغانستان وإيران، أي ما يسمى بطريق الحرير، ثمّ حلّ أخيراً في بلدة النجف. وقال في سرّه إنّني لن أفارق هذه البقعة من الأرض حتّى بعد موتي. وصار يجوب جنوب العراق بحثاً عن أجر وثواب، حتّى وقع على عشيرة الجريبات وهي أفقر عشائر العراق مالاً وجاهاً. فقبلت به العشيرة قارئاً وإماماً مجانياً. فأخذ يقرأ عليهم مقتل الحسين بلغته الهندية التي تشبه تلك اللغة التي نعرفها عبر أفلام الهند التي كنّا نراها في صالات السينما ببغداد قبل خمسين عاماً، أفلام سنغمام وأم الهند ودوستم وشاشي كابور وشامي كابور وأغاني أجاجا. فكان عبد الحسين الحيدرأبادي يتلو عليهم المقتل ثمّ يصرخ بين مقطع وآخر: "وا هوسيناه، وا أبّاساه، وا إماماه"، فكان ذلك كافياً لجعل أهالي الجريبات يجهشون بالبكاء فيلطمون صدورهم ويطينون وجوههم حزناً وكمداً. ثمّ يصحبهم القارئ الهندي معه إلى كربلاء سيراً على الأقدام وهم حفاة، وبلا مال، وشبه عراة إلا من دشاديش سوداء ماحلة اللون وصهدتها الشمس فاستحال لونها إلى لون السبخ، وهو يردد "وا هوسيناه، وا أبّاساه، وا إماماه" وهم ينهنهون خلفه وقد جفّت دموعهم وأفواههم من الجوع والعطش والنحيب. فيتركتهم الهندي هناك، حيث ينهي مهمته، فيطوفون في دروب كربلاء ودرابينها أياماً طوالاً بحثاً عن ماء وزاد ومأوى، ولسان حالهم يقول "إنّما الأعمال بالنيّات". ولعلّ هناك من يصغي إلى النداء، فيضحك أو أي يبكي أو يلطم معنا على ما آله مصير العراق والعالم العربي برمته، حتّى وإن بخل علينا بلايك أو نظرة قصيرة.


الصورة: موكب الهنود البهرة الشيعة في كربلاء.

عن الفايسبوك

عيسى مخلوف.... كائن مخيف هو الكتاب، في كلّ زمان ومكان !

ديسمبر 30, 2015 اضف تعليق

عام ٢١٣، أمرَ إمبراطور الصين بتدمير الكتب المعرفيّة كلّها. وعندما احتجّ بعض المثقفين على هذا القرار - وكان عددهم أربعمئة - أمر الامبراطور بأن يُدفَنوا أحياء.
قرابة العام ١٠٠٠، دُمِّرَت مكتبة المنصور في قرطبة بإيعاز من علماء الدين. وباسم الدين، تمّ قتل الكثير من الكتّاب والشعراء (بشّار بن برد، الحلاّج، ابن زيدون، السهروردي...)، وحُكمَ بالنفي على ابن رشد، وابن خلدون...
ومن المعروف أنّ هولاكو أمرَ برمي مكتبة بغداد وكتبها العلميّة الثمينة في دجلة، فتحوَّل ماء النهر حبراً أسود.
استمرّت كراهية الكتاب في كلّ العصور، من زمن محاكم التفتيش في أسبانيا إلى هتلر وستالين... أمّا في العالم العربي، في هذا الزمان، وحيث عين الرقابة ساهرة لا تنام (الدينيّة والسياسيّة على السواء)، فإنّ عدد الكتب التي صودرت، أو أُحرقَت، لا يُحصى، لا سيّما الكتب الفكرية والأدبية والفنية التي تتميّز باختلافها وبحسّها النقدي.
اللافت أنّ الكتب التي تحرّض على الحقد والعنف وتدعو إلى القتل وتجسّد البشاعة والجهل، تُباع في كلّ مكان، بينما تُصادَر، في الكثير من الدول العربية، بعض كُتب نجيب محفوظ وطه حسين وثروت عكاشة وعلي عبد الرازق وعبدالله العلايلي ونصر حامد أبو زيد وصادق جلال العظم، وغيرهم. وكم من المفكّرين والكتّاب والمسرحيين والإعلاميين قُتلوا، في العقود الأخيرة، من بيروت إلى الجزائر، مروراً بدول عربيّة عدّة...
قبل وصول قبضة داعش إلى المكتبات والمتاحف والمواقع الأثرية، كانت تلك الأمّة قد انقضّت على كُتب يمثّل بعضها جزءاً من الإرث الثقافي الإنساني، ومنها، على سبيل المثال، "الفتوحات المكّية" لابن عربي، و"النبي" لجبران خليل جبران، و"ألف ليلة وليلة"...
ما حدث للكتاب في العالم العربي هو ما يحدث للإنسان هناك: مصير واحد لكليهما، واستباحة كاملة هي أشبه باقتلاع الكائن من الوجود، اقتلاع تتعاون على تنفيذه قوى الداخل وقوى الخارج معاً.
الانقضاض على الكتاب، على الفكر والإبداع والفنّ، بشكل عامّ، ليس إلاّ انقضاضاً على الإنسان نفسه، وعلى طاقاته الخلاّقة ومسعاه إلى جعل العالم جديراً بأن يُعاش.


عن الفايسبوك

"معاداة الصهيونية لا تعني بالضرورة كراهية اليهود"

ديسمبر 29, 2015 اضف تعليق
نقاش الحذر حول موضوع إسرائيل في وسائل الإعلام الألمانية

"معاداة الصهيونية لا تعني بالضرورة كراهية اليهود"

تفتقر نقاشات الرأي العام الألماني غالبا إلى الجودة حين تتناول موضوع إسرائيل. فجودة أي خطاب إعلامي تنشأ بالمعرفة والملاحظة الدقيقة والجدل وتعدد الأصوات، لكن تعابير المجاملة المتكررة تطغى على النقاش العام الألماني حين يتعلق الأمر بإسرائيل، وفق ما ترى الكاتبة الألمانية شارلوته فيديمان في رؤيتها التالية لموقع قنطرة. وتتساءل: في حين يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية -الحليف الأهم لإسرائيل- وحتى في أوساط اليهود أنفسهم ابتعاد متزايد عن أعمال الحكومة الإسرائيلية، ألا يكون قد حان الوقت في ألمانيا -بلد المحرقة- لمحاولة التوصل إلى خطاب جديد؟
(افتقار نقاش الرأي العام الألماني إلى الجودة حين يتناول موضوع إسرائيل) يتجلّى بحدَثين يتطلَّبان إمعان التفكير بدقَّة: أولًا تصدِّي الحكومة الإسرائيليَّة الفاشل للاتفاق النووي مع إيران، وثانيًا وصول عدد كبير من اللاجئين الهاربين من سوريا حيث معاداة إسرائيل شيءٌ محمود. فهل هناك أيَّة علاقة بين الأمرين؟ سوف نرى.
يقول بنيامين نتنياهو في أحد تصريحاته: "إنها سنة 1938 وإيران هي ألمانيا"، ويتابع قوله إنَّ إيران تـُعِدُّ "محرقةً أخرى". لا يمكن تصعيد حدة الكلام أكثر من ذلك. لكنها كلمات تبددت في ألمانيا بدون صدى يُذْكَر، بينما عبَّر مجلسُ اليهود المركزي فقط عن "ارتيابه" من الاتفاق.
معركة الرأي حول الاتفاق مع إيران
سبب هذا التحفُّظ واضحٌ، فقد شارك وزير الخارجيَّة الألماني شتاينماير في المفاوضات التي أدت إلى اتفاق فيينا؛ ولكن رغم ذلك يُعْتَبَرُ غياب الصدى خبرًا: إذ يناشد اليمين الإسرائيلي دَرْأَ خطر هولوكوست محدق وألمانيا لا تعير الأمر اهتمامًا. يبدو إذًا أنَّ الاستجابة تتعلق بهويَّة المتحدث وبماهيَّة وتوقيت وسبب ما يقوله – حتى في هذا الموضوع الذي يُعْتَبَرُ الأكثر حساسيَّة من جميع المواضيع.
ثارت في الولايات المتحدة الأمريكيَّة معركة آراء على مدى أشهر حول الاتفاق الذي كان مزمعًا مع إيران. خاسرو هذه المعركة هم المحافظون، والمنظمات المرتبطة على نحو وثيق بحزب الليكود الإسرائيلي، وعلى الأخص لجنة الشؤون العامة الأمريكيَّة الإسرائيليَّة (أيباك) التي كانت سابقًا شديدة البأس.
وما أثار دهشة المبادرين بحملة ضخمة مناهضة لأيباك أنها لم تستطِع الاستناد إلى أغلبيَّة اليهود في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، لا بل دفعت إلى نشوء نزاعٍ يهوديٍ داخليٍ لم يسبق له مثيل. وإليكم أحد التفاصيل، على سبيل المثال: وجَّه 340 حاخامًا رسالةً مفتوحةً إلى الكونغرس معبرين فيها عن تأييدهم للاتفاق.

استنكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتفاق النووي الدولي مع إيران باحتجاجٍ صامتٍ أمام الأمم المتحدة في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2015. Foto: AFP/Getty Images/J. Samad
نقد صامت: استنكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتفاق النووي الدولي مع إيران باحتجاجٍ صامتٍ أمام الأمم المتحدة في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2015. واتهم نتنياهو الأمم المتحدة بقبول تهديدات إيران لبلاده دون أنْ تنبس بكلمة.
تتحدث أصواتٌ يهوديَّةٌ أمريكيَّةٌ اليوم عن عهدٍ جديد. وترى المجلة اليهوديَّة "جُوش جورنال أنَّ "فجوةً بين وجهات النظر الأمريكيَّة-اليهوديَّة والإسرائيليَّة-اليهوديَّة تتسع باضطراد". ويصل جوناثان شيت الذي يكتب في مجلة نيويورك إلى نتيجةٍ مفادها أنَّه "لم يعُد هناك لوبي لإسرائيل". ويقول إنَّ اليهود في الولايات المتحدة الأمريكيَّة اليوم منقسمون إلى معسكراتٍ سياسيَّة؛ ويرى أنَّ الأغلبيَّة تؤيِّد الديمقراطيين.
فشل الحملة المضادة للاتفاق
يُرْجِعُ جوناثان شيت فشل الحملة المضادة للاتفاق إلى سببٍ ثانٍ أيضًا، وهو أنَّ النقاش حول السياسة الخارجيَّة في إسرائيل قد انزلق نحو اليمين في السنوات الخمس عشرة الماضية بشكلٍ مطَّرد. وأصحاب النفوذ من اليهود الأمريكيين الذين شاركوا في هذا الانزلاق يقفون اليوم بسبب ذلك إلى يمين الأغلبيَّة اليهوديَّة في أمريكا.
نعومي دان إحدى المتحدثات باسم منظمة "صوت يهودي من أجل السلام" تعتقد الآن حتى بإمكانيَّة النقاش عما إذا كان الطابع اليهودي لدولة إسرائيل يمتلك أولويَّة لا مساس بها تسبق المطالبة بالمساواة بين مواطني الدولة.
هل من السذاجة أنْ أرغب في ألمانيا، في بلد المحرقة، بوجود تعدديَّةٍ وحيويَّةٍ مماثلة في النقاش؟ بعبارة أخرى: عندما يكون هناك في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، الحليف الأهم لإسرائيل، وبين اليهود بالذات، ابتعادٌ متزايدٌ عن أعمال الحكومة الإسرائيليَّة، ألا يكون قد حان الوقت في ألمانيا أيضًا، لمحاولة التوصُّل إلى خطابٍ جديدٍ؟
من المؤكد، أنَّ الطوائف اليهوديَّة المحليَّة تعيش في بلدٍ مُثْقَلٍ تاريخيًا للغاية يعيق قدرتها ورغبتها في تعدديَّة الآراء كما هي الحال في الولايات المتحدة الأمريكيَّة. وألمانيا الرسميَّة تفضِّل أنْ ترى يهودها على أيَّة حال كتماثيل في واجهة عرض زجاجيَّة.
فضاءات تفكيرٍ عامٍ جديدةٌ
لكن توجد هناك على الرغم من ذلك بداياتٌ جديدة: عندما يعارض اليهود الذين يعيشون في منطقة نويكولن في برلين وصف هذا الجزء من المدينة ذي الأغلبيَّة المهاجرة بأنه منطقةٌ محرَّمةٌ على اليهود – ويخالفون بالتالي رؤية مكلَّف الطائفة اليهوديَّة بشؤون معاداة الساميَّة في برلين. كما يعيش اليوم في برلين شباب إسرائيليون، يدينون بشدَّة سياسة الاستيطان الإسرائيليَّة، والحروب الإسرائيليَّة، وطريقة تعامل إسرائيل مع طالبي اللجوء، الأمر الذي يجعل بعض الألمان يتسمَّرون في مكانهم.
لا بد من توفير مساحاتٍ جديدةٍ في ألمانيا للتفكير والحديث العام حول إسرائيل بشكل مشترك من قبل اليهود وغير اليهود. لقد تأخَّر هذا بالفعل – وهو ضروري بالتأكيد باعتباره ردًا على المخاوف الأخيرة من ازدياد العداء لإسرائيل ولليهود من خلال إيواء السوريين في ألمانيا. وبحسب رئيس المجلس المركزي لليهود جوزيف شوستر: "ينبغي تقريب الوافدين الجدد من القيم القائمة في ألمانيا". مع كلِّ الاحترام، أخشى أنْ هذا لن يتم بهذه الطريقة، وليس بهذا الجمود.
 الصحافيَّة السياسيَّة والكاتبة الألمانية شارلوته فيديمان. Foto: DW
عاشت الصحافيَّة السياسيَّة والكاتبة الألمانية شارلوته فيديمان عدة سنواتٍ في ماليزيا وسافرت إلى عددٍ كبيرٍ من الدول الإسلاميَّة في آسيا وأفريقيا، ومن المواضيع التي تدرسها في أعمالها موضوع التغييرات الجذريَّة الاجتماعيَّة في تونس ومصر واليمن. وقد نُشر كتابها "أنتم لا تعرفون شيئًا عنَّا! رحلاتي عبر إسلام غير معروف" في سنة 2012. وكتابها: "عن محاولة الكتابة بالأبيض" نُشِرَ لدى دار بابي-روسا للنشر.
يجب أنْ تكون الدروس المستفادة من المحرقة جزءٌ من فهم الذات الألمانيَّة في بلد الهجرة ألمانيا. أما ماهيَّة هذه الدروس وكيفيَّة تطبيقها في الحياة، فلا بدَّ هنا من تطوير توافقٍ جديدٍ حول ذلك. عندما يشارك أطفال المهاجرين برحلة إلى معسكر أوشفيتز للاعتقال والإبادة، تكون مشاعرهم مختلفة عن مشاعر اليافعين الذين كان أسلافهم متورطين ربما في قتل اليهود.
هذه ليست معلومات جديدة، وتوجد منذ فترةٍ مشاريع ودراساتٌ تبحث في كيفيَّة تعامل الأساتذة والمعلمات مع عدم وجود التعاطف. والنقص في التعاطف ليس مشكلة موجودة لدى المهاجرين فقط.
معاداة الصهيونيَّة لا يعني بالضرورة كره اليهود
يرتكب ألمانٌ (يمينيون) معظم الجرائم المعادية للساميَّة؛ وهذا الكره لم يأتِ مع المهاجرين، كما يمكن أنْ تعني معاداة الصهيونيَّة كرهَ اليهود، لكنها لا تعني ذلك دائمًا بالضرورة. لا حاجة لحماية المعابد اليهوديَّة في إيران، خلافًا لما يحدث في ألمانيا. ولكن الصحيح أيضًا، أنَّ الكثير من العرب لا يستطيعون تخيُّل اليهودي إلا بالبدلة العسكريَّة الإسرائيليَّة.
كيف سيكون إذًا حديث بلد الهجرة ألمانيا عن إسرائيل في المستقبل؟ يصعب الحديث مع فلسطينيين من سوريا حول حق إسرائيل بالوجود، دون الحديث عن شرعية حدودها. وحيث نتهرَّب من خلال ترديد عبارات المجاملة المعتادة المتكررة، نفقد مصداقيتنا. ولن يندمج أحدٌ في هذه العبارات.
إنَّ من يعارض اليوم أولئك الذين يرمون المواد الحارقة على مآوي اللاجئين، يطبق الدروس المستفادة من المحرقة على أرض الواقع. هذا ليس جوابًا على كل شيءٍ، لكنه نقطة انطلاقٍ جيدةٍ من أجل إقناع الآخرين.
 
ترجمة: يوسف حجازي

موسكو ولعبة الهاوية بقلم جان دبغي

ديسمبر 26, 2015 اضف تعليق

تهيمن حاليا نظرة تحليلية مؤامرتية على مخابراتية حول  الوضع السوري، الدائم التغير والمتجدد. قد يلعب دورا في ذلك عدم وضوح في استراتيجية روسيا. كما يعزز ذلك  المركزية المطلقة للقرار في يد بوتين صاحب القرار النهائي، كما هو واضح لغالبية متابعي الوضعي الروسي. يقول التحليل المهيمن ان هناك اكثر من تقاطع بين مصالح اسرائيل وروسيا في سوريا، بل قد يوجد نوع من التحالف غير المعلن تجاه ما يجب ان يستقر عليه الوضع السوري . مثل هذه النظرة هي المعتمدة اليوم لتفسير كيفية استرشاد موسكو الى مقر اجتماع قيادات "جيش الاسلام " بحضور زعيم التنظيم، زهران علوش، الرجل الاكثر جدلا بين جميع اطراف المعارضة السورية، وهو الذي يمسك بقوته التنظيمية والعسكرية ريف دمشق، والغوطة بالتحديد، والمحسوب، من دون اي تفصيل، على المملكة العربية السعودية .

يقول التحليل ان موسكو استدلت الى اجتماع قادة "جيش الاسلام " عبر المخابرات الاسرائيلية، في اطار تبادل مصلحي، القنطار مقابل علوش! خارج السياق الزمني للحادثتين، ليس هناك اي دليل على صحة هذه المعادلة، التي لاشك، كما تجري العادة، انها تفي بالحاجة  لتفسير ما حصل. القنطار مقابل علوش؟ معادلة لا معنى لها اذا اخذنا في الاعتبار حجم الشخصيتين على الساحة السياسية والعسكرية، هذا اولا ، وثانيا، علوش بموقعه السياسي والعسكري وبقدراته في موقع جغرافي استراتيجي له اهمية خارج سياق العلاقة الاسرائيلية الروسية . علوش قائد لقوى عسكرية لها ثقلها  في موازين القوى بين المعارضة السورية والنظام . تزداد اهميته حاليا في اجواء المفاوضات لايجاد حل سياسي للازمة السورية، وتتعزز كونه محسوب على السعودية .

لا شك ان اغتيال علوش من قبل موسكو مبني على معلومات دقيقة ، نتيجة اختراقات امنية، كانت متوقعة منه بسبب كثرة العداءات. هذه الشخصية جمعت الكثير من التناقضات التي غالبا ما انهكت المعارضة واقطابها . شخصية معروفة في محيطها المباشر في مدينة دوما ، ابن للشيخ عبدالله علوش، احد اوجه السلفية في الغوطة الشرقية . هكذا ترعع زهران في بيت متدين سلفي ، وهكذا ورث عن ابيه موقعه بعد دراسة الشريعة في دمشق والمملكة العربية السعودية . نشاطه الدعوي السياسي ادى به الى سجن صيدنايا المشهور وتم اطلاق سراحه في بدايات الانتفاضة السورية . من الارجح ان تاريخه وسجنه وسراحه المفاجىء من السجن نسجوا في مخيلة الكثيرين روايات حول تقاطعه، كباقي الشخصيات الراديكالية الاسلامية ، مع النظام. روايات تناقلتها قيادات المعارضة في الداخل والخارج ، لا سيما من قبل  قدامى الحزب الشيوعي واصحاب التوجه الناصري والقومي ، فقط لتبرير مقولة ان الاسلاميين الرادكاليين هم من انتاج النظام بالمعنى المخابراتي .
اذا كان علوش موضع جدل فإنه فرض نفسه زعيما، الاقوى، في الغوطة الشرقية ، منطقة استقطاب حزبي قبل عام ٢٠١١ ، وبعده ، حيث قاد بقدرة تكتيكية عالية، اهم فصيل عسكري في المنطقة وخارجها ، والاكثر تنظيما وعتادا ومالا . لقد بات لوزنه العسكري  ثقلا سياسيا يؤخذ في الاعتبار ، يتزامن مع الاقتناع العام بأن اية تسوية  سياسية  لا يمكن ان تمر من دون المحاربين وتنظيماتهم. ضعف وزن المعارضة السياسية في الخارج والداخل عزز من مكانة علوش، المدعوم بقوة من السعودية التي امسكت بملف المعارضة السورية منذ بداية الاحتلال الروسي لسوريا .
في هذاالسياق، يأخذ اغتيال علوش معناه، انها ضربة من قبل بوتين  لتصاعد الدور السعودي في سوريا وتقاطعه مع الدور التركي، بل تجاه التنسيق بين الرياض وانقرة منذ نيسان الماضي ، كما دلت على ذلك الزيارة المفاجئة لعلوش الى اسطنبول للقاء مع قيادة فصائل اخرى، منها ما هو محسوب على الاخوان وممول من قطر ومدعوم تدريبا وسلاحا من الحكومة التركية . بعدها ذهب علوش الى الرياض وانتقل عبر الاردن الى الغوطة ، وقيل حينها اننا امام مرحلة جديدة للتحضير ،" اذا لزم الامر "، الى خوض معركة دمشق .
هكذا فهمت موسكو تصريحات وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، الذي صرح اكثر من مرة موجها كلامه مباشرة الى الروس، " اما ان يخرج الاسد من السلطة سلميا او بقوة السلاح " . ان انعقاد مؤتمر الرياض للمعارضة السورية ( من الداخل والخارج مع حضور مميز للفصائل  المسلحة وشخصيات تمثل فئات مهنية واجتماعية ) وتشكيل الوفد المفاوض، اغضب بوتين الذي لم يتمكن من فرض معارضته ولم يستطيع تأخير المؤتمر لحين انتهاء الاردن من وضع لائحة باسم المنظمات المحسوبة على الارهاب . بل ان وزارة الدفاع الروسية استبقت المؤتمر بالقول ان الاردن سلم موسكو لائحة ب ١٦٠ منظمة وفصيل ارهابي ! محاولة لا يمكن الا ادراجها في اطار التشكيك في مؤتمر الرياض وبشرعيته .
الى اين ستصل المواجهة السعودية التركية من جهة والروسية الايرانية من جهة اخرى ؟ ان اغتيال علوش هو تحدي للسعودية واستفزاز في الوقت ذاته  لتركيا بعد اسقاط السوخوي . لكن قد يكون هذا الاغتيال ،  في سياق التفاهمات التي حصلت لاخراج النصرة وداعش من احياء ومناطق متاخمة لدمشق ، جزء من مخطط لاستدراج معركة دمشق وفرض تسوية طالما تمنتها موسكو من فترة طويلة . الكرملين ليس في وارد حل سياسي على قاعدة  "جنيف ١". هذا ما فهمته باريس التي فرض عليها قبول القرار الاخير في مجلس الامن، الذي اعتبرته هدية من واشنطن لموسكو من دون اي مبرر غير رغبة اوباما في تسريع الحل السياسي كما حصل تجاه الملف النووي مع ايران .
لقد دخل الملف السوري مرحلة خطرة ، برغبة من موسكو وتخطيط، لفرض حل تحت ضغط السلاح ، خارج اطار جنيف ١، انها لعبة دقيقة تعتمد على مدى صلابة العلاقات التركية السعودية، ومدى قدرتهما على فرض وقائع على الارض لحمل واشنطن على التحرك في الاتجاه الصحيح .

*باحث سياسي
 

كتاب "السلطة السوداء" حول نشأة "داعش"

ديسمبر 25, 2015 اضف تعليق

من كتائب البعث العراقية إلى تنظيم الدولة الإسلامية

لا يعود تأسيس تنظيم الدولة الإسلامية إلى فقهاء وعلماء مسلمين، بل يعود إلى جنرالات وضباط استخبارات علمانيين في حزب البعث العراقي، وبات المجتمع الدولي يعتبر هذا التنظيم أخطر ميليشيات العالم إرهابا، فضلا عن سيطرته على منطقة تمتد من شمال شرق سوريا حتى غرب العراق تضم معظم حقول النفط والغاز السورية. مراسل مجلة دير شبيغل الألمانية البارزة كريستوف رويتر يصف في كتابه الجديد "السلطة السوداء" خلفيات وأسباب صعود تنظيم الدولة الإسلامية. الصحفي الألماني إيغال أفيدان تحدث معه حول ذلك في الحوار التالي لموقع قنطرة.
لا يعود تأسيس تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى فقهاء وعلماء مسلمين، بل يعود بالذَّات إلى الجنرالات وضبَّاط الاستخبارات العلمانيين في حزب البعث العراقي - وبمساعدة غير مباشرة من قبل الجيش الأمريكي. فكيف حدث ذلك؟
كريستوف رويتر: يجب علينا من أجل فهم ذلك أن نرجع إلى عام 2003، عندما قامت القوَّات الأمريكية بغزو العراق وأقدم رئيس الإدارة الأمريكية السابق في العراق بول بريمر على حلِّ الجيش العراقي برمَّته وأجزاء أخرى من الدولة العراقية بموجب مرسومين وبجرّة قلم واحدة. 
وحينها تمت تصفية العديد من ضبَّاط الجيش العراقي، ولذلك فقد كان لديهم شعور بأنَّهم قد تعرَّضوا لمعاملة غير عادلة. لم يكن هؤلاء الضبَّاط بالضرورة أتباعًا مخلصين لصدام. وبعد ذلك انتقلوا إلى مقاومة قوَّات الولايات المتَّحدة الأمريكية، وذلك من خلال تأسيسهم ما يعرف باسم "كتائب البعث"، وهي مَنْ مهَّدت الطريق لتنظم "الدولة الإسلامية".
لقد تمت تسمية هذه الكتائب بحسب اسم حزب "البعث العربي الاشتراكي"، الذي تم تأسيسه في عام 1947 وقد ربط كلاً من الوحدة العربية القومية والعلمانية مع الاشتراكية العربية…
كريستوف رويتر: لقد أدرك بسرعة مؤسِّسو تنظيم "الدولة الإسلامية" أنَّ دعوتهم إلى "إعادة حزب البعث" لم يكن لها أي تأثير في جذب الجماهير. ولكن عندما قالوا: "نحن سوف نُعيد الإسلام ونجاهد وننشئ دولة إسلامية" - أدركوا أنَّ لذلك تأثيرًا كبيرًا في جذب الناس من جميع أنحاء العالم. وهؤلاء الناس كانوا على استعداد للموت، وهذه ميِّزة كبيرة بالنسبة لأية قوة مسلحة. 
علاوة على ذلك فإنَّ بإمكانهم من خلال استخدام الاسم "الدولة الإسلامية" أن يقولوا لأعدائهم، عندما يحقِّقون حجمًا معيَّنًا من القوة: نحن "الدولة الإسلامية" وكلُّ مَنْ هو ضدَّنا يعتبر كافرًا. وهذا يمنحهم شرعية لم يكن يتمتَّع بها حزب البعث قطّ ولن يتمكَّن من الحصول عليها أبدًا. وذلك لأنَّهم سيستندون هكذا إلى تاريخ عمره ألفٌ وأربعمائة عام وليس ستين عامًا فقط.

غلاف كتاب "السلطة السوداء - تنظيم الدولة الإسلامية واستراتيجيو الإرهاب". DVA/Spiegel Buchverlag
نظرات غير متوقعة إلى تطوُّر ميليشيا تنظيم "الدولة الإسلامية" الإرهابي ومخططاته الاستراتيجية - كتاب مراسل مجلة دير شبيغل الألمانية كريستوف رويتر: "السلطة السوداء - تنظيم الدولة الإسلامية واستراتيجيو الإرهاب".
وهؤلاء رجال المخابرات ومسؤولو حزب البعث وقادة الوحدات الخاصة القدماء جعلوا الصعود السري في "تنظيم القاعدة في العراق" وبعد ذلك في تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق" أمرًا ممكنًا. وفي عام 2010 تولوا بدورهم القيادة بعدما تمكَّن الأمريكيون تقريبًا من قتل جميع القادة الإسلامويين أو القبض عليهم. وقد نصَّبوا أبا بكر البغدادي قائدًا لهم، وذلك لأنَّه الشخص الوحيد المؤهل كخطيب وداعية إسلامي داخل قيادة تنظيم "الدولة الإسلامية".
لقد كان استياء السُّنة العراقيين، الذين كانوا في عهد صدام حسين يسيطرون على العراق، كبيرًا جدًا عندما تم استبعادهم عن جميع مراكز السلطة من قبل الحكومة الشيعية الجديدة برئاسة نوري المالكي ابتداءً من شهر نيسان/أبريل 2006. وهذا دفعهم في شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر 2006 إلى تأسيس "الدولة الإسلامية في العراق". ولكن لماذا انتقل هؤلاء العراقيون إلى شمال سوريا بالذات، من أجل تأسيس "الدولة الإسلامية" هناك؟
كريستوف رويتر: يُعتبر ذهابهم في عام 2012 إلى سوريا مناورة ذكية. فقد تمكَّنوا على هذا النحو من النمو ومن جعل جميع الجماعات الأخرى تُلاحظ أنَّهم يمثِّلون القوة الرائدة. وكان هذا بالنسبة لهم مفيدًا للغاية في استغلالهم الوضع الفوضوي السائد في شمال سوريا وتجربتهم هناك المخطط القديم والمعدَّل قليلاً والهادف إلى الإخضاع والاستيلاء على السلطة. 
لقد أسَّسوا خلايا من الواعظين ومكاتب الدعوة، حيث كانوا يجنِّدون الجواسيس ويدرِّبونهم. وكانت مهمة هؤلاء الجواسيس تتمثَّل في الاطلاع على كلِّ شيء ومعرفته - وكان يجب عليهم على سبيل المثال جمع معلومات حول العائلات القوية في المنطقة وحول توجُّهات الإمام الدينية، ومَنْ يقوم بنشاطات إجرامية ومَنْ توجد لديه علاقة عاطفية أو مَنْ يمارس اللواط والمثلية الجنسية، وذلك بغية التمكُّن من ابتزازهم بذلك. 
وإلى جانب ذلك كانوا يوزِّعون في الاحتفالات والفعاليات الدعائية المصاحف المجانية وينظمون في شهر رمضان وجبات الإفطار الجماعية وموائد الرحمن. وفي وقت لاحق بات يتم كسب (ود) بعض الأعداء من خلال المال والمناصب أو كان يتم خلسة اختطافهم واغتيالهم.
لماذا كان يتم تعيين الأجانب كقادة وآمرين محليين؟
كريستوف رويتر: لقد كان ذلك أيضًا مخططًا مدروسًا بعناية، لأنَّ العراقيين كانوا يعرفون بطبيعة الحال المشاركين في تأسيس تنظيم "الدولة الإسلامية". ولم يكن المعنيون يريدون الاعتماد على السوريين، لأنَّهم كانوا مضطرين على الأرجح إلى الإيفاء بالتزامات محلية. 
ولكن في المقابل كان بوسع مؤسِّسي تنظيم "الدولة الإسلامية" أن يعتمدوا اعتمادًا تامًا على الشباب الأجانب، وخاصة على الجهاديين المدرَّبين تدريبًا عسكريًا القادمين من تونس ومصر وتركيا والشيشان وكذلك من أوروبا. وهؤلاء الجهاديون بدؤوا يتوافدون منذ منتصف عام 2012 إلى شمال سوريا وكانوا على استعداد للموت. وكان بإمكان المرء السيطرة بشكل جيد على هذا الجيش الهجين. وفقط منذ شهر أيَّار/مايو 2013 بدأ يدور الحديث حول "الدولة الإسلامية".
من المعروف أنَّ معظم ضحايا تنظيم "الدولة الإسلامية" كانوا حتى الآن من السُّنة، ولكن مع ذلك فإنَّ هذه الميليشيا الإرهابية تُقدِّم نفسها باعتبارها راعية للسُّنة. فإلى أي مدى استغل استراتيجيو تنظيم "الدولة الإسلامية" من أجل أهدافهم السياسية العداوة التاريخية القائمة بين السُّنة والشيعة، الذين يقاتلون منذ ألف وأربعمائة عام من أجل الخليفة الحقيقي للنبي محمد؟ 
كريستوف رويتر: يُعدُّ تقديم تنظيم "الدولة الإسلامية" نفسه كمنقذ للسُّنة من الشيعة جزءًا من مخطط دعائي معقَّد جدًا لدى هذا التنظيم. غير أنَّ تنظيم "الدولة الإسلامية" لا يزال يتمسَّك حتى اليوم من أجل تمكُّنه من الصعود العسكري في سوريا بالتحالف التكتيكي القديم مع نظام الأسد، الذي يتكوَّن من العلويين، وهم أتباع فرقة صغيرة منشقة عن الشيعة. وبدورها ساعدت أجهزة الاستخبارات السورية في تهريب الجهاديين من العراق، من أجل صدّ الأمريكيين وكذلك من أجل دعم النظام في دمشق. 
وعندما حاولت في عام 2014 جماعات المتمرِّدين السوريين المتَّحدة إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سوريا، قصفت القوَّات الجوية السورية التابعة للنظام هؤلاء المتمرِّدين فقط. أمَّا تنظيم الدولة الإسلامية فلم يتم قصفه، وذلك لأنَّه - بصفته رمزًا للإرهاب - يعتبر بمثابة هدية من الله بالنسبة لنظام الأسد: الذي يزعم أنَّه لولاه لكان الجهاديون قد فرضوا سيطرتهم منذ فترة طويلة على دمشق.

الدولة الإسلامية "داعش" في الموصل. Foto: picture-alliance/AP
تقدُّم غير مكبوح - "بعد استيلائه على مدينة الموصل العراقية المليونية وسيطرته على العديد من مستودعات السلاح، شعر تنظيم ’الدولة الإسلامية‘ بأنَّه أصبح قويًا جدًا بحيث أنَّه بدأ الآن يقاتل ضدَّ الجيش السوري"، مثلما يقول الصحفي الألماني كريستوف رويتر.
يموِّل تنظيم "الدولة الإسلامية" نفسه قبل كلِّ شيء من عائدات تجارة النفط في المنطقة التي تسيطر عليها هذه الميليشيا الإرهابية في شمال العراق؟
كريستوف رويتر: تنظيم "الدولة الإسلامية" يبيع النفط لجميع المهتمين، وفي المقام الأوَّل يبيعه للنظام السوري، وذلك بسبب وجود المصافي لدى نظام الأسد. وبعد استيلائه على مدينة الموصل العراقية المليونية وسيطرته على العديد من مستودعات السلاح، شعر تنظيم "الدولة الإسلامية" بأنَّه أصبح قويًا جدًا بحيث أنَّه بدأ الآن يقاتل ضدَّ الجيش السوري.
لقد زرت سوريا بصفتك صحفيًا سبع عشرة زيارة. فإلى أي مدى عرَّضت نفسك للخطر من أجل القيام بهذه التحرِّيات والأبحاث؟
كريستوف رويتر: لقد كان الوضع يتغيَّر في بعض الأحيان بعد عدة أسابيع. وفي الفترة بين شهري نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر 2013 لم يكن تنظيم الدولة الإسلامية أيضًا يقوم باختطاف الأجانب بشكل ممنهج. وفي هذه الفترة أيضًا التقينا بمقاتليهم وبقادتهم المحليين. ولكن كان من الملاحظ أنَّ الناس كانوا خائفين وأنَّ البعض يختفون. وفي هذه الفترة كان يجب علينا أن نتحرَّك بحذر أكبر. وابتداءً من خريف عام 2013 بدأ تنظيم الدولة الإسلامية يختطف جميع الأجانب الموجودين في منطقته، وقد تم اختطاف العديد من الزملاء. ومنذ ذلك الحين لم نعد نسافر إلى شمال سوريا. 
وفقط منذ بداية عام 2014 أصبح بإمكاننا العودة من جديد إلى بعض المناطق الواقعة في شمال سوريا، بعدما تم إخراج تنظيم الدولة الإسلامية منها. وفي كلِّ قرية كنا نحافظ على اتِّصالات طويلة الأمد، لكي نتعرَّف هناك على الناس بشكل أفضل ونتمكَّن من تقييمهم ولنعرف ما إذا كان بوسعنا الاعتماد عليهم. وكان يجب علينا أن نكون متأكِّدين بقدر المستطاع من أنَّهم لن يُقدِّمونا ليتم ذبحنا بالسكين أو لن يبيعونا.
في الأسابيع الأخيرة تمكَّن تنظيم "الدولة الإسلامية" وبعكس جميع التوقُّعات من الاستيلاء على مدينة الرمادي في العراق ومدينة تدمر في سوريا. فهل سيقف هذا المدّ ضمن حدود المشرق؟
كريستوف رويتر: يعود الفضل في الصعود الكبير الذي حقَّقه تنظيم الدولة الإسلامية إلى عمل مشترك أنجزه المخططون ذوي الأعصاب الباردة والرزينون، الذين يهتمون بالاستيلاء على المناطق المحلية، بدلاً من تنفيذ هجمات في الخارج. لقد تقلصت بسبب الغارات الجوية نسبة ضبَّاط المخابرات المحنكين كما أنَّ تعويضهم ليس بتلك السهولة. 
وعندما يصدِّق في يوم ما الكوادر القياديون الجدد رسائلهم - التي تحمل مضمون "نحن مختارون من الله، ويجب علينا أن نقاتل في كلِّ مكان في الوقت نفسه، ويجب علينا أن نقوم بتنفيذ هجمات في الخارج" - فمن المحتمل كثيرًا أنَّهم سوف يلاقون عندئذٍ نفس مصير الحركات الجهادية الأخرى، التي قضت في نهاية المطاف على نفسها بنفسها. 
أو من المحتمل أنَّهم سوف يخلقون لأنفسهم في الوقت نفسه الكثير من الأعداء، بحيث أنَّهم سوف يُهْزَمون. وهذا الانتصار عليهم لن يكون ممكنًا إلاَّ عندما يتمكَّن مواطنو العراق السُّنة - الذين استولى الجهاديون على مناطقهم في أغلب الأحيان من دون أية مقاومة - من العيش كمواطنين متساوين في الحقوق.
 
 
حاوره: إيغال أفيدان
 
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2015 ar.qantara.de
 
كتاب كريستوف رويتر: "السلطة السوداء - تنظيم الدولة الإسلامية واستراتيجيو الإرهاب"، صدر عن دار نشر دويتشه فرلاغ أنشتالت DVA، ميونيخ 2015، في 352 صفحة. تحت رقم الإيداع:
ISBN: 978-3-421-04694-9

سفيتلانا ألكسيفيتش... عن الهزيمة في المعركة

ديسمبر 22, 2015 اضف تعليق

لست واقفة إلى هذه المنصة وحدي … معي أصوات، مئات الأصوات. وهي معي دائما، منذ الطفولة. لقد نشأت في الريف، وفي طفولتنا، كنا نحب أن نلعب في الهواء الطلق، ولكن الليل ما كان يحل إلا وتجذبنا أصوات القرويات المتعبات في جلوسهن على الأرائك قرب أكواخهن جذب المغنطيس. لم يكن لهن أزواج، أو آباء، أو أخوة. لا أتذكر رجالا في قريتنا بعد الحرب العالمية الثانية: فقد مات في تلك الحرب واحد من كل أربعة من أبناء روسيا البيضاء، إما في قتال على الجبهة أو في قتال مع الثوار. وبعد الحرب، صار الصغار يعيشون في عالم النساء. وأكثر ما أتذكره أن النساء كن يتكلمن عن الحب لا عن الموت. يحكين قصصا عن وداعهن للرجال الذين أحببنهم قبل ليلة من الخروج إلى الحرب، يتكلمن عن انتظارهم، ويقلن إنهن لا يزلن منتظرات. ومضت سنوات وبقين منتظرات: “لا يعنيني لو كان فقد ذراعيه وساقيه، أنا سوف أحمله”. بلا ذراعين ولا ساقين … أعتقد أني أعرف الحب منذ الطفولة …
إليكم بضعة أصوات من الجوقة التي أسمعها…

الصوت الأول:
“لماذا تريدين أن تعرفي كل هذا؟ وهو محزن للغاية. أنا قابلت زوجي في الحرب. كنت في فرقة دبابات قطعت كل ذلك الطريق إلى برلين. أتذكر أننا كنا واقفين على مقربة من رايخشتاج ـ ولم يكن قد صار زوجي بعد ـ وهو يقول لي “تعالي نتزوج. أنا أحبك”. غضبت للغاية ـ كنا نعيش في الوحل والتراب والدم طوال الحرب كلها، ولا يبلغ آذاننا غير الفواحش. قلت: عليك أولا أن تخلق مني امرأة: أهدني زهورا، واهمس في أذني بالهراء العذب. وبعد تسريحي من الخدمة، سوف أحيك لنفسي فستانا”. غضبت لدرجة أني وددت أن أضربه. وشعر بذلك كله. كان أحد خديه محروقا تماما، ومليئا بالندوب، وعبر أخاديد تلك الندوب رأيت دموعا تسيل. قلت “حاضر، سأتزوجك”. بهذه البساطة … لم أصدق أنني قلت ذلك … ولم يكن يحيط بنا من كل اتجاه غير الرماد والحطام، أو هي الحرب في كلمة واحدة.

الصوت الثاني:
“كنا نعيش على مقربة من محطة تشيرنوبل النووية. كنت أعمل في مخبز، أخبز الفطائر. وكان زوجي إطفائيا. كنا حديثي الزواج. لا نزال نسير في الشوارع متشابكي الأيدي، حتى لو كنا في الطريق إلى المتجر لا أكثر. ويوم انفجر المفاعل، كان زوجي في الخدمة في مركز الإطفاء. ذهبوا على الحال التي كانوا عليها، في قمصانهم، في ثيابهم العادية، كان انفجار قد وقع في المحطة النووية، ولم يعطهم أحد ثيابا خاصة. وكذلك بالضبط كانت حياتنا … كما تعرفين … ظلوا يعملون طول الليل في إخماد الحريق، ويتلقون جرعات من الإشعاع لا تصح معها الحياة. وفي الصباح التالي نقلتهم الطائرات جميعا إلى موسكو. مرض إشعاعي حاد … لا يعيش بعده أحد إلا لأسابيع قليلة … زوجي كان قويا، رياضيا، فكان آخر من مات. حينما ذهبت إلى موسكو، أخبروني أنه في غرفة عزل خاصة ليس مسموحا لأحد بدخولها. توسلت إليهم قائلة “ولكنني أحبه” فقالوا إن “جنودا يعتنون بهم. إلى أين تظنين نفسك ذاهبة؟” قلت “أحبه” فقالوا “لم يعد هذا هو الرجل الذي تحبينه، هو الآن مادة مشعة تستوجب العزل.فاهمة؟” ظللت أقول لنفسي وأكرر بلا توقف: بل أحبه … بل أحبه … وفي الليل، كنت أتسلل عبر مخرج الحريق لكي أراه، أو أرشو حرس الليل … دفعت لهم فأدخلوني إليه … لم أتخل عنه، ظللت معه حتى النهاية. وبعد وفاته بشهور قليلة أنجبت بنتا لكنها لم تعش غير أيام قليلة. كانت … كنا نشعر تجاهها بكثير من الإثارة، وأنا قتلتها … هي أنقذتني، امتصت عني كل الإشعاع. كانت صغيرة للغاية … بالغة الضآلة. ولكنني أحببتها مثلما أحببته. هل يمكن أن يقتل أحد فعلا بالحب؟ لماذا الحب والموت قريبان بهذه الطريقة؟ دائما يأتيان معا. من يشرح لي هذا؟ وعند القبر أجثو على ركبتي …”.

الصوت الثالث:
“المرة الأولى التي قتلت فيها ألمانيا … كان عمري عشر سنوات، وكان رجال المقاومة يكلفونني بعمليات بالفعل. كان ذلك الألماني مطروحا على الأرض، جريحا … وقيل لي أن آخذ مسدسه. جريت إليه، وكان يتشبث في المسدس بكلتا يديه موجها إياه صوب وجهي. لكنه لم يستطع أن يطلق الرصاص أولا، واستطعت أنا …
لم يخفني أن أقتل شخصا… ولم أفكر فيه مطلقا طوال الحرب. كثيرون تعرضوا للقتل، كنا نعيش وسط الموتى. اندهشت حينما حلمت فجأة بذلك الألماني بعد سنوات كثيرة. جاءني من العدم … وظل الحلم نفسه يراودني مرة بعد مرة … أكون طائرا، وإذا به يفلتني. أرتفع … أطير وأطير … ويمسك بي، وأسقط معه. أسقط في حفرة ما. أو أريد أن أقوم … أقف … لكنه لا يسمح لي … بسببه لا يمكنني أن أفر طائرا …
حلم واحد … يستولي عليّ لعقود من الزمن …
لم أستطع أن أحكي الحلم لابني. كان صغيرا، ولم أستطع. كنت أقرأ له الحواديت. وكبر الآن، لكنني لا زلت لا أستطيع …”.
فلوبير كان يقول عن نفسه إنه قلم إنساني، وأنا أقول إنني أذن إنسانية. حينما أسير في شارع فأسمع كلمات وعبارات وشذرات، أقول لنفسي، كم من روايات تختفي فلا تخلف وراءها أثرا. تختفي في العتمة. لا نستطيع أن نقتنص للأدب الجانب الحواري من الحياة البشرية. لا نقدِّره حق تقديره، لا نبتهج به أو نندهش منه. لكنه يفتنني، ويتخذني أسيرة له. أحب كلام الناس للناس… أحب الصوت البشري الوحيد. هو حبى الأعظم وشغفي الكبير.
كان الطريق إلى هذه المنصة طويلا، بطول قرابة أربعين عاما، تنقلت فيها من شخص إلى شخص، ومن صوت إلى صوت. ولا يمكنني القول إنني كنت طول الوقت مهيأة لاتباع ذلك الطريق. ففي مراة كثيرة ارتعت وصدمت أما البشر. عرفت الأفراح والأتراح. وفي بعض الأحيان كنت أشتهي أن أنسى ما سمعته، وأرجع إلى زمن كنت أجهل فيه كل ذلك. ولكنني، غير مرة، رأيت في البشر جلالا وددت أمامه لو أبكي.
لقد عشت في بلد علمونا فيه الاحتضار منذ الطفولة. كانوا يعلموننا الموت. كان يقال لنا إن البشر موجودون ليقدِّموا كلَّ ما لديهم، ليحترقوا، ليضحّوا بأنفسهم. كانوا يعلموننا أن نحب البشر حاملي السلاح. ولو كنت ولدت في بلد مختلف، لما استطعت أن أقطع هذا الطريق. الشر قاس، ولا بد للمرء من لقاح ضده. ونحن نشأنا وسط القتلة والضحايا. حتى آباؤنا عاشوا في خوف فلم يحكوا لنا الحكاية كلها، وفي كثير من الحالات كانوا لا يحكون أي شيء، كان هواء حياتنا نفسه مسموما. كانت للشر أعين لا يرفعها عنا.
لقد كتبت خمسة عشر كتابا، لكنني أشعر أنها جميعا كتاب واحد. كتاب عن تاريخ يوتوبيا …
مرةّ كتب فارلام شالاموف: “كنت مشاركا في المعركة الهائلة، المعركة التي انتهت بهزيمة، معركة إحياء الإنسانية”. أنا التي أعيد بناء تاريخ تلك المعركة، بانتصاراتها وهزائمها. تاريخ رغبة الناس في إقامة مملكة السماء هنا على الأرض. الفردوس! مدينة الشمس! وفي النهاية كل ما تبقى لم يعد بحرا من الدم، ملايين من حطام الحيوات البشرية. ومع ذلك فقد مرّ علينا حين من الدهر لم تكن فيه فكرة سياسية في القرن العشرين تضاهي الشيوعية (أو ثورة أكتوبر كرمز لها)، حين من الدعر لم يجتذب فيه المثقفين في الغرب والناس في شتى أرجاء العالم شيء أقوى تأثيرا أو حماسا من الشيوعية. لقد أطلق ريموند  آرون على الثورة الروسية اسم “أفيون المثقفين”. ولكن فكرة الشيوعية تبلغ من العمر ألفي سنة على الأقل. يمكننا أن نصادفها في تعاليم أفلاطون حول الدولة المثالية القويمة، وفي أحلام أرسطوفانيس بالزمن الذي “يمتلك فيه الجميع كل شيء” … وعند توماس مور وتوماسو كمبانيلا … وبعد ذلك عن سان سيمون وفورييه وروبرت أوين. وفي الروح الروسية ما يكررها على محاولة تحقيق هذه الأحلام إلى واقع.
قبل عشرين عاما، ودّعنا امبراطورية الاتحاد السوفييتي الحمراء، ودّعناها باللعنات والدمعات. ولنا الآن أن ننظر إلى الماضي بمزيد من الهدوء، بوصفه تجربة تاريخية. وهذا مهم، لأن حجج الاشتراكية لم تتبدد. وثمة جيل جديد نشأ على صورة أخرى للعالم، لكن الكثيرون من الشباب يقرأون ماركس ولينين من جديد. وفي بلدات روسيا متاحف جديدة لستالين، وتماثيل تذكارية تقام له.
“الامبراطورية الحمراء” راحت، لكن “الإنسان الأحمر” أو الهومو سوفييتيكوس لا يزال باقيا. لا يزال موجودا.
مات أبي قريبا. كان يؤمن بالشيوعية حتى النهاية. احتفظ ببطاقة عضويته للحزب. لا أستطيع أن أنطق كلمة الـ “سوفوك”  التي تقال إهانة للذهنية السوفييتية، إذ سيكون لزاما عليّ أن أصف بها أبي وآخرين من المقربين إليّ من أصدقائي. كلهم آتون من مكان واحد: الاشتراكية. بينهم الكثير من المثاليين. الرومنتيكيين. يقال عنهم اليوم في بعض الأحيان الرومنتيكيون العبيد. عبيد اليوتوبيا. أومن أنهم جميعا كانوا ليعيشوا حيوات مختلفة، لكنهم عاشوا حيوات سوفييتية. لماذا؟ لوقت طويل بحثت عن إجابة السؤال، سافرت في شتى أرجاء البلد الشاسع الذي كان يعرف ذات يوم بالاتحاد السوفييتي، وسجّلت آلاف الأشرطة. كانت الاشتراكية، وكانت ببساطة هي حياتنا. مضيت أجمع تاريح الاشتراكية “المنزلية”، اشتراكية “الغرف المغقلة”، قطعة بعد قطعة. تاريخ كيفية تلاعبها بالروح البشرية. أنا منجذبة إلى ذلك الحيز الصغير المعروف بالكائن البشري … الفرد المفرد. ففي هذا الحيز، في واقع، يحدث كل شيء.
بعد الحرب مباشرة، كتب تيودور أدورنو يقول مصدوما “إن كتابة الشعر بعد أوشفتز بربرية”. بينما شعر أستاذي أليس آداموفيتش ـ الذي أذكر اسمه اليوم امتنانا له وشكرا ـ بأن كتابة النثر بعد كوابيس القرن العشرين تجديف. لا ينبغي ابتكار شيء. عليك أن تقدمي الحقيقة مثلما هي. المطلوب الآن “أدب سوبر”. على الشهود أن يقولوا. وتخطر لي الآن كلمات نيتشه: ما من فنان يمكن أن يرقى للواقع. ليس بوسع فنان أن يرفعه.
طالما كان يزعجني أن الحقيقة ليست في قلب واحد، أو عقل واحد، أن الحقيقة بطريقة ما متشظية.هناك الكثير منها، فهي متنوعة، ومنثورة في العالم. كان دوستويفسكي يعتقد أن الإنسانية تعرف عن نفسها أكثر بكثير مما سجّلته في الأدب. فماذا يكون إذن ما أفعله؟ إنني أجمع اليومي من المشاعر والأفكار والكلمات من الحياة اليومية. أجمع حياة زماني. أنا مهتمة بتاريخ الروح. حياة الروح اليومية، بالأشياء التي عادة تحذفها صورة التاريخ الكبيرة، أو تزدريها. أعمل مع التاريخ الضائع. وغالبا ما يقال لي، وحتى هذه اللحظة، إن ما أكتبه ليس أدبا، بل وثيقة. ما الأدب اليوم؟ من بوسعه أن يجيب هذا السؤال؟ إننا نعيش أسرع من ذي قبل. المضمون يمزق أوصال الشكل. يكسره ويغيّره. كل شيء يفيض عن ضفتيه: الموسيقى، والرسم، بل والكلمات في الوثائق تتملص من حدود الوثائق. ما من حدود بين المعلومة والفبركة، فإحداهما تفيض في الأخرى. فالشهود ليسوا محايدين. والبشر في حكايتهم لقصة يبتكرون، يصارعون الزمن مصارعة النحات للحجر. هم ممثلون ومؤلفون.
أنا مهتمة بالبسطاء. بل العظماء البسطاء، لأن المعاناة توسّع البشر. هؤلاء الناس يحكون في كتبي تواريخهم البسيطة، وفي ثنايا ذلك يحكى التاريخ الكبير. ليس لدينا الوقت لنفسهم ما جرى لنا ولا يزال يجري، علينا فقط أن نقوله. علينا ابتداءً أن نوضح على أقل تقدير ما جرى. ونحن نخشى أن نفعل ذلك، لأننا غير مستعدين للقبول بماضينا. في “الشياطين” لدوستويفسكي يقول شاتوف لستافروجيم في بداية محادثتهما: “نحن كائنان التقيا في لانهائية مطلقة … للمرة الأخيرة في هذا العالم. فدعك من هذه النبرة، وتكلم كما يليق بإنسان. تكلم ولو مرة بصوت إنساني”.
وهكذا على وجه التحديد تبدأ محادثاتي مع أبطالي. والناس بالطبع يتكلمون من زمانهم، إذ ليس بوسعهم أن يتكلموا من الفراغ. ولكن من الصعب الوصول إلى الروح البشرية، فالطريق مليء بقمامة التليفزيون والصحافة، وخرافات القرن، وأهوائه وألاعيبه.
أود أن أقرأ صفحات قليلة من يومياتي لأبيّن كيف تغير الزمن … وماتت الفكرة … وكيف سرت على الدرب.
1980 ـ 1985
أكتب كتابا عن الحرب … لماذا عن الحرب؟ لأننا أهل حرب، دائما في حرب أو في طور الاستعداد لحرب. ومن يمعن النظر ير أننا جميعا نفكر بمنطق الحرب. في البيت، وفي الشارع. ومن هنا هوان الحياة البشرية في هذا البلد. كل شيء في حرب.
بدأت بالشكوك. كتاب آخر عن الحرب العالمية الثانية … ما الداعي؟
في إحدى الرحلات قابلت امرأة كانت تعمل في التمريض أثناء الحرب. حكت لي قصة: وهم يعبرون بحيرة لادوجا في الشتاء، لاحظ العدو حركة ما فبدأ في إطلاق النار عليهم. سقطت الخيول والناس تحت طبقة الثلج التي تكسو البحيرة. حدث كل ذلك بالليل. سحبت شخصا كانت تظنه مصابا وبدأت تسحبه إلى الساحل. حكت لي قائلة “جذبته، كان مبلولا وعاريا، ظننت أن ملابسه قد تمزقت”. وما كادت تصل إلى الشاطئ، حتى تبيّن لها أنها كانت تسجب سمكة عملاقة جريحة. فأطلقت سيلا من السباب الفاحش: الناس يعانون، لكن الحيوانات والطيور والسمك، ما الذي جنته؟ في رحلة أخرى استمعت لقصة طبيبة في سرب مشاة. في إحدى المعارك جذبت جنديا جريحا إلى المخبأ، ولم تلاحظ إلا هناك أنه ألماني. كانت ساقه مكسورة وينزف. كان عدوا. فما العمل؟ كان رجالها هي يموتون فوق المخبأّ! لكنها ضمدت الألماني وزحفت خارجة من المخبأ مرة أخرى، وعادت تسحب جنديا روسيا فاقد الوعي. فلما أفاق أراد أن يقتل الألماني، ولما أفاق الألماني تناول البندقية وأراد أن يقتل الروسي. “صفعت أحدهما. ثم الآخر. سياقننا كانت غارقة في الدم. والدم كله كان ممتزجا هناك”.
هذه حرب لم أسمع عنها شيء قط. حرب امرأة. لم تكن حرب أبطال. لم تطن حرب جماعة من الناس تقتل ببطولة جماعة أخرى من الناس. أتذكر رثاء متواترا بين النساء: “بعد المعركة، كنت تمشين في الميدان. ويكونون راقدين على ظهورهم … كلهم شباب، وفي غاية الوسامة. يرقدون هناك شاخصين إلى السماء. كنت تأسفين لهم جميعا، من كلا الجانبين”. كان هذا هو الموقف، موقف “الجميع، من الجانبين”، هو الذي منحني فكرة كتابي: الحرب لا تعدو القتل. هكذا هي في ذاكرات النساء. هذا شخص كان يبتسم قبل قليل أو يدخن، والآن راح. الاختفاء كان أكثر ما تتكلم عنه النساء، تلك السرعة التي يتحول بها كل شيء في الحرب إلى لا شيء. سواء في ذلك الكائن البشري والزمن البشري. صحيح أنهن تطوعن للجبهة في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، لكنهن لم يتطوعن راغبات في القتل. ومع ذلك كن مستعدات للموت. الموت في سبيل الوطن الأم. والموت في سبيل ستالين، تلك كلمات لا تستطيعون محوها من التاريخ.
بقي الكتاب سنتين دون أن ينشر، وما كان له أن ينشر قبل البريسترويكا وجورباتشف. أخذ الرقيب يلقنني الدرس “بعد قراءة كتابك هذا لن يقاتل أحد. حربك مريعة. لماذا ليس لديك أبطال؟” لم أكن أبحث عن أبطال. كنت أكتب التاريخ عبر قصص شهوده وصانعيه الذين لا يلاحظهم أحد. لم يسألهم أحد عن شيء. ما الذي يفكر الناس فيه؟ نحن لا نعرف في حقيقة الأمر رأي الناس في الأفكار العظيمة. بعد الحرب مباشرة، يحكي شخص ما قصة حرب ما، وبعد عقود، تصير حربا أخرى بطبيعة الحال. شيء ما سوف يتغيّر فيه وقد انطوى حياته كلها في ذكرياته. حياته بالكامل. كيف عاش خلال تلك السنوات، ما قرأ، ورأى، ومن قابل. ما يؤمن به. وأخيرا، ما إذا كان سعيدا أم لا. الوثائق كائنات حية، تتغير إذ نتغير.
أنا على قناعة تامة بأنه لن تكون في المستقبل شابات مثل بنات 1941. تلك كانت ذروة الفكرة “الحمراء”، فهي أعلى حتى من الثورة ولينين. انتصارهم طغى على الجولاج. إنني أحب أولئك النساء بشدة. ولكنكم لا تستطيعون أن تكلموهن عن ستالين، أو عن حقيقة أنه في أعقاب الحرب مباشرة، سيقت قطارات كاملة محملة ببعض أشجع المنتصرين وأبرزهم إلى سيبريا. والبقية عادوا إلى بيوتهم ولزموا الصمت. وسمعت مرة أن “الوقت الوحيد الذي شعرنا فيه بالحرية هو أثناء الحرب. على الجبهة”.  المعاناة رأسمالنا، موردنا الطبيعي. لا النفط ولا الغاز، بل المعاناة. هي الشيء الوحيد الذي نستطيع إنتاجه بلا توقف. وأنا دائمة البحث عن إجابة: لماذا لا تتحول معاناتنا إلى حرية؟ هل كل ذلك عبث فعلا؟ تشاداييف كان على حق: روسيا بلد بلا ذاكرة، فضاء من فقدان الذاكرة التام، وعي بكر للنقد والتأمل.
 ولكن كتبا عظيمة مكدسة تحت أقدامنا.
1989
أنا في كابول. لا أريد أن أكتب المزيد عن الحرب. لكن ها أنا في حرب حقيقية. تقول صحيفة برافدا: “إننا نساعد الشعب الأفغاني الشقيق على إقامة الاشتراكية”. المحاربون وأدوات الحرب في كل مكان. هو زمن الحرب.
لم يسمحوا لي بالذهاب إلى المعركة بالأمس. “ابقيْ في الفندق أيتها السيدة الشابة. وسوف نجيب طلبك لاحقا”. وها أنا الآن جالسة في الفندق، أفكر: ثمة شيء غير أخلاقي في التضييق على شجاعة الناس وتقليل المخاطر التي يقبلون بها. أنا هنا منذ أسبوعين ولا أستطيع أن أزعزع إحساسي بأن الحرب منتج ذو طبيعة ذكورية، وهذا أمر يستعصي على فهمي. ولكن اكسسوارات الحرب اليومية عظيمة الشأن. فقد اكتشفت بنفسي أن الأسلحة جميلة: الرشاشات، والألغام، والدبابات. وضع الإنسان كثيرا من هفكر للوصول إلى أفضل طريقة لقتل غيره من البشر. النزاع الأبدي بين الحقيقة والجمال. لقد عرضوا عليّ لغما إيطاليا فكان رد فعلي “الأنثوي” هو أن “هذا جميل”. لماذا هو جميل؟ شرحوا لي بدقة، وبمصطلحات عسكرية، أنه إذا وطأ أحد على اللغم بطريقة معينة، ومن زاوية محددة، فلن يتبقى منه شيء إلا ملء دلو من اللحم. الناس يتكلمون عن أشياء غير طبيعية هنا وكأنهم الطبيعيون، المسلَّم بهم. حسن، وكما لا يخفى عليكم، هذه هي الحرب … لا تصيب هذه الصور أحدا بالجنون ـ على سبيل المثال، هناك رجل مطروح على الأرض، وقد تعرض للقتل، لا بفعل عناصر الطبيعة، أو بيد القدر، بل بيد رجل مثله.
شاهدت حمولة “التيوليب السوداء” (الطائرة التي تنقل الموتى إلى الوطن في أكفان من الزنك). غالبا ما يُلبسون الموتى أزياء عسكرية قديمة من الأربعينيات، من ذوات السراويل الضيقة، وفي بعض الأحيان لم يكن يتوفر منها القدر الكافي. كان الجنود يثرثرون: “سلّموا مجموعة جديدة للثلاجات. تفوح برائحة لحم خنزير فسد”. سأكتب عن هذا. أخشى أنني لن أجد في بلدي من يصدقني. فصحفنا لا تتكلم إلا عن مسارات الصداقة التي يقيمها الجنود السوفييت.
أكلم الرجال. جاء كثير منهم متطوعين. طلبوا المجيء إلى هنا. ألاحظ أن أغلبهم ينتمون إلى عائلات مثقفة، من الإنتلجنسيا: فهم معلمون وأطباء وأمناء مكتبات، أي أنهم باختصار أهل كتب. كانوا مخلصين في حلمهم بمساعدة الشعب الأفغاني على إقامة الاشتراكية. وهم الآن يسخرون من أنفسهم. لقد أطلعوني على مكان في المطار تتألق فيه مئات الأكفان الزنكية ألقا غامضا في ضوء الشمس. لم يقو الضابط المرافق لي على تمالك نفسه: “من يدري … لعل كفني هناك … سيلقون بي إليه … ما الذي أحارب هنا من أجله؟” أفزعتني كلماته، غير أنه سرعان ما تدارك نفسه وقال “لا تدوني هذه الكلمات”.
بالليل أحلم بالموتى، وعلى وجوههم جميعا ترتسم نظرات الدهشة: ماذا، قصدك أنني قُتلت؟ فعلا قُتلت؟”.
ذهبت إلى مستشفى للمدنيين الأفغان بصحبة مجموعة من الممرضات، وقد اصطحبنا معنا هدايا للصغار. دمى، وحلوى، وبسكويت. كان معي نحو خمسة دمى لدببة. وصلنا إلى المستشفى، ثكنات ممتدة. ليس لأحدهم على سريره أكثر من بطانية واحدة. اقتربت مني شابة أفغانية، وعلى ذراعيها طفل. أرادت أن تقول شيئا، فعلى مدار السنوات العشر الماضية لا يوجد تقريبا من لم يتعلم قدرا من الروسية، وقدمت دمية للولد، فأمسك بها بين أسنانه. سألت بدهشة “لماذا بأسنانه؟”. جذبت بطانية كانت تلفّ بها جسمه الضئيل، فإذا الولد الصغير فاقد ذراعيه. “حدث هذا عندما بدأ روسيّوكم القصف”. وأدركني شخص ما قبل أن أقع.
رأيت صورايخنا، صواريخ جراد، تحول القرى إلى حقول محروثة. زرت مقبرة أفغانية يبلغ طولها قرابة طول قرية أفغانية. وفي موضع ما وسط المقبرة كانت عجوز أفغانية تصرخ. أتذكر عواء أمٍّ في قرية بالقرب من مينسك حينما أدخلوا كفنا زنكيا إلى بيتها. لم تكن صرخة إنسان أو حيوان … كانت تشبه الصرخة التي سمعتها في مقبرة كابول.
عليَّ أن أعترف أنني لم أتحرر مرة واحدة. لقد كنت مخلصة مع الذين التقيت بهم، وكانوا يولوني ثقتهم. كان لكل منا طريق إلى الحرية. لقد كنت في ما قبل أفغانستان أومن بالاشتراكية ذات الوجه الإنساني. ورجعت من أفغانستان وقد تحرَّرت من كل الأوهام. فلمَّا قابلت أبي قلت له “سامحني. لقد ربيتني على الإيمان بالمثل الشيوعية، ولكن رؤيتي أولئك الشباب، أولئك التلاميذ السوفييت الذين يشبهون تلاميذك أنت وماما (وكان والداي معلمين في مدارس ريفية)، وهم يقتلون بشرا لا يعرفونهم، في أرض أجنبية، كانت كافية لتحيل كلماتك إلى رماد. نحن قتلة يا بابا، هل تفهم؟” وبكى أبي.
رجع الكثيرون أحرارا من أفغانستان. ولكن هناك كذلك نماذج أخرى. هناك رفيق شاب في أفغانستان صاح في وجهي: “أنت امرأة، ما الذي تفهمينه في الحرب؟ تحسبين الناس يموتون في الحرب موتا جميلا،  كما في الروايات والأفلام؟ بالأمس مات صديقي، تلقّى رصاصة في رأسه، وظل يجري عشرة أمتار، محاولا اللحاق بمخه …”. بعد سبع سنوات، هذا الرفيق نفسه صار رجل أعمال ناجحا يروق له أن يحكي قصصا عن أفغانستان. اتصل بي يقول “ما نفع كتبك؟ إنها مخيفة”. كان شخصا مختلفا، لم يعد الشاب الذي قابلته وسط الموت، والذي لم يشأ أن يموت في العشرين …
أسأل نفسي ما الكتاب الذي أريد أن أكتبه عن الحرب. أريد أن أكتب كتابا عن شخص لا يطلق الرصاص، لا يستطيع أن يصوّب على بشري مثله، تشقيه فكرة الحرب في ذاتها. لكن أين هذا؟ أنا لم أره.

1990 ـ 1997
الأدب الروسي مثير للاهتمام لكونه الأدب الوحيد الذي يحكي قصة تجربة تجري في بلد ضخم. غالبا ما يطرح الناس سؤالا عليّ: لماذا تكتبين دائما عن التراجيديا؟ لأن هذه حياتنا. نحن الآن نعيش في بلاد مختلفة، لكن “الحُمر” في كل مكان. وراءهم نفس الحياة، ولهم نفس الذكريات.
قاومت الكتابة عن تشيرنوبل لوقت طويل. لم أكن أعرف كيف أكتب عنها، فأي أداة أستعمل، وكيف أتناول الموضوع. لم يكن العالم قد سمع أي شيء تقريبا عن بلدي الصغير، المحصور في ركن من أوربا، ثم بات في غمضة عين ملء السمع والبصر. تحولنا من شعب روسيا البيضاء إلى شعب تشيرنوبل، تحولنا إلى أول من رأوا المجهول. كان قد بات واضحا أن هناك، بجانب التحديات الشيوعية، والعرقية، والدينية المستجدة، تحديات أكثر عالمية وتوحشا لا تزال مخبأة لنا، ولو أنها في اللحظة الراهنة لا تزال خفية. غير أن بصيصا منها أطل علينا بعد تشيرنوبل…
أتذكر سائق تاكسي عجوز أطلقا سبابا يائسا عندما اصطدمت حمامة بزجاج سيارته: “كلَّ يوم، يتحطم طائران أو ثلاثة في السيارة. ولكن الصحافة تقول إن الوضع تحت السيطرة”.
يجمعون ورق الشجر من الحدائق، ويأخذونه إلى خارج البلدة، ليدفنوه. اقتطعت من الأرض مناطقها الملوثة ودفنت أيضا، فإذا لدينا أرض دفينة أرض. دفن حطب المدافئ، والعشب. بدا على كل شخص شيء من الجنون. وحكى لي نحّال فقال: “خرجت إلى الحديقة في ذلك الصباح، فكان شيء ما ناقصا، صوت أليف. الطنين. لم يكن هناك نحل. لم أسمع طنين نحلة واحدة! واحدة! ما هذا؟ ما الذي يجري؟ وفي اليوم التالي أيضا لم تطر من خلاياها. ولا الثالث. ثم قيل لنا إن حادثة وقعت في المحطة النووية، وهي غير بعيدة. ولكننا لم نعرف بأمرها لفترة طويلة. عرف النحل ونحن لم نعرف”. جميع المعلومات الواردة في الصحافة بخصوص تشيرنوبل كانت ترد في لغة عسكرية: انفجار، أبطال، جنود، إخلاء … عملت الكيه جي بي في المحطة بنفسها. كانوا يبحثون عن جواسيس ومخربين. وانتشرت شائعات بأن الحادثة تدبير من أجهزة مخابرات غربية للقضاء على المعسكر الاشتراكي. والمعدات العسكرية كانت في طريقها إلى تشيرنوبل، والجنود كانوا قادمين. وكالعادة كان النظام يعمل كما لو أن حربا قائمة، وكان الجندي حامل الرشاش الجديد اللامع شخصية مأساوية. فلم يكن له أن يفعل شيئا عدا أن يمتص جرعات هائلة من الإشعاع ويموت وهو في طريقه إلى بيته.
كان شعب ما قبل تشيرنوبل يتحول أمام عينيّ إلى شعب تشيرنوبل
كنا لا نرى الإشعاع، أو نلمسه، أو نشم له رائحة … كان العالم من حولنا مألوفا وغير مألوف في وقت واحد. حينما سافرت إلى المنطقة، قيل لي على الفور: لا تقطفي الزهور، ولا تجلسي على العشب، ولا تشربي ماء من بئر … كان الموت يختفي في كل مكان، ولكنه كان موتا من نوع مختلف. مرتدين أقنعة جديدة، وأردية غريبة، كان المسنون الذين عاشوا الحرب يخلون المدينة مرة أخرى. كانوا ينظرون إلى السماء: “الشمس مشرقة …لا دخان، لا غاز. لا أحد يطلق الرصاص. كيف تكون هذه حربا؟ ولكن علينا مع ذلك أن نصبح لاجئين”.
في الصباحات كان الناس يتخاطفون الجرائد، شرهين إلى الأخبار، ثم يتركونها محبطين. لم يتم العثور على جواسيس. لم يكتب أحد عن أعداء الشعب. والعالم بلا جواسيس أو أعداء للشعب كان أيضا غير مألوف. كانت بداية شيء جديد. وفي أعقاب أفغانستان، ومثلها، جاءت تشيرنوبل فحرّرتنا.
بالنسبة لي انشقَّ العالم: داخل المنطقة لم أكن أشعر أنني من روسيا البيضاء، أو من روسيا، أو من أوكرانيا، بل ممثلة سلالة بيولوجية قد تنتهي إلى حطام. لقد تزامنت كارثتان: ففي النطاق الاجتماعي، كانت أطلانطس الاشتراكية تغرق، وفي النطاق الكوني، كانت هناك تشيرنوبل. انهيار الإمبراطورية أغضب الجميع. كان الناس قلقين إزاء حياتهم اليومية. كيف يشترون وبماذا؟ كيف يبقون؟ بأي شيء يؤمنون؟ وأي اللوافت يتبعون؟ أم ترانا بحاجة إلى أن نتعلم الحياة بلا فكرة عظيمة؟ والأخيرة كانت غير مألوفة أيضا، لأن أحدا لم يعش قط بتلك الطريقة. مئات الأسئلة واجهت الرجل “الأحمر”، ولكنه كان وحده. ولم يسبق له قبلها أن كان وحده إلى هذا الحد الذي كان عليه في أولى أيام الحرية. كنت محاطة بالناس المصدومين. وكنت أصغي إليهم …
وهنا أغلق يومياتي …
ما الذي جرى لنا حينما انهارت الإمبراطورية؟ في السابق، كان العالم مقسوما: كان هناك جلادون وضحايا، وتلك كانت قسمة الجولاج، كان هناك أخوة وأخوات ـ وتلك كانت قسمة الحرب، وكان هناك الناخبون، وأولئك كانوا جزءا من عالم التكنولوجيا المعاصر. عالمنا أيضا كان مقسوما بين المسجونين وسجانيهم، وينقسمون اليوم بين المستسلفين الموالين للسلافية والمستغربين الموالين للغرب، بين “الفاشيين ـ الخونة” والوطنيين. بين القادرين على شراء الأشياء وغير القادرين على شرائها. ولعلي قائلة إن القسمة الأخيرة كانت أقسى المحن بعد الاشتراكية، فقد كان الجميع قبل وقت غير قليل سواء. لم يكن “الأحمر” قادرا على دخول مملكة الحرية التي طالما حلم بها وهو جالس إلى مائدة مطبخه. قُسِّمت روسيا بدونه، ولم يبق له منها نصيب. ذليل ومسلوب. عدواني وخطر.
هذه بعض التعليقات التي سمعتها وأنا أسافر في روسيا …
“لن تتحقق الحداثة هنا في وجود الشارشكات، سجون العلماء، وفصائل تنفيذ أحكام الإعدام”
“الروس لا يريدون أصلا أن يكونوا أثرياء، بل هم خائفون من ذلك. ما الذي يريده الروسي؟ شيء واحد لا ثاني له: ألا يصبح أحد ثريا. ليس أثرى منه”.
“لا يوجد هنا أمناء، الجميع هنا قديسون”.
“لن نشهد هنا جيلا لا مكان للجَلْد في ماضيه، الروس لا يفهمون الحرية، يلزمهم قوقازي في يده سوط”.
“أهم كلمتين في الروسية هما: ’الحرب’ و’السجن’. تسرق شيئا، تستمتع به قليلا، يقبضون عليك، تخرج من السجن، ثم تعود إليه في النهاية”.
“لا بد لحياة الروس أن تكون خسيسة ووضيعة. ثم تتسامى الروح، وتدرك أنها من غير هذا العالم. وكلما ازدادت الأوضاع قذارة ودموية، اتسعت مساحة الروح”.
“لا طاقة لدى أحد من أجل ثورة جديدة، أو هو الجنون. لا حماس. الروس بحاجة إلى فكرة تبث القشعريرة في أوصالك”.
“حياتنا معلقة بين الجنون والسجون. الشيوعية لم تمت، لا تزال الجثة حية”.
أسمح لنفسي أن أقول إننا فقدنا الفرصة التي كانت سانحة في التسعينيات. كان هذا هو السؤال المطروح: أي البلاد ينبغي أن يكون بلدنا؟ بلد قوي، أم بلد محترم يعيش الناس فيه عيشا كريما؟ آثرنا الخيار الأول، البلد القوي. ومرة أخرى نعيش عصر القوة. يحارب الروس الأوكرانيين، أخوتهم، أبي من روسيا البيضاء، وأمي أوكرانية. وهذا حال كثير من الناس. الطائرات الروسية تقصف سوريا …
زمن مليء بالأمل راح وبدلا منه ها هو زمن مليء بالخوف. انقلب العصر على عقبيه ورجع بنا الزمن إلى الوراء. الزمن الذي نعيشه الآن زمن مستعمل …
في بعض الأحيان أتصور أنني لم أنه بعد كتابة تاريخ الإنسان “الأحمر”…
عندي ثلاثة أوطان: أرض روسيا البيضاء، أرض أبي التي عشت فيها حياتي كلها، وأوكرانيا وطن أمي الذي ولدت فيه، وثقافة روسيا العظيمة، التي لا أستطيع أن أتصور نفسي بدونها. كلها عزيزة على قلبي. ولكن في هذا اليوم وفي هذا العصر يصعب حقا الكلام عن الحب.

ترجمة احمد الشافعي
عن ترجمة جيمي جامبريل إلى الإنجليزية
نشرت هذه الترجمة في ملحق شرفات على حلقتين الأولى منهماالثلاثاء الماضي والثانية الثلاثاء من هذا الأسبوع

محمد رشو... حوض سمك

ديسمبر 22, 2015 اضف تعليق

اقتنيتُ حوض سمك مع انتقالي إلى بيتي الجديد في أبريل 2011 وكأي حوض سمك كان قاعه مفروشاً بالحصى والرمل الخشن وفُتات القواقع، وتتدلى فيه أعشاب بلاستيكية وفي الخلف مصباح نيون أزرق وموتورٌ للفلترة مع خراطيم على طرف، وكانت مجموعة الأسماك عشرة من النوع البلدي، الأصفر والأبيض والأسود، أقل وأكثر بواحد، مع زوجٍ من الآنجل وزوج أخر من الزبّال يلتصقُ عادة بين الفلتر وجدار الحوض.
ويحدثُ أحياناً أن كنتُ استيقظُ في الصباح لأجد أحدها طافياً فأخرجه بهدوء وأقذفه قبل أن يراه طفلاي من البلكونة لتلتهمه قطة من القطط الكثيرة في الأسفل.
ثم أخذت الكهرباء تنقطع، وأخذت الأسماك تطفو أكثر إذ تختنق حين لا يُضخ الأوكسجين كافياً، وكل أسبوع كنتُ أعوض بأسماك جديدة.
الأكثر رعباً كان النوع الأسود من البلدي ذا العيون الجاحظة إذ قبل أن يموت بيوم كانت تتضخم إحدى عيناها أو معاً وثم تنقلع، تخرج من محلها وأحياناً تظلّ موصلة إليه بخيط أبيض من المخاط أو من الجلد، لستُ أدري.
كان الأمر برمته باعثاً على العبث، تطفو الأسماك، تُرمى للقطط، تُستبدل بأخرى لا تلبث أن تطفو في يومٍ آخر.
أصبحت فتراتُ انقطاع الكهرباء تطول، وقبل أن أترك البيت بيوم وأخرج من حلب استيقظت ُلأجد جميعها ميتة عدا واحدة فقط، تتحرك وياللغرابة من أرقها، الآنجل، وكانت ذات لون برتقالي، كانت تتحرك ببطء لكنها ما تزال حية، نظرتُ تارةً إلى الممر، إلى الضوء الذي يدخلُ بشراسة، تارةً إلى فوارغ الرصاص على البلكونة، أدخلتُ يدي إلى الماء وأمسكتُ الآنجل وأخرجتها، أخذت ترتجفُ، ربما يدي أيضاً، ربما انتقل الرجفانُ من أحدهما للآخر، وربما كلاهما معاً، كنتُ ما أزال أفكّر حين تركتها تسقط على الرخام.
كنتُ ألبسُ شورتاً وأقف بساقين متباعدتين فيما الضوء يسقط بأكمله على البقعة البرتقالية بين قدمي.
كل ما تلا ذلك اليوم وحتى الآن كان سهلاً.
تكفلت القطط بالأمر أولاً ثم العقلُ البارد.