محمود الحجيري* لقائي مع الرفيق يوسف خطار الحلو(ابو وضاح)

يوليو 31, 2015 اضف تعليق

قرأت مذكرات الرفيق يوسف خطار الحلو "من نافذتي"، وكنت متابعا لسلسلة مقالاته في جريدة "النداء" بعنوان "أوراق من تاريخنا"، وقد اعجبت بطريقة كتاباته وأسلوبه البسيط من خلال اللغة والكلمات التي كان يستخدمها فكنت اخاله احد شيوخ قريتنا الاجلاء الذين تخرجوا من مدرسة الحياة واكتسبوا الخبرة والحكمة من معترك هذه الحياة دون ان يتسنى لهم الدخول الى المدرسة، وان كانوا هؤلاء قلة في مجتمعنا. وقد التقيته أكثر من مرة في مناسبات حزبية وسألته وناقشته في المواقف السياسية والفكرية في حينه...

 وفي اواخر الثمانينات من القرن المنصرم، وبينما كنت اتسكع في شوارع بيروت مع أحد الاصدقاء، اقترحت عليه ان نزور الرفيق ابو وضاح للاطمئنان على صحته ولنربح اخر لقاء معه لأنه كان قد تقدم في السن. لم يمانع صديقي واتجهنا الى شقته الواقعة في منطقة وطى المصيطبة، قرعنا الباب وانتظرنا لحظات طويلة حتى فتح، طالعنا "ابو وضاح" بقامته الطويلة وابتسامته الهادئة، رحب بنا وصافحنا وسار امامنا بخطوات مثقلة باعباء عشرة عقود من السنين على كاهله، حيث كان يمشي بخطوات ثقيلة متعبة،  وجلس في  مكانه ودعانا إلى الجلوس، وبدأ طرح اسئلة الاطمئنان عن الرفاق في منطقتنا وعن الانشطة وظروف الحياة، ومن ثم تحرك بخطاه الواهنة  في اتجاه البراد ليحمل قنينة عرق وصحن من الخضروات وقال: انا اليوم وحيد لأن العائلة في حصرايل يجب ان تشربا عندي كأسا، لم نمانع بل قام صديقي لمساعدته في تأمين
مستلزمات الكأس، وعاد الى مكانه وقد اعتذر عن عدم مشاركتنا شرب الكأس لأنه تناول الغذاء قبل لحظات وشرب كأسه، ابتسم وقال: سأروي لكما حكايتي مع ميشال غريب، بادلناه الابتسامة وقلنا له: تفضل!

تنهد وقال: منذ مدة زارني ميشال غريب بدون سابق انذار او موعد وبعد جلسة طويلة من النقاش والحديث الممتع قال لي: رفيق ابو وضاح انا تقدمت في السن واصبحت شبه عجوز وبات من الواجب ان اعمل شيئاً لاخرتي وعليك بمساعدتي، فضحكت وقلت له: انا في خدمتك ولكن بماذا استطيع مساعدتك؟ (هذا كلام ابو وضاح) فقال الاستاذ ميشال: اود الانتساب الى الحزب الشيوعي، فضحكت وقلت له: كبر عقلك يا ميشال! وماذا سينفعك الحزب الشيوعي في اخرتك؟ وهل تليق بك "بعد هالكبرة الجبة الحمرا"، وقد شعرت انه لم يرتاح لكلامي وخرج من عندي ممتعضاً... وبعد تلك الجلسة بفترة قصيرة علمت ان ميشال غريب ذهب الى دار الفتوى واعتنق الاسلام، وقد اصبح اسمه محمد ميشال غريب. وفي ذلك يكون انجز شيئاً لاخرته، ولكن ما ادهشني ما هو الرابط بين الحزب الشيوعي والاسلام؟ 

في تلك اللحظة بدات ملامح القيلولة ترتسم على عينيه، وبدون صوت الديك الصياح سكت ابو وضاح عن الكلام المباح وتركناه ينام وينعم بما تبقى لديه من احلام...
وكان اللقاء الاخير قبل رحيل ابو وضاح نائب نقيب الصحافة وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني..

 

عن عزلة توماس بيرنهارد وعزلتي(بقلم حسين الموزاني)

يوليو 30, 2015 اضف تعليق



فايسبوك
يعتبر الكاتب النمساوي توماس بيرنهارد ١٩٣١-١٩٨٩ Thomas Bernhard من أفضل الكتّاب الألمان ما بعد الحرب العالمية. وقد أصيب منذ الطفولة بالتهاب حاد في الرئتين وأمضى طفولته وصباه في المستشفيات. وبعدما يأس منه الأطباء وضعوه في حوض استحمام يضعون فيه المحتضرين عادةً، لكنّ الحياة دبّت فجأة في جسد الشاب النحيل ذي الثمانية عشر عاماً. وتدور جميع أعمال توماس بيرنهارد، وهي بالعشرات، حول العزلة والموت والانتحار والمرض وعلاقة الإنسان الفرد بالمجتمع. وكان يرفض الاختلاط بالآخرين ويكره جميع الساسة ورجال الدين، ولم يستخدم كاتب ألماني من قبله هذا القدر الهائل من الشتائم للساسة ورجال الدين والمثقفين والفلاسفة والموسيقيين مثلما فعل توماس بيرنهارد. وحظر في وصيته أن تعرض أي مسرحية من مسرحياته في النمسا بعد وفاته، لكن "الحكومة" النمساوية و"المثقفين" النمساوين لم يلتزموا بذلك. المهم في الأمر هو أنّني قرأت قبل بضعة أيّام مقابلةً طويلةً، حوالي نصف كتاب، مع توماس بيرنهارد، أجراها صحفي نمساوي قرأ كلّ شيء عن الكاتب. وزاره في بيته الذي يقع بمنطقة زراعية نائية، والذي اشتراه بعد حصوله على جائزة أدبية و"قرض" من دار نشر "زوركامب". وفي معرض الحديث عن العزلة قال بيرنهارد إنه مضطر للإقامة هنا بسبب وضعه الصحّي، وليس حبّاً بالطبيعة فهو لا يعرف أنواع الأشجار ولا يعرف حتّى طائر القرقف Meise . وأشار إلى أن عزلته قسرية، ومع ذلك فهو لا يشكو منها. ثمّ ذكر بأن الكاتب النمساوي بيتر هاندكه يكتب عن العزلة دائماً، لكنّه عندما يفكّر بابنته، سرعان ما يتخلى عن عزلته ويهرع إلى زيارتها.
فما علاقة ذلك بعزلتي؟ إنّني لا أحسب الأيام والأسابيع التي لا التقي بها بأي عراقيّ أو عربيّ، وحتّى ألمانيّ. لكنني انتبهت مؤخراً إلى أنّني لم أر عراقياً أو عربياً خارج العمل منذ خمسة أسابيع على الأقل. والشيء الجديد في الأمر هو انّني لم ألمس أدنى رغبة في رؤية أيّ شخص من أبناء جلدتي. ولا أعلم سبب ذلك بالضبط. ولعلّه المنفى الذي اتسع وتضّخم أو أن ذاتي نفسها تضخّمت أو أن شعبي تلطّم أو أن بلدي وقد تشرذم وتصّخم، لا أعلم فعلاً. لكنّني اشتريت ما يكفي من النبيذ الأحمر، وسأقطّع به الليل أو ما بقي منه.

"تحت السّيطرة": فتّش عن الكتابة: بقلم أحمد زعزع

يوليو 30, 2015 اضف تعليق
 خاص الرومي
ملحوظة – تكشف هذه المقالة أجزاء من الحبكة، لذا يُنصح من يرغب بعدم كشف  الحبكة بالتوقف عن القراءة بعد الصفحة الأولى.
خلال التسعينات وفي عزّ تألّق شركة ميراماكس الأسطوري في إنتاج الأفلام الناجحة جماهيريا وفنيا وحصدها الجوائز الكثيرة، سُئل هارفي واينستاين عن العامل الأكثر أهمية في خلق الفيلم الناجح، فكان جوابه ترديدا لكلمة واحدة: "الكتابة، الكتابة، الكتابة."
لم يذكر واينستاين جاذبية وجمال النجوم، ولا ضخامة وسخاءالإنتاج، ولا الحذلقات والفذلكات التقنية، ولا مؤثرات ومواقع التصوير... إلى آخر القائمة، بل ذهب جوابه مباشرة إلى العنصر الأهم فعلا: الكلمة المكتوبة التي يُسطّرها خيال الكاتب أو الكاتبة والتي يُبنى عليها كل شيء لاحقا. 
لو يتّبع العاملون في الدراما العربية هذه النصيحة البسيطة والعميقة لوفّروا على المشاهدين كل هذا الكم المذهل من الغباء والتسطيح والثرثرة الفارغة في عجقة المسلسلات الرمضانية الكثيرة التي تُهين الذكاء وتَخدش الأذن وتُبلّد الإحساس وتُؤلم الروح، وتَجعل من رمضان سنويا مطية لشعار واحد: "العذاب فوق شفاه منتفخة." 
يحضر في بالي الآن مثلين من السينما والتلفزيون عن أعمال تستند إلى نصوص قوية وذكية ومحبوكة تشكل الأساس المتين لنجاح العمل: في السينما هناك فيلم "إنفصال" (2011) للإيراني أصغر فرهادي، وفي التلفزيون هناك مسلسل "بريكينغ باد" الذائع الصيت للأميركي فينس غيليغان. 
ذكاء النص في فيلم "إنفصال" يُغري المشاهد بالإقتناع بوجهة نظر  كل من الزوج والزوجة والقاضي على الرغم من خصومتهم وتناحرهم وتعارض أفكارهم ورغباتهم. هذا الإقتناع هو الذي يُولّد التشويق والإنغماس في الحكاية والإهتمام الحقيقي بمصائر أبطالها. 
علىى المستوى ذاته، تُغري قوة نص "بريكينغ باد" المشاهد بالتعاطف الكامل مع والتر وايت وهو يخوض عالم المخدرات والإتّجار بها بعقليّة الأستاذ والمربّي الحريص والمتفاني وصاحب الضمير المهني الحي. 
ما علينا، نحن الآن نتحدث عن جوهرة ثمينة لعلها ضاعت في الزّحام الرمضاني الخانق ولم يتسنّ للمشاهد العربي تذوّق قيمتها الفنية الرائعة، نعني بها مسلسل "تحت السيطرة" للكاتبة الموهوبة مريم نعّوم.
كتبت مريم نعّوم في هذا المسلسل حكاية جميلة ومقنعة ومشوّقة. الحكاية ليست عن الإدمان – كما يُشار في الكتابات السريعة والجاهزة عن المسلسل - فموضوع الإدمان أشبع بحثا وعرضا في عشرات الأعمال التلفزيونية والسينمائبة من قبل. 
تدور حكاية نعّوم حول "معاناة المدمنين" الذين وقعوا في شباك المخدرات وهم يسعون، بدرجات متفاوتة من النجاح، إلى إستعادة توازنهم وحياتهم الطبيعية.  
تركّز الحكاية إذن على الصّراع النّفسي العنيف بين الرّغبة في مواصلة الإدمان والتّوق الحقيقي إلى التخلّص منه.
تفترض حكاية نعّوم أن المشاهد يعي أصلا خطر المخدرات وشرورها ولا يحتاج إلى المحاضرات والوعظ والتنبيه بشأن الأضرار والمشاكل والأمراض المتأتية منها. وهذا صحيح تماما. ليست وظيفة الدراما الوعظ والتنبيه وإعطاء النصائح وتوجيه "الرسائل". من يريد البحث عن رسالة فليذهب إلى مكتب البريد، كما إعتاد فيلليني أن يقول. "وسيلة الإيصال هي الرسالة" – قالها مارشال ماكلوهان منذ عقود وما زالت فكرته تُتجاهل وتُنحّى جانبا. 
تنطلق حكاية نعّوم من فكرة أن المدمنين مرضى يتعافون وينتكسون، وبين هذين الحدّين تكمن مأساتهم. وفي هذه المراوحة ما يشكل مادة مثيرة ومشوقة وجذابة للدراما.
تعود مريم (نيللي كريم) من دبي إلى مصر بعد أن تزوجت حبيبها الوسيم حاتم (ظافر عابدين) وأخفت عنه خبر إدمانها سابقا على المخدرات قبل سنوات وأخفت عنه كذلك موت حبيبها السابق وهي برفقته على إثر جرعة زائدة. مريم شابة رقيقة وحساسة وهشة وهي تجاهلت إصرار حاتم على الإنجاب خوفا من تأثير إدمانها السابق على صحة الطفل. بمصادفة عابرة، يكتشف حاتم وجود كتاب عن الإدمان في حوزة مريم، وهي حاولت أن تخفيه ضمن مجلة، فيغضب ويثور ويلوم مريم على إخفاء هذا السر عنه. هذا التصدّع الأول في العلاقة بين الزوجين تليه تصدّعات أقوى وأعنف تنتج عن وجود مريم قرب شلتها القديمة وإحتكاكها بهم وتأثّرها إلى حد الوقوع ثانية في مخالب الإدمان. يتفاقم الأمر عندما يهجرها حاتم بناء على وشاية كاذبة، وتكتشف بعدها أنها تحمل في أحشائها طفلا منه. تضع مريم الطفل بعيدا عن أنظار حاتم المختفي وتفشل كل محاولاتها لإستعادة العلاقة الزوجية معه. يزداد عناد حاتم وتعنّته إلى درجة خطف إبنته الطفلة والإصرار على تربيتها بعيدا عن أمها. 
ثمة خطوط أخرى لشخصيات تحوم حول مريم وتتأثر مريم بمجريات حياتها. هناك المراهقة الذكية هانيا (جميلة عوض) التي يدفعها فضولها وعلاقتها المشوّهة مع أهلها إلى الإنغماس في عالم المخدرات فتُفتتن بالشاب العابث علي (محمد فراج) الذي يلعب دورا محوريا في الحكاية لكنه، في تلوين درامي شديد الذكاء من نعّوم، لا يلتقي مطلقا بمريم ولا تجمعه بها أية صلة أو معرفة أو إحتكاك. 
هناك أيضا خط طارق (أحمد وفيق) الذي يبدو في البداية شخصا طيب القلب يساعد المدمنين على تلقي العلاج لكنه ينتكس فيما بعد ويؤذي كل من حوله بدءا بزوجته وانتهاء بأصدقائه وأخيه تبعا لسيرة قديمة، تتضح تدريجيا، في الإيذاء الشديد والتوريط القاتل.
هناك خط شريف (هاني عادل) المتعافي الذي قرر تكريس وقته ومهنته لمساعدة المدمنين عن طريق برنامج "زمالة المدمنين" والذي يدفع ثمن مثابرته بالفشل في إقامة علاقة متوازنة مع الفتاة التي يحبها.  
قد يُعطي هذا الملخص إنطباعا بالكآبة، لكن النص لا يقع مطلقا في ذلك الفخ رغم قتامة الموضوع بل يُعطي لكل شخصية "لسانا" خاصا بها وطريقة كلام معبّرة وفرديةوطريفة. 
مايا (سمر مرسي)، مثلا، إبنة خالة مريم شابة جميلة وصريحة وجريئة تقول ما يدور في رأسها إلى درجة أنها تطلب بنفسها الزواج من الشخص الذي يعجبها، هشام (هاني خليفة) ببساطة متناهية. عند بداية المشاكل بين مريم وحاتم توجّه مايا إلى مريم النصيحة التالية:
" إعمليله أكلة بيحبها، ناغشيه، إلبسي له بيبي دول، قميص نوم بينوّر بيزمّر، الحاجات دي..."
بقصة شعر تنتمي إلى موضة السبعينات، وبطريقة نطق تُخفّف أحرف الكلام، ذكّرتني مايا  بطريقة أداء ديان كيتون الجذابة في "آني هول" وغيره مع وودي آلان. 
الإنطباع البصري الأول الذي يميز  المسلسل هو الأناقة، أناقة الإخراج والملابس والأمكنة. حسب مقتضيات الحكاية، تنتمي مريم إلى الطبقة الثرية المصرية وبالتالي فإن ملابسها وملابس المحيطين بها، وأماكن سكنهم وعملهم، تنضح بأناقة مرهفة لا يمكن تجاهلها. ينطبق ذلك على الشباب أيضا، فملابس حاتم وهاني وشريف وطارق تتميز بأناقة حقيقية رشيقة وعصرية تناسب وظائفهم وأجسامهم وأسلوب حياتهم، وهي بالتأكيد ليست أناقة الأطقم الجامدة وربطات العنق الرسمية عند الشباب، أو الإفراط الغبي في كشف الأكتاف وعرض النحور والصدور عند النساء، في المسلسلات اللبنانية الإستعراضية، على سبيل المثال. 
إلى تنوّع الألسن، يتميز نص نعّوم بابتعاده عن تنميط الشخصيات وحصرها في إطار الخير المطلق أو الشر المطلق. لايوجد أشرار وأخيار في هذه الحكاية. الجميع ضحايا ومذنبين في الوقت نفسه. هم ضحايا الإدمان أو الإنتكاس أو العناد أو الجهل.  وهم أيضا مذنبون بسبب أفعالهم وارتدادها على الآخرين. من يظهر لنا برداء الطيبة والرقة في بداية المسلسل سوف يفاجئنا بقدرته على الإيذاء وعلى الإمعان في التعنت إلى حد العبث أثناء تطوّر الحكاية. 
ينطبق ذلك بالأخص على شخصية طارق، كما أسلفنا، وكذلك على شخصية حاتم. مع تطوّر الحبكة، تنحسر جاذبية حاتم الأوليّة وتكشف تعنّتا مرضيّا يتقوقع في ذكوريّة فاقعة ترفض الحوار و المنطق السليم وتلجأ إلى جلافة القانون.
ينطبق ذلك أيضا على شخصية سلمى، زوجة طارق، التي يدفعها غضبها من زوجها وشكّها به إلى توجيه طعنة قاتلة إلى شخص بريء. بعد ذلك، لن نستطيع تجنّب لوم سلمى عن التدهور المؤلم في حياة مريم الزوجية. ولن نستطيع تناسي لؤمها وقسوتها في هذا الحوار مع أخيها:
- أنا وطارق زبالة، مريم ذنبها إيه؟
- كلكم سيرينجاتية زي بعض، مش بعيد إنت كمان تكون رجعت للضرب وعامل نفسك مبطّل عشان نسيبك في حالك.
- بهذا المعنى، وسعيا لتحقيق التعدد في أبعاد الشخصيات، يخلق نص نعّوم توقّعات للحكاية وللشخصيات ثم يعمد إلى نسفها بالكامل. 
فالحب الذي يبديه حاتم نحو مريم ولطفه الزائد وإهتمامه الكبير بها بداية، لن يلبث أن يتلاشى مع أول خضّة في العلاقة ليأخذ منحى آخر يتعمّد القسوة والصلابة والتحجر. 
أما إنتكاسة مريم المدمّرة فتأتي على إثر طلب بريء من والدها، الذي قطعا لا يرغب في دفعها للإنتكاس، يضعها عن غير قصد في مواجهة أشباح الماضي. 
أما مراهقة هانيا وطيشها ورغبتها في التمرد على والدتها فيدفعها النص من نزوة عابرة إلى رحلة جهنميّة في الإفتتان بالشر وفي مطاردة شياطين المتعة إلى أقصى الحدود. لن تقف هانيا عند شيء ولن يردعها شيء سوى استفاقتها المتأخرة للأذى الذي ألحقته بمريم الساعية بصدق ومحبة إلى إنقاذها وتخليصها من الإدمان.
وفاء النص لفكرة البطولة الجماعية وتألّق الشخصيات المساندة يرفع العمل إلى مستوى عال من الإبهار والحرفية. 
نيللي كريم مبدعة فعلا في دور معقّد يتطلب الجمع بين أحاسيس متناقضة ومتصارعة. هي تملك وجها مطواعا يستطيع التعبير عن مروحة كاملة من المشاعر بين لحظة وأخرى. صوتها المجروح يرقّ في المناجاة والتوسل، ويعنُف في الرفض والتخبّط. لكنها ليست الوحيدة المبدعة والنص بالتأكيد  لا يدور حولها. 
تبدو رانيا شاهين في دور إنجي المدمنة مرعبة فعلا إلى أقصى حدود الرعب: تبدو كإمرأة مسكونة بالمخدرات إلى الثمالة، إبتسامتها مخيفة ونظراتها زائغة بمجون عابث لا يقف عند شيء. يسألها طارق بعد ممارسة الجنس إن كانت لا تزال تقابل مُعـتزّ فتجيبه أنهما متزوجان، ببساطة صادمة. يخجل طارق من نفسه بحركة معبرة فيما هي تمجّ السيجارة ولا يرفّ لها جفن. المشاهد التي تظهر فيها رانيا شاهين هي قمّة في الرعب وذروة في الإنحلال العبثي. أداء رانيا شاهين درس قيّم في التمثيل يتجاوز بسنوات ضوئية ما تحفل به الشاشات العربية من تفاهات وما ترتكبه بصفاقة ملكات جمال منتفخات يدّعين التمثيل و يعجزن عن نطق جملة مقنعة.
يشدّنا طارق من البداية بطيبته الآسرة لكنه يتكشّف عن شخصية قلقة وهشة ومنكسرة لا تتردد في جرّ الآخرين إلى الهاوية. مع الوقت تتحول توسلاته لزوجته ووعوده بترك المخدرات إلى سياط تجلد القلب: هذا شاب مكسور الإرادة وأعمى البصيرة وفاقد القدرة على إصلاح نفسه وهو مؤذ بدون أن يدري.  
نصل إلى قمة الأداء المتكامل بين اللغة المسبوكة والوجه المعبر وحركة الجسد المتوثب، إنه الأداء الملفت لعلي (محمد فراج) الموهوب والبارع بلا منازع. يسيطر علي على أدائه بالكامل فلا تفوته إشارة أو حركة لخلق شخصية شعبية عابثة ولاهية وزئبقية، لكنها تحتفظ بطيبة دفينة في مكان ما في أعماقها. في لحظة سوريالية ينصح علي، وهو المدمن الذي يسرق الحشيش والمال من خزنة خاله، الولد العامل في القهوة بضرورة الإنتباه إلى دروسه ومستقبله. في لحظة مماثلة يعارض علي بصدق رغبة هانيا في تنشّق البودرة المخدرة وينصحها بالإبتعاد عنها. يعرف علي تماما متى يحكّ أنفه ومتى يحرّك رأسه ومتى يعبّر عن عجزه عن الفهم فلا يملك إلا أن يردد إحدى محطات كلامه بسلاسة قائلا: "ماشي." 
_ جبت هاش؟
_ لأ.
WHY? –
_ واي إيه يعني؟ مانا قلتلك خلاص ما فيش فلوس، خالي ثبّتني وحطّلي ضهري عالحيط. 
- ما تتكلم عربي! أنا مش فاهمة حاجة!
- مانا بتكلم عربي أهه، هو أنا بتكلم عبري؟   
علي ممثل يسرق الكاميرا بعفوية وتحبّه الكاميرا بالمقابل بعفوية مماثلة فيتمكن من جذب عين المشاهد بإحساسه المرهف. لقد حفّزني على متابعته في أعمال أخرى. 
يبدو علي  في بداية المسلسل كشرير سوقي يفتعل مشكلة مع شاب أصغر منه ليلفت نظر صبية هي أيضا أصغر منه. ينبّهه صديقه إلى تفاهة ما يفعل لكنه يبدو مسحورا برغبة غامضة في مصادقة فتاة من طبقة إجتماعية أعلى. مع تطور الحبكة تتكشّف شخصية علي عن شاب متهور ومزاجي لا يعرف ماذا يريد من الحياة وهو قد أضاع البوصلة في وضع عائلي غير سوي يبقى بدوره مبهما نوعا ما وقابلا للتأويل.  
أميل إلى الإعتقاد شخصيا بأن علي هو البطل التراجيدي الفعلي في مسلسل "تحت السيطرة". 
هو يظهر لنا في البداية كمدمن صغير مشاغب يجتذب الفتيات بسجائر الحشيش، لكن علاقته بهانيا سيكون لها الأثر المدمر عليه وهي ستسقط معه سقوطا كارثيا مدويا. علي هو الوحيد الذي يلجأ إلى الدين لينظف روحه وجسده من طغيان الإدمان – مجسدا بهذه اللفتة الذكية حال الكثيرين من الشباب العربي الممزّق بين الدين والتطرف، أو الجامع بينهما في خلطة واحدة. علي يقارع الأسئلة الوجودية الكبرى التي تعصف برؤوس المدمنين وتحيّرهم في فهم سطوة المخدرات. في أحد أقوى مشاهد العمل، يخاطب علي  ربّه بعد أن حبس نفسه في غرفته بين كتاب الله وكيس المخدرات:
_ قولي حكمتك عشان أنا عايز أفهم...عايز نبطّل؟ عال...إشمعنى التبطيل ما خلقتلوش حاجة سهلة وبسيطة، زي المخدرات ما هي سهلة وبسيطة؟
- علي، إنت بتكلم مين؟
- بكلّمه، لكن هو ما بيردش عليه...أصلي أنا بحبه قوي...جايز هو مش عايز حد يبطّل...ولا خلق حاجة للتبطيل...ولا خلق حد يخترع حاجة للتبطيل...
إن إستطاع الآخرون لملمة حياتهم وإعادة ترتيبها فإن علي هو الخاسر الأكبر. تتضمن الحلقة الأخيرة مشهدا مشحونا له لا يُوصف، بل يُعاش ويَبقى في الذاكرة، لشخص يفقد كل شيء ويغرق  في هذيان منفلت فيهاجم زوجته ممسكا بشرايينها، في ما يتعدّى الإغتصاب أو القتل، لفك سر الإدمان الرهيب الذي شدّته إليه مرة ثانية. 
في الحلقة الأخيرة أيضا يظهر مدمن سابق ليروي تجربته في التخلي عن الإدمان. يُقدّمه شريف الذي يرتدي لأول مرة في المسلسل قميصا بلون فاتح، دلالة الأمل. إنه رؤوف (ماجد الكدواني) الذي ينطلق في مونولوغ بديع متدفّق  ليروي معاناته مع الإدمان - مونولوغ متفجّر يصفع المشاهد ويهزّه بعنف متضمنا صورا شديدة الإيلام أبقتها نعّوم لمسك الختام القوي. تنسال الصور الصّادمة وتتناقض وحشيّتها الجارحة مع الوجه السّمح الذي يسردها بما يكشف الطبيعة الإنسانية في أغرب مظاهرها. كيف يمكن لهذا الرجل الطيب أن ينحدر إلى هذا القاع الرهيب؟ 
لئن ركّزت السطور السابقة على متانة النص وحلوله الذكية، فإن تفاصيل الإخراج الذكي والمتمكّن، والقادر على إدهاشنا بقدرته على إستخراج أفضل ما لدى الممثل، والموسيقى الرائعة بفحيح الشّياطين التي ترافق مشاهد "الضّرب" ونداء المخدرات القاتل،  تحتاج كلها إلى سطور أطول. 
باختصار، يستحقّ "تحت السّيطرة" الكثير من الإهتمام والمتابعة، إنه عمل آسر.    







محمود الحجيري(*) أين النصر؟

يوليو 29, 2015 اضف تعليق
منذ اسابيع هبت عاصفة اعلامية خطيرة لما تحمله من تحريض من شحن نفوس وتجييش مذهبي ضربت السلسلة الشرقية من جبال لبنان، وتبعها عاصفة رعدية من الخطابات تضمنت كلام ومواقف من العيار الثقيل تساقط بردها القاتل على كافة ارجاء المنطقة لما حمله من نبرة عالية وتحريض مذهبي وزرع الشقاق والفتنة بين ابناء المنطقة الواحدة، من اعلان التعبئة العامة الى دعوة الرجال الرجال من ابناء العشائر الكرام الى عدم النوم حتى تحرير جرود عرسال وكل الجرود من رجس العصابات التكفيرية وتمخض عن كل هذه العاصفة ما اطلق عليه لواء القلعة، وما زاد العاصفة زخما وثورة نفاذ صبر الرفيق خالد حدادة واعلانه عن تشكيل الحشد الاحمر الذي " لن ينتظر الاذن او الموافقة من الدولة الفاسدة حتى يحرر الارض" !!
وبدات القذائف بالتساقط من الارض ومن السماء وبدات الانتصارات تتحقق وكلها انتصارات استراتيجية وهامة من التلة الى الثلاجة الى قرنة التنور، وللمعلومات يوجد في جرد عرسال مئات النقاط باسمائها من اودية وشعاب وتلال وعقبات وشمسان وضلان وضهور وكلها استراتيجية، وفتح باب المعركة على مصراعيه وبدون سقف زمني او اهداف محددة وتكفل الاعلام الحربي نقل مجريات المعركة مباشرة من التلال والشعاب ومن بساتين الكرز في جرد عرسال وسجلت الانتصارات باسم كل تلة وشعبة وغيرت اتجاهها العاصفة الاعلامية لتلاحق الارهابيين والتكفيريين الىى داخل بلدة عرسال حيث اعلنت وسائل الاعلام الممانعة ان المسلحين فروا من ساحة المعركة ولجأوا الى المخيمات داخل البلدة لاختباء بين النساء والاطفال وعلى راسهم ابو مالك التلي وسط نفي مصادر المسلحين لهذه الاخبار، وكان يشتم من اتجاه العاصفة الجديد هو تهيئ الجو العام لاجتياح عرسال او اقله جس النبض، ودب الحماس في نفوس بعض قادة الصف الاول في حزب الله وعلى رأسهم الشيخ نعيم قاسم نائب الامين العام فخلعوا العمائم واعتمروا القبعات العسكرية وصعدوا الى الجرود في زيارات غير معلنة سربوا منها صور امنية غير محددة المكان والهدف مباركة النصر للمجاهدين، وشد ازرهم في معركتهم المقدسة، ولكن المفاجئة كانت استمرار اهالي العسكريين المخطوفين لدى جبهة النصرة طوال الفترة الماضية وكانوا يلتقون ابو مالك التلي الفار الى المخيمات في مقره حسب تصريحاتهم للاعلام وتوجت جبهة النصرة هزيمتها المزعومة برحلة ريفية جماعية غير مرخصة ضمت عشرات الاشخاص يمثلون كل اهالي العسكريين وكان برفقتهم وفد اعلامي حيث امضوا نهار العيد مع ابنائهم الاسرى، وكان في استقبالهم مجموعات مختصة من جبهة النصر من امن واعلا ميين ومواكبة ومروا الى المخيمات الموجودة خارج نطاق البلدة، فاين النصر او الانتصارات التي اصبحت اسماءها تؤلف معجما

؟ وهل هذا النصر او المعركة بحد ذاتها تستحق العاصفة الاعلامية التي سبقتها وتابعتها؟ والارجح مصير هذه المعركة مشابه لمصير معركة الجنوب السوري.

محمد الحجيري(*)أزمة النفايات في لبنان ومسؤوليّة "بيغ بن"

يوليو 29, 2015 اضف تعليق
لوحة لحسن جوني

منذ اتفاق الطائف وإلى أجل غير معلوم، تقول الطبقة السياسية في لبنان ـ من دون استثناء ـ بأن قانون الانتخابات غير ملائم، ويعتمدون هذا القانون (غير الملائم) لمرّة واحدة، على أن يشرَع المجلس (سيد نفسه) في إعداد قانون "ملائم" من أجل الدورة الانتخابيّة القادمة.
تأتي الانتخابات "القادمة".. ويُفاجَأ هذا المجلس السيّد لنفسه، أن القانون الملائم لم يُنجَز بعد.. فيعيدُ إجراءَ الانتخابات "لمرّة واحدة" أيضاً، على أن يستأنف العمل على صوغ قانون انتخابي يليق بلبنان وبشعبه العظيم.
وهكذا منذ ما يزيد على العقدين..
دائماً تفاجئنا هذه الانتخابات.. وكأنها هزّة أرضيّة غير متوقعة أو كارثة طبيعيّة.
منذ عامين أيضاً فاجأ الاستحقاق الانتخابي المجلس صاحب السيادة، فقام بالتمديد لنفسه ليمثل الشعب العظيم .. وكفى الله المجلس شرّ الانتخابات غير المتوقّعة.
ثمّ..
يأتي استحقاق انتخابات رئاسة الجمهوريّة، ويفاجأ المجلس أيضاً، رغم أن الرئيس سليمان كان قد أعلن بأنه سيغادر إلى منزله فور انتهاء ولايته، ورغم أن أكثر من نصف النواب أساساً كانت ستعارض التمديد له لو رغب في ذلك.. وها نحن ذا نعيش منذ أكثرَ من عام دون رئيس للجمهوريّة، ومن غير المفيد تكرار "الأسباب الموجبة" ومنها أن التيار الوطني يتهم الآخرين بالتعطيل لأنهم لم يوافقوا على الذهاب لانتخاب ميشال عون رئيساً..
ثمّ..
فاجأ المسؤولين انتهاءُ عقدِ مطمر الناعمة، الذي كان قد تمّ تمديده قبل ذلك بعام أصلاً..
انتهت مدّة العقد.. ووجدت الحكومة نفسها أمام حالة "طارئة" ولم تكن محسوبة.. وكأنها هزّة أرضيّة جاءت من عالم الغيب.. 
المسؤوليّة لا تقع على الحكومة.. بل هي مدّة العقد التي انتهت بشكل "مفاجئ" وجاءت قبل أوانها في بلد ينام الجميع فيه نومة أهل الكهف.
لا مسؤوليّة على "المسؤولين"..
المسؤوليّة تقع على ساعة "بيغ بن" التي لم تلتزم إيقاع الزمن الحكومي في لبنان العظيم وشعبه ومجلسه وتاريخه الفينيقي وقياداته العظماء..
لقد اكتشفنا أيها السادة بأننا في لبنان نستطيع أن ننتظر لسنوات بدون حكومات ورؤساء ونوّاب (أو بنوّاب "ينتخبون" أنفسهم)، لكننا لا نستطيع أن ننتظر لأيام بدون سيارات ومطامر للنفايات.. 
يبدو أن مطامر النفايات أكثر أهمّية من المسؤولين في ولاية فينيقستان.
والفضل، كلُّ الفضل في ذلك، لكامل هذه الطبقة السياسيّة ولشعب الولاية العظيم.
27 تموز 2015

(*) استاذ ثانوي

زكريا حمودان(*)... متى نصبح لبنانيين؟

يوليو 28, 2015 اضف تعليق


لم ترتاح منطقة الشرق الأوسط يومًا منذ سنين، فالأزمات فيها لا تنتهي والسلام لا يعرفه ترابها أبدًا. كما المنطقة كذلك لبنان لم ينعم كثيرًا بالسلام فالأزمات مستمرة واللبنانيون يتصارعون بناءً لشكل الأزمة وتحالفاتها. واليوم، مجرد شعار أو حدث أو حتى بيان من طرف خارجي صديق أو حليف أو مُقرَّب من أحد الأطراف التي تتعاطى السياسة في لبنان يمكنه أن يُشعل الشارع الداخلي ومواقع التواصل الإجتماعي بشكل كبير، وأن يخلق إنشقاقات في الداخل اللبناني بحيثُ أثبتت التجارب أنها وصلت لدرجات من التعطيل السياسي حينًا والإقتتال أحيانًا.
في لبنان يمكنك أن تجد أعلامًا لعددٍ من الدوَل والأحزاب ترفرف هنا وهناك والعلم اللبناني نادرًا ما تجده، شعارات التخوين لأي طرف ينتقد سياسة الطرف الآخر في أبسط التفاصيل، تهليل وتهويل في كل مكان دعمًا لسياسات الآخرين، سياسات داخلية مرتبطة بدُوَل خارجية، في لبنان تختلف المشاريع كثيرًا وتتقلب بناءً لسياسات متنوعة ليس للبنانيين فيها إلا التوقيع على فرضٍ واقع من الطرف الأقوى خارجيًا.

في لمحة سريعة على ذهنية اللبنانيين منذ زمن ليس ببعيد وحتى يومنا هذا نرى جميع الأطراف مرت في أحضان خارجية طوعًا أو كرها، من فلسطين وقضية الشعب الفلسطيني والصراع العربي-الإسرائيلي إلى أوروبا ودعمها لبعض اللبنانيين، ثُمَّ مصر وسوريا والعراق خلال الأزمة اللبنانية وحقبة العروبة والبعثيات والقوميات، وصولًا إلى  السعودية وإيران عند بداية إنتهاء الحرب الأهلية ورعاية الطائف ثُمَّ تثبيت ذراع حزب الله والوصاية السورية، واليوم مؤخرًا تطل قطر وتركيا من بعض البوابات الضيقة في البيئة السنية الفقيرة، وتتابع إيران في البيئة الشيعية تجسيدًا للصراع الشرق أوسطي.

يأتي هذا العرض التاريخي تجسيدًا لواقع هو مرفوض قطعًا، وعلى هذا الرفض فلنبني حلول وليس مشاريع، فالبناء على أساسات صالحة هو البناء السليم أما البناء تماشيًا مع الواقع الخطأ فهو غير مجدي. وإنني لن أغفل عن الإستهداف المباشر لكل من يهلل برفع العلم التركي في البيئة السنية مؤخرًا، هذه البيئة التي لطالما إنتقدت وتنتقد إيران ليل نهار آن لها أن تكون السبَّاقة إلى الإلتزام الكُلي بهذا الأمر، وشكر تركيا على أي موقف دون التهليل لها وإدخالها بيوتنا السياسية التي نعمل على تنظيفها بكل الوسائل السلمية الممكنة.

إنطلاقًا من هنا ودعمًا للقيام ببناء صالح وسليم على مختلف المستويات، يكفي بأن نسأل أنفسنا متى نصبح لبنانيين؟ مشاريعنا داخلية، سياستنا تنافسنا شريفة، قراراتنا مستقلة، سلاحنا مُوَحَّد، أمننا مشترك، دولتنا لامركزية موحدة وليست كونتونات طائفية، توازناتنا إنمائية وليست طائفية ... 
(*) مؤلف كتاب "اللامركزية الطريق نحو الإنماء والإستقرار"

محمد الحجيري(*) شماعة حزب الله

يوليو 26, 2015 اضف تعليق

نصرالله في غالبية خطاباته يركّز بشكل أساس على داعش وخطرها ومواجهتها.. ويوحي بأن من لا يوافق على فهم حزب الله وسلوكه فهو مع داعش، وبأنه على كل من يريد أن يكون ضد داعش فيجب أن يكون مع حزب الله .. ثم يوحي وكأن كل معارك حزب الله في سوريا كانت ضد داعش..
فهل حقاً أن كل من يعارض سياسة حزب الله هو فعلاً مع داعش؟؟ أو أن كل من يرى خطراً وتخريباً في الدور الإيراني في المنطقة هو أيضاً مع داعش؟..
هل هذا النوع من الاستدلال هو برهان منطقي أو هو نوع من السفسطة؟
ثم هل فعلاً أن معارك حزب الله في سوريا هي أساساً ضد داعش؟
في منطقة القلمون مثلاً، من المعروف بأن الجرود التي تبدأ بمحذاة عرسال امتداداً نحو الجنوب وصولاً إلى جرود رأس المعرّة لا وجود فيها لداعش.. وهي المنطقة التي خاض حزب الله معاركه فيها في المرحلة الأخيرة..
بينما الجرود التي تبدأ بمحاذاة عرسال امتداداً نحو الشمال، وصولاً إلى منطفة القصير، وهي منطقة تمتد لمسافة تزيد عن الخمسين كلم، هي منطقة تواجد داعش، والتي لم تكن منطقة حرب حزب الله.. وحين شنّت داعش هجوماً على أحد مواقع حزب الله في هذه المنطقة، أعلن نصرالله بأن ذلك يناسب حزب الله أكثر.. أي أن تبدأ داعش حربها عليه وليس في أن يبدأ هو هذه الحرب.
لكن هذه "الحرب" انتهت ما أن بدأت..
ويقول بعض المتابعين بأن الردّ على داعش أساساً جاء من الجيش اللبناني، الذي قام بالرد وأوقع خسائر كبيرة بعناصر داعش الذين هاجموا مواقع حزب الله..
الأكثر من ذلك، فإن هذه "الحرب" التي أعلن نصرالله أن داعش قد بدأتها.. وبعد أن توقّفت بسرعة ملفتة دون أية نتائج تغيّر خارطة انتشار القوى، فإن حزب الله قد انتقل بمقاتليه لفتح معركة الزبداني، والتي لا وجود لداعش فيها..
يبدو أن داعش والقول بمحاربة داعش هي الشمّاعة المناسبة التي يعلّق عليها حزب الله كل ملابسه وشعاراته، وليبرّر كل خياراته التي يدفع الجميعُ كلفتها.. وكل من يعارض فهمه وخياراته فهو داعشي ومتعاون مع التكفيريين.. وأن "المعتدل" والمنفتح والـ ... هو فقط من يحارب داعش.. أو على الأرجح هو من يعلن الحرب على داعش ليخوض حروباً أخرى.

(*) استاذ ثانوي


العرب بين الثورة والثورة المضادة... شفيق الغبرا

العرب بين الثورة والثورة المضادة... شفيق الغبرا

يوليو 25, 2015 اضف تعليق
العرب بين الثورة والثورة المضادة
هل الموجة الثورية المقبلة أمر لا مفر منه؟






 
شفيق الغبرا ترجمها عن الإنكليزية عماد الأحمد(نوافذ)
يحتاج فهم العالم العربي إلى نظرة مطوّلة ومتأنّية. فلا شيء يدعو للاستغراب حقاً في المنطقة مقارنة بالتاريخ الحديث للدول الأخرى والتي شهدت بالفعل كلاً من الحرب والدكتاتورية والقمع والمقاومة والتطرف والطائفية والتدخل الاستعماري والاحتلال. ويمكن ربط كل جزء من هذه الحكاية والقصة المعقدة في العالم العربي بتجربة قديمة من تجارب بلدان جنوب شرق آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

شكّل التمرد العربي عام 2011 انفجاراً وإعلاناً صريحاً يقول أنه بإمكان العرب المنحدرين من الطبقات الوسطى والدنيا التمرد على البنى المهيمنة والمؤسسات الفاشلة، وعلى عمليات التهميش وسوء المعاملة التي يتعرضون لها. ولذلك يعتبر التحول في العالم العربي تغيراً حيوياً من الاستبداد والتبعية إلى حالة من المواجهة مع البنى المهيمنة للأنظمة العربية والعالمية كما تم فرضها وتأسيسها منذ الحرب العالمية الثانية. ويشمل هذا الوضع المعقد 14 عاماً من تواجد القوات الأميركية على الأرض، في المنطقة، واحتلال إسرائيل للأراضي العربية في فلسطين، والذي يتضمن العديد من الحروب الإسرائيلية، وبناء المستوطنات، والسياسة التوسعية. ويوضح هذا التغير الحيوي على المدى الطويل (في الأنظمة الاستبدادية والقوى العالمية المهيمنة) العديد من التوترات الجارية في المنطقة.

نجحت الثورات العربية خلال المرحلة الأولى. أزيح بالفعل أربعة رؤساء، وتمت إعادة التأسيس لدور الانتخابات في العالم العربي، وظهور دور الرأي العام والشباب والناشطين في مجال حقوق الإنسان، وكان هناك تحد كبير للحكم الفردي والديكتاتوري. كانت هذه الحركة عابرة للحدود وغمرت المنطقة بأكملها من المغرب إلى البحرين، ومن القاهرة إلى سلطنة عُمان.

من المهم لفهم الثورات العربية والعديد من الحركات السياسية الشعبية العربية استيعاب الحقيقة القائلة أن الأفكار كانت قوية بما فيه الكفاية لتحريك الكتلة الحرجة (مجموعة كبيرة الحجم تضم الملايين) لدعم الثوار وشعاراتهم، التي تدعو إلى تحقيق العدالة وتغيير النظام.

كان النظام العربي القديم، وعلى الرغم من الثورات، قادراً على قيادة الثورة المضادة في عام 2013 وما بعده. وهذا ما سمح للأنظمة بمتابعة احتكارها لوسائل العنف (الجيش والشرطة)، والبيروقراطية، والمشهد السياسي، والمحاكم (القوانين). واستمر عنصر مهم من عناصر الشرعية في الدول التي لا تعاني من الثورة (الأنظمة الملكية) أولاً، مترافقاً مع الدور السعودي الناشط مؤخراً. ومع ذلك، فقد تناقصت هذه الشرعية نفسها كثيراً مقارنة بفترة التسعينيات.

ولكن على الرغم من الثورة المضادة، لم يتم إرساء أي نظام جديد، بل أصبحت المشاكل البنيوية أكثر عمقاً حتى مع الدور الاستباقي السعودي ودور دول مجلس التعاون الخليجي. تعيش العديد من الدول العربية اليوم مثل سوريا واليمن وليبيا والعراق حالة من الفوضى، بحيث أنها أصبحت دولاً فاشلة. ولكن العديد من الدول العربية الأخرى تقف على حدود الفشل، ويطالب الشباب في المنطقة، والذين يشكلون 70في المئة من السكان، بالمزيد من الحرية والكرامة، وفرص العمل، والأمن، وحياة أكثر سعادة. لذلك لم تعد الدولة العربية، غير الخاضعة للمساءلة مع نخبها السياسية المهيمنة، قادرة على تلبية تطلعاتهم.

ينتظرنا في العالم العربي، مستقبلاً، عصر السياسة الجماعية، والنشاط السياسي، والعمل النقابي، والإضرابات، والمقاومة السلمية، وحركات الشباب. وسيكون كل هذا جنباً إلى جنب مع العنف الدامي الذي لا مفر منه، كرد فعل على ارتفاع مستويات الصراع، مثل الحالات الحاصلة اليوم في سيناء بمصر والعراق وسوريا واليمن وليبيا.

مصر على سبيل المثال، الدولة الإقليمية المركزية، عالقة اليوم في خضم الفقر والفساد، مع جيشها الذي يسيطر على أكثر من 30 في المئة من الاقتصاد ومع الحكومة القديمة والبيروقراطية غير الفعالة. لن يتحقق أي نوع من التقدم أو التنمية طالما لا يزال الحكم بيد الجيش، وطالما أن البلد يعيش في حالة من الحرب الأهلية بين المكونات المختلفة مثل الصراع القائم بين الإسلاميين والجنرالات.

لا يندرج جميع شباب المنطقة اليوم تحت تصنيف واحد ولا يتمتعون برأي واحد أيضاً. ويمكنني في إطار تسييس المنطقة تقديم الفرضية التالية: ليس لدى الشباب في المنطقة أي مكان يذهبون إليه. وأمام هؤلاء الشباب أماكن محدودة فقط قادرة على استيعابهم. ولم تعد الهجرة إلى أوروبا أو الولايات المتحدة حتى خياراً جيداً، كما كان الحال قبل عقد من الزمن. ودائماً ما تجد نخبة الشباب والطبقة العليا منهم طريقها إلى الغرب بكل تأكيد، ولكن الطبقات الوسطى المتقلصة في المنطقة مع أعداد أكبر من الشباب الفقراء والمحرومين في معظم دول المنطقة سيصبحون أكثر يأساً.

أعتقد أن شباب المنطقة لن يتركوا الشوارع. إما أن هؤلاء الشباب سيذهبون إلى الجماعات الأصولية المتطرفة العنيفة مثل القاعدة/ تنظيم الدولة الإسلامية، أو يتبنون أيديولوجية قومية متطرفة، أو يكونون جزءاً من حركة ثورية لا عنفية- أو ذات توجهات إصلاحية مدنية وإلى حركات حقوق الإنسان. وسيغدو السباق بين هذه النماذج في المنطقة أكثر حدة، بل ربما يغدو صراعاً قاتلاً في نهاية المطاف.

يعيش النظام العربي بطبيعة الحال على المؤسسات الفاشلة، والذي يشهد أيضاً صراعاً فئوياً بين أفراد نخبه الحاكمة، الذين لا يجتمعون على رأي واحد حول كيفية الاستجابة للتحديات. ووفقاً لكل ما حدث، فإن النظام العربي سيفشل في حل المشكلة الرئيسة. فقد فشل هذا النظام حتى في تقديم ذلك النوع من الوحدة الوطنية والاستقلال، الذي نراه في كل من إيران الثورية وتركيا الديموقراطية. وصل العالم العربي أثناء العدوان على غزة إلى حالة كبيرة من الخمول، ولم يستطع أن يفعل الكثير. ونجحت الثورة العربية المضادة في تحقيق هدف رئيس واحد يتمثل في شراء الوقت.

يبقى الخيار الحقيقي الوحيد للأنظمة، هو البحث عن تسويات سياسية مع المعارضة، ومع مجموعات الشباب، والسعي إلى عملية إصلاح حقيقي وتحول ديموقراطي حقيقي، وإلى بناء المؤسسات. وسيؤدي فشل هذه الأنظمة في تحقيق التغيير إلى تعرض النظام العربي مجدداً إلى موجة ثورية أخرى. وستمر الموجة الثورية الجديدة في مراحل عدة. يتم في المرحلة الأولى من الموجة الثورية استيعاب آثار الثورة المضادة. وستستفيد الحكومات من الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية والإرهاب لتقويض الحقوق وكبت أبسط أشكال التعبير عن الرأي. وسيذهب المزيد من الناشطين الشباب والمعارضين السياسيين إلى السجون، أو سيجدون أنفسهم في نهاية المطاف في المنفى، ليتم بالتالي تخزين المزيد من الغضب والعنف في البيئة العربية.

إذا كان الغرب يضع مكافحة العنف في العراق أو في سوريا على سبيل المثال في أعلى قائمة أولوياته من دون تمييز بين الجماعات، والأسباب، وجذور الغضب، والاحتلال، وتهميش الجيوش الغربية على الأرض للجماعات وكيف يرتبط كل هذا بالقمع، فلن يؤدي كل هذا سوى إلى تغذية عملية أكبر من التطرف مجدداً وإلى فشل الغرب في التعامل مع هذه الظاهرة.

تكمن المشكلة بأسرها في الجزء المتعلق بالسياسة الغربية تجاه الأراضي المحتلة في فلسطين والسياسة الغربية تجاه الممارسات الديكتاتورية في المنطقة. أراد الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة الأميركية الحفاظ على أمن النفط وتوفير الدعم الحاسم لإسرائيل مهما حدث. كما قام ببيع أغلى الأسلحة وأكثرها تطوراً للمنطقة وأقفل عليها الطريق الأخرى المتعلقة بحقوق الإنسان والتمثيل السياسي. ويعتبر كل ما نعاني منه اليوم نتيجة لسياسة فاشلة تم اتباعها داخل المنطقة ومن قبل المجتمع الدولي.

ستكون الموجة الثورية العربية المقبلة أكثر راديكالية في التفكير وفي الأساليب، وسيتم التركيز على إنجاز ما لم يتم إنجازه في عام 2011. كما ستستهدف أيضاً بالراديكالية ذاتها بعض الطبقات المهمة في الدول مثل الجيوش، والمحاكم، ووزارة الداخلية. ستتمتع هذه الموجة بمستوى أعمق من الغضب واليأس كما كان الحال مع الثورة الإيرانية السابقة. وسيفكر الذين تمكنوا من التحرك خلال ثورات 2011 أنهم كانوا لطيفين للغاية مقارنة بإخوانهم وأخواتهم المتطرفين الأصغر سناً، الذين رأوا كيف تم اصطياد الثوار وتصفيتهم. القنبلة العربية الموقوتة على وشك الانفجار، وأنا في حيرة من أمري فيما يتعلق بالإجابة على السؤال التالي: هل استيقظت البقية المتبقية من النظام العربي حقاً لبدء الدعوة إلى الإصلاح؟ هل يمكن تفادي فكرة أن تغدو الموجة الثورية القادمة أمراً لا مفر منه؟
أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت. 

الفكر الرحّال: جيل دولوز

يوليو 25, 2015 اضف تعليق

عن
مدونة جورج باتاي Georges Bataille



ترجمة: حسين عجة

إذا ما سأل أحدهم ما الذي أصبح عليه نيتشه اليوم، نعرف تماماً نحو منْ ينبغي التوجّه. يجب التوجّه إلى الشباب الذين يبدأون بقراءة نيتشه، والذين يكتشفون نيتشه. فنحن، بغالبيتنا، قد هرمنا. ما الذي يكتشفه شاب حالياً فيه ولم يكتشفه جيلي من قبل، أو ما لم تكتشفه الأجيال التي سبقته؟ كيف يمكن فهم مسألة شعور شباب اليوم من الموسيقين بأهمية نيتشه، بالرغم من أنهم لا ينتجون موسيقى بالمعنى الذي كان ينتجه فيها نيتشه؟ وكيف يمكننا أيضاً تعليل شعور شباب من الرسامين، والسينمائيين بأهمية نيتشه؟ ما الذي يحدث، أي ما هو إداركهم لـ نيتشه؟ كلّ ما نستطيع الإشارة إليه، عند اللزوم، ومن الخارج، هو أن طريقة نيتشه قد طالبت له نفسه، ولقرائه، من معاصريه ومن أؤلئك الذين سيأتون مستقبلاً، بنوع من حق التفسير المعكوس (contresens). إنها ليست أية مطالبة، ما دامت تتمتع بمعايير خفية، لكنها نوع من الحق في التفسير المعكوس الذي أرغب في توضيحه، بعد قليل، والذي يمنعنا من التعقيب على نيتشه كما يُعقب المرء على ديكارت، أو هيغل. أتساءل مع نفسي: منْ هو الشاب النيتشويّ اليوم؟ هل هو ذلك الذي يَعدُّ عملاً عن نيتشه؟ هذا ممكن. أو أنه ذلك الذي يولّدُ، طواعية أو مرغماً، مقولات نيتشوية مُتفردة (énoncés singulièrement nietzschéen)، عبر نشاط ما، انفعال بعينه، أو ضمن تجربة ما؟ ذلك ما يحدث أيضاً. إن أحد النصوص الأكثر جمالاً وعمقاً بنيتشويته، حسب معرفتي، هو نص رشارد دوشايس (Richard Deshayes) الذي كتب فيه «العيش، ليس البقاء»، وذلك قبيل تلقيه لقنبلة أثناء مظاهرة. لا يُقصي أحد الأمرين الآخر. إذ قد يكتب فرد ما عن نيتشه، ومن ثم ينتج في خضم التجربة مقولات نيتشوية.

نشعرُ بكلّ المخاطر التي تتربص بنا إزاء هذا السؤال: منْ هو نيتشه اليوم؟ خطر الدوغماتية ["الشباب معنا"]. خطر أبويّ [نصيحة لقارىء شاب لـ نيتشه...]. وهناك خطر التركيب المقيت (abominable synthèse). يُؤخذ الثالوث التالي كفجر لثقافتنا المعاصرة: نيتشه، فرويد، ماركس. وليس من الأهمية معرفة من هو الذي شرع أولاً. يمكن أن يكون ماركس وفرويد فجر ثقافتنا، لكن نيتشه شيء مُغاير تماماً، فهو فجر ثقافة-ضد (contre-culture). من الواضح بأن المجتمع المعاصر لا يتحرك إنطلاقاً من رموز. إنه مجتمع يعمل فوق أسس أخرى. والحالة هذه، إذا ما تأملنا ماركس وفرويد، ليس إنطلاقاً من نصوصهم، ولكن بالأحرى من ناحية صيرورة الماركسية والفرويدية، سوف نلاحظ بأنهما شرعا، بصورة متناقضة، بنوع من محاولة ترميز جديدة (recodage): ترميز ثان للدولة، بالنسبة للماركسية [«أنت مريض من الدولة، وتشفيك الدولة»، لأنها لن تكون نفس الدولة]-وإعادة ترميز العائلة [مريض من العائلة، وما يشفيك هو العائلة، التي لن تكون نفس العائلة]. ذلك ما يُؤسس حقاً، ضمن أفق ثقافتنا، الماركسية والتحليل النفسي، باعتبارهما بيروقراطيتين جذريتين، احداهما عامة، والأخرى خاصة تتمثل بالعمل على إعادة ترميز ما لا يكف عن الإفلات من الترميز، ضمن ذلك الأفق. على العكس من هذا، لا نعثر هناك أبداً على مشروع نيتشه. تكمن مشكلته في مكان بعيد آخر. فعبر كلّ الترميزات، إنّ كانت في الماضي، الحاضر، أو المستقبل، يحاول تمرير ذلك الشيء الذي لم يدع ولن يدع نفسه يخضع للترميز. جعله يمر من فوق جسد جديد (nouveau corps)، إبداع جسد يمكن أن يعبر فوقه ويتدفق: جسد قد يكون جسدنا، جسد الأرض، أو الكتابة...


نحن نعرف الأدوات الكبرى للترميز. كذلك قلّما تتنوع المجتمعات، كما ليس في حوزتها الكثير من وسائل الترميز. نعرف ثلاثة رئيسية منها: القانون، العقد والمؤسسة. ونحن نجدها، على سبيل المثال، في العلاقة التي تربط، أو تلك التي كانت تربط، الأفراد بالكتب. هناك كتب للقانون، حيث تمر علاقة القارىء بالكتاب عبر القانون. من جانب آخر، وبشكل ملحوظ تُسمى تلك الكتب، بالرموز، أو الكتب المُقدسة (livres sacrés). وثمة أيضاً كتب يتمّ التعامل معها باعتبارها عقد (contrat)، علاقة تعاقدية برجوازية. وهذا ما يكمن في أساس الأدب العلماني (littérature laïque) وعلاقة بيع وشراء الكتاب: أنا أشتري، وأنتَ توفر لي ما أقرأه –علاقة تعاقدية تلف الجميع، المؤلف، الناشر، والقارىء. ثم هناك النوع الثالث من الكتب، الكتاب السياسي، الذي يُفضل أن يكون ثورياً، والذي يُقدّم نفسه باعتباره كتاباً للمؤسسات، أما لمؤسسات الحاضر أو لمؤسسات المستقبل. وها أننا نحصل عل كل أنواع الخلط الممكنة: كتب تعاقدية أو مؤسساتية يجري التعامل معها كونها كتب مقدسة... الخ. ذلك لأن جميع أنماط الترميز حاضرة بقوة، ضمنية، أو نعثر على بعضها متداخلاً مع البعض الآخر. لنأخذ مثلاً آخر، وليكن مثل الجنون (la folie): لقد جرت عملية ترميز الجنون تحت الأشكال الثلاثة تلك. أولاً، شكل القانون، أي شكل المستشفى (hôpital)، المصح (l’asile)– ذلك هو الترميز القمعيّ، المحبس (l’enfermement)، المحبس القديم الذي يُؤمل أن يكون مستقبلاً مكان الخلاص حينما سيقول المجانين: «ذلك الزمن الجميل الذي كانوا يحبسوننا فيه، ذلك لأن اليوم تحدث أشياء أكثر رعباً منه». كما كان هناك نوع من الضربة الرائعة ألا وهي ضربة التحليل النفسي: كان من الواضح بأن ثمة أفراد أفلتوا من قبضة العلاقة التعاقدية البرجوازية بالشكل الذي ظهرت فيه ضمن المجال الطبي، وبأن أولئك الأفراد كانوا من المجانين، لأنه ليس بإمكانهم أن يكون أطرافاً مُتعاقدة، فهم قضائياً "عاجزون" (incapables). تكمن الضربة العبقرية لـ فرويد في تمكنه من جعل بعض المجانين يمرون من تحت سقف العلاقة التعاقدية، أي العصابيون، بالمعنى الواسع للمفردة، كما أوضح بأنه من الممكن ترتيب عقد خاص مع هؤلاء [وذلك سبب تخليه عن التنويم المغناطيسي]. إنه أوّل من أدخلَ في ميدان الأمراض العصبية العلاقة التعاقدية البرجوازية التي كانت مقصية حتى ذلك الوقت، وهنا تكمن حداثة التحليل النفسي. بعد ذلك، جرت محاولات في وقت أقرب، تتمتع نتائجها السياسية وطموحاتها الثورية بوضوح أكبر، أي ما يُطلق عليها اسم التجارب المؤسساتية. هنا نلتقي بالوسيلة الترميزية ذات الأبعاد الثلاثة: إمّا أن يكون القانون، وإذا لم يكن القانون، فالعلاقة التعاقدية، وإذا لم تكن العلاقة التعاقدية، فلتكن المؤسسة. وبالتالي تزدهر من حول تلك الترميزات بيروقراطياتنا.

أمام طريقة مجتمعاتنا في إبطال الترميز، حينما تهرب الترميزات من كل صوب، يقف نيتشه باعتباره ذلك الذي لم يحاول إعادة الترميز. يقول: لم يكن ذلك منذ زمن بعيد، كنتم ما تزالون أطفالاً [«لقد أصبحت المساواة اليوم عند الإنسان الأوروبي إجراءً غير قابل للتراجع: علينا تسريعه ثانية»]. يواصل نيتشه، عبر ما يكتبه ويفكر فيه، محاولة عدم الترميز، لكن ليس بمعنى إبطال الترميز النسبي، الذي سيكون بمثابة فك وقراءة الترميزات القديمة، الحاضرة والمستقبلية، بل في إبطال الترميز بصورة مطلقة (décodage absolu) –تمرير شيء ما غير قابل للترميز (qui ne soit pas codable)، فتشويش جميع الترميزات. ليس بالأمر الهين، وإن كان ذلك على المستوى الأبسط من الكتابة، أو اللغة. وأنا لا أرى من مثيل له سوى عند كافكا، مع ما فعله كافكا بالألمانية، وفقاً للموقف اللغوي ليهود براغ: إنه يَنصبُ عبر اللسان الألماني ماكنة حرب ضد اللغة الألمانية؛ ولأنه لم يكن محدوداً وزاهداً، لذا تمكن، من تحت ترميز الألمانية، تمرير شيئاً لم يكن مفهوماً من قبل. أمّا نيتشه، فيرى نفسه أو يرغب في أن يكون بولندياً إزاء ألماني. إنه يستحوذ على الألمانية لكي يصنع منها ماكنة حرب (machine de guerre) سوف تتمكن من تمرير شيئاً غير قابل للترميز عبر الألمانية. ذلك هو الأسلوب كسياسة. وبصورة أعم، أين يكمن ذلك الجهد لفكر كهذا؛ فكر يدعي بأنه قادر على تمرير تدفقاته من تحت القوانين، عبر رفضها، من تحت العلاقات التعاقدية، بتفكيكها، ومن تحت المؤسسات، بمحاكاتها؟ سأتناول ثانية، وبشكل سريع، مثال التحليل النفسي. ما الذي يحتم على مُحلل نفسي أصيل كـ ميالاني كلاين (Mélanie Klein) البقاء بالرغم من ذلك ضمن منظومة التحليل النفسي؟ تقوله لنا هي نفسها بوضوح: أن المواضيع الجزئية (les objets partiels)، بانفجاراتها، وسيلاناتها... الخ، ما هي إلا فنطازمات (fantasmes). هنا ثمة عقد، عقد خاص: لتعطني حالاتك المُعاشة، وأنا أقدم لك بالمقابل فنطازمات. كما يتضمن العقد على مبادلة، ما بين المال والكلام. كذلك يشعرُ محلل مثل فنكوت (Winnicott)، الذي يقف حقاً على أطراف التحليل النفسي، بأن ذلك المنهج غير ملائم أحياناً. ففي لحظة بعينها، يكف الأمر عن الارتباط بالترجمة (traduire)، أو بالتأويل (interpréter)، ترجمة الفنطازمات، أو تأويل الدلائل والمدلولات، كلاّ، ليس ذلك ما هو المطلوب. ثمة لحظة تقتضي المشاركة (partager)، كما ينبغي على المُحللِ وضع نفسه في مكان أو نقطة المريض، عليه الذهاب إلى هناك، ومشاطرته لحالته. هل يتعلّق الأمر بالتعاطف، بالشعور بـ، أو بالتطابق؟ إنه أكثر تعقيداً من ذلك. ما نشعر فيه يكمن، في الحقيقة، في ضرورة وجود علاقة لا تكون شرعية (légale) لا تعاقدية ولا مؤسساتية. هذا ما يحدث مع نيتشه. نحن نقرأ شذرة (aphorisme)، أو قصيدة من "زرادشت". إنّ نصوصاً كهذه لا يمكن، لا مادياً ولا شكلياً، فهمها لا عن طريق إنشاء أو تطبيق قانون ما، ولا بواسطة ما توفره العلاقة التعاقدية، ولا بفضل إقامة مؤسسة ما. قد يكون المعادل الوحيد لهذا يتمثل «بركوب المرء للموج». جعل شيء ما باسكالي ينقلبُ ضد باسكال. فنحن محشورون في السفينة: ما يُشبه كلك ميدز (radeau de la Méduse)، وثمة قنابل تتساقط بالقرب من الكلك، فيما ينحرف الكلك باتجاه سواقي جامدة وتحت أرضية، أو نحو شواطىء حارقة، كما هي "أرونوك" (Orénoque)، الأمازون (l’Amazone)، حيث يجدف أفراد سوية؛ أفراد لا يُفترض حبهم الواحد للآخر، لكنهم يصارعون ويفترس بعضهم البعض. إن التجديف سوية هو المشاركة، التشارك بشيء ما خارج تماماً على القانون، وعلى أي عقد أو مؤسسة. انحراف، حركة منحرفة أو "خارج الحدود" (déterritorialisation): قلت ذلك بطريقة متميعة تماماً، مُلتبسة للغاية، ما دام الأمر يتعلق بفرضية أو انطباع غامض حيال أصالة نصوص نيتشه. إنها نموذج جديد للكتاب.

ما الذي ينبغي أن تكون عليه خصائص شذرة من شذرات نيتشه لكي تولد مثل هذا الانطباع؟ لقد وضعَ موريس بلانشو إحدى تلك الشذرات، بقوة، تحت الضوء، في كتابه "المحاورة اللانهائية" (L’entretien infini). إنها العلاقة بالخارج (relation avec le dehors). في الحقيقة، ما إن يفتح أحدنا نصاً لـ نيتشه، حتى يشعر بأنها واحدة من المرات النادرة التي لا يلتقي فيها بأية داخلية (intériorité)، سواء كانت داخلية الروح أو الوعيّ؛ داخلية الجوهر أو المفهوم، أي ما صنعَ دائماً مبدأ الفلسفة. فما قام به أسلوب الفلسفة يكمن في علاقته بذلك الخارج التوسطي (médiatisé) والمنحل ضمن داخلية ما، من قبل داخلية بعينها. ما الذي يعنيه زورق جميل للغاية أو رسم فائق الجمال؟ ثمة كادر (il y a un cadre). كما يتم تأطير الشذرة حتى. لكن في أية لحظة يغدو فيها ذلك جميلاً، ما يوضع تحت كادر؟ في اللحظة التي نعرف ونشعر فيها بأن الحركة والخط اللذين تمّ تأطيرهما قادمان من مكان آخر، ولا تشرعان انطلاقاً من حدّ الكادر. فالحركة كانت قد انطلقت من تحت الكادر، أو من أحد جوانبه، والخط يعبر الكادر. كما يحدث في فيلم لـ غودار (Godard)، حيث يجري الرسم مع الجدار (avec le mur). لأن الكادر ليس تحديداً للسطح التصويري، وإنمّا على العكس من ذلك ما يٌقيم علاقة مباشرة مع الخارج. إنّ إيصال الفكر بالخارج (brancher la pensée sur le dehors)، هو ما لم يقم به أبداً الفلاسفة، حتى عندما كانوا يتحدثون عن السياسة، أو حينما يتحدثون عن التنزه وشم الهواء. إذ لا يكفي الحديث عن الهواء النقي، ولا الحديث عن الخارج حتى يتمّ إيصال الفكر فوراً ومباشرة إلى الخارج.

«يقدمون كأنهم المصير، بلا سبب، من دون علّة، بلا تلفت أو ذريعة، وها أنهم هنا بسرعة البرق، مرعبون ومباغتون تماماً، مقتنعون للغاية، آخرون تماماً (trop autres) وبإمكانهم أن يكونوا مادة للكراهية...».  ذلك هو نص نيتشه الشهير عن مؤسسيّ الدول (fondateurs d’Etats) «أولئك الفنانون ذو النظرة الثاقبة [جنيولوجيا الأخلاق، ج2، ص 17]. أو في نصّ كافكا "سور الصين العظيم"؟ «يستحيل علي الوصول إلى فهم كيف أنهم نفذوا في العاصمة، مع أنّها بعيدة تماماً عن الحدود. ها أنهم هنا، وفي كل صباح يتعاظم عددهم [...] كذلك يستحيل التحاور معهم. فهم لا يفقهون لغتنا [...]. كما أن خيولهم تأكل اللحوم!». حيال نصوص كهذه، نقول بأنها مخترقة بحركة قادمة من الخارج، لا تنطلق من صفحة الكتاب، ولا من الصفحات السابقة لها، وغير المطروحة داخل إطار الكتاب، وبأنها تختلف تماماً عن الحركات المُتخيلة للتصورات أو الحركات التجريدية للمفاهيم، التي تجد مكانها عادة من خلال المفردات وفي رأس القارىء. شيء ما يقفز من الكتاب ويتصل بخارج محض (un pur absolu). ذلك هو، كما أعتقد، حق المعنى العكسيّ في عمل نيتشه برمته. إنّ الشذرة هي بمثابة لعبة قوى، حالة قوى خارجية دائماً يكون بعضها إزاء البعض الآخر. ولا ترغب في قول شيء ما، كما أنها لا تُدلل على أي شيء، ولا تتمتع بدال أكبر من تمتعها بمدلوله. فتلك طرق تهدف إلى إعادة بناء داخلية النص. الشذرة حالة قوى، تشكل الأخيرة منها، أي الأحدث، الأكثر آنية، والعابرة كلية، الأكثر برانية (la plus extérieure). يطرح نيتشه ذلك بوضوح كامل: إذا كنتم تريدون معرفة ما أقول، عليكم العثور على القوة التي تمنح معناً، وحتى معنى جديد، إذا ما اقتضى الأمر. ثم لتربطوا هذا النص بتلك بالقوّة. وبهذه الطريقة ليس ثمة من إشكال يتعلق بالتأويل عند نيتشه، ولا مشكلة إلاّ تلك المرتبطة بالدس: أنّ يتم دس نصاً لـ نيتشه، والبحث عن القوة البرانية الآنية التي تُمررّ شيء ما، أو تيار طاقة (courant d’énergie). على هذا الصعيد، نلتقي بكلّ المشاكل التي تطرحها بعض نصوص نيتشه ذات النبرة الفاشية (résonance fascistes) أو ضد السامية (antisémite)... وما دمنا نتحدث عن نيتشه اليوم، علينا الاقرار بأنه غذى وما زال يغذي العديد من الشباب الفاشيّ. كانت هناك لحظة تطلبت إظهار كيف تمّ استخدام نيتشه، تحريفه، وتشويهه بالكامل من قبل الفاشيين. وقد جرى إظهار ذلك من خلال مجلة "آسيفال" (Acéphale)، التي كتب فيها كلّ من جان فال، باتاي، وكلوسوفسكي. لكن قد لا يكون ثمة مشكلة اليوم. فالنضال لا ينبغي أن يكون على مستوى النص. ليس لأننا لا نستطيع النضال على هذا الصعيد، ولكن لأن هذا النضال غير مجديّ. يتعلق الأمر بالأحرى بالكيفية التي نجد ونحدد فيها القوى الخارجية، التي تمنح هذا النص أو ذاك لـ نيتشه معناه التحرريّ (sens libératoire)، معناه البراني. ينطرحُ السؤال المُرتبط بالطابع الثوري لـ نيتشه على صعيد المنهج: فالمنهج النيتشوي (méthode nietzschéenne) هو منْ يصنع نص نيتشه، وهو ليس بشيء ينبغي طرح سؤال حياله «هل هو فاشيّ، برجوازي، أو هو ثوري بحد ذاته؟» –لكنه ميدان براني تتواجه فيه القوى الفاشية، البرجوازية والثورية. إذا ما طرحنا السؤال بهذه الصورة، فسوف يكون الجواب المتوافق بالضرورة مع المنهج هو التالي: البحث عن القوة الثورية [منْ هو الإنسان المتفوق (surhomme)؟]. النداء دائماً على القوى الجديدة التي تأتي من الخارج، والتي تحتل ثانية النص النيتشويّ ضمن الشذرة (l’aphorisme). ذلك هو المعنى المعكوس الشرعي: التعامل مع الشذرة باعتبارها ظاهرة تترقب القوى الجديدة، القادمة التي "تستولي" (subjuguer) عليه، تحركه، أو تجعله ينفجر.

الشذرة ليست مجرد علاقة بالبراني (le dehors)، وإنما تتمتع بخاصية ثانية ألا وهي علاقتها بالقويّ (intensif). وهذا نفس الشيء. لقد ذكر كلوسوفسكي وليوتارد كلّ ما يمكن قوله حول هذه النقطة. إنّ الحالات المُعاشة (états vécus) هذه، التي تحدثت عنها قبل قليل، لكي أقول لا ينبغي ترجمتها إلى تصورات أو فنطازمات، ولا ينبغي أيضاً تمريرها عبر ترميزة القانون، العقد والمؤسسة، أو التلاعب بها، والتي يجب استعمالها، على العكس من ذلك، لخلق التدفقات التي تحملنا بعيداً، بعيداً أكثر نحو الخارج، هي بالدقة قوى (intensités)، القوى (les intensités). كما لا تتولد الحياة المُعاشة عن الذاتيّ (pas du subjectif)، أو ليس بالضرورة. إنها ليست الفردانيّ (individuel). هي التدفق (flux)، وانقطاع التدفق (coupure de flux)، ما دامت كلّ قوة ترتبط بالضرورة بقوة أخرى غيرها، بطريقة تسمح بمرور كلّ شيء. ما يمرّ من تحت الترميزات، ما يفلت منها وما ترغب الترميزات بترجمته (traduire)، تبديله (convertir)، وتحويله (monnayer). لكن نيتشه يقول لنا، عبر كتابته عن القوى: لا تجعلوا القوى تفلت لصالح التصورات. لا تحيل القوة ثانية (renvoie) إلى المدلولات (signifiés) التي ستصبح بمثابة تصورات عن الأشياء، ولا نحو دالات (signifiants) ستكون بمثابة تصورات عن الكلمات. ما هو إذاً تماسكها كفاعل وموضوع لإبطال الترميزات في آن معاً؟ ذلك ما هو أشد غرابة عند نيتشه. للقوة علاقة بأسماء العلم (noms propres)، وهذه ليست بالتصورات لا عن الأشياء [أو الشخوص] ولا تصورات عن الكلمات. فسواء كانت جماعية أو فردانية، كالفلاسفة ما قبل سقراط، الرومانيون، اليهود، المسيح، المسيح الدجال، جيل سيزار، بورجيا، زرادشت، كلّ أسماء العلم هذه التي تمر وتعاود المرور في نصوص نيشته، لا تمثل لا دالات ولا مداليل، لكنها إشارات لقوة (désignations d’intensité)، على جسد، وقد يكون جسد الأرض، جسد الكتاب، ولكن أيضاً جسد نيتشه المُتألمِ: كلّ اسماء التاريخ هي أنا... (tous les noms de l’histoire, c’est moi…). هناك نوع من البداوة (nomadisme)، من الترحيل المتواصل للقوى التي تشير إليها أسماء العلم، والتي تتداخل في بعضها، في ذات الوقت الذي تعيش فيه من فوق جسد مُكتنز (un corps plein). إذ لا يمكن معايشة القوة إنّ لم تكن مرتبطة بنقش مُتحرك من فوق جسد ما، وببرانية حركية لأسم علم، من هنا يغدو كلّ اسم علم قناع (un masque)، قناع لفاعل (masque d’un opérateur). النقطة الثالثة هي علاقة الشذرة بالدعابة والتهكم (avec l’humour et l’ironie). الذين يقرأون نيتشه ولا يضحكون، ولا يضحكون كثيراً، أو في غالب الوقت، ولا يضحكون أحياناً ضحكاً جنونياً، كأنهم لم يقرأوا نيتشه. وهذا لا يخص نيتشه وحده، وإنما كلّ المؤلفين الذين يصنعون بالدقة الأفق ذاته لثقافتنا-الضد (notre contre-culture). فما يُظهر انحطاطنا، تقهقرنا، في الطريقة التي نشعر فيها بالحاجة لوضع القلق (angoisse)، العزلة (solitude)، الذنب (culpabilité)، مأساة التواصل، وكلّ أنواع المأساوي الداخلي (tragique de l’intériorité). بيد أن ماكس برود (Max Brod) يخبرنا كيف كان الناشرون يضحكون ضحكاً مجنوناً، حينما كان كافكا يقرأ عليهم "المحاكمة" (le procès). كذلك من الصعب قراءة بيكيت دون ضحك، ومن دون التنقل من لحظة غبطة إلى لحظة فرح أخرى. الضحك وليس الدال (le rire, et pas le signifiant). إنّ الضحك-الشيزوفرنيا (rire-schizo) أو الغبطة الثورية (la joie révolutionnaire)، أي ما يتولد عن الكتب العظمى، بدلاً من حالات قلقنا الناتجة ونرجسيتنا الصغيرة (petit narcissisme)، أو أشكال رعب شعورنا بالذنب. يمكننا تسمية ذلك بـ «هزل الإنسان المتفوق» (comique du surhomme)، أو «مهرج الله» (clown de Dieu)، هناك دائماً فرح لا يوصف ينبثق من الكتب العظيمة، حتى عندما تتحدث عن الأشياء القبيحة، المُحبطةِ والمُفزعةِ. يشكل كلّ كتاب عظيم ومن البدء التحول (déjà la transmutation)، ويصنع صحة اليوم القادم (la santé de demain). كما لا يمكن للمرء أن لا يضحك وهو يخلط الترميزات. فإذا ما وضعتم الفكر بعلاقة مع البراني (le dehors)، فسوف تتولد لحظات الضحك الديونوزوسي (rire dionysiaque)، إنه الفكر في الهواء الطلق (pensée à l’air libre). يجد نيتشه نفسه أحياناً أمام أشياء مُنفرة، غثيانية وحقيرة. ومع ذلك، تُضحك نيتشه، ويضيف قائلاً هل أن هذا ممكن: لتزيد، فهي ليست مُنفرة كفاية، أو كم هو رائع ذلك المُنفر (dégoûtant)، يا لها من أعجوبة، عمل رائع (un chef d’œuvre)، زهرة بعروقها، وفي النهاية «شرع الإنسان في أن يكون مهماً». وعلى سبيل المثال، كانت تلك طريقة نيتشه للتعامل مع ما يطلق عليه اسم الوجدان السييء (mauvaise conscience). حينئذ، ستكون هناك دائماً تعقيبات هيغيلة، تعقيبات الداخلية، المحرومة من حس الضحك. يقولون: ها أنكم ترون نيتشه يتعامل مع الشعور السييء بجدية، ويجعله لحظة في مسار الصيرورة-عقل للروحانية (devenir-esprit de la spiritualité). لكن يتغاضون النظر حيال ما يفعله نيتشه بالروحانية لأنهم هناك يشعرون بالخطر. نحن نلاحظ إذاً بأنه إذا كان نيتشه يعطي مكانة للمعاني المعكوسة الشرعية، فهذا لا يعني بأنه ليس هناك من معاني عكسية لاشرعية تماماً، فهي قائمة عند كلّ أولئك الذين  يستخدمون العقل الجدي، وعقل البلاهة (esprit de lourdeur)  في تفسيراتهم لإشارة زرادشت (signe de Zarathoustra)، أي يفسرونها بتعابير عبادة الداخلية. يحيل ضحك نيتشه دائماً نحو الحركة الخارجية للدعابة والتهكم، وهذه الحركة هي حركة القوى، الكتل القوية، التي استخلصها كلوسوفسكي وليوتارد: لعبة أن هناك قوى مُنحطة وقوى سامية، وهي مُتداخلة مع بعضها ويمكن فيها للقوى المنحطة توجيه القوى الأكثر سمواً، بل وتصبح هي نفسها أكثر سمواً من السامية، ومن ثم تقلبها. إنّ لعبة السلالم القوية تلك هي التي توجه صعودات التهكّم ونزولات الدعابة عند نيتشه، والتي تتطور باعتبارها تماسكاً (consistance) أو كمية المُعاش ضمن علاقته بالخارج. كذلك فإنّ الشذرة هي مادة نقية للضحك والفرح. فإذا لم يعثر المرء في الشذرة على ما يُضحك، وتوزيع القوى ما بين التهكم والدعابة، فكأنه لم يكتشف شيئاً.

هناك أيضاً نقطة أخيرة. لنعود إلى نص "الجينولوجيا" (La Généalogie) العظيم، وإلى الدولة ومؤسسي الأمبراطوريات: «إنهم يقدمون كالمصير، بلا سبب ومن دون علة... الخ». هنا يمكننا التعرف على رجال الإنتاج المُسمى آسيوي. على قاعدة المجاميع الريفية البدائية، يقيم الطاغية وماكنته الإمبراطورية التي تضاعف ترميز كل شيء، مضافاً إليها البروقراطية، وإدارة تنظم الأشغال الكبرى وتستحوذ على فائض الشغل [«ما أن يظهروا، وبوقت قصير ثمة شيء جديد، دولاب سيادي حيّ، حيث تتحدّد وتتعيّن علاقة كلّ جزء ووظيفته بالنسبة للمجموع (à l’ensemble)»…]. بيد أن بإمكان المرء التساؤل إذا ما كان هذا النص قد ترك قوتين ضمن المجموع، من دون أن يربطهما ببعضهما، فيما كأن كافكا، في عمله الخاص، قد ربط بينهما وميزهما الواحدة عن الأخرى في "سور الصين العظيم". فعندما نبحث عن معرفة الكيفية التي تمكنت بفضلها تلك المجاميع البدائية المُفتة من إفساح المجال أمام تشكلات سيادية أخرى، وهو سؤال يطرحه نيتشه في "الجينولوجيا"، سوف نرى بأن هناك قوتين متلازمتين، لكنهما مختلفتان تماماً الواحدة عن الأخرى. صحيح أن تلك الجماعات القروية قد تمّ القبض عليها من وسطها وثُبتت في الماكنة البروقراطية للطاغية، نساخه، قساوسته وموظفيه؛ لكن تلك الجماعات، انطلاقاً من المواقع المحيطة بالمركز، تدخل في نوع آخر من المغامرة، وفي نوع آخر من الوحدة التي ستكون، هذه المرة، رحالة (nomadique)، ضمن ماكنة حرب بدوية (machine de guerre nomade)، ومن ثم تتخلص من الترميزات بدلاً من تعاظمها. مجاميع كبيرة تنطلق برمتها، وتصبح ترحالية (qui nomadisent): لقد عودنا علماء الآثار [أركيولوغ] التفكير بتلك البداوة لا على أنها حالة أولانية، ولكن باعتباره مغامرة تأخذ مكان المجموعات المدنيّةِ، أي النداء البراني (appelle du dehors)، الحركة. يتعارض البدويّ بمكانته الحربية مع الطاغية وبروقراطيته؛ فالوحدة البديوية البرانية تتناقض مع الوحدة الطاغية الداخلية. ومع ذلك، إنهما متلازمتان ومتداخلتان لحد تصبح فيه مشكلة الطاغية تتمثل في ضم المكانة الحربية للبدوي، وجعلها تشكل جزء داخلياً منه، فيما تكون مشكلة البدويّ تتمثل بخلق بيروقراطية للإمبراطورية التي أستولى عليها. كما أنهما لا تكفّان عن التناقض، حتى في النقطة التي يتداخلان فيها.


لقد ولدَ الخطاب الفلسفي من رحم الوحدة الإمبراطورية، عبر العديد من التحولات، تلك التحولات التي تقودنا باتجاه التشكلات الإمبراطورية للمدينة الإغريقية. فحتى عبر تلك المدينة الإغريقية ظل الخطاب الفلسفي على اتصال مع الطاغية، أو ظله، من خلال الإمبريالية (impérialisme)، وإدارة الأشياء والأفراد [نجد في كتاب ليو شتراوس وكوجيف "الطغيان" (La Tyrannie) كل ما يمكن قوله حول هذه النقطة]. لقد كان الخطاب الفلسفي يتمتع دائماً بعلاقة جوهرية بالقانون (La loi)، بالمؤسسة، والعقد التي تبني مشكلة السيادة التي تخترق التاريخ المدني للتشكلات الطغيانية ووصولاً إلى الديمقراطيات (aux démocraties). إن "الدال" (le signifiant) هو حقاً آخر تحولات فلسفة الطاغية (philosophie du despote). فإذا كان نيتشه لا ينتمي للفلسفة، فذلك ربما لأنه كان أول منْ فكر بنمط آخر لخطاب فلسفة-الضد. أي أنه خطاب رحال في المقام الأول، لا يمكن للماكنة العقلانية الإدارية توليد مقولاته، ولا الفلاسفة كبيروقراطين للعقل المحض (raison pure)، ولكن بماكنة حربية مُتنقلة. وقد يكون ذلك أيضاً هو الذي دفع نيتشه للإعلان عن أن سياسة جديدة تبدأ معه [وهذا ما يسميه كلوسوفسكي المؤامرة ضد طبقته]. نعرف بأن الرُحَلْ، وفقاً لأنظمتنا السياسية، أناس تعساء: لا ندخر أية وسيلة من أجل تثبيتهم (les fixer)، لأنهم يعانون من شظف العيش. وقد عاش نيتشه كواحد من الرحل إلى حد الكفاف الذي يجعله وكأنه ظل لنفسه، متنقلاً ما بين نزل مؤثث إلى نزل آخر. لكن أيضاً ليس من الضروري أن يكون البدوي شخصاً مُتنقلاً: هناك سفرات في ذات المكان، سفرات القوة، بل وحتى تاريخياً البدو ليسوا أولئك الذين يتنقلون على طريقة المهاجرين (migrants)، على العكس من هذا، إنهم أولئك الذين لا يتزحزحون، والذين يشرعون بالرحيل في ذات المكان، وبهذا يفلتون من الترميزات. نحن نعرف بأن المشكلة الثورية اليوم تتمثل بإيجاد وحدة ضمن النضالات المحدّدة ومن دون السقوط ثانية في أحضان التنظيم الطغياني والبيروقراطي للحزب والدولة: ماكنة حربية لا تعيد صناعة جهاز الدولة، ووحدة رحالة تمتع بعلاقة مع البراني، الذي لا يعيد صنع الوحدة الطغيانية الداخلية. ذلك ما يشكل ربما الجانب العميق من نيتشه، معيار قطيعته مع الفلسفة، مثلما تظهر عبر الشذرة: تحويله للفكر إلى ماكنة حربية، وجعله للفكر قوة رحالة (puissance nomade). وحتى لو كانت السفرة ثابتة، أو تُقام في ذات المكان، اللاملموس، غير المتوقع، التحت أرضي (souterrain)، علينا التساؤل منْ هم رحالة اليوم، منْ هم النيتشويون الحقيقيون.

محمود الحجيري(*) زمن انتظارات الشباب... شيزوفرينيا لبنانية

يوليو 23, 2015 اضف تعليق

خاص الرومي

في نهايات القرن الماضي حدث تحرك شبابي كبير في لبنان كانت ادارته مجموعة من الناشطين وبعض رجال الكنيسة تحت اسم "انتظارات الشباب"، وكان هذا التحرك يعقد مؤتمرا سنويا في احدى المحافظات اللبنانية تحت عنوان محدد، وقد تسنّى لي المشاركة في عدة مؤتمرات لانتظارات الشباب، وكانت اول مشاركة في المؤتمر الذي عقد في الكلية الشرقية في زحلة وكان عنوانه الاساسي البيئة وعندما وصلت الى الكلية شعرت بالفرح، اخذت فنجان قهوة وجلست في مكان مرتفع اراقب مئات الشبان والشابات بكل غبطة وسرور وهم يتحركون كخلية نحل في جو يسوده الفرح والمحبة والتفاهم يتناغمون بالحديث والاغاني والهتافات... مشهد يلزم الامل بالتراقص في المخيلة بالوصول الى شعب لبناني متفاهم، وتوزع الحضور على مجموعات لتسهيل النقاش، وما لفتني في حينه تفاهم اغلبية الحضور على راي عنصري بامتياز وهو تحميل مسؤولية الخلل البيئي للعمال السوريين الذين كانوا يتجمعون في الساحات وعلى جوانب الطرقات وتحت الجسور ينتظرون فرصة عمل عابرة، والاهم ارتفع الصوت الى اعلى مدى ضد التسلط على لبنان من كل الفئات وهذه كانت حالة نادرة او شاذة في حينه، وفي الليل ذهبنا لحضور عرس تقليدي في راشيا وفي صباح اليوم الثاني استكملت النقاشات على ذات الوتيرة من التفاهم على اكثر المواضيع التي طرحت للنقاش وبعد استراحة لم يتبق الا فقرة واحدة من البرنامج وهي فسحة حرة او "هايد بارك " وقد اجتمع المؤتمرون في قاعة واحدة مع رئاسة للجلسة لتنظم التداول على الكلام وقد تناوب على الكلام عدد من الزملاء وكان ملخص الكلام البيئة والاحتلال السوري، طلبت الكلام فتحدثت عن البيئة الجوفية وما تعانيه اكثر المناطق لافتقارها الى شبكات للصرف الصحي، وقدمت اقتراحا ان يتضمن البيان الختامي تضامنا مع الاسرى اللبنانيين في السجون الاسرائيلية والمطالبة باطلاق سراحهم وعلى راسهم المناضلة سهى بشارة، وتبعني شخص مباشرة وطالب بالتضامن واطلاق سراح سمير جعجع وقبل ان ينهي كلامه اتى الرد من الجهة المقابلة، سمير جعجع عميل اسرائيلي وقبل نهاية الجملة اتى صوت من وسط المدرج "سمير جعجع اشرف منكم انتم عملاء النظام السوري"، ارتفعت الاصوات من كل ارجاء القاعة تحركت القوى الامنية واخذت وضعية الاستعداد في اماكن رئيسة قبل ان يتدخل الاب مارون عطاالله ويلقي كلمة لوم وعتب وتأنيب، ويذكر الحضور بكلامهم عن السوريين وهو الآن قد يضطر للاستعانة بالسوريين للفصل بينهم اما انا فقد استفقت من حلم استمر اربعاً وعشرين ساعة متواصلة وتذكرت اني اعيش بين سكان لبنان.


وفي السنة الثانية عقد مؤتمر "انتظارات الشباب" في انطلياس وقد وجهت لي دعوة ولبيتها وكان هذا المؤتمر تحت عنوان " التنمية المتوازنة "، وتميز المؤتمر بضيوفه من كل المجالات السياسية والفكرية والفنية. وكان الجيش اللبناني طرفا اساسيا من حيث التنظيم وحفظ الامن والمشاركة، وعندما حلت فقرة الجيش صعد الى المنصة العميد ابو شديد وبرفقته اربعة ضباط اخذوا مواقعهم على جانبي العميد واخرج معلقته الادبية من المغلف وكانت تحفة ادبية بصياغتها وديباجتها المتقنة، ولكن مضمونها "وحدة المسار والمصير، تلازم المسارين، الجيشين في معركة المصير الواحد، دعم المقاومة في عملياتها البطولية حتى انجاز التحرير "... وكل الجمل والعبارات التي كانت من انتاج تلك المرحلة في ظل الوصاية السورية، وكانت كلمة طويلة وفي نهايتها فتح العميد باب الاسئلة والحوار مع الشباب وفي بداية حواره أتى احد اداريي المؤتمر واعتذر من العميد وانهى الحوار بسبب حلول وقت الغداء؟ اعتذر العميد من الحضور وابدى استعداده للرد على أي سؤال في مكتبه الموجود داخل حرم الكنيسة، وبعد الغداء اقترحت على صديقين أن يرافقاني الى مكتب العميد فلم يمانعا... وعندما دخلنا عليه استقبلنا بابتسامة وترحاب ودعانا للجلوس، وقبل ان نتكلم زود كلا منا بنسخة من مجلة الجيش، وهو من سأل ماذا تريدون وكيف لي ان اساعدكم؟
فقلت له: حضرة العميد كل دول العالم التي تخرج من الحروب الجيش يقوم بعملية البناء فاين الجيش اللبناني من البناء وخاصة اليوم نبحث عملية التنمية؟ فابتسم بسخرية وقال: شو متأثرين بافكار الجيران؟ واشار بيده باتجاه سوريا، فقلت له: منذ لحظات سمعنا خطبتك وانتم المتاثرين بالجيران، فضحك وقال: حكي للحكي فقط! لكن طويلة على رقابكم نحن لن نبني، انتم من دمرتم عليكم تحمل مسؤولية البناء. سألته: نحن من نكون؟ فاجاب: انتم الشعب الذين كنتم تتقاتلون، ونصيحة أخيرة لا تتاثروا بما تسمعون من الجيران ....
(*) كاتب

"الشرق الأوسط في حاجة إلى ثورة جنسية"

يوليو 22, 2015 اضف تعليق

كتاب منى الطحاوي - "الحجاب وغشاء البكارة"


ترى الصحافية المصرية منى الطحاوي المثيرة للجدل في كتابها "الحجاب وغشاء البكارة" أن المرأة تبقى مواطنة من الدرجة الثانية في البلدان الإسلامية طالما لم يكن هناك ثورة حقيقية. الصحفية الألمانية كلاوديا كراماتشيك ترى في تقديمها التالي للكتاب لموقع قنطرة أن المؤلفة لا تقبل بأخذ "الخصوصيات الثقافية" بعين الاعتبار.
تُعتَبَرُ حريَّة المرأة مقياسًا لمدى تحقُّق مفهوم الحريَّة في المجتمع. ويُقصد بالحريَّة دائمًا حريَّةً للجميع - سواء كانت للرجل أو المرأة. لذا كان من المشجِّع في سياق الربيع العربي أنْ صارت المرأة أيضًا تعبِّر عن آرائها بشكلٍ متزايدٍ. بيد أنَّه كان من المحبط أيضًا، أنْ يجري الانتقاص من حقوق المرأة بسرعة، وتحديدًا في تلك البلدان التي علا فيها نداء من أجل الحريَّة بعد فترة طويلة من الاضطهاد الذي ما زال مستمرًا.
سبق أنْ أكَّدت الصحافيَّة المصريَّة شيرين الفقي في العام الماضي 2014 في كتابها "الجنس والقلعة" على ضرورة أنْ تواكب ثورةٌ اجتماعيَّةٌ الثورةَ السياسيَّة، ما يعني في نهاية المطاف ثورة جنسيَّة. منى الطحاوي، وهي أيضًا صحافيَّة مصريَّة أيضًا، تذهب في كتابها "الحجاب وغشاء البكارة؟" الذي تُرْجِم إلى اللغة الألمانيَّة وحمل عنوان "لماذا تكرهوننا إلى هذا الحد؟"، أبعد من شرين الفقي وتقول بجرأةٍ إنَّ الشرق الأوسط بحاجة إلى ثورةٍ جنسيَّةٍ، حيث ترى أنَّ الثورة الجنسيَّة وحدها يمكن انْ تجعل حريَّة المرأة ممكنةً، فتضمن بالتالي تحقيق الحريَّة المنشودة في هذه البلدان.
كتاب منى الطحاوي "الحجاب وغشاء البكارة"، ترجمة عنوانه الألماني: "لماذا تكرهوننا إلى هذا الحد؟" من أجل ثورة جنسيَّة للنساء في العالم الإسلامي"، نقلته أورسولا هيلد عن الإنجليزيَّة الأمريكيَّة، النسخة الألمانية صادرة عن دار نشر بيبر 2015 ، 203 صفحات.
هناك ضرورةٌ ماسَّةٌ للتنوير الجنسي، وذلك للجنسين (على عكس العنوان الوارد باللغة الألمانيَّة: "لماذا تكرهوننا إلى هذا الحد؟")! لكن إلى حينه سيزداد غضب النساء باضطراد، حسبما تلاحظ كلاوديا كراماتشيك.
كرهٌ متأصِّلٌ للنساء
الكتاب استفزازي بدءا من الجملة الأولى: "يجب من حيث المبدأ أنْ نتكلَّم دون مُوَاربة"، هكذا تبدأ منى الطحاوي حديثها في ما تراه كرهًا متأصِّلًا للنساء في العالم العربي. وتضيف: "نحن النساء العربيات نعيش في ثقافةٍ معاديةٍ لنا من حيث المبدأ، ثقافةٌ تتسم باحتقار الرجال للنساء. وهم لا يكرهوننا بسبب حرياتنا، كما تريد أنْ تقول الصيغة الأمريكيَّة المبتذلة بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. بل العكس، إذ ليس لدينا حرِّيات لأنهم يكرهوننا".
تتكلم منى الطحاوي عن تجارب عايشتها شخصيًا، فقد وُلِدت في مصر، بيد أنَّ عائلتها انتقلت إلى المملكة العربيَّة السعوديَّة وهي في السابعة من العمر، وتقول بهذا الصدد: "كأننا انتقلنا إلى كوكبٍ آخرَ، أشدُّ رغبات سكَّانه عدم وجود النساء".
لذا يركِّز تقويمها النقدي على مصر والسعوية – حتى وإنْ أدخلت غير مرةٍ أرقامًا ومعطياتٍ من دولٍ عربيَّةٍ أو إسلاميَّةٍ أخرى، مثل اليمن ولبنان وسوريا أو السودان.
هوس العفـَّة والإفراط في مَحْوَرَة الجنس
هذه الأرقام والمعطيات دامغة ومحبِطة في نفس الوقت – يود القارئ في بعض الأحيان الاعتراض بعبارة "نعم، ولكن". بيد أنَّ المؤلفة ترفض بالذات هذ العبارة، فلا تعفي دينها من مسؤوليته عن القمع الذكوري (وهي ذاتها التي ارتدت الحجاب طويلًا عن قناعة)، كما ولا تقبل بالأخذ بـ "الخصوصيات الثقافيَّة" بعين الاعتبار.
الحديث عن هذه الخصوصيات لا يدعم بحسب الطحاوي سوى المتشددين والأصوليين الذين يجعلون جسد الأنثى "حاملا ثقافيًا"، فيُلبِسُونه التصورات الذكوريَّة للثقافة. وهكذا تُخْتَزَل النساء إلى مجرَّد غشاء بكارةٍ وحجابٍ، أما العفـَّة والطهارة فهما المذبح الذي تجري عليه التضحية بحياة المرأة إذا اقتضى الأمر من أجل السِمْعة الحسنة فقط: جرائم الشرف، وزواج الأطفال، وتعدد الزوجات، وختان الإناث في مصر، والعنف المنزلي، والتأثير المتبادل بين العنف المنزلي وعنف الدولة. انظروا على سبيل المثال إلى عمليات الاغتصاب في ميدان التحرير وما يسمى باختبارات العذريَّة التي تـُجرى في مصر.
السيطرة الشاملة
تقول منى الطحاوي بوضوحٍ لا لَبْسَ ولا غموض فيه إنَّ الأمر لا يتعلق بالعفـَّة التي يروَّج لها، فقد وقع التحرّش بها جنسيًا وهي شابة حتى في مكة أثناء الطواف حول الكعبة بالرغم من ملابسها المحتشمة. ولم يكُن مسموحًا لها بالحديث عن ذلك. فالأمر يتعلق أساسًا بالسيطرة وبحريَّة تنقُّل الإناث.
تنعت منى الطحاوي ما يسمى قوانين الأحوال الشخصيَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة بسياسة الفصل العنصري بين الجنسين، فالنساء الراشدات يحتجن إلى وليِّ أمرٍ -حتى وإنْ كان الابن القاصر- يتيح لأمه مثلاً الزواج مجددًا؟ وليس لديها للتعليق على هذا إلا كلمات لاذعة: "المتديِّنون المتشدِّدون يُسَخِّفونَ المملكة العربيَّة السعوديَّة. بلدٌ شقَّ في خلال ستة عقودٍ طرقَا سريعةً وعريضةً عِبرَ الصحراء ولديه أفضل شبكات الإنترنت، يسجن نساءه في أجواءٍ قروسطيَّة، والعالم يصمت إزاء ذلك".
شيرين الفقي مؤلفة كتاب "الجنس والقلعة". Foto: Kristof Arasim
تؤكد الصحافيَّة المصريَّة شيرين الفقي في كتابها "الجنس والقلعة" على ضرورة أنْ تواكب ثورةٌ اجتماعيَّةٌ الثورةَ السياسيَّة، ما يعني في نهاية المطاف ثورةً جنسيَّةً.
ينتمي الغرب وكذلك البقيَّة المسلمة الصامتة إلى هذا العالم. وهي توجِّه إليه كتابها في المقام الأول، حتى وإنْ أشارت بسخريةٍ إلى ازدواجيَّة المعايير الغربيَّة، بحيث سُمِحَ بالذات للمملكة العربيَّة السعوديَّة المعادية للنساء (ولم يسمح لإيران) من شراء حصتها في هيئةٍ مثل "هيئة الأمم المتحدة للمرأة"، التي تعِد بدعم وتشجيع الرياضة النسائيَّة.
غضب النساء سوف يغيِّر العالم الإسلامي
ومع ذلك ليس هدفها "أن يأتي الإنقاذ على يد الغرب". بل ترغب في أنْ يصغي الغربُ لتلك النساء ويمنحهن منبرًا. نساءٌ يخاطرن بحياتهن في الكثير من الأحيان، لكي يحصل جنسهن على ما يبدو بديهيًا للرجال: حريَّة التنقّل والعيش كما يردن.
تناولت منى الطحاوي حالات نساءٍ شجاعاتٍ، مثل موكب تلك النساء اللاتي احتججن على حظر قيادة السيارات عليهن في المملكة العربيَّة السعوديَّة، واللاتي أُودِعن إثر ذلك السجن وسُحبت منهن جوازات سفرهن، حالاتٌ تتقاطع مع تجربة المؤلفة الذاتيَّة، ما يضفي على الكتاب لمسةً شخصيَّةً وحيويَّةً. ورسالة الطحاوي للنساء: تحدثن بأنفسكن عن شؤونكن.
ولا تدع منى الطحاوي الرجال جانبًا بالرغم من ذلك، فهي تعلم أنَّ كثيرين منهم أيضًا يعانون من المعايير المزدوجة المتزمتة والمنافقة التي تفرضها ثقافتهم. لذلك ترى أنَّ هناك ضرورةً ماسَّةً للتنوير الجنسي، وذلك للجنسين على عكس (العنوان كما جاء باللغة الألمانيَّة)! لكن إلى حينه سيزداد غضب النساء باضطراد. هذا الغضب، إذا صدَّق القارئ المؤلفة، صار الآن كبيرًا إلى حدٍّ مهول، وسوف يغيِّر الدول الإسلاميَّة عاجلًا أم آجلًا بشكلٍ جذري.

كلاوديا كراماتشيك
ترجمة: يوسف حجازي

كتاب منى الطحاوي "الحجاب وغشاء البكارة"، ترجمة عنوانه الألماني: "لماذا تكرهوننا إلى هذا الحد؟" من أجل ثورة جنسيَّة للنساء في العالم الإسلامي"، نقلته أورسولا هيلد عن الإنجليزيَّة الأمريكيَّة، النسخة الألمانية صادرة عن دار نشر بيبر 2015 ، 203 صفحات.

جلال برجس: في البادية والريف أصلُ الحكاية... والقصيدة تملكُ أدوات صمودها

يوليو 22, 2015 اضف تعليق


 رؤى الحجيري(الجريدة)
فاز الكاتب الأردني جلال برجس بجائزة «كتارا» عن روايته غير المنشورة «أفاعي النار- حكاية العاشق علي بن محمود القصاد». تحكي الأخيرة، كما يقول، عن روائي فقد روايته في حريق، مستلهمةً القيمة الإنسانية ومتسلَّحة بها مقابل كل ما من شأنه أن يهددها.
برجس الشاعر والروائي الذي تراكمت في دواخله شهوة الحكاية في مسقط رأسه قرية «مادبا» ، يؤكِّد أن توجهاً شعرياً سنشهده في المرحلة المقبلة، وأنَّ في الريف والبادية أصلاً متجذراً للرواية ومناخات متفردة في هذا الشأن. معه الحوار التالي.



فزت بـ{كتارا} عن الرواية غير المنشورة. ماذا ستضيف إلى مشوارك الروائي؟

 إضافة إلى أن الجوائز تكريم للإبداع، كفعل نهوض بالمكون الإنساني، أولاً، وثم للمبدع الذي إن تخلى عن دوره أصاب الأرض لوثة الدوار، فإني أراها كبقعة ضوء تسقط فجأة على المبدع وتبقى ترافقه إينما ذهب وحلَّ. لهذا تجسِّر الجوائز المسافة بين القارئ والمقروء، وتصنع من جانب آخر شكلاً قوياً من أشكال التحفيز على صعيد كتابة الرواية وقراءتها.
يمكنني القول إن {كتارا} عبَّدت لي طرقاً جديدة نحو القارئ، وهذا مطمح أي روائي من وراء الجوائز. الجائزة الحقيقية هي ما بعد الجائزة، ألا وهو القارئ، الذي يسعى إلى العمل المكرَّم، وفي باله توق إلى أن يجد فيه ما كُرم لأجله.
لست من أولئك الذين يؤمنون بأن الجوائز لا تصنع إبداعاً. نعم هي لا تخلق إبداعاً، إنما تشكِّل أحد أهم محفزات الإبداع، ألا وهي تلك الطاقة الكامنة التي تمر بكسل تارة، وتصاب بالنشاط طوراً.
رغم تعدد الجوائز، أراني بكل ثقة أقول إن الكتَّاب ما زالوا بحاجة إلى جوائز أكثر.

هل تعتقد أن الكاتب عموماً بحاجة إلى الاحتفاء به؟ بل هل يسعى إلى أن ينال الرضا إذا صح لنا القول؟

منذ متى في الأصل احتفي بالكاتب العربي لنسأل إن كان بحاجة إلى الاحتفاء به؟ هل تلاشت الصورة النمطية التي ما زالت إلى الآن تصوِّر الكاتب على أنه كائن مجنون وعبثي، بخلاف بعض من روجت لهم مؤسسات ما وسلطات معينة. ثمة من توفي من الكتَّاب برداً على الرصيف، وثمة من تخلى عن مشروعه الإبداعي وهو ينهمك بتدبير شؤونه اليومية.
حالات كثيرة تعبِّر عن بؤس وصل إليه الكاتب العربي الحر المنتمي إلى قضايا الإنسان بمستوياتها كافة. لذلك أرى أن الكاتب العربي بحاجة إلى الاحتفاء به، وبحاجة إلى أن يأخذ مكانته الحقيقية ويصبح أولوية أولى، خصوصاً أن ما من جبهة في هذه الأيام قادرة على الدفاع عن إنسانيتنا المهددة أكثر من جبهة المثقف الذي إن سعى إلى نيل رضا ما، عليه أن يقصد القارئ الواعي.

تسهم الجوائز المالية بتشجيع الإبداع، ولكن ألا تقلص في الوقت نفسه من حرية إبداء الرأي والتعبير بصدق لمصلحة إرضاء توجهاتها؟

من الخطأ أن يؤسس الكاتب لعمله بناء على توجهات جائزة ما، لأن الكتابة الحقيقية ابنة الحرية والفضاء المنعتق من شتى أشكال القيود، وإن فعل ذلك فهو يفقد التصالح مع نصه ومن ثم مع قراءه، فينتج نصاً مبتوراً لا يؤدي إلى شيء، حتى لو عانى الكاتب من عوز مالي شديد، وتاق إلى هامش مالي يجعله يتفرَّغ لكتابته.
 حزت سابقاً جوائز عدة، بغض النظر عن فوزك بكتارا، لماذا أقنعتك، كما ذكرت، في موسمها الأول؟

أقنعتني جداً وراقت لي مفرداتها المتميزة، كما راقت لكثير من الروائيين. إنها الجائزة التي جعلت الروائي الفائز يتخلَّص من سوط الفكرة السائدة بأن الكتابة في العالم العربي لا تجد من يقدرها، وأكدت أن الروائي صار محط احتفاء كونه قادراً على اختزال حياة في حكاية عبرها يمرر إلى القارئ رؤيته للكون ولما حوله عبر مقترحاته الإنسانية. إنها جائزة لم تملِ على الكاتب توجهاً ما، ولم تضع شرطاً سوى الشروط الفنية لأي نص روائي عليه أن يصل إلى القارئ.

هل كنت تتوقع الفوز، خصوصاً أن المتقدمين للجائزة أكثر من 700 كاتب؟

ثمة هاتف داخلي كان يمنحني بعض الإشارات حول فوزي، إنه ذلك الصوت القريب من إيماني بما كتبت وبما اشتغلت عليه لسنين. لكن مسألة الفوز وتوقعنا لها تبقى دائماً محكومة بعوامل عدة أهمها توقعنا الدائم بأن ثمة عملاً آخر أعلى قيمة ويستحق أن يكون الفائز.

هل اطلعت على أعمال فائزة، وما رأيك فيها ككاتب؟

قرأت «مملكة الفراشة» للصديق واسيني الأعرج، و366 للصديق أمير تاج السر، روايتان جميلتان وتستحقان الفوز، ولهما قراء وأصداء في العالم العربي، وفي كل واحدة منهما ما يعول عليه. أما بقية الروايات الفائزة فحتماً سأطلع عليها وأستمتع بعوالمها التي بالتأكيد هي عوالم جميلة وإلا لما فازت.

عمَّ تتحدَّث روايتك الفائزة «أفاعي النار- حكاية العاشق علي بن محمود القصاد»؟

تحكي روايتي عن روائي فقد روايته في حريق منزلي أتى على حاسوب حيث حفظت الرواية. تستلهم الرواية القيمة الإنسانية وتتسلَّح بها مقابل كل ما من شأنه أن يهددها. ثمة أشواك كثيرة في عالمنا، رغم التقدم التكنولوجي، علينا أن نحصدها ونصبر على آلامها كي يتعافى قلب حياتنا التي ما زالت تعاني ثقافة الخرافة، والتطرف بأشكاله كافة اجتماعياً ودينياً. إنها حكاية الحب في مقابل الكره والنور في مقابل الظلام.

{مادبا}... وهلسا

أي مكان في الأردن تستلهم منه طريقة سردك؟

إنه مسقط رأسي «مادبا». ولدت في قرية أوَّل من سكنها جدي، انتقالاً من عالم البداوة وحركتها المستمرة، إلى عالم الريف واستقراره. في هذا المزيج ما بين عالمين، انتميت إلى الحكاية وهي تروى في أيام الحصاد، وليالي الشتاء، وفي المناسبات الاجتماعية، وحتى بين عابري الطرق. في المجتمعات الشعبية، حكايات كثيرة تُروى بأدوات سردية مهمة متكاملة حققت عناصر الحكي المهم كافة وما يرمي إليه، لذلك رأيتني أندمج منذ طفولتي بهذا الفضاء الفسيح، وتتراكم في دواخلي شهوة الحكاية.
بت لا أؤمن بمقولة ترى أن الرواية ابنة المدينة، والشعر ابن البادية. في الريف والبادية، ثمة روايات عظيمة كتبت وثمة حكايات كبيرة ستكتب، وثمة شعر لا يزال يحتفظ بمكانته. كذلك المدينة ما زالت تقول حكاياتها الخاصة، وشعرها الخاص أيضاً.

لماذا ترفض اعتبار الرواية ابنة المدينة؟

لا أرفض اعتبار الرواية ابنة المدينة، بل أنا مقتنع بهذا الرأي النقدي، ولكنني أرفض الرأي الذي ينكر الروايات القادمة من الأطراف، وأقصد الأطراف التي هي بمنأى عن المركز ألا وهي المدينة. ففي الريف والبادية، أصل قوي للحكاية ومناخات متفردة في هذا الشأن.
إن دققنا في النهج السردي المحكي في الريف والبادية والقرى، نجد تقنيات مهمة ووعياً فطرياً بالحكاية وأصولها. في هذه المناخات الاجتماعية البكر، ومنها  البادية، تتسع المخيلة جنباً إلى جنب مع اتساع الفضاء الطبيعي، فيصبح الليل وهو يلقي بصمته وسحره على بدن البيداء منبراً لحكايات عادة ما يشوبها شيء من خيال يأخذ صفة تراكمية، فتؤسطر الشخصيات المروية، وتأخذ الحكاية أبعاداً جميلة، حينما تروى من أكثر من شخص. والرواي حينما يشرع بحكايته يستخدم تلك الكاميرا المعدة للحكاية في مقدم مخيلته، فيعيش المتلقي التفاصيل كافة بعناصرها التصويرية والتشويقية، وتأزم العقدة والذهاب نحو الحب، ثم النهاية التي تصاغ بوعي درامي طبيعي.
في البادية والريف والقرى، نشأ عدد من الروائيين، اتكأوا على هذا الإرث العظيم، إلى جانب اهتمامهم بالموروث الروائي العربي والعالمي.   

كيف ترى روايات غالب هلسا؟

ولد غالب هلسا في قرية ماعين في مادبا، التي لا تفصلها عن القرية حيث ولدت، سوى مسافة عشرين كيلو متراً، ونشأ فيها قبل أن يتركها مغادراً إلى عَمان، في ذات المناخ الثقافي الذي نشأت فيه. تعرفت إليه عبر ترجمته الشهيرة لكتاب غاستون باشلار «جماليات المكان» فأدهشتني مقدمته الشهيرة للكتاب، وروح إبداعية تجلت في الترجمة المحكمة والمهمة. ومنه، انطلقت إلى عالم هلسا الروائي حيث وجدت قفزة مهمة في عالم الرواية في زمن سادت فيه مدرسة روائية واحدة اتكأت على نهج نجيب محفوظ.
كان لغالب هلسا وعي نفسي وسياسي وفني في استنطاق شخوص روايته، وفي تصوير أماكنها وأزمنتها بجمالية مذهلة، تضاف إلى ذلك جرأة هلسا العالية والتي تجلت لي في محاولاته قلب مكون شخصياته الداخلي وإعلانها أمام القارئ من دون أن يكترث بأي شكل من أشكال المحظورات.
غالب هلسا روائي مهم استثمر تجربته السياسية وعكسها على شخوص رواياته، وصاغ رؤى دقيقة عبر مشروع  روائي أزعم بعد مطالعتي له، أنه تنبأ عبره مبكراً بحوادث العالم العربي الراهنة، وهذا لم يكن له أن يحدث لولا موهبته الأصيلة، وثقافته التي تغذت من مصادر غاية في الأهمية، ووعيه السياسي المهم والذي لم يكن يسعى عبره إلا إلى الحرية.
قرأت غالب هلسا على مراحل، وأقصد هنا تعدد القراءات، والأخيرة منها أعماله في بيته حيث ولد ونشأ على تلك التلة في قرية ماعين. يمكن لنا في روايات مهمة، مثل روايات هلسا، أن نكتشف أبعاداً جديدة من أبعاد الرواية حينما نتتبع أمكنة الروائي ومناخاته.

برأيك وأنت شاعر، مع طوفان الرواية  هل سيتعزز حضور الشعر؟

سيعود الحضور إلى الشعر، وأعتقد أن ثمة توجهاً شعرياً سنشهده ستنتجه المرحلة التي لا يزال العالم العربي يمر بها، فالشعر يملك أدوات صموده، ولا بد من أن يشهرها، مع أنني أرى أن ما يشاع من آراء حول تراجع الشعر لصالح الرواية ليس دقيقاً، فقراء الشعر كثيرون، تماماً كما قراء الرواية، لكن هي مسألة نسبية كرسها بعض سمات الشعر الحديث التي صنعت هوة بين القارئ وبين القصيدة، لسبب واحد هو أن الحداثة الشعرية لم تسبقها حداثات، بحيث تأتي تلك الحداثة في سياقها الطبيعي.

رقابة وآباء


• هل ثمة رقابة في بلادك تجعلك حذراً في التعبير بحرية عن رأيك؟

لا أعتقد أن في بلادي مشكلة من هذا النوع، ولم أتعرَّض لأي مسائلة حول ما أكتب، علماً أنني لا أكترث بأي شكل من أشكال الرقابة فقد نشأت على مقولة لوالدي، مفادها، إن خفت لا تقل، وإن قلت لا تخف. فما من أدب له أن يبقى كالآدمي الذي يسير بخطى سليمة، من دون القفز عن المحظورات.

• من هم أباؤك في الرواية؟

في مرحلة مبكرة من عمري كانت قراءتي عشوائية للنتاج الروائي، لكنني فيما بعد وضعت لي برنامجاً يمتد بعض مراحله إلى عام. كنت أقسم تلك الإعوام حسب القراءة. على سبيل المثال، مكثت لخمسة أعوام متتالية أقرأ الأدب الروسي، وأقل منها جعلتها للأدب الألماني، علماً أن النتاجين لا تكفيهما أعوام كثيرة. لذلك وجدتني معجباً بأكثر من روائي مثل دستويفسكي وغوغول وهوغو وغوته على الصعيد الكلاسيكي، وزوسكيند وماركيز ويوسا على الصعيد الحديث. أما عربياً، فقد وجدت في غالب هلسا تلك الأبوة الروائية التي أضاءت لي طريقي، إضافة إلى إعجابي بتيسير سبول والطيب صالح وإميل حبيبي.

• ماذا عن مشاريعك المستقبلية؟

أسعى إلى الرواية التي تسلتهم عوالم الإنسان النفسية في زمننا الإشكالي هذا، بالإضافة إلى مقاربة ظروفه الخارجية. أسعى إلى أن أنجز رواية تقفز عمَّا هو نمطي، وتذهب ليس إلى الجمالي فحسب إنما أيضاً إلى تقاطع هذا الجمالي مع ما يعانيه الإنسان في في هذا القرن.
لا يكون هذا السعي إلا بأن أكتب من الشارع، لا عبر نافذة تطل عليه.