السادات بقلم روبير سوليه... المهرّج البليد سياسي محنّك

نوفمبر 21, 2015 اضف تعليق

محمد حجيري
حياة السادات أشبه برواية، فالمراهق المتحدر من عائلة فلاحين، كان محافظا وإصلاحيا في آن
في إطار المعرض الفرانكوفوني الـ22 في البيال(*)، يزور لبنان روبير سوليه، الصحافي في جريدة "لوموند"، والذي كرس جزءاً كبيرًا من كتاباته، الصادرة جميعها بالفرنسية، لبلده الأم مصر حيث ولد العام 1946، وترجمت له عناوين عديدة إلى العربية من بينها "مزاج" و"ولع فرنسي"، والآن كتاب "السادات"(صدر بالفرنسية العام 2013) وسيوقعه بنسخته العربية في 25 تشرين الثاني في جناح هاشيت أنطوان...
الكتابة عن السادات لها وقع خاص، ودلالات كثيرة، ذلك لأن شخصيته تطرح الكثير من الأسئلة، هل هو "بطل الحرب والسلام"؟ أم خائن للعرب وقضيتهم؟ الرئيس المؤمن الداعم للحركات الأصولية؟ أم عدو الإسلاميين الذي قضى على يد أحدهم؟ صديق عبد الناصر؟ أم كارهه الأول ومدمر إرثه؟ هذه الأسئلة يطرحها سوليه ويجيب عليها بتمعن، ويكشف النقاب عن "الرجل والإنسان خلف الأسطورة".
لا شك ان السادات هو من أكثر القادة العرب إثارة للجدل، بمواقفه المتقلبة، وشخصيته الاستعراضية، وتاريخه الحافل بالتناقضات. فينقل روبير سوليه عن هنري كيسنجر، وزير خارجية أميركا الأسبق، أنه وصف السادات في جلسات خاصّة بـ"المهرّج البليد". لكن السادات استطاع أن يثبت للجميع ويفاجئهم بأنه سياسي "محنّك". إذ عرف كيف يفرض أسلوبه وقام بمبادرات غيرت جوهر المعطيات في الشرق الأوسط... فرحلته الى القدس العام 1977، وبلا أي مقابل، في وقت كانت إسرائيل عدوة العرب اللدودة، ومحتلة ارضهم، أصابت العالم بالذهول والعرب بالصدمة، وأفضت الى معاهدة كامب ديفيد الشهيرة.
والسادات نفسه قبل أربع سنوات من زيارته القدس، أحدث مفاجأة من نوع آخر، فشن حرباً على إسرائيل التي لا تقهر، كما كانت تعتبر، وفرض قوته في ذلك النزاع المسلح الذي تسبب بالأزمة النفطية الأولى، مغرقاً الاقتصادات الغربية في أزمة لم تنهض منها.
وحياة السادات أشبه برواية. فالمراهق المتحدر من عائلة فلاحين، كان محافظاً وإصلاحياً في آن.. زعيم قرية أو عمدة كما كان يحلو له أن يقول، وصديق لكبار رجال العالم... ورث عن أمه نصف المصرية ونصف السودانية، بشرته الداكنة، التي كانت تزعجه باستمرار، بينما كان فخورًا دائمًا بكونه فلاحاً، وهو الرجل الذي حلم بأن يصبح ممثلاً، انتهى به المطاف الى أكبر مسارح العالم. ويقول سوليه إن السادات اعترف، وهو في عامه السابع والثلاثين، أن المسرح جذبه طوال حياته. كما أنه كتب ذات يوم، للمنتجة السينمائية أمينة محمد، بعدما نشرت إعلاناً لتوظيف ممثلين، قائلا لها: "اأا شاب ممشوق القوام، متين البنية، جميل الملامح. لست أبيض، لكنني لست أسود كذلك. بل إن لون بشرتي أقرب إلى الخمرة". وكانت خيبة السادات كبيرة بأنه لم يُختر للتمثيل، فأطلق لحيته، وتقمص دور حاج عائد من مكة، وقرر أن يمثل منفردًا، ليلهو ويستأنس، لكن السادات يكمل بالقول: "لكنني سرعان ما مللت ذلك بعدما لم يكترث بي أحد".
دخل السادات الكلية الحربية والتحق بالضباط الأحرار، إلا أنه يختلف عن كثيرين منهم، بأنه لم ينتم إلى تنظيم الإخوان المسلمين أبدًا، إلا أنه أعجب أشد الإعجاب بحسن البنا الذي التقاه تكرارًا ورأى فيه "مصريًا صميمًا". كان ثمة تعاون بين الرجلين لكنه لم يبلغ حدًا وثيقًا. وبدءاً من بداية الأربعينات، سيدخل السادات مغامرات عديدة، حيث سيعتقل في قضية تجسس نازية، ويودع السجن ثم يهرب منه ويعيش متخفيًا، ثم يعتقل مجددًا ثم يطلق سراحه بعد انتهاء حرب 1948، ويعود إلى الجيش.
والسادات هو الذي أذاع على أثير راديو القاهرة في تموز 1952 خبر استيلاء الضباط الأحرار على السلطة. بعد ذلك الانقلاب، بدا كأنه تخلى عن طموحه، اذ عاش في ظل عبد الناصر، متقيداً بأوامره، مبرهناً عن "وداعة مثالية"، تكاد تبلغ حد التزلف بحسب سوليه، كما اعتبر شخصا باهتاً وضعيفاً، لم يتخيل أحد أن يكون وريث الزعيم الجماهيري الذي كان بمرتبة "نبي"، ويفرض نفسه شيئاً فشيئاً، ليشرع لاحقاً في عملية محو للناصرية وليبرز الوجه الساداتي لمصر. وفي عهده، طرد الخبراء السوفيات، ونقل البندقية من اليسار السوفياتي الى اليمين الرأسمالي، اي انتقل من أحضان الشرق الى أحضان الغرب، وبحسب الكتاب: "كان يبدأ يومه مصغيًا إلى آيات من القرآن، قبل أن يصلي ثم يستمع إلى كاسيتات أغاني أسمهان أو فريد الأطرش، أو محمد عبد الوهاب، فيما يغتسل ويحلق ذقنه. وفي النهار ومهما كانت الظروف يجد وقتًا لرياضة المشي اليومية، حتى لو اضطر أن يستكملها على دراجة التمارين المنزلية. وينتهي النهار في صالة السينما الخاصة. فكل الأفلام المصرية أو الأجنبية كانت تصل إلى الرئيس قبل مرورها بالرقابة".
والسؤال الذي يفرض نفسه أيضاً، ما ثمرة حنكة السادات ومبادراته؟! فهو جنّب مصر حروب الاستنزاف مع اسرائيل أو غيرها، لكن، في المقابل، كان يُفترض بالانفتاح الاقتصادي الذي تغنّى به أن يترافق وتأسيس ليبرالية سياسية. لكن هذه العملية توقفت قبل تحقيقها نتيجةً تُذكر، ولا يقتصر السبب على ذلك الصراع المرير الذي تخوضه مصر ضد الفقر والأمية والتزايد السكاني، فالسادات الذي أيّد في شبابه الديكتاتورية، بقي في جوهره حاكما استبدادياً مطلقاً. كان يحب النقاش في الحلقات الخاصة، الا أنه لم يحتمل أي معارضة في العلن.
لم يمنع زوجته جيهان من ان تكون عصرية وتعمل من أجل الارتقاء بحقوق المرأة. ومن جهته، لم يكتف بإظهار علامات إيمانه، وإنما أدخل في الدستور المصري مبادئ الشريعة، وفسح الطريق للإسلاميين ليحاربوا اليسار المصري والناصريين، وهذا الخطأ كلفه حياته وساهم في إفساح مكان كبير للدين في الحياة السياسية والإجتماعية. واغتيل السادات، أثناء عرض عسكري، لتطوى بذلك صفحة "سنواته" الحافلة بالتناقضات والتي تركت، في الوقت نفسه، آثارها العميقة التي يرى روبير سوليه، أنها تشكّل "مفاتيح أساسية" لا بدّ من فهمها من أجل فهم "مصر" حالياً.
ما يقوله كتاب سوليه لنا نحن القراء العرب، اننا في العالم العربي، دائما ننتظر الكتّاب الآتين من الغرب، لتشريح سياستنا وثقافتنا وشخصياتنا، سواء وافقنا على مضمون ما يكتبونه أم لم نوافق.
- See more at: http://www.almodon.com/culture/9a7d6200-c6d0-4b9d-98f8-f351c9f46cd6#sthash.OlnicMkJ.dpuf

"سهرة مع الفيلم المذبوح" قصة لأحمد زعزع

نوفمبر 15, 2015 اضف تعليق


كان بيتنا من البيوت القليلة التي حوت جهاز تلفزيون بالأبيض والأسود خلال الستّينات في حيّ سهل الصبّاغ الصيداوي، العابق بزهر اللّيمون الفوّاح ونسيم البساتين الخضراء، قبل أن يستبيحه توسّع الباطون العشوائي بكامل قبحه وجلافته.
كنّا نتجمّع بعيون مليئة بالدهشة أمام ذلك الصندوق السّحري بأنتينه المزدوج الذي يشبه أسياخ اللحم المشوي والتي يصعب تثبيتها وتحديد الزاوية الملائمة لإلتقاط الصورة الأقل تشوّشا وإهتزازا. كان عقاب الولد الشّقي بيننا هو الوقوف مصلوبا أمام الجهاز والإمساك بسيخي الأنتين الزّئبقي، في وضعيّة ثابتة، إلى أن ينتهي عرض ترفيهي ما أو نشرة أخبار هامة.
رأت أمي، رحمها الله، في تلفزيوننا آنذاك نعمة ونقمة في آن واحد: فمع سرورها بمتابعة السهرات التلفزيونية الليلية، لم تكن تنشرح كثيرا لتقاطر جاراتها كل ليلة تقريبا، ممن خلت بيوتهن من جهاز مماثل، إلى بيتنا للسهر الطويل أمام "تلفزيون أم أحمد" كما سمّته سيدات الحي. كانت خطّتهن محكمة وناجحة ولا تخطئ التوقيت. بعد مغيب الشمس تأتي إحدى الجارات لتسأل وتطمئن عن صحّة العائلة، لتلحقها بعد قليل جارات أخريات "صدف" أن سألن عن الجارة الأولى في بيتها ولم يجدنها فاستنتجن أنها "لا بدّ وأن تكون عند أم أحمد". وهكذا، تدعو بضعة نساء أنفسهن كل ليلة إلى سهرة تلفزيونية حافلة ببثّهن المتواصل وببثّ الصندوق العجيب بأنتينه اللعين عند أم أحمد التي لا تملك سوى الكزّ على أسنانها وترديد عبارات المجاملة الفارغة.
كانت الحاجّة أم خليل واحدة من تلك الجارات التي تأتي بلا دعوة ولا إحم ولا دستور ولا من يحزنون، في  زيارات طويلة لا تنتهي إلا مع إنتهاء البث التلفزيوني وسماع النشيد الوطني وتساقطنا جميعا من حولها إعياءً وتعبا ونعاسا.  كانت الحاجّة أم خليل هي الأكبر سنّا والأثقل حركة بين الجارات، لكنها كانت أيضا الأظرف والأخفّ ظلاّ بينهن. كيف ننسى تعليقها الأوحد على مباريات المصارعة الحرة التي أُغرمنا بها جميعا وتعلّقنا بأبطالها - كالأخوين جاك وأندريه سعادة وصاحب الكاريزما برنس كومالي، الذي يقطر وجهه حزنا على أفريقيا المنهوبة -  عندما تتساءل بصوت حزين: " يه، ليه عم يعمل فيه هيك؟ ألله يعين أهله!".
 كان مجيئ أم خليل في بداية السهرة مصدر سعادة قصوى لي ولإخوتي العابثين المشاغبين، إذ بعد ثرثرة المجاملات والأسئلة الممجوجة عن الحال والصحّة وإجترار  قصص النّميمة والحزازات المحلية - حول من تزوّجت ومن طلّقت ومن تَعيث في الحي عهرا وشواذا وتخريبا - كانت الحاجّة تسقط فريسة للنّعاس المفاجئ في بداية الفيلم العربي الذي يستحوذ على إنتباهنا ويخفّف من إصغائنا إلى كلامها. ما هي إلا لحظات قليلة ويستوي رأس الحاجّة هابطا على صدرها وينتظم شخيرها ويعلو بتدرّج محموم ليختلط بشريط صوت الفيلم ويعطّل على الكبار الإستمتاع به ويحرمهم من رفع صوت التلفزيون خوفا من "تنقيز" الضّيفة المستغرقة في نوم عميق وسط ضحكاتنا المكتومة التي لا تنفع معها نظرات الأهل الزاجرة والمستنكرة.
لطالما إمتزجت أمامنا مشاهد رومانسية مصرية يبوح فيها البطل للبطلة بعجزه أو بفقره أو بهيامه أو بمرضه مع شخرة طويلة من شخرات الحاجّة النائمة تُحيل المشهد برمّته إلى مسخرة خالصة. كانت أمي تتمزّق بين رغبتها في متابعة الفيلم المذبوح وبين تقليدنا العابث لشخير أم خليل المتواصل، ولم يكن بإمكانها وقف سيل التهريج المحيط بدراما الفيلم التلفزيوني والمشوّش عليه.
لكن شيئا ما كان يحدث كل ليلة في التوقيت ذاته وكأن المسألة مخطّطة بإحكام إلهي: قبل إنتهاء الفيلم بقليل، كانت الحاجّة تستيقظ فجأة بذعر شديد وهي تسعل وتحشرج وتخبط بيدها على صدرها وتردد العبارة نفسها: "يه يه، غفيت، لا تواخذوني، شو صار بالفيلم؟"
وهنا، كان على أمي أن تتطوّع لتروي للحاجّة قصة الفيلم من البداية إلى النهاية, ولتشرح لها بصبر وعناية لماذا تبكي البطلة أو لماذا هي منشرحة في حفل زفافها أو لماذا يموت البطل متأثّرا بجراحه أو بمرضه أو برصاصة أو بطعنة. كان الأمر تمرينا على السرد والتلخيص وإعادة التركيب تتبرّع به أمي دون كلل أو ملل إذ كانت تعتبره من واجبات الضيافة.
نام اللبنانيون وشخروا كثيرا وطويلا على مسلسلات وأفلام كانت زاخرة بوعود العسل واللبن والرفاه والنعيم، ليهبّوا سائلين، بعد خراب البصرة، وبعد أن إجتاحت الزّبالة بيوتهم وشوارعهم وبعد أن عشّش الشّحن المذهبي في عقولهم وأرواحهم، متى حدث كل هذا وكيف ولماذا؟ من يروي لهم الحكاية ومن يفسّر لهم كيف وصلنا إلى هنا وبأي ثمن؟ من يراعي أصول المواطنة، في هذا البلد المذبوح، لغير اللصوص والناهبين والسارقين والأوغاد الوقحين، أصحاب السّماجة والغلاظة والتّفاهة، من كل ملّة وطائفة؟
   

جائزة صغيرة من شاعر كبير

نوفمبر 14, 2015 اضف تعليق
من علامات الشاعر اللبناني الراحل سعيد عقل، أنه كان اسماً كبيراً، نجماً في الشعر الكلاسيكي والرمزي والغنائي، لكنه أطلق جائزة، يمكن وصفها بأنها "صغيرة" ولا تمت الى فحولته بصلة... كانت لصاحب "قدموس" كاريزما في مظهره وسلوكه وأدائه و"نظرياته" الفينيقية واللغوية، وحركة يديه وطريقة سرده التاريخ اللبناني والفلسفي وحتى تعلقه بالأرقام.. لكنه في جائزته كان أقرب الى الركاكة الثقافية أو الفولكلور الاحتفالي الضيق.
لم يجعل سعيد عقل من الجائزة التي حملت اسمه، ظاهرة، أو نقطة ارتكاز ثقافي. أبقاها بلا جوهر، ولم تكن من الأمور التي ينتظرها أهل الثقافة والاعلام، ولم تشكل نقطة للتنافس من أجل ربحها، وكانت تتبع مزاجية سعيد عقل في النظرة إلى الأمور... لم يكن اسم سعيد عقل كافياً لتحظى الجائزة بوقع أو صدى أو صدمة أو قيمة. كان الشاعر يعطيها في أيامه لمن يكتب "الكلمة الملكة" في جريدة أو مجلة او كتاب أو قصيدة، مع مليون ليرة. لم يكن هذا المبلغ مشجعاً، ولا أحد يعرف ما هو معيار "الكلمة الملكة" تحديداً، ومن يحددها؟ وأي سياق لها؟ هي فكرة مبهمة لشاعر يعشق كل ما يمت الى فينيقيا بصلة... وحتى في الأجناس الأدبية والفكرية لم يحدد الشاعر الوجهة التي يريد، فهو مرة يعطيها لشاعر ومرة لاقتصادي وأخرى لصحافي وربما لصديق له، وثمة أسماء رفضت الجائزة في الكواليس... ويعرف الكثيرون أن سعيد عقل يختار أسماء عشوائية تناسب مزاجه الخاص، أعطاها لأسماء تستحق جائزة، وأعطاها لأشخاص أقل من عاديين، وبالكاد يكتبون...
لم تكن فكرة الجائزة موفقة من الأساس، لم تترك أثراً في أي شيء، ولم يكن فحواها سوى ذكر اسم الشاعر مع هذا وذاك. لم تُفد في قراءة الأدب والشعر، ولم تفد في شهرة مرجوة، ولم ينتظرها أحد سوى أنصار الشاعر. كانت مجرد خبر في جريدة، مصدره نقابة الصحافة اللبنانية.
ولا تشبه جائزة سعيد عقل إلا تقديمه لبعض الشعراء المغمورين الذين كانوا يطلبون من الشاعر الكبير أن يكتب لهم مقدمات لكتبهم الصغيرة، ظناً منهم أن تقديمه سيرفع من مقامهم أو مستواهم اللغوي أو حضورهم العام...
إعادة احياء الجائزة بعد رحيل الشاعر(*) أمر ايجابي، لكنه كان يمكن أن يأتي في سياق مختلف وقاعدة جديدة وفاعلة، والحال أنه بدا مجرد استئناف للماضي بغض النظر عن أسماء الذين فازوا بالجائزة في دورتها الأولى. تعددت نطاقات الجائزة والنتيجة واحدة. لم يؤسس حراس تراث سعيد عقل أي جديدة من بعده، وربما علينا أن ننتظر أكثر، لنرى طريقة إدارة الجائزة في المواسم المقبلة قبل أن نحكم عليها..
ليست "جائزة سعيد عقل" سوى واحدة من رهط الجوائز التي تدلف علينا في مواسم مختلفة، ومن عواصم متنوعة. بعضها جوائز معنوية، وهو قليل. وبعضها الآخر فكرته محض مادية، بات ينتظره الكثير من الكتّاب، بل يكتبون من أجله، خصوصاً حين نجد أن الكثير من الروائيين والشعراء مثلاً متحمسون لكتابة "رواية للفتيان" من أجل جائزة الشيخ زايد، وخصوصاً حين نقرأ كواليس جائزة "بوكر للرواية العربية" وجوائز أخرى، وحتى الذين يشتمون ثقافة البترودولار يتهافتون على الجوائز كأنها المنقذ من الرتابة الحياتية والمعشية.
باتت الجوائز الأدبية من أركان المشهد الاجتماعي والثقافي في العالم العربي، وهي مثلها مثل ظاهرة تواقيع الكتب، تحفز على بيع الكتب لكن ربما من دون قراءة. ربما تزيد من تسطيح الثقافة وربما العكس... ثقافة الجوائز غالباً ما تساعد على التفكير جيداً في ما يرضي لجان التحكيم من هنا، ولجان القراءة من هناك، وهذا في حدّ ذاته مشكلة.
 


(*) أعلنت أسماء الفائزين بالجائزة لهذه السنة عن الفئات الست، وهم: الدكتوران جورج وهنرييت طعمة (فئة العلوم)، الدكتور ناصيف نصار (فئة الفكر)، الرسام سمير أبي راشد (فئة الفن)، الدكتور جبور الدويهي (فئة الأدب، النثر)، سلمان زين الدين (فئة الأدب، الشعر)، المؤلف الموسيقي بشارة عبدالله الخوري (فئة الإبداع اللبناني العالمي).
وقيمة كل جائزة 5 آلاف دولار أميركي.
- See more at:
http://www.almodon.com/culture/ab42cd82-8ac0-48dc-8087-85bef9c7a74f#sthash.zxhTQn3b.dpuf

زهير دبس(*)... انتظار بين موتين

نوفمبر 13, 2015 1 تعليق

"عاجل"، "ورد الآن"، "مباشر"، "منذ قليل"، "خبر عاجل"... لم تعد هذه الكلمات والعبارات التي تقفز فجأة وتحتلّ شاشات التلفزة والإذاعات وسائر وسائل الإعلام، سوى عناوين للموت تبشّر اللبنانيين بأنّ هناك فصلاً دمويّاً جديداً سيعيشون مآسيه ويحتلّ حياتهم ويدمي قلوبهم ويأخذ فلذات أكبادهم... الخبر يبدأ صغيراً ويبدأ بالتدحرج ككرة نار... "ورود أنباء عن سماع دوي انفجار في المحلّة الفلانية"... وما هي إلا دقائق حتّى تبدأ الصور الأولى البعيدة والتي غالباً ما تكون عبارة عن سحب دخان أسود يتصاعد فوق المدينة لتتوالى الأحداث والوقائع... انقطاع الاتصالات الخليويّة نتيجة الضغط على الشبكة... تقطع وسائل الإعلام برامجها وتبدأ بالتغطية المباشرة من قلب الحدث... يختفي المارّة من الشوارع وتخلو من السيّارات، تتسمّر النّاس أمام الشاشات لمشاهدة فصل جديد من فصول الموت... يبدأ عدّاد الموت بتسريع وتيرة أرقامه: عشرة شهداء، عشرون، ثلاثون، خمسون وربّما أكثر... تبدأ المستشفيات بنداءات التبرّع بالدم... تنطلق تصريحات الإدانة والاستنكار والدعوة إلى الوحدة الوطنيّة... يتوافد المسؤولون إلى موقع الجريمة وينفتح الفضاء على مصراعَيه. تفتح أقسام الأخبار في التلفزيونات استديوهاتها للمحلّلين والسياسيين ليردّد الجميع عبارات اعتادت آذاننا سماعها: "الإرهاب لا دين له ولا منطقة" و"الرحمة للشهداء والشفاء للجرحى"... تبدأ صور الشهداء بالظهور على مواقع التواصل الاجتماعي ونبدأ بالتعرّف إليهم ومعرفة قصصهم وحكاياهم... يُصدر وزير التربية قراراً بإقفال المدارس ورئاسة الحكومة تعلن الحداد العام... تبدأ القرى والبلدات باستقبال جثامين أبنائها ويوارى الشهداء في الثرى ونعود لممارسة حياتنا بشكل طبيعي ونعود ننتظر فصلاً دمويّاً من جديد...
إنّه انتظار بين موتَين، وبينهما تبقى حياتنا مشرّعة على الجحيم. ننتظر انفجاراً جديداً يودي بأهل وأخوة وأبناء وأحبّة هم أبناء وطننا وفقراؤه ومعذّبوه.. لا شيء يلوح في الأفق، لا وميض ضوء في نهاية النفق... نتساءل بألم وحسرة كم من الانفجارات ستحصل ويدفع ثمنها أهلنا وأحبّتنا ووطننا لكي نعي ونتّعظ ونجنّب بلدنا الحريق الكبير المندلع في المنطقة، ويمتدّ إلينا ليحرق بلدنا وأهلنا... كم من الوقت سيمضي وكم من الدمار والموت سيحصل لنعي أن لا خلاص لنا إلا بوحدتنا وتماسكنا وتمسّكنا بمؤسّساتنا الدستوريّة، الوحيدة القادرة على حمايتنا وحماية لبنان من ذلك الجحيم الذي يلفّ المنطقة ويحيط بنا.
كم انفجاراً يجب أن ننتظر لكي يجتمع مجلس الوزراء ويلتئم مجلس النوّاب ويتمّ انتخاب رئيس للجمهوريّة؟ وكم شهيداً يجب أن يسقط لكي يقتنع الجميع أنّ الدولة بمؤسّساتها الأمنيّة هي الوحيدة القادرة على حماية الجميع؟ وكم من الوقت يجب أن يمرّ لكي ندرك أنّ الحقد والكراهية لا يبنيان وطناً ولا يصنعان سلماً ولا ينصران قضيّة؟ وأنّ مصطلحَي "التعايش" و"الشراكة" يجب أن يرتقيا إلى مصطلح أعمق وأشمل هو "المواطنة" التي تلغي الفوارق الطائفيّة والمناطقيّة والعنصريّة بين الناس.
 "عين السكّة" في برج البراجنة محطّة جديدة من محطّات الموت والدمار، تُضاف إلى أسماء المناطق الأخرى التي سبقتها، والشهداء الذين نتعرّف إليهم بعد كلّ انفجار تُضاف أسماؤهم أيضاً إلى اللائحة الطويلة التي تتضاعف أرقامها تفجيراً بعد تفجير...
في هذه اللحظات العصيبة التي يمرّ بها لبنان، لا يسعنا إلا الترحّم على الأرواح البريئة التي سقطت والدعاء بالشفاء للجرحى والابتهال إلى الله.. اللهم نجِّ وسلّم.


*رئيس تحرير مجلة المغترب، النص عن الفايسبوك..

أحمد بيضون... عن طريق الانتحار*

نوفمبر 13, 2015 اضف تعليق
اختار بعض السنّة للسنّة طريق الانتحار، والسنّة هم الكثرة الكاثرة بين سكّان هذه المنطقة من العالم. سلكوا بهم هذا الطريق حين اعتقدوا أن في وسعهم فرضَ سيادتهم المذهبية على المنطقة، ظالمين كانوا، قبلَ ذلك، أم مظلومين. بين 2003 و2010، انتحر في العراق 1003 شبّان من السنّة ليقتلوا ألوفاً من مواطنيهم الشيعة مدفوعين إلى ذلك بسياسة المحتلّ الأميركي الذي زعموا مقاومته فيما لم يكن يصيبه من انتحارهم غير أضرارٍ جانبية.
قاتل السنّةُ من عرب العراق لاستبقاء سيطرتهم على البلاد، بما هم أقلّية، ويقاتل سنّة سورية لدفع سيطرةٍ أقليّة عليهم يتصدّرها نظامٌ لم تعرف هذه المنطقة نظيراً لإجرامه. على أن من يقاتل تحت الرايات الداعشية أو ما يشبهها من قريب أو بعيد في سوريا أو في غيرها ليس موعوداً بالنصر، مهما تطل الحروب، ولا هو موعود بمجرّد الحياة. هو موعودٌ بالانتحار وحسب.
وأمّا الشيعة فكانوا قد باشروا مسيرتهم الانتحارية أيضاً حين راحَ بعضُهم يزيِّن لهم، مغترّين بالطموح الإيراني، أن في وسعهم أن يكونوا قوّة واحدةً مقاتلة، بما هم مذهب، وأن يهملوا ما بين جماعاتهم من حدود وطنية وما تنتمي إليه كلّ جماعةٍ منهم من دولةٍ، وإن تكن هشّة الهياكل أو مستبدّة، وما يقوم بينهم وبين الجماعات الأخرى، في كلّ من أوطانهم وفي محيطها، من علاقاتٍ يُفترض أن يُرعى في موازينها الاعتدال والإنصاف.
اليومَ تستشري هذه المذبحة التاريخية يتقدّمها رموزها "الجهاديون" من الجهتين يحدوهم الطمع في جنّة واحدة.
تلك جنّة لن يطأها بأيّ حالٍ، موجودةً كانت أم غير موجودة، أحدٌ من الذين قادوا مجتمعاتهم نحو هذه المذبحة...
لا أحد يشبه صبياً واقفاً أمام الفرن في برج البراجنة أكثر من صبيّ واقف أمام المخبز في داريّا. ويستحيل أن يكون قتلُ أحدهما ثأراً لقتل الآخر، كائناً من كان البادئ بالقتل. يستجيل أن يكون قتل الواحد منهما غير مضاعفةٍ لقتل الآخر.
لتكن شهادةُ مواطنينا (ولي بينهم قريبٌ عزيز) سلاماً لوطننا ولأوطان الجوار المنكوب! ليكن منها قوّةٌ تدفع نحو وقف المذبحة. ليكن منها تحريض على البحث عن صيغٍ لتدبير المجتمعات مُحبّةٍ للبشر!


*عن الفايسبوك، ويصدر لأحمد بيضون قريبا كتاب الفسبكات/ الدفتر الثاني.