عبدالله خلف(إيران تريد كل شيء في المفاوضات النووية)

يونيو 29, 2015 اضف تعليق


في المفاوضات حول الإتفاق النووي، إيران تريد كل شيء وأوباما مستعد للقبول بأي شيء لتحقيق الإنجاز الوحيد في  سياسته الخارجية وبأنه استحق بجدارة جائزة نوبل للسلام،
إيران تريد رفع العقوبات فور توقيع الإتفاق فهي بحاجة لملياراتها المجمدة لدعم اقتصادها الضعيف ولشراء معارضتها الداخلية وبحاجة أكثر لتمويل حروبها وتدخلاتها العسكرية في المنطقة من اليمن إلى لبنان.
وإيران تعارض تفتيش مواقعها العسكرية فهي سبق ورفضت تزويد الأمم المتحدة بمعلومات عن موقع بارشيم حيث يسود الإعتقاد أنها أجرت إختبارات لصواعق يمكن استعمالها في القنابل النووية. 
بالمقابل وزير خارجية بريطانيا يصرح بأن عدم توقيق إتفاق أفضل من توقيع اتفاق سيء ووزير خارجية فرنسا وضع شروطه لتوقيع الاتفاق وهي الحد بشكل دائم من الأبحاث وتفتيش صارم لكل المواقع ومنها العسكرية عند الضرورة والعودة التلقائية للعقوبات في حال انتهاك الإتفاق.
لكن إيران ستحاول دائماً اللعب على عامل الوقت في المفاوضات ومن خلال محاولتها ربط زيارة أي موقع بالتوافق في حينه مما يسمح لها بالمماطلة التي تتقنها جيدا" وكذلك  تلعب ورقة المستثمرين الغربيين الذين يقفون بالطوابير للدخول إلى أسواقها وهم يضغطون على حكوماتهم لتوقيع الإتفاق.
  حتى الآن الإتفاق يتعثر ضمن هذه الشروط، فالغرب يريد اتفاق يمنع إيران من انتاج القنبلة النووية وعلى المدى الطويل لإلغاء العقوبات الدولية وصاحب القرار الإيراني خامنئي يريد ملياراته ويفتي بحرمة انتاج آلات القتل ويقسم أنه لن يفعلها ويطلب من العالم أن يصدقه.. 
أبو حسين أوباما وحده صدقه !!!

سمير قصير (قصة حب)

يونيو 28, 2015 اضف تعليق
سمير قصير

انها لحكاية عشق فريدة، ترويها ملصقات السينما المصرية والعربية التي ضمها معرض "قصة حب" في اطار مهرجانات بيت الدين لسنة 2003. ليس فقط لان المعرض استلهم في عنوانه اللغة العاطفية التي طغت في الاعما

ل المشكلة له، بل لنه ينقل بالفعل، وصورة بعد صورة، قصة عشق لم ينضب. انه العشق الذي شد الجمهور العربي، وفي كل البلاد، الى اختراع الاخوين لوميير بعدما أفضى الى تلك الصناعة الوطنية التي مثلتها السينما المصرية ولا تزال.
كان للحكاية تمهيدها حين اكتشفت القاهرة ثم بيروت آلة العرض الحديثة العهد في اوائل القرن العشرين، وراح الاخوان لوميير يصوران أزقة القدس العتيقة. لكنها بدأت فعلا في عشرينات ذلك القرن، وتسارعت وتيرتها عام 1935 عند تأسيس ستوديو مصر بدعم من المصرفي طلعت حرب. واستمرت المغامرة، تصعد وتهبط، فجعلت من القاهرة القطب الثالث للسينما العالمية بعد هوليوود وبومباي (المعروفة باسم بوليوود) وقبل شينيشتا الايطالية.
وكانت السينما المصرية قد حظيت، مع اختراع السينما الناطقة، بدعم ثمين من الاغنية الجديدة، فزادها سحرا. هكذا، أتى النجوم الاوائل للسينما المصرية من الاغنية: عبد الوهاب وليلى مراد (وكيف ننسي "بلاش تبوسني في عنَّي""؟) وحتى ام كلثوم، كان لقاء الفنين منذ اللحظة الاولى مقنعا، ولعل القاهرة كانت جاهزة لاستنباط الفيلم الموسيقي لو لم تسبقها هوليوود. وجاء فريد الاطرش ليؤكد قران السينما بالموسيقى، وسط ديكورات الكاباريهات الاكثر هوليوودية من هولييود، وبعده عبد الحليم حافظ، العندليب الاسمر الذي لا يضاهى. كذلك، اثبتت اللبنانية صباح منذ نهاية الاربعينات، ومن ثم مواطنتها سميرة توفيق ووردة الجزائرية وكثيرات غيرهن، وكل في لون، ديمومة هذا الزواج الذي الهم كمية من الافلام - وعددا مماثلا من الملصقات كأنها بطاقات دعوة الى الفرح. لكن الحفل في بلاد الكيف لا يكتمل من دون الراقصة، ولم تتأخر السينما المصرية في جعل الرقص الشرقي محطة الزامية في اي فيلم موسيقي، وقد رفعته تحية كاريوكا ثم سامية جمال الى مصاف الفن الكامل المكتمل.
هكذا راح الشغف يولد شغفا. وخلف طقوس الترفيه التي حدت بالجمهور المصري والعربي عموما الى عبادة نجوم الشاشة، بدءا بنجوم الطرب، كشفت السينما بأي حماسة انطلقت مجتمعات الشرق الاوسط لتعيش تحولات حياتها اليومية وتعبيراتها الرمزية. وبمساعدة من كتاب كبار لم يترددوا قط في تحويل رواياتهم افلاما او حتى في المساهمة في كتابة السيناريوهات، طبع المخرجون الحداثة في الاسود والابيض، ومن ثم في "الألوان الطبيعية" التي اتاحها اسلوب الـ "تكنيكولور" طبعا، هنا كما في ايطاليا، طغى عالم "الهواتف البيضاء" الذي سخر منه دينو ريزي، وطغى عليه الـ "غلامور" هذا الاغراء البهي البراق الذي صدرته هوليوود، لكن ابن البلد، ابن القاهرة القديمة، لم يتوار امام الخواجات، ولا فلاح الدلتا فعل ذلك ايضا.
لا شيء ينبئ بهذا التحول اكثر من تلك الملصقات التي راحت تتوالد حول شبابيك التذاكر. واي تحول كان هذا الذي ثبت في عمق المخيلة العربية ظاهرة رفع الحداب، وهو ما كانت هدى شعراوي قد بادرت اليه بعنفوان علني من على عتبة القطار وسط محدة القاهرة. وتضاعفت بذلك مرات ومرات فاعلية الرفض. فها هي الملصقات تميط اللثام عن نساء يستعدن حرية اجسادهن، بل ترفع هذه الحرية على طول المباني وتزرعها على النواصي العامة. بالقياس التاريخي، كانت سرعة التغيير مذهلة، اذ نقلت فجأة المرأة من الاسر الى مصاف "معبودة املايين" ادت صباح هذا الدور لفي الفيلم الذي حمل الاسم نفسه، لكن الملصقات لم تنتظره لتراهن على تلك العبادة، بفضل تصاميم نجحت في التقاط تحية كاريوكا بجرأتها. وهند رستم بشهيتها، وماجدة ذات اللمى، وشادية الدلوعة، والطلة الاميرية التي تراءت بها مريم فخر الدين، وأناقة برلنتي عبد الحميد التي لا عجب ان خلب جمالها مشيرا حتى الضياع، ومن ثم ضحكة نجلاء فتحي القاتلة والبراءة الملتبسة التي حملتها زوزو، تلك التي كان قيل لنا خلي بالك منها، والتي تجسدها الى الابد صورة سعاد حسني في ثياب النوم.
ورغم التموجات، بلغ التحول حدا كان يستحيل بعده ان تمحو آثاره العودة الى الطهرانية التي حدت، منذ بداية الثمانينات، ملكات العشق السابقات الى ارتداء الحجاب، ولا انتقادات تحججت بالنسوية لتأخذ على السينما تحويل الجسد النسائي سلعة جنسية,. اصلا، لم يكن هناك من خصوصية نسائية، فالرجل ايضا سلعة جنسية، يبدو ذلك جليا عند النظر الى الطريقة التي صور بها عمر الشريف او رشدي اباظة او حسين فهمي، من دون ان ننسى شاربي عماد حمدي. وبات الرجال والنساء، وهذا جديد آخر، على قدم المساواة، فالقبلة السينمائية تفرض عليهما الندية. ولم تتردد الملصقات في التركيز على القبلة من الثغر الى الثغر- وكلاهما ملتهم- التي يتبادلها فهد بلان مع مريم فخر الدين وعبد الحليم مع ناديا لطفي. لكن الجسد والوجه لا يعنيان على الدوام الشهوانية الفالتة من كل عقال. فها هي فاتن حمامة تحمل في الملصقات كما في الافلام، وبفضل فنانين يعلمون مثلها كيف يطوعون قدراتهم، كل المشاعر التي يمكن ان تطلب من ممثلة موهبتها عظيمة. بعدها، عرفت سعاد حسني ثم يسرا كيف تظهران موهبة مماثلة في تنوعها. اما بين الرجال، فكان فريد شوقي يفرض قوته العارية ليصبح وحش الشاشة بلا منازع فيما يستمد يوسف وهبة من هيبته الهادئة لقب الباشا الدائم.
واذ سجلت السينما تحرر الفرد ووسعت رقعته، راحت ايضا تحاكي الاجتماع الوطني. وقد ادركت مصر الناصرية ذلك جيدا، فرغم انها ادارت ظهرها الى الكوزموبوليتية التي طبعت الاسكندرية والقاهرة الخديوية، فانها امتنعت عن معادات السينما، بل سعت الى الغرف من سحرها لمساندة رمزيتها الثورية. فظهرت الاعمال الوطنية الضخمة، في السينما كما في الاغنية، ومنها وطني الاكبر الذي جيش عددا من النجوم حول عبد الوهاب، او الناصر صلاح الدين الذي نيط اخراجه بيوسف شاهين. ومن اجل استعادة ملحمة محرر القدس، اجتمعت لكتابة السيناريو اقلام كبار الادب كلهم، وفي مقدمهم نجيب محفوظ، مثلما تضافر النجوم على الشاشة. ولا سيما نادي لطفي ومحمود المليجي وفريد شوقي، فيما كتب لاحمد مظهر ان يجسد متعملقا الناصر. حتى رسام الملصق ادلى بدلوه، وكأنه شعر برياح التاريخ تهب، فصنع احدى روائع هذا الفن.
ولئن بدا الملصق فنا ثانويا كونه وظيفيا في الدرجة الاولى، الا انه ما لبث ان تحرر. واذ اندرج في سياق تطور عام لفن الغرافيك تجلى في الوقت نفسه في تنسيق المجلات واغلفة الكتب، فقد وجد في السينما مصدر الهامه الاقوى. وباتت السينما العامل الاول في تطور الغرافيك العربي الذي جمع التوليف مع الابداع. التوليف بين، وخصوصا اذا قارنا الملصقات المصرية بتلك التي كانت تنتج في هوليوود او في شينيشتا. لكن الاستعارة من الخارج لم تكن تقليدا قط. وبنتيجة شح الامكانات المادية والتراث الشعبي، راح الملصق المصري يعلن استقلاليته، برسومه المخطوطة بالقلم العريض والوانه الصارخة، التي ظهرت خصوصا في الترويج لافلام الكوميديا من بطولة اسماعيل يس وفؤاد المهندس ولاحقا عادل امام. بل ان الملصق المصري استبق الـ "بوب ارت"، ثم نجح في تقديم تنويعات ناجحة جدا عنه، لعل اكثرها قوة الشفتان اللتان تتوسطان ملصق "الف بوسه وبوسه" وكأنهما خرجتا من محترف اندي وارهول.
اذا كان الملصق المصري يبدو، في النظرة الاسترجاعية، حقلا للـ "كيتش"، الا ان نوعية التصاميم وثراء المفردات الفنية وتنوع الرموز، تؤكد كلها تماسك وسيلة التعبير هذه التي باتت ملازمة للسينما الجماهيرية. وقد ادرك ذلك جيدا الذين عملوا في نقل التجربة السينمائية المصرية، ولا سيما في لبنان، فلجأوا الى الجمالية نفسها وكأنهم ارادوا وسم انتاجهم بختم الاصالة. ظهر ذلك مثلا في الافلام الثلاثة التي لعبت فيها فيروز دور البطولة تحت ادارة مصريين هما هنري بركات ("سفر برلك"، و"بنت الحارس") ويوسف شاهين ("بياع الخواتم") وايضا في الاعمال التي انتجها اللبناني محمد سلمان على الطريقة المصرية وحتى في الافلام التي روجت للمقاومة الفلسطينية. في جميع هذه الاحوال، كان الملصق مصمما على النسق القاهري، وان يكن منتجا في روما - كحال احد ملصقات "سفر برلك". الا ان "السينما البديلة" اختارت من جهتها في السبعينات الابتعاد عن هذا النوع من التصوير مفصلة جمالية فتية نخبوية. بذلك تناست ان معلمين كبارا من امثال يوسف شاهين وصلاح ابو سيف وهنري بركات عرفوا كيف يتجنبون الترفع. وتجاهلت ان فناني الغرافيك، متى حلوا ضيوفا على البطولة، كتبوا احدى القصص الاشد اثارة في مغامرة الحداثة العربية، بل صفحة يجوز اعتبار طمسها احدى اكبر المظالم في تاريخ الفن العالمي في القرن العشرين.

محمد سويد (يـــــوم كـــانــت الــســــمــــاء تـــمـــطـــر قُـــبَـــــلاً)

يونيو 28, 2015 اضف تعليق

محمد سويد(ملحق النهار)


 "أيتها الشمس لا تغربي قبل أن تشهدي على أن حبي لها خالد كخلودك، بل إنك تغربين ولكنه لا يغرب أبداً"

(من فيلم "بين الأطلال")

قبل عام من قفل مقهى نجّار في الحمرا، لمحتُ سمير قصير بين زبائن المقهى منشغلاً بتحضير المادة البصرية لكاتالوغ أُعدّ لمعرض اسمه "قصّة حب" وأُدرج ضمن مهرجانات بيت الدين في صيف 2003. أمضى سمير قصير الوقت مدققاً في عناوين أفلام عربيّة قديمة وعناوين مَنْ يمكن العثور لديه على كلّ صورة أو وثيقة متوافرة عن السينما ونجومها في بلاد فارقت عزّها الأثيل.

[صورة مرفقة: Media_181145_TMB.JPG]
شغلني السفر آنذاك عن متابعة بحث سمير ورفاقه في مسعاهم، ولم يسنح لي وقت حتى لزيارة المعرض ومشاهدته في حلته النهائية، غير أني تلقيت من سمير لاحقاً هدية طُويت بمغلف أنيق وكبير حوى لوحات سينمائيّة صادرة عن دار "الليالي". أعلم أن سمير أسس هذه الدار معتزماً الاستمرار في تجربة النشر، ولا أذكر هل تمكنت "الليالي" من مواصلة عملها بعد صدور اللوحات المذكورة. المهم أني حين فضضت مغلف الهدية، قرأت المكتوب من عنوانه، "قصة حب السينما العربية في ملصقاتها"، وتبيّن أن صاحب الفكرة آثر الاستعاضة عن نشر كاتالوغ مجلد، ومبوّب في شكل متعارف عليه، بإعطاء الملصقات مساحة التعبير عن نفسها بنفسها، إذ صدرت فرادى مصحوبة بمقدمة طويلة لسمير قصير ومراجعة فنية نقدية لرنا سلام المعروفة بجهدها الدؤوب في نبش ذاكرة الملصق السينمائي العربي.

كان غلاف مجموعة الملصقات ملوّناً بالأحمر، خُطّت حروفه بالأسود وباللغتين العربية والفرنسية في حين كُتب عنوانه العريض، "قصّة حب"، بالخط الرقعي وتقطيعه المرقط وحركاته الحرة المطابقة للتشكيل الحروفي المستخدم في أفيشات السينما المصرية وإعلاناتها التجارية. ضمت المجموعة ثماني وعشرين لوحة. في طبيعة الحال، استأثرت السينما المصرية بحصة الأسد وغابت السينما السورية وأطل لبنان في نماذج تجارية أبصرت النور إبان مرحلة الإنتاج المشترك مع مصر والانفتاح على الرساميل السورية والتركية طوال ستينات القرن العشرين ومنتصف سبعيناته، ومنها فيلمان للمغنيّة طروب "وداعاً يا فقر" للمخرج المصري فاروق عجرمة و"موعد في بيروت" للسيناريست والمخرج التركي أورتيم كورتش. حملت مجموعة الملصقات تواقيع مصممين شهيرين أمثال عدلي ومراد وراغب وفهمي وعبد العزيز وسفاسيتيو وجسور. حالهم حال العديد من رسّامي الملصقات، آثر معظم هؤلاء إغفال الإسم الأول من هويته وتوقيع عمله باسم عائلته. كان وهيب فهمي مصمم ملصقَي "ألف بوسة وبوسة" و"الرصاصة لا تزال في جيبي" أحد الاستثناءات القليلة.

أحياناً، بدا عمل المصمم ملتبساً بين الرسم والطباعة وإعادة إنتاج الصور الفوتوغرافية المأخوذة أثناء تصوير الفيلم، بل أن الفترات السابقة على ازدهار فنون الغرافيكس من طريق الكومبيوتر وبرامجه المتعددة، أفسحت المجال لنشوء جيل من الرسامين جمعوا في مواهبهم صفات الرسام والطابع والمصور، ولم يخل بعض الملصقات تالياً من تلازم ذكر المصمم والمطبعة/أو المحترف أو حتى استوديو التصوير، مما جعل شهرة المطابع موازية للفنان في غير حال وفي شكل مثير لسوء الفهم. آية ذلك ملصق فيلم "دعاء الكروان" للمخرج بركات والممهور بتوقيعَي استوديو عدلي والفنان عبد العزيز، ويأخذ الأمر منحى معقداً حين يظهر ملصق "الرصاصة لا تزال في جيبي" لحسام الدين مصطفى مزداناً بختم مطابع النصر وتوقيع فنانين أحدهما وهيب فهمي والآخر تسببت رداءة الطباعة بعدم وضوح أحرف اسمه. رغم كل شيء، كان لمطابع عربية عدّة فضلها في حفظ أصول ملصقات والحؤول دون اندثارها بحكم فقدها العناية الأرشيفية اللازمة حتى من مصمميها. ربما الفضل نفسه يعود إلى مكاتب استيراد الأفلام وتوزيعها بيد أن حرص المطبعة ومكتب الاستيراد والتوزيع على حفظ الملصقات ظل بعيداً عن اهتمامات التوثيق ومحصوراًَ في الحاجة إلى استهلاك الفيلم وإعادة عرضه طالما بقي مدراراً للربح.



تمادي الجسد والمفاتن

مقارنةً بمصوّري البلاتو، لم يستأثر مصممو الملصقات السينمائية العربية بفضول البحاثة. يمكن اعتبار معرض "قصة حب" معطوفاً على مجموعة سمير قصير ورنا سلام مثلاً نادراً في البحث والقراءة. عموماً، يصعب إحصاء العاملين في صناعة الأفيش السينمائي العربي. عدا الوارد ذكرهم في مجموعة "قصّة حب"، أثبت المصري جسور استمراره في المهنة أكثر من سواه. ويا للأسف، لا تضم المجموعة الكثير من أعماله. قد لا يجوز وصفه بالرائد أو شيخ طريقة لكن رسوخه في مزاولة عمله أفضى إلى تكريس ملامح عامة للملصق المصري. يمكن تقويم لمساته الفنيّة من التأمل في نموذجين من عمله على فيلمَي "حياة غانية" لحسام الدين مصطفى و"عش الغرام" لحلمي رفلة، حيث يميل إلى السفور في مزج الأحمر والأزرق أو الأحمر والأصفر معاً، وتعبيره عن سخونة علاقة الرجل والمرأة بعيون شاخصة في اتجاهات متباعدة ونظرات متفارقة لا تعرف الاعتدال في إحساسها، يلقيها الرجل على المرأة من بعد ولا تتراءى المرأة مكترثة بها قدر التفاتها إلى نظرة شخص يمر بالقرب منها في الشارع، ترمقه بطرف عينها واستدارة ردفها وانتصابها بقدمين حافيتين فتحمله على الظن بأنه مرامها وهو من تصبو إليه وليس رشدي أباظة أو كمال الشناوي أو عمر الشريف أو شكري سرحان. في كل حال، اكتفى الرسام بإبراز وجه الرجل فيما احتلت المرأة الجزء الأكبر من لوحته وانتحلت صورة مخلوقة تمادت بجسدها حمداً على كرم الغواية والمفاتن. حتى حين يأتي الملصق مركّباً من وجوه نجومه فحسب، ينحو المصمم نحو تصغير وجه الرجل وتكبير وجه المرأة. هكذا، تدلت وجوه كمال الشناوي ومحمود المليجي ومحمد توفيق خلف ظهر برلنتي عبد الحميد في "حياة غانية"، وتأرجح رشدي أباظة وشكري سرحان وزكي رستم بوجوه شاحبة تتوق إلى وصال هدى سلطان في "امرأة في الطريق". في هذا النوع من الملصقات، يذهب الرسام مذهب الإيحاء. ثمة نوع آخر لا يتوانى مصممه عن النقل المباشر للمعنى الجاثم في عنوان الفيلم. أفضل تعبير عن ذلك استلقاء هدى سلطان أرضاً، كاشفةً عن نحرها ورافعة ساقيها من الخلف في ترجمة حرفية لاسم فيلم "إمرأة في الطريق" لعز الدين ذو الفقار. في كلا النوعين، تتشابه الأفكار، فلا يسهل تفريق تصميم سفاسيتيو لملصق "بين الأطلال" عن عمل المصمم عبد العزيز في "دعاء الكروان": في إشارة إلى اقتباس "بين الأطلال" عن قصة ليوسف السباعي و"دعاء الكروان" عن طه حسين، يزدان ملصق كل فيلم برسم لكتاب يميد ويرفرف بين عناق حميم ونجوم يغرقون في "جحيم من القبل"، على ما أنشد محمد عبد الوهاب في "جفنه علّم الغزل".



في بيروت وليس في كابول

على تكرار الرؤية، تبدو الملصقات كأنها مرسومة بريشة شخص واحد، والشخص عموماً رجل نادراً ما مارست المرأة فنه. فقبل انتقال تصميم الملصقات إلى فنون الغرافيكس وتطوره في برامج الكومبيوتر، احتكر الرجل هذه المهنة في العالم العربي، وبدا تأثير المصممين المصريين كاسحاً في صوغ شخصية الملصق السينمائي العربي وتلوينه وتأصيل إغراءاته البصرية وتحويل فتنة المرأة ومحاسنها "حكاية شعب"، على ما حفلت به أدبيات الزمن الناصري. أزعم أن هذا الملصق استمد جاذبيته من فطرته وحسه اليدوي بالأشياء. كان وصف من طراز "الطفل المعجزة" و"نجمة الإغراء" أو جملة من وزن "ترقص، تمثل وتغني" و"أسبوعاً ثالثاُ بنجاح كبير" و"ملك الترسو" أشبه بطعم كفيل اصطياد المتفرج وسوقه إلى السينما وملكوت متعتها. على مرّ الوقت، تحوّل هذا القاموس معجم حواس وأدباً في الرومانسية: من الملصقات العزيزة على قلب سمير قصير، ينفرد فيلم "بين الأطلال" بخاطرة "أيتها الشمس لا تغربي قبل أن تشهدي على أن حبي لها خالد كخلودك، بل إنك تغربين ولكنه لا يغرب أبداً". على غرار الفيلم، اقتبست هذه الخاطرة من قصة يوسف السباعي وتصدرت الملصق ونجميه عماد حمدي وفاتن حمامة ونعيم حبهما.

في كتابته عن ملصقات السينما العربية، لا يبتعد سمير قصير عن الهموم المشهودة له في تجديد الأمل في مغامرة الحداثة العربية والبحث عن الحرية وزيارة معبدها السينمائي حيث انتقلت المرأة العربية من الأسر إلى مصاف "معبودة الملايين"، ونجح مصممو الملصقات في "التقاط تحية كاريوكا بجرأتها وهند رستم بشهيتها وماجدة ذات اللمى وشادية الدلوعة وأناقة برلنتي عبد الحميد والطلة الأميرية لمريم فخر الدين وضحكة نجلاء فتحي"، والبراءة الملتبسة لزوزو مع سعاد حسني وبسمتها المتخفية في قميص نوم. في رأيه، استبق الملصق المصري "البوب آرت" وقدّم تنويعات ناجحة عنه لعل الشفتين اللتين تتوسطان "ألف بوسة وبوسة" أكثرها قوة، وكأنهما خرجتا من محترف آندي وارهول".

في ما مضى، امتلأت الشوارع بملصقات الأفلام وصور تحية وبرلنتي وسعاد ودلوعات القلب والعين. قبل أسابيع، دس مندوب إحدى الوكالات في يدي إعلاناً صغيراً لثلاثة أفلام مصرية تعرض حالياً في مناطق متفرقة من العاصمة والجبل. لم يدر في خلدي قبلاً أن الملصق السينمائي يمكن أن يوزع مثل منشور سري ويرمى في سرعة. [SIZE=6]في لمح البصر، شاهدت على أحد الجدران ملصقاً ضخماً موجهاً إلى كل النساء، وما لبث الملصق أن تكرر ظهوره في أكثر من شارع. كان خالياً من الصور، مخططاً باللون الأخضر ومذيّلاً بتوقيع تنظيم أصولي: "أختي المرأة هل ترضين أن تصيري إعلاناً وجسداً للفت النظر". قرأتُ ذلك في بيروت وليس في كابول. قديماً، كانت بيروت جنة السينما المصرية وكانت هذه السينما سماء تمطر قُـبَـلاً. ما أحوج هذه السماء اليوم إلى صلاة استسقاء.
م
محمد الحجيري(ذاكرة طرابلس السينمائية)

محمد الحجيري(ذاكرة طرابلس السينمائية)

يونيو 28, 2015 اضف تعليق

ذاكرة طرابلس السينمائية(النهار)


 

قبل أيام توفى ابرهيم الهندي (1942 – 2013) الطرابلسي، الذي اشتهر بهواية جمع ملصقات السينما العربية والأجنبية، قطع الأنتيكا، العملات القديمة، والطوابع. أخذ الهندي هوايته عن الآثاري صليبا السودا المتوفى في أوائل التسعينات من القرن العشرين. بلغ عدد الملصقات التي جمعها نحو 600 ملصق، أصدر بعضها في كتاب عنوانه "طرابلس وسينما عبد الحليم" يضم ملصقات أفلام العندليب الأسمر التي عُرضت في طرابلس، وكان يطمح لتقديم كتاب يتضمن ملصقات أفلام الفنان الراحل فريد الأطرش، لكن المشروع لم يكتمل لأن المجموعة ينقصها ملصقان أو ثلاثة. إلى جانب ذلك اقتصر الاهتمام بملصقات الهندي على معرض في جامعة البلمند وبعض المقالات والشهادات في الصحف والمطبوعات.
مع الأيام ستغدو ملصقات الهندي ثروة ثقافية يتبارى منظّمو المهرجانات والمواسم على عرضها في المناسبات والتظاهرات الثقافية والسينمائية. فتلك الملصقات القديمة التي غابت عن واجهات دور السينما اليوم، وغابت الصالات نفسها، باتت أشبه بأقنعة حنين إلى زمن غابر، حاملةً في طياتها إشارات إلى تحولات طرأت على عالم الميديا والصورة والرسم والمجتمع وصالات السينما، بل تدل على التحول في السينما نفسها، بعد مرحلة التصوير بطريقة تسمى "ثلاثية البعد"، وقبلها موجة السينما المنزلية التي كسرت هالة الصالة وعتمتها وطقوسها.
الملصقات وأصداؤها
صنع ابرهيم الهندي سيرته الخاصة من قصة حبّه للملصقات السينمائية القديمة. وهو مثل الناشر عبودي أبو جودة الذي جمع ألوف الملصقات في بيروت، وصار لكل ملصق في ذاكرته حكايته الخاصة، المتصلة بصالات السينما التي خصّها محمد سويد بعد إقفالها بكتاب "يا فؤادي". يروي الهندي أن بداية جمعه الملصقات تعود إلى عام 1975، خوفاً عليها من التلف أو الضياع. كان يجول في الصالات الطرابلسية للحصول على الملصقات، إما مجانا وإما بدفعه ثمنها للقبض على لحظات من الزمن الجميل. هي ملصقات سينمائية قديمة كانت تعلّق في خمسينات القرن الماضي وستيناته وسبعيناته على مداخل دور السينما. الملصق هو "أول أداة لنشوء علاقة بين المشاهد والفيلم، وهو بطاقة دخول المشاهد الى الفيلم قبل شبّاك التذاكر والصالة"، على ما ذكر ابرهيم الهندي، تقديماً لأحد معارضه. من الملصقات التي جمعها وشاهد الجمهور بعضها في المعارض، ملصق لنجوى فؤاد ويحيى شاهين يؤديان مشهد لحظة عاطفية من فيلم "امرأة وشيطان"، وآخر لفيلم "صراع مع الموت" من إخراج ابرهيم عمارة. هناك هند رستم المثيرة والفاتنة في ملصق فيلم "باب الحديد" ليوسف شاهين. هنالك أيضاً نور الشريف وشمس البارودي في ملصق "المتعة والعذاب"، الذي يأخذ من يراه اليوم في رحلة مع شريط الذكريات، مستعيداً محطات سيرة شمس البارودي السينمائية، ابنة طرابلس، في تحولها من مشاهد العري والإغراء الى التحجب والتستر.
هناك أيضاً ملصقات للأفلام الترفيهية مثل سلسلة "بينك بانتر" لبلايك ادوردز، تليها افلام جيمس بوند العميل السري 007، خادم صاحبة الجلالة، وفيلم "ذهب مع الريح" مع صورة كلارك غيبل وفيفيان لي. ثم جولي اندروز وهي تطلق أغنية "صوت الموسيقى"، و"إيرما الجميلة"، الغانية التي أوقعت الشرطي في غرامها، و"لوليتا" الفيلم المأخوذ عن رواية لفلاديمير نابوكوف، لمخرجه ستانلي كوبريك. هذا غيض من فيض مئات الملصقات النادرة التي تؤرخ لعروض السينما وصالاتها في طرابلس.
عبد الحليم
حفظ الهندي ملصقات أفلام عبد الحليم حافظ التي عُرضت في مدينته منذ العام 1955 مع الفيلم الأول للعندليب الأسمر "لحن الوفاء"، حتى 1969 تاريخ عرض فيلم "أبي فوق الشجرة" الذي تضمّن مشاهد لقبلات كثيرة ساخنة وخضع للرقابة، بينهما فيلم "أيامنا الحلوة" من بطولة فاتن حمامة وعمر الشريف وعبد الحليم.
يلاحظ ان ملصق هذا الفيلم في نسختين، الأولى للمخرج حلمي حليم، والثانية من اخراج عاطف سالم. في الثانية تبدّل تصميم الملصق، فبرز فيه عبد الحليم اكثر من فاتن حمامة وعمر الشريف.
ثمة ملصقان نادران في حجم أصغر كانا يلصقان على الجدران في شوارع طرابلس، وهناك ملصقات لأفلام "ايام وليالي"، "ليالي الحب"، "موعد مع الغرام"، "دليلة"، "بنات اليوم"، "فتى أحلامي"، "الوسادة الخالية"، "شارع الحب، "حكاية حب"، "البنات والصيف"، "يوم من عمري"، "الخطايا"، و"معبودة الجماهير". في هذه الأفلام عبد الحليم حافظ هو النجم المتصدر أكثر من النجمات وقبل أي شيء آخر. في ذلك إشارة إلى أنه كان نجم شبّاك التذاكر، أيام كانت أهميته الفنية والغنائية تتخطى نوعية الأفلام التي يقدمها إلى جانب ممثلات كنَّ كأنهن مجرد زينة لجمهور أصابه بعض الجنون في عبادة عبد الحليم.
يقول الناقد رفيق الصبان عن عبد الحليم حافظ الممثل إنه كان يتمتع بعفوية وبساطة في الأداء التمثيلي، إضافة الى شكله الخارجي الذي يشبه في ملامحه الشبان المصريين والعرب، ما أشعر جمهوره بالتعاطف معه، برغم من عدم تمتعه بوسامة رشدي أباظة. فأفلام عبد الحليم حافظ كان هدفها الرئيسي خدمة المطرب لا الممثل، لذا تفلت من الرأي السينمائي النقدي.
يعرض الهندي ملصق كلّ فيلم وحكايته وبطاقته الفنّية تمثيلاً وإخراجاً وإنتاجاً وسوى ذلك من معلومات. يضيف عناوين أغاني الفيلم وكلماتها، مصحّحاً ومزيلاً الإلتباس عن بعض الكلمات التي سرت خطأ شائعاً على ألسنة الناس.
لم يكتب الهندي علاقته بهوايته في جمع الملصقات التي تؤرخ للزمن الطرابلسي الجميل. هي ورقة من أوراق طرابلس الجميلة قبل أن تحاصرها الإيديولوجيات البعثية والاسلامية، وتحول عتمات صالاتها البهيجة وأنوار شاشاتها محاور ومتاريس حربية مدمرة.
مرآة للتحولات
كان الملصق الملون بألوان قليلة حادة، برّاقة وجذابة، يروّج للأفلام السينمائية العربية والأجنبية، ويلعب دور صلة الوصل الأولى بين الفيلم والمشاهد قبل دخوله إلى الصالة. أحياناً يكون لرسّام الملصق قدرته على خداع المشاهد من خلال طريقته في إبراز مشهد ساحر أو مغرٍ، ككل إعلان تجاري يعتمد على الصورة والكلمة معاً، كلّ منهما يحاول تفسير الآخر. لهذا الفن فرسانه من الرسّامين.
وقد اشتهر عدد من رسّامي الملصقات مثل مصطفى حسين واليوناني فاسيليو وحسن مظهر أو جسور وديمتري، بعدما كان الأوروبيون أوّل من صمّم ملصقات الأفلام المصريّة، وكذلك الأرمن في مصر. هؤلاء جميعاً أشبه بجنود يعملون في الظل، يرسمون النجوم، ونادراً ما نرى صورهم أو نعرفهم، شأنهم في هذا شأن رسّامي الغرافيتي اليوم. في الإطار، يوقّعون أعمالهم ولا يقيمون معارض لرسوماتهم التي تنتمي إلى فن الـ"بوب آرت" والـ"كيتش"، إذا جاز التعبير. ما يلاحظ في الملصقات القديمة هو غلبة تقنية الرسم والتلوين اليدوي، على معظمها، من دون تدخل الصورة الفوتوغرافية إلا في مرحلة متأخرة.
اليوم، مع رواج ثقافة الغرافيك ديزاين، ماتت الملصقات اليدوية وباتت أقرب إلى الكائنات المتحفية، وماتت الصالة القديمة لتبرز صالات المجمع التجاري، وربما ماتت السينما التقليدية لتظهر الأفلام الشخصية والـ"يوتيوب". أما ملصقات ابرهيم الهندي فشيء من ذاكرة محفوظة، ربما يجب توثيقها قبل أن تذهب نحو التلاشي.

محمد حجيري(فن الأفيش في السينما المصرية... قصة حب)

يونيو 28, 2015 اضف تعليق

 

السبت 27/06/2015
راجت في السنوات القليلة الماضية، العودة إلى أفيشات السينما المصرية وحكاياتها ونجومها وناسها، وصدر في هذا الخصوص أكثر من كتاب وكتالوغ، وافتتح أكثر من معرض خلال المهرجانات الثقافية، كلها تروي حكاية الأفيش السينمائي المصري ودوره، إلى درجة أن الناقد السينمائي محمود قاسم قال: "الدنيا أفيش"... الراحل سمير قصير، وفي اطار مهرجانات بيت الدين 2003، كتب مقدمة كتالوغ "قصة حب السينما العربية في ملصقاتها"، وتبيّن أن صاحب الفكرة آثر الاستعاضة عن نشر كاتالوغ مجلد، ومبوّب في شكل متعارف عليه، بإعطاء الملصقات مساحة التعبير عن نفسها بنفسها. دار الشروق أصدرت "أفيشات السينما المصرية" مع مقدمة موجزة للناقد السينمائي محمود قاسم، يتناول فيها تاريخ هذا الفن وأشهر فنانيه. وقدر للناشر اللبناني عبودي أبو جودة أن يقبض على الزمن من خلال جمعه ملصقات السينما العربية والأجنبية أيام زمان في مكتبته، لم يكن الناشر هاوي جمع الملصقات يتوقع أنها ستغدو مع الأيام ثروة ثقافية يتبارى منظمو المهرجانات والمواسم على عرضها في المناسبات والتظاهرات الثقافية والسينمائية. وفي نفس سياق ما ذكرناه، تأتي اعمال المصري سامح فتحي، فهو أصدر في البداية "الأفيش الذهبي في السينما المصرية" و"أنبياء في السينما العالمية"، وقبل مدة قصيرة، أطلق عمله الأهم "فن الأفيش في السينما المصرية"، يقدم مجموعة جديدة نادرة من أفيشات الأفلام المصرية، وينم ذلك عن عشقة للسينما وتاريخها.

يقول سمير سيف في تقديمه للكتاب إن سامح فتحي في وصفه لرحلة أفيش الفيلم المصري منذ بدايته وحتى اليوم، يتنقل بين موضوعات مختلفة لا ضابط لها، ولا تخضع لتبويب ما، مثل: "الأفيش والرقابة"، و"الحقبة اليونانية أثرها في صناعة الأفيش المصري"، وهو ينطلق في وصف لعدد من الأفيشات يعبّر عن انطباع الكاتب وذوقه الشخصي، ولا يتردد في التحسر على الأفيشات التي تعتمد على التصميم ورسم اليد، والتي تنم عن مهارة الفنان ودقة احساسه وتوفر عنصر إنساني فيها تفتقده الأفيشات المصممة في الكمبيوتر... ويقر فتحي بأن الذي جعله يتجه الى هذا المجال، أي تجميع الأفيشات، أنه وجد بعض الأجانب خاصة اللبنانيين والأميركيين، يحتفظون بأفيشات السينما المصرية، يتباهون بها ويتفاخرون فيها ويعرفون قيمتها، "مما أشعرني بالغيرة على فن مصري خالص".

حفل كتاب فتحي (اصدار خاص) بمئات من نماذج أفيشات (أو ملصقات أو بوسترات) السينما المصرية، ما يمكّن من اعتباره سجلاً حافلاً ووثائقياً لها. ولا شك أن فن الأفيش (المصري)، شأنه شأن نظيره في السينما العالمية، مر بمراحل وتطورات، بل ومنعطفات مهمة منذ أن ظهر الى الأن، فقد ظهر من خلال تلك المراحل التأثر التام بالفن السينمائي الذي يدور فن الأفيش في فلكه. كما توصل فتحي الى العديد من النتائج منها تأثر الأفيش المصري بالأجنبي، وهو ما يعكس "سيطرة الغرب على كثير من مناحي الحياة المصرية"، حيث أن الفنان المصري يضيف لمسات لـ"تمصير الأفيش"، لتعطي له "المذاق المصري مع الروح الأجنبية"، فقد انتقلت ظاهرة الاقتباس من القصص والموسيقى إلى الأفيشات، وتكاد هذه الظاهرة تركز على الاقتباس من السينما الأميركية لما لها من تأثيرها العالمي، فأفيش فيلم "حواء والقرد"(1968)، اخراج نيازي مصطفى، على النمط نفسه لأفيش فيلم "مليون سنة قبل الميلاد"(1966) وفيلم "عريس مراتي" الذي أنتج في العام 1959، مثلاً أخذ من ملصق الفيلم الأجنبي "الطبقة الأرستقراطية" الذي أنتج في العام 1956، الذي قام ببطولته فرانك سيناترا مع غريس كيلي وبنغ كروسبي. وأفيش فيلم "ارحم حبي"(1959) أخد عن الفيلم الاجنبي "الاستحواذ الرابع"(1954) بطولة روك هيدسون وجين وايمان... ولم تكن الأفيشات تخضع للرقابة الرسمية بصورة كبيرة، نظرا لأنها لوحات تعبر عن وجهة نظر صانعيها، وهي رسومات أقل إثارة بالطبع من شريط العمل السينمائي، لذلك فقد شهدت الأفيشات المصرية فترة طويلة من الحرية في التعبير خاصة في الستينات والسبعينات، لكن كانت هناك رقابة أشد من الرقابة الرسمية، تلك هي رقابة المجتمع التي كانت من الممكن ألا تقبل أفيشا لجرأته أو خروجه عن أعراف المجتمع، مما يجعل ذلك المجتمع يحاول تغيير ما في الأفيش باليد والاستهجان والتمزيق مثلما حدث في أفيش فيلم "شهر عسل بدون ازعاج"(1968) للمخرج أحمد فؤاد، حيث رسم صانع الأفيش عبد العليم الفنانة ناهد شريف عارية من الخلف...

ويرى سامح فتحي أن الفضل في صناعة الأفيش وفنه يعود إلى الأجانب من الجنسية اليونانية، إضافة الى أن هؤلاء حملوا تلك الصناعة من بلادهم، وكانت لهم علاقة قوية بفني التصوير الفوتوغرافي والرسم. ومن هذا المنطلق بدأ هؤلاء الذين كانوا في البداية يتمركزون في الإسكندرية بمواكبة ذلك الفن الجديد، وهو فن السينما الذي جاء إلى مصر بعد انطلاقة مباشرة في باريس في كانون الأول (ديسمبر) 1895 فكان أول عرض سينمائي في مصر في مقهى "زواني" في الاسكندرية في يناير 1896، وتبعه أول عرض في القاهرة في 28 كانون الثاني (يناير) 1896. ويسجل للإسكندرية أيضاً صدور أول مطبوعة مهتمة بالفن السابع الوليد آنذاك عام 1924، حين نشر الناقد والمؤرخ السينمائي السيد حسن جمعه مجلة "معرض السينما". ثم شهدت المدينة أيضاً نشرة أخرى بعنوان "مينا فيلم" قبل أن تطلق في القاهرة مجلة "نشرة أولمبيا السينماتوغرافية" عام 1926.

ورغم المعلومات العديدة التي يتضمنها كتاب سامح فتحي فإن أبرز ما فيه والذي يشكل عموده الفقري هو حديثه عن فناني لأفيش عبر مرحله المختلفة، اذ لطالما كان السؤال عن هوية الذين يرسمون الملصقات، فهم أشبه بجنود يعملون في الظل، يرسمون النجوم ونادراً ما نرى صورهم أو نعرفهم. في الإطار، يوقعون على أعمالهم ولا يقيمون معارض لرسوماتهم التي تنتمي إلى فن الـ"بوب آرت" والـ"كيتش" إذ جاز التعبير.  

فمع افتتاح أستوديو مصر في العام 1935، كأحد مشاريع شركة مصر للتمثيل والسينما التي أسسها طلعت حرب عام 1925، انتقل الثقل السينمائي إلى القاهرة ولم يطل بعدها المقام بالملصق السينمائي قبل أن ينتقل فنانوه إلى القاهرة بفعل مغريات شركات الإنتاج الموجودة فيها، ليؤسسوا ورشاً عدة ورثها عنهم المصريون لاحقاً بعدما تشربوا سر الصنعة. وكان من أشهر الورش في هذا المجال، ورش إعلان ضخمة مثل ورشة إعلان الثغر (وصاحبها خميس الثغر السكندري أصلاً) وورشة محمد مفتاح، وورشة عبده محمد، وورشة على جابر، وورشة المصري لصاحبها وحيد شعير، و"مطابع السينما العربية" للفنان جسور، وهي مؤسسة أهلية عملت عشرات الأعوام على تنفيذ ملصقات لمئات الأفلام.

ويؤكد سامح فتحي أن بداية صناعة الملصق المصري بأيد مصرية كانت على يد جيل الرواد المصريين الذي عمل مع اليونانيين متمثلاً في الفنانين راغب وعبدالرحمن. راغب الذي عمل في مجال التمثيل وظهر كشخصية ثانوية مع أنور وجدي في فيلم "العزيمة"، رسم العديد من الملصقات من مثل ملصقات أفلام "يحيا الحب" و"شاطئ الغرام". وقد تخرج في مدرسته الكثير من رسامي الأفيشات لعل أشهرهم الفنان جسور، الذي تعود شهرته إلى قدرته البارعة في رسم الوجوه وصوغها. وتعادل موهبته في تصميم الملصقات موهبة جمال قطب في تصميم أغلفة الكتب. من يتتبع مراحل تطور جسور خلال ثلاثة عقود من الزمن، يجد أن طفرات ملحوظة حدثت في رحلة هذا الفنان... ففي فيلم "لقاء في الغرب"، لم تكن ملامح الابطال واضحة بالصورة نفسها التي رأيناها على ملصق أو افيش فيلم "اعتداء"، ما يعكس تطور الفنان، واسمه الحقيقي حسن مظهر، وصمم الملصقات لعدد من الأفلام منها "لقاء في الغروب"، و"أحمر شفايف"، و"بحبوح أفندي"، وهو مصمم أغلفة روايات نجيب محفوظ، "بين القصرين" و"قصر الشوق"، و"السكرية".

كما أن الفنان عبدالرحمن من رواد رسم الأفيش المصري مع راغب، وقد رسم العديد من ملصقات الأفلام مثل أفيشات أفلام: "الجريمة والعقاب" و"النمرود" و"قلبي يهواك" و"الهاربة". وقد كان الخواجة ديمتري اليوناني الأصل منفذاً لأفيشات عبدالرحمن بعد أن كان متخصصاً في تنفيذ أفيشات مواطنه فاسيليو الذي يعد من أفضل رسامي الأفيش اليونانيين، وظهر مع جسور الذي جعل من الفنان أحمد فؤاد منفذاً أساسياً له، في أواخر الأربعينات، ثم ظهر بعدهما عبدالعزيز ومرسيل اليوناني الأصل، وكان هؤلاء الأربعة هم أهم رسامي الأفيشات المصرية في فترة الخمسينات والستينات. ثم تلى هذا الجيل جيل الفنان أنور علي الذي ظهر أواخر الخمسينات ورسم أكبر كم من الأفيشات بداية من السبعينات إلى التسعينات. ثم ظهر الفنان مرتضى أوائل السبعينات، وكان تلميذاً لعبد العزيز الذي اتخذ من الفنان وهيب فهمي منفذاً أساسياً له. وبداية وهيب فهمي في فن الأفيش مع جسور الذي علم وهيب فهمي فن تنفيذ الأفيش على الزنك، وهيب فهمي نفذ في بداياته أفيشين لجسور هما "الغجرية" و"النغم الحزين"، ثم عمل في تنفيذ كل أعمال عبدالعزيز....

أهم ما يمكن استخلاصه عند تأمل الأفيشات، هو قدرتها على التعبير عن العصر الذى ظهرت فيه، فالكتاب يحتشد بأفيشات منذ عام 1933 حتى سنة 2012، وهي مدة زمنية طويلة توضح كيف تبدلت الأحوال في مصر، ففى الفترة من الأربعينيات حتى السبعينيات لم تكن هناك مشكلة في أن يحتوي الأفيش على صورة نجمة نصف عارية، أو مشهد يصور قبلة حارة بين البطل والبطلة، على ان تلك الملصقات القديمة التي غابت عن واجهات السينما اليوم باتت أشبه بأقنعة تدل على زمن غابر، تحمل في طياتها إشارات إلى التحولات التي طرأت على عالم الميديا والصورة والرسم، بل تدل على التحول في السينما نفسها، فهي باتت في مرحلة التصوير بطريقة تسمى "ثلاثية الأبعاد" والتي أتت بعد موجة السينما المنزلية التي كسرت هالة الصالة وعتمتها.

كان الملصق الملون بألوان حادة وبراقة وجذابة يروج للأفلام السينمائية العربية والأجنبية، نرى صورة البطل في مشهدية مؤثرة تتراوح بين الإغراء والقوة والرومنسية، كأن الملصق هو صلة الوصل الأولى بيننا وبين الفيلم داخل الصالة، أحياناً يكون لرسام الملصق قدرته على خداعنا من خلال طريقته في إبراز مشهد ساحر. يقول سامح فتحي "لقد ولى زمن صناعة الأفيش القيم الذي كان يعتمد على الرسم وأنواع الخطوط العربية التي يبدع فيها الخطاطون، فقد ولى هذا الزمن، وأخذ معه روائعه وأصول المهنة وجمالياتها، وقد رحل معه معظم مبدعي ذلك الأفيش التقليدي"..

أكثر ما يمكن قوله من خلال كتاب سامح فتحي، ان الملصقات باتت من علامات النوستالجيا، الملقصات التي كانت تبعث الحميمية للمشاهد، أصبحنا نراها في الكتب أو في بعض المجلات أو المعارض، فتحفز إلهامنا على القراءة والكتابة. 

محمود قاسم «الدنيــــا أفيــش»

محمود قاسم «الدنيــــا أفيــش»

يونيو 28, 2015 اضف تعليق


عن وجهات نظر 
أفيش الفيلم هو أول علاقة حميمة بين الفيلم والمرء..
حتي وإن كان هذا المرء لن يشاهد الفيلم، أو من غير محبي السينما، إلا أنه، أي الأفيش، سوف يحيط بالأعين، ويقف قبالتها في أماكن عديدة، وبأشكال مختلفة، حتي قبل العرض بفترة طويلة..
وتتعدد أماكن وجود هذا الأفيش، ابتداء من قاعة السينما نفسها، ثم الشوارع، والصحف والمجلات، والتليفزيون، ووسائل النقل في أحيان كثيرة، مثل الترام، والأتوبيس.
إذن، فالأفيش هو أول ما نراه من الفيلم، وبفترة طويلة.
لذا، يجب أن يكون بمثابة المختصر المفيد، والجذاب المؤكد الذي عليه أن يولد ما يمكن تسميته بالحب من أول نظرة بين الطرفين: المشاهد ـ الفيلم، مما يدفع بالمتفرج إلي انتظار العرض والتهافت لرؤية الفيلم، ربما في الحفل الأول، أو اليوم الأول، وأحياناً، في أيام لاحقة.
ومن هنا تجيء أهمية الأفيش الذي عليه أن يلعب دور زرع الحب من أول نظرة، أن يتضمن كل ما في الفيلم من جاذبية، أسماء النجوم، وأحياناً اسم المخرج، لكن صورة النجوم كما سيبدون، سوف تلعب دوراً أساسياً، بالإضافة إلي ترتيب الأسماء، فعلي الأفيش، يجب أن يظهر النجم في أفضل صورة، وأن يري المتفرج ما يرغبه في نظرة واحدة، قد تحتاج إلي المزيد من التأمل وبإعجاب.
ولاشك أن الأفيشات السينمائية، قد صنعت من الشوارع معرضاً تشكيليا مفتوحاً، متجدداً، وبأحجام مختلفة، فالناس تجد أنفسها محاطة بهذه الأفيشات، لا تستطيع أن تطردها بسهولة في حالة رفضها، بل هي وسيلة مؤكدة للتأمل، وفي كثير من الأحيان فإنها، مع مرور الوقت، ترتبط بذكريات بعينها، وفيما بعد تظل حالة ملحوظة من الحنين، ومن هنا تأتي جاذبية الكتب التي استجمعت أكبر عدد من أفيشات السينما، كي يمكنها لملمة أكبر عدد من الذكريات..
وقد قامت صناعة الأفيشات، عالمياً وعربياً منذ بداية السينما، وتحويلها إلي سلعة تجارية، مطلوب منها أن تجذب أكبر عدد من الناس لمشاهدة الفيلم، وهذا المنتج التجاري، يجمع بين التجارة، والفن، وينطبق عليه ما يمكن أن نقوله حول صناعة الإعلان في كل أنحاء الدنيا، بل إن السينما ظلت بأفيشاتها بمثابة الكيان المدلل في هذا العالم، باعتبار جماهيرية الفن، وذيوعه، وما يتسم به نجومه من شهرة فائقة.

وأفيش السينما، مثل أي إعلان تجاري، يعتمد علي الصورة، والكلمة معاً، كل منهما يحاول أن يفسر الآخر وأن يدل عليه، أي أن يكون بمثابة الآلة له.
وقد وضع مصممو الإعلانات، والأفيشات السينمائية هذا المفهوم وهم يصممون سلعهم، من أجل أن يتقبلها الناس، وأن تحقق الهدف المنشود منها، لكن مع اختلاف واضح أن أفيش السينما يتعامل مع منتجات حية، تتمثل في النجوم، وطاقم العاملين بالفيلم، وأيضاً القصة التي سوف يشاهدها الناس، لذا فالإعلان يعد بمثابة وسيلة لترغيب الناس للذهاب لمشاهدة الفيلم، وقضاء وقت لطيف هي مدة عرض الفيلم.
وفي الولايات المتحدة، وأيضاً بعض الدول التي لديها مؤسسات سينما ضخمة، كانت هناك إدارات خاصة لتصميم الأفيشات، لديها فنانون ذوو سمات خاصة، أي أنهم رسامون مهرة، لكنهم لم يعملوا غالباً في رسم اللوحات، مثل مصممي أغلفة الكتب لدي دور النشر، أو مصممي المجلات في المؤسسات الصحفية.

في العالم، كانت شركة الإنتاج هي التي تتولي عمل الورش، ولم يكن يذكر اسم مصمم الأفيشات، لكن التشابه كان واضحاً في داخل الشركة الواحدة، ولم يكن المصمم يوقع أو يكتب اسمه، مثلما حدث في مصر، وفي أوروبا كانت شركات الإنتاج مثل جرمون، وغيرها هي أيضاً المسئولة عن إدارة تصميم الأفيشات، أما في مصر، فإن الأوربيين هم الذين قدموا الأفيشات الأولي، خاصة الأرمن الذين جاءوا للإقامة في مصر، ثم بدأت المؤسسات الصغيرة في الظهور، الواحدة تلو الأخري، وسوف توجد في السمات التي سنتوقف عندها ما يتعلق بالمرحلة التاريخية، وبما تركته الأفيشات من أثر في الحياة.
علي مدي تاريخ السينما العربية، فإن هناك مجموعة من السمات العامة يمكن أن نلاحظها في الأفيشات التي ملأت الشوارع بقوة قرابة ثمانين عاماً، وتلاشت من فوق أماكنها، لكن الكثير منها ظل ماثلاً في الذاكرة.
نجوم الأفلام: أسماء وصور، هم بؤرة هذه الأفيشات، ونقاط التركيز فيها، ويتوقف ذلك علي شعبية النجم، وقبول الناس له، فهذا يعني أن النجم موجود بقوة في الفيلم، مثلما هو موجود في الأفيش، أي أن الأفيش هنا يعتبر بمثابة مدخل، أو مفتاح للفيلم، وبمتابعة هذه الملصقات طوال هذا التاريخ، فسوف تجد أن نجوماً بأعينهم، كانت صورهم، وأسماؤهم المكتوبة بشكل متفرد سبباً في جذب الناس، بمعني أنه يكفي أن يظهر هذا النجم وحده علي الأفيش، اسماً، وصورة، كي يؤدي غرضه، وقد حدث هذا مراراً، لكن فقط لأعداد محدودة من النجوم، خاصة في مجال الغناء، والكوميديا، ولعل أسماء محمد عبدالوهاب، وفريد الأطرش، وشالوم، وعبدالحليم حافظ، وإسماعيل يس، ثم عادل إمام، ومحمد هنيدي، كانت بمثابة بطاقة الأمان المضمونة حين توضع وحدها علي الأفيش، وقد بدا هذا واضحاً في يوم سعيد، شاطئ الحب، فتي أحلامي، ليالي الحب، الإنسان يعيش مرة واحدة، وصعيدي في الجامعة الأمريكية.

وقد ساعد في تفرد النجم وحده بالأفيش قوة اسمه أولاً، وأيضاً عدم وجود نجمة تمتلك الجاذبية نفسها في الأفلام المذكورة، ونذكر هذه الأسماء بشكل محدد، باعتبار أن النجومية«كلها» كانت للنجم، وأن النجمات المشاركات كن أقرب إلي الدرجة الثانية.
ولم تتكرر الظاهرة نفسها علي الأفيشات بالقوة المذكورة، بالنسبة للنجمات، حتي مع فاتن حمامة، ونادية الجندي، وشادية، ونبيلة عبيد، وليلي مراد، بالطبع لأنه كان هناك نجوم إلي جوار هؤلاء اللامعات، لكن هناك بالطبع حالات استثنائية، قد تعود في المقام الأول إلي مصمم الأفيش، أو إلي النجمة المنتجة، أو المشاركة في الإنتاج، فقد حرصت نادية الجندي علي أن تضع أسماء من يعملون أمامها في العديد من أفلامها، مثــــــــل شوق والخادمة أي أنها لم تنفرد وحدها بالأفيش، اسماً وصورة إلا في حالات قليلة، فهي كانت تراهن علي الممثلين الذين يعملون أمامها، لكنها بلا شك قد اقتسمت لنفسها المساحة الأكبر، وقد حدث الشيء نفسه مع نبيلة عبيد، وقد توقفنا عند هاتين النجمتين، لأن كلا منهما حرصت أن تلقب نفسها باسم ما مثل «نجمة الجماهير»، «نجمة مصر الأولي»، مثلما أطلق البعض علي فاتن حمامة اسم«سيدة الشاشة»من قبل التي تصدرت أفيشات قليلة بصورها مثل أريد حلاً.

رنا حاف(اللسان يد العقل)

يونيو 28, 2015 اضف تعليق


اللسان يد العقل

نضع في الآخر شيئا من الأنا
قد ينفعه كذكرى بعد الرحيل
إذ لا مفر ممن عرفناهم

حتى الأنا بالكاد تعرف من أنا.

كأني، عندما أقص شعري، أقص معه شيئا من ذاكرتي

يكفي أن تكتبها لتفهمها
أحيانا ليس عليك حتى أن تقرأها

عذرا مرة لأننا فهمناها على الطاير.
وعذرا مرة أخرى لأننا لم ندع عدم الفهم.
في الحالتين أزعجناكم،
وفي إزعاجنا لكم شيء من انتقام ناعم
خفيف ومتعال
كالغمزة بين إثنين 
على مدع تافه

لا أحد يملكك سوى عقلك
متى فقدت عقلك امتلكك الجميع

جوجو هو الحب
هو الإنسان بأطواره
الإنسان الحقيقي
بصراخه عندما يعلو ليثور
بضحكته عندما تعلو، وتشق الفضاء، لتفتح أفاق خلف الأفاق خلف الأفاق
جوجو كتاب الإنسان
صفحاته فصول
وفصوله قصص
تتشابك، تنفصل، لتتشابك ثم تنفصل
جوجو الجسد الساخن دوما
والنفس العميق العميق
والأذن التي تسمع كما تريد أن تسمع، لا كما يجدر بها أن تسمع
جوجو المعلم
معلم الحياة 
لتصير جديرة بأن تحيا 
من أجل أمل
أو فشل
أو نصر
أو خيبة

جوجو هو الحب
هو الإنسان بأطواره
الإنسان الحقيقي
بصراخه عندما يعلو ليثور
بضحكته عندما تعلو، وتشق الفضاء، لتفتح أفاق خلف الأفاق خلف الأفاق
جوجو كتاب الإنسان
صفحاته فصول
وفصوله قصص
تتشابك، تنفصل، لتتشابك ثم تنفصل
جوجو الجسد الساخن دوما
والنفس العميق العميق
والأذن التي تسمع كما تريد أن تسمع، لا كما يجدر بها أن تسمع
جوجو المعلم
معلم الحياة 
لتصير جديرة بأن تحيا 
من أجل أمل
أو فشل
أو نصر
أو خيبة

راني يكبر،
ويكبر معه الحب.
يتحول إلى كائن يتفاعل، وكائن يريد
يزعل، يفرح، يخجل ويتفاجأ
يحاول القيام، يعترض بصرخة ويوافق ببسمة
والضحكة أكثر من اكتفاء، هي رضى أيضا

لم أقم الصلاة
ولا مرة في حياتي.
فقط، كل ليلة قبل أن أنام، أبوس راحة يدي اليمنى، أنفخ عليها، أرسل البوسة لله، وأقول له: "Je t'aime beaucoup". 
أسمعه معظم الأوقات يرد: "Moi aussi"

سعود المولى(عن مديح ادونيس للوهابية)

يونيو 27, 2015 اضف تعليق
فايسبوك
من المفيد اليوم قراءة الكتاب الذي أصدره أدونيس (بالاشتراك مع زوجه خالدة سعيد) بعنوان: (الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب)، وذلك من ضمن سلسلته المسماة (ديوان النهضة). فهو يعترف بداية بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان مفكراً وإماماً نهضوياً كبيراً!! 
اختار أدونيس مجموعات من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ليبرز بها الأثر النهضوي التقدمي الذي خلّفه في حياة العرب المعاصرين.
وقد أنشأ أدونيس مقدّمة طويلة من نحو إثنتي عشرة صفحة لهذه المجموعة المختارة من الأفكار (الوهابية) بدا فيها وكأنه يشايع القوم ولا يختلف معهم في شيء، حتى في مسائل العقيدة...
فقد اعتنى أدونيس في المقدمة التي كتبها بشرح مفهوم التوحيد كما فهمه من كتابات ابن عبد الوهاب، فيحدثنا قائلاً إن: «التوحيد هو الأساس الذي تقوم عليه آراء الإمام محمد بن عبد الوهاب، هو البؤرة التي تنطلق منها، والمدار الذي تتحرّك فيه. لذلك لا بد، كي نفهم النظرة الوهابية إلى الإنسان والعالم، من أن نفهم، بادئ ذي بدء، نظرتها إلى التوحيد، ونعرف، بالتالي، ما يقتضيه، في منظورها، أم ما يوجبه التوحيد.. هو أن نعلم أن الله يتفرّد بصفات الكمال المطلق، وأن نعترف بهذا التفرّد، ونُفرده وحده بالعبادة. إنه إذن يتضمن توحيد اسماء الله وصفاته، وتوحيد الربوبية، وتوحيد العبادة: نُثبت ما أثبته الله لنفسه من الاسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة، بمعانيها وأحكامها، لا ننفي ولا نعطّل ولا نحرّف شيئاً منها. وننفي، تبعاً لذلك ما نفاه الله عن نفسه، معتقدين أنه وحده الخالق الرازق المدبّر. 
هكذا يتم لنا الإيمان بأن التوحيد أصل الأصول، وأساس الأعمال، وبأنه حق الله الواجب على البشر، وبأن المقصود الجوهري من دعوة الرسل كلهم إنما هو الدعوة إلى الله». (انتهى كلام أدونيس)
وعندما يتحدّث أدونيس عن تشدد الوهابية في تحريم الوسائل التي رفضها الشرع، كالتمائم، والسحر، والتنجيم ، للتوصل إلى عالم الغيب أو التحصل على منافع معينة، يشير إلى أنهم إنما كانوا مدفوعين بدوافع عقلانية واعتقادات قاطعة بأن الإعتماد على هذه الوسائل هو من قبيل الانتقاص البين من سلطة العقل البشري، كما أنه أمر قد يدفع إلى تأليه غير الله تعالى.
ويفقهنا أدونيس أكثر في هذا المعنى فيقول: «يزداد معنى التوحيد وما يوجبه، حين نعرف ما سنسميه بـ{التوثين}. والوثن: {اسم جامع لكل ما عبد من دون الله، لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية، ولا بين الأنبياء والصالحين والطالحين}، {فمن دعا غير الله أو عبده، فقد اتخذ وثناً، وخرج بذلك عن الدين، ولم ينفعه انتسابه إلى الإسلام} بشروي نقير!
ولم ير أدونيس يومها ولا اليوم أن موقفه من آلِ الأسد نوع من التوثين!!!

الحرب العالمية الثانية في تأريخ جديد

يونيو 26, 2015 اضف تعليق



  
أكثر من الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، امتدت الحرب العالمية الثانية (1937- 1947 حسب كتاب «الحرب العالم») على مجمل الكوكب. ويشهد على ذلك كثافة المعارك التي حصلت في المحيط الهادئ وأفريقيا الشمالية، مورطةً مناطق، بقيت بمنأى عن الحرب العالمية الأولى. فبدءاً من العام 1938، كانت بعثة علمية ألمانية، وبدعم من قائد القوات الجوية، هرمان غورنغ، تتجه نحو القطب الجنوبي (أنْتارَكْتيكا) لتبحث في إمكانية إقامة قاعدة عسكرية المانية هناك. ثم بعد ذلك، أعلنت برلين عن قرارها بضم منطقة «رين مود» الواقعة في هذا القطب، والبالغة مساحتها مليونين وخمسمئة الف كلم مربع.

هذا الفاصل من بدايات الحرب العالمية الثانية، والذي غذى أسطورة وجود قاعدة ألمانية سرية داخل الكتل الجليدية في القطب الجنوبي، والتي قد يكون النازيون الهاربون قد لجأوا اليها، هي موضوع مقدمة كتاب ضخم من جزءين، أشرف عليه المؤرخان الفرنسيان المرموقان أليا أغلان وروبرت فرانك، يتناول فصولاً وأوجهاً من الحرب العالمية الثانية؛ وعنوان الكتاب «الحرب العالم»، بالإشارة الى مفهوم «الاقتصاد العالم»، العزيزة على قلب المؤرخ الفرنسي الراحل فرنان بروديل. تلك الحرب التي ليس معروفاً حتى الآن العدد الدقيق لضحاياها، إذ يرواح بين خمسين وستين مليوناً، غالبيتهم العظمى من المدنيين. والمؤرخَون لا يقتصر هدفهما على إخراج مشهدية شاملة لهذه الحرب، إنما ايضاً التبيان بأن عولمة هذه الحرب غيرت من معايير تصنيف الفئات بأنواعها، وغيرت تصورات الزمان والمكان.

والمؤرخان يلخصان نظرتهما العامة لهذه الحرب بالقول: «ان هذه الحرب كانت عالماً قائماً بحدّ ذاته. بديهيات أيام السلم تغيرت معها. ومعها أيضا تغيرت معاني الكلمات، بعدما دخلها وباء البروباغندا والمبالغات وشتى أصناف الألاعيب اللغوية. تقسيم العمل بين الجنسين إختل، وحصل تقدم هائل في التكنولوجيا المدنية والمنتجات الكيميائية، وانهارت أشكال من السيطرة الكولونيالية». الكتاب ساهم فيه خمسون متخصصا: مؤرخون، فلاسفة، علماء سياسة. مجريات الحرب نفسها، بكل رهاناتها الاستراتيجية والجيو-سياسية، تشكل الجزء الأول من الكتاب، وعنوانه «خوض الحرب». أما الجزء الثاني، «اختراع الحرب»، فيسلط الضوء على الأشكال الجديدة التي برزت أثناءها، على طابعها الأيديولوجي الحاد، وجرائمها الجماعية، وعلى رأسها إبادة يهود أوروبا. أما عنوان الجزء الثالث «العيش في الحرب»، فيدرس يومياتها، سواء على الجبهات، أو في البلدان المحتلة، مع حضور موضوعات جديدة، مثل الدور الذي لعبته الأغاني في هذه الحرب.

الجزء الأخير، «وراثة الحرب»، يحلل نتائج هذه الحرب، ناهيك عن التغيرات التي فرضتها على النظام العالمي، واختراع مفهوم «الدولة الراعية»، وهجرات السكان الكثيفة القسرية، من بينها طرد خمسة عشر مليوناً من أصول ألمانية من أراضي أوروبا الشرقية، وكلها نتائج غيرت وجه أوروبا. 

يعدّد كتاب «الحرب العالم» من زوايا النظر والأساليب والشواهد، وينجح، أولاً في تحويل هذه الحرب إلى شيء ملموس معيوش، وثانياً الى تحليل منعطفاتها الكبرى. في خاتمة الكتاب، يكتب البروفيسور انزو ترافرسو: «ان هذه الحرب كانت ذروة ونهاية أزمة بدأت قبل اندلاعها بربع قرن، خلال صدمة الحرب العالمية الاولى 1914- 1918، وهذه الملاحظة أصبحت بداهة الآن»؛ اذ يقارن البروفيسور الايطالي بين الحربين ويخلص إلى أنه في الثانية «تجاوزت المجابهة الأيديولوجية والسياسية كل الحدود القائمة بين الأمم المختلفة». وهو يدحض الفكرة القائلة بوجود علاقة «طبيعية» بين النازية والستالينية، ويؤكد ان المعاهدة الألمانية السوفياتية التي أُبرمت في بداية الحرب «كانت فاصلاً استثنائيا ومؤقتاً، ارتدى طابعاً عبثياً وغير حقيقي».

مساهمون آخرون في الكتاب يناقضون مقاربة البروفيسور الايطالي، ويضعون نقاطاً مشتركة بين النظامين، النازي والستاليني، مذكرين كيف انخرط ستالين في اللعبة الألمانية، وكيف سلّم إلى النظام النازي العديد من المعارضين الألمان الذين لجأوا إلى الإتحاد السوفياتي، كيف ان النظام الستاليني نفسه باع النفط والقمح، ليغذي هجماته على الدول الواقعة غرب أوروبا، كيف كان يرفض التصديق بأن هتلر قد يهاجم بلاده أيضاً. ماشا سيروفيك إحدى المساهمات في هذا الفصل كتبت: «النازيون والبلاشفة بنوا كل مشروعهم الإجتماعي على أساس ان الحرب قادمة بلا ريب. وهذه الحرب التي تمنياها، وانتظراها، كان يفترض بها، بنظرهم، ان تؤدي إلى ذاك الخراب العميم الذي سيختم التحول الثوري للمجتمعات». وهي تتابع ان التشابه التام بين النظامين النازي والستاليني هو الذي جعل المواجهة بينهما حتمية، يدفعهما إلى ذلك تلك الإرادة المشتركة بسحق الآخر نهائياً، وهذا ما اتسمت به الجبهة الشرقية من الحرب، بدءاً من العام 1941.

الحرب العالمية الثانية بدأت قبل اجتياح بولونيا عام 1939. وقبل الحملات العسكرية الإيطالية على اثيوبيا، التي رافقها الكثير من الفظاعات؛ بدأت قبل الحرب الأهلية الإسبانية أيضاً، التي تُعتبر إختباراً عاماً للحرب العالمية؛ إذ إن الفاشيين الإيطاليين والنازيين الألمان لعبوا دوراً حاسماً في انتصار الملكية الإسبانية بزعامة فرانكو. ضجيج الحرب نفسها يرصده الكتاب في الشرق الاقصى، مع الغزو الياباني للصين. 

وبعد مرور عام على إعلان الألمان للحرب واجتياحهم لبولونيا، كان الهجوم الساحق للجيش الالماني على فرنسا، أول منعطف كبير لهذه الحرب. في أحد الفصول اللامعة، يحلل روبرت فرانك أسباب إنهيار فرنسا أمام الجيش الألماني، وقد أذهل العالم بسرعته؛ خصوصا ًان فرنسا كانت قد خرجت منتصرة عام 1918، في نهاية الحرب العالمية الأولى. ويلجأ روبرت فرانك إلى حدس مؤرخ فرنسي آخر هو مارك بلوك، الذي قال ان زعماء فرنسا وقتها لم يحسنوا التفكير بهذه الحرب، وبأن انتصار الألمان كان انتصاراً ثقافياً، وهذا كان هو الاخطر. والواقع وقتها، كما يصفه روبرت فرانك، يختلف تماما عن المسلمة القائلة بضعف الصناعة الفرنسية. العكس تماما، إذ ان الصناعة الحربية الفرنسية كانت وقتها استعادت كامل حيوتها وتعمل على مدار الوقت؛ وكان بحوزة الجيش الفرنسي دبابات تتفوق على تلك التي يملكها الألمان، كمياً ونوعياً. ولكن فرنسا لم تكن تعرف كيف تستعمل كل هذا السلاح (...). الزعيم البريطاني ونستون تشرشل اقترح على فرنسا نوعاً من الوحدة بين بلاده وبين فرنسا، ولكنه لم يفلح. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد بريطانيا تعول على التفاهم الودي مع فرنسا، وهو محور سياستها الخارجية منذ العام 1904؛ انما بدأت تعول على «علاقاتها مع واشنطن». ومن هذه الزاوية، شهد العام 1940 منعطفاً ديبلوماسياً للسياسة الخارجية البريطانية ، بقي معتمداً لوقت طويل (...). 

[مارك سيمو. صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية (11 حزيران 2015)

فواز طرابلسي (... وادونيس ايضا مهموم بالمشاريع)

يونيو 24, 2015 اضف تعليق

مشاريع ادونيس
... وادونيس ايضا مهموم بالمشاريع.
في حديثه اليوم في «السفير» أعلن معارضته الثورات العربية لانها تفتقد الى... مشروع. ولأن غايتها السلطة. وادونيس طبعا يريد لها ان تكون ثورات اجتماعية وثقافية. وهو عادة ما يعني بذلك ضرورة ان يكون تغيير المجتمع وتحويل الافكار والقيم سبّاقين على التغيير السياسي. 
اي ثورة تشكل مرجعية ادونيس؟ هل هي «ثورة النهضة» المسلّحة التي اعلنها وقادها مُلهم ديوانه الاول «قالت الارض» - الزعيم انطون سعادة – عام ١٩٤٩ ضد السلطة اللبنانية وغايته المعلنة... السلطة السياسية؟ ام ان مرجعيته هي الثورة الاسلامية الايرانية (التي حياها ادونيس بنص أعلن فيه موت الغرب)؟ ام ان مرجعه الثورات الفرنسية (الاربع ١٧٨٩، ١٨٣٠، ١٨٤٨، ١٨٧١) ام الروسية (١٩١٧، صاحبة شعار «كل السلطة لمجالس السوفيات»!) وهل يعرف صاحب «مهيار» ثورة لم تبدأ بإسقاط النطام السياسي القائم طريقا الى بناء نظام سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وقيمي بديل؟ وهل ان ماوتسي تونغ - الذي يستعين به ادونيس في مقابلته للاستخفاف بمنجزات جمال عبدالناصر (والعداء لعبد الناصر ثابت من ثوابت المتحوّل) - صاحب شعار «السلطة تنبع من فوهة البندقية»؟ هذا قبل ان نسأل الرجل هل ان عشرات الملايين من الشباب العرب والاكراد والامازيغ والمنتمين الى كافة المكونات الاثنية والدينية والمذهبية لمجتمعاتنا، هؤلاء الذين نزلوا الى الشوارع بطالبون بالعمل والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية، هل كانوا يحملون «مشروعا» لتغيير السلطة السياسية فقط ام كانوا يحملون «مشاريع» تغيير اقتصادي واجتماعي وثقافي وقيمي شاملة؟
ادونيس لا يحب البدايات. يحكم على الثورات بالنتائج. هذا حتى لا يزعج احد خاطرَه لتفسير لماذا كانت بدايات الثورة السورية سلمية، كيف تعسكرت بعد ان اغرقها النظام السوري بالقتل تحت شعار «الاسد او نحرق البلد». والافدح ان ادونيس المفكر لا يستطيع ان يتصوّر ان مجتمعات – بعد نصف قرن من الدكتاتوريات وحكم السلالات النفطية الاستبدادية والافقار والفساد والنهب والاملاءات النيوليبرالية – يمكنها ان تحبل بحركات متناقضة ضد الاوضاع القائمة فتتمخص عن الثورة ونقيضها، اي عن الردّات المضادة للثورات وقد اتخذت هذه ابشع اشكالها: الاستبداد، التدخل الاجنبي، الاحتراب الاهلي المذهبي والاثني وفوق ذلك كله الجهادية التكفيرية الاسلامية. 
وادونيس ضد تدخلات القوى الاجنبية – مع انه لا يسمّيها - وكاتب هذه السطور كذلك. ولكن هل ان التدخلات الخارجية «الرجعية» مقتصرة على تلك التي دعمت الثورات؟ ام تراها كانت اصلا تدخلات لاحتواء الثورات واجهاضها؟ وهل ان التدخلات الاجنبية التي دافعت عن الانظمة الاستبدادية والدكتاتوريات هي تدخلات «تقدمية» تمت تحت رايات فيلق القدس وعصائب اهل الحق والميليشيات الشيعية الافغانية ومخابرات فلاديمير بوتين والمستشارين العسكريين الاميركيين وطيرانهم الحربي؟ 
لادونيس اجتهادات متعددة بالنسبة للاسلام. لن نذكّره بها الآن حرصا على صحته. نكتفي بقوله هنا إن الاسلام هو مصدر العلّة لأنه سلطة وسلطة عنفية. وان لا اصلاح في الدين على اعتبار ان الدين لا يمكن اصلاحه. إما ان تؤمن به او لا تؤمن. اذا كان الامر كذلك، فليفسّر لنا ادونيس فحوى كتاب الّفه وخالدة السعيد، عن كبير فقهاء الجهاديين والتكفيريين العرب، محمد بن عبد الوهاب، حيث قدّم فيه مؤسسَ الوهابية على انه «مفكر نهضوي كبير»! وبعد، لنا سؤال: هل يجب البحث عن عنف الاسلام الجهادي التكفيري في الاسلام فقط ام علينا ان نبحث في ظروف اجتماعية وسياسية تدفع بشرا - مفقرين ومهمشين اجتماعيا وسياسيا وجغرافيا وشبانا وجماعات ذوات مظلوميات شتى وجموع من العاطلين عن العمل، وغيرهم – الى اختيار هذا المنوّع العنفي الاقتصاصي من الاسلام. وكم هو غريب ان علي احمد سعيد. ابن الريف السوري، لا يتعرّف في انتفاضة الارياف والاطراف والضواحي والعشوائيات السورية الا على ما يستحق الازدراء بإسم المدن والمدنية، يدين الثورة السورية لانها لم تكن مدينية إذ لم تخرج تظاهرات في دمشق وحلب على مثال ثورات تونس ومصر التي يريدها مدينية ومدنية حتى لا نقول متمدنة! ثم اي خيال مسخّر للزعبرة هو هذا الذي يعجب كيف يمكن لشعب هاجر ثلثه ان يظل يستحق ان نسميه بأنه شعب ثوري! والكلام كله لصاحب ترنيمة «الرأي والرآي الآخر».
ولنفترض مع ادونيس بأن افضل مركّب للديمقراطية هو العلمانية، لماذا لا يكمل المعادلة فيقول ان افضل مركّب للعلمانية هي الديمقراطية؟ هل هو مع العلمانية عندما تكون دكتاتورية، علماً ان الدكتاتورية التي يتستّر عليها ببلاغة باتت تقارب البلاهة، ليست من العلمانية بشيء!
عن الفايسبوك

سليم بركات( سوريا وأكرادها)

يونيو 23, 2015 6 تعليقات
#سليم_بركات
نحن الكرد السوريين لا نريد أصناماً على مداخل الشمال السوري ومخارجه. تماثيل العائلة الحاكمة الدموية تستجمع ظلالَ حجارتها هاربةً وهي تضع إزميلَ النحت في أيدي عشيرة أوجلان ـ فرع البعث الجديد بلقبٍ كردي ـ كي تنحت لأوجلان تمثالاً من خُدعة الأسد.
لا نريد الخروج من عبودية أصنام البعث إلى عبادة أصنام الحزب الجاثمة بمخيلتها الركيكة في لقب 'العمِّ' هوشي منه، وماو، وقبعة ستالين. حزبٌ آمن بإلغاء كل مُخالف لضحالة منطقه السياسي، أفراداً أو تجمعات، يستلم، الآن، سلاحَ الأسد، ـ كفعلِ الأسد وحلفه الإيراني، بالسلاح حكراً في لبنان على مستبِدٍّ بالدولة قراراً، ـ وخططَ الأسد، لنقل كرد سوريا من عبودية عانوها والشركاءَ إلى جحيم المجابهة مع شركاء الكرد أنفسهم، وجحيم التمزيق بمخاوف الجار التركي؛ بل أخذهم إلى نكبةٍ أينَ منها نكبةُ البرامكة.
تلك مفارقات لا تعني فرع بعث أوجلان الكردستاني؛ بل لا يفهمها مُذْ كان بعينٍ في الولاء على صنم الأب، وعين على صفر السياسة؛ بل بعماء مقصود في الفهم عن مقاربة البسيط المَشُوْف من مطابقة العسف التركي بالعسف البعثي شقيقين ضاريين على سويَّةٍ في مذهب الحَجْب، كأنما مستنسخانِ مقاصدَ عن مقاصدَ عرقية، ولغوية تتوافق مخارجَ بحرفٍ لاتيني على صورة أبيه العربي، قبل انقلاب 'مدنيَّة' أتاتورك، بهندسةٍ من إيمان الغرب، على وافد الجنوب الديني رسوماً رَقْناً للغة طوران. العسفُ العرقي، والعصبيةُ لسيادة الكثرة محيطاً، ألقيا بكُرد تركيا نقوداً متداوَلةً في سوق الجحيم.
والعسف العرقي، والعصبية لسيادة الكثرة محيطاً (والقِلَّةِ المِلَّةِ حُكْماً) جرَّد الكردَ ـ منذ اختطاف الدولة السورية بانقلاب على إيمان الخيار الحر، وكفاءة التقدير عند السوري للصواب والخطأ، والأخلاق واللاأخلاق ـ من مواطنية 'الحدِّ الأدنى'، مقهوراً في لغته، وزيِّهِ، وأسماء أولاده، وأسماء أمكنته. فكيف استوى لفرع بعث أوجلان الكردستاني أن يجيز لعائلة الأسد الدموية، في سوريا، ما لا يجيزه لعائلة أتاتورك؟ كيف استقام لخيال أبِ الفرع الصنم، في المطابقات الواضحة للبسيط على حافر البسيط، وصفَ الإنكار الطوراني عليه حرية اعتقاده بالدَّنس، ووصف الإنكار البعثي على كُرد سوريا حريةَ اعتقادهم بالموصوف الطاهر؟.
مهزلة فرع بعث أوجلان الكردستاني أنهُ أقل من بيدق في لعبة الصنم البعثي على شطرنجه مع تركيا، مذ رأى هذا الفرع، المستحدَث اليوم من فراغ الأمر الواقع ومن نكاية الأسد بالتمرد عليه، انذعارَ الأسد حين هُدِّدَ، حقًّا، فأرسل أباه 'آبو' مطروداً حتى عثر عليه الترك فاستعادوه متوسِّلاً بأمِّه التركية قُربى 'الرأفة' والشفاعة منهم.
وهاذا الصنم البعثي يعيد إطلاق الكردستانيِّ فرعاً بعثياً في الحقل السوريِّ شمالاً، بخدعة في الخططِ على ابتذالٍ لن يسوِّغه أحدٌ إلاَّ عشيرة الكردستاني، مذ لم تستحصل هذه العشيرة ـ باستئثارها إدارةَ 'المعركة الكردية' خالصةً على الجبهة التركية، في تهشيم لا يُغْتَفَر لأيِّ تخطيط كرديٍّ آخر، فكراً أو منهجاً، بالتهديد والوعيد، والإلغاء ـ إلاَّ منازعاتٍ ممدودةَ المخارج، كاستماتتها في جرِّ ملة إقليم كردستان إلى أتونٍ تركيٍّ، فغالبها الكردُ على مصالحهم هناك حتى الدم.
لقد سوَّغت عشيرة بعث الكردستاني لنفسها، على مجاز الأب الصنم أوجلان معبوداً واجبَ الإشاعة، حيثما انتشر كردٌ أو وُجِدوا من الأرض، وعلى فُتيا الأب الصنم جوازَ امتلاك الأمكنة خالصةً لمنازلاتِ اعتقاده، سيداً كأسياد القرون الوسطى جُوِّزَ لهم أن يكونوا آباءَ عُذْرةِ كلِّ عذراء ليلةَ زفافها إلى عريس. صَدَمت عشيرة البعث الكردستاني كُردَ إقليم كردستان. ناجزتْهم. قتلتْ خَلْقاً، وأتلفتْ أمكنةً، واستدعت، بداعي الوقوف في قرى الرعاة المستباحة، تنانينَ أتاتورك ـ طائراته، ومنجنيقات ناره.
كل هذا في خُططٍ خبْطٍ من عقلٍ مستوهِمٍ 'جبروتَ' الصَّنم الكردستاني: على كل كردي أن يقدم للسيِّد عُذْرةَ أمكنته. لكنَّ مثول عشيرة بعث الكردستاني، حاملةً على كتفيها خُدعَة الأسد الدموية كاملةً، مُتقَنَةَ الدَّنس، قذرةً بلا حدود، في الشمال السوري، لا تشبهها دمويةُ الخطط الركيكة، قَبْلاً، لا وسط أكراد تركيا، ولافي جرائر العشيرة على أرض كردستان شمال العراق: إنَّ ما تفعله هو انضمامٌ، في شكله المدمِّر، إلى فِرَق الموتِ القادمة إلى أرض سوريا، من رفاقِ قَتَلَةٍ في السلاح ـ حزب الله، إلى لقطاء راسبوتين الروس، إلى المُبشِّر الإيراني بكربلائيةٍ نظاماً للوجود وفِقْهاً لشرائع الحياة.
لقد هالنا، بعد كلام مريح للرئيس المصري عن 'سقوط الأسد'، انزلاقُه، بسذاجة في منطق السياسة مُحْكَمَةِ الغرابة، إلى خُططٍ خلْطٍ بدعوته إلى إشراك الإيراني في إدارة 'عرس الحياة'، كأَنْ هو، عن سَهْوٍ لا يُحْمد، يدعو الأسد نفْسَه إلى الإسراف في توسيع المسلخ.
أَوَلا يجعل هذا المنطقُ الخلطُ، طليقاً في التعميم، مُباحاً أن يُدْعى فرع بعث الكردستاني، أيضاً، إلى شراكة في توسيع المسلخ، مادام 'مؤثراً'، باقتباسِ لفظِ الرئيس في دور إيران الدموي؟ هل ستُدعى 'فصائل' الجحيم القادمة (إن طالَ الأمدُ بمُدَدِ الذبح مبذولةً من أمم الأرض المنافقة) ـ جهاديين، وقاعديين، وإلهيين، ومالكيين، وصدريين، ونصريين، وقوميين سوريين خُذلوا في نشر معتقدهم هَفْتًا بالتقادم، فانحسرت همَّتُهم إلى همة شبِّيحةٍ مُقنَّعيْنَ ـ إلى شراكةٍ في توسيع المسلخ، ما داموا 'مؤثِّرين'، كلٌ بقدْرِ نهْبِهِ الحياةَ من خزائن السوريين؟ تمنَّينا على رئيسٍ من صناعة التمرُّد على إرث المسالخ الحاكمة أن يستحضر ثقلاً عربيًّا 'يؤدِّب' به هذا الإسراف الكوني في جلوس الأمم متفرِّجةً على مدرج الحلبة الدموية.
لقد فهمنا رسائل الاستنكار الأجوف، واجتماعات الأقاليم الجوفاء، ناصعةً من فيض شقائها: طالما لم يستطع التخمين الأمريكي، برفدٍ من مشيئة إسرائيل في التخمين، استشرافَ هوية القوى القادمة إلى قيادة سوريا الجديدة، بعد إيمان من الأمريكي أوباما (الرئيس الأكثر كذباً في تاريخ أمريكا بوعوده السخيَّة لحل معضلات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والأكثر جبناً في تاريخ أمريكا بجلوسه متفرِّجاً على شعب يُذبح خوفَ خسارة ناخبين)، والإسرائيلي حكومةً وشعباً، أن لا عودة للأسد سيداً إلى عرينٍ من تبنٍ حتى؛ بعد ذلك الإيمان، جرت بالجميع، وبضمنهم لقطاء راسبوتين، حميَّةُ القبول بسوريا 'في الحد الأدنى' دولةً؛ أن تخرج من نكبتها لا ـ دولةً.
ذلك سيُريح الأمريكي، والإسرائيلي، من غلواء الشكِّ في مستقبل سوريا بلا حارس لحدود العبرانيين، وسيُرضي غرورَ باعةِ الأسلحة ـ لقطاءِ راسبوتين أنهم انتصروا على غرب العالم (غربٌ لم يَقُدْ معركةَ سوريا أصلاً)، أخيراً، بأهرام من أجساد السوريين. أما الإيراني فيكفيه الآن غروراً أنه يُدعى، من رئيس الدولة الأكبر عربياً، إلى شراكة في ترقيع الموت.
لقد ادَّخر الأسد أوراقه الأكثر خراباً للمأزق: طائراته الثابتة الأجنحة في معلوم التوصيف سلاحاً، وربما يستعين بكيمياءاته لاحقاً. وهاهو لا يدَّخر طلقته الأخيرة على كرد سوريا ـ عشائرَ بعث الكردستاني، بسلاح الأسد في أيديها تسلُّطاً، وخططِ الأسد في أيديها للزجِّ بهم في جهنم الصراع مع الشركاء السوريين. تلك هي آلة البعث ذاتها التي صُوِّبَتْ إلى رأس الكردي تجرِّده من لغته، وزيه، وأسماء أمكنته، تُسلَّم إلى عشائر الكردستاني.
فما لم ينجزه صنمُ الحاكم الدموي أُوْكِلَ الكردستانيُّ بإنجازه تماماً، زجًّا بأكراد سوريا إلى منازلات شيطانية ضد السوريين، وذهاباً بكُرد سوريا إلى مسلخ الصنم التركي مصطفى كمال. لم يستوفِ حاكمُ سوريا سلخ الأمكنة عن جسد الكردي، والشغفَ بعظامه لهواً. أمْ يستوفي الصنمُ الحاكمُ مقتلةَ الكردي بيد الكردي، مُذْ يعرفُ الصورَ في المرايا ناطقةً برسوم الشبيه ـ الصنمِ الكرديِّ شبيهِهِ في كراهية الخروج على فكره، وكراهية المُختلفِ؛ وشبيهه في هوى استئثاره بالسلطان حتى آخر كلمة في مَعجَم الجثث؟ سيطحن الكردُ الكردَ في الشمال السوري، بسيطرة عشيرة البعث الكردستاني، المُنْجَز العدَّة من مخازن سلاح الأسد، كالدَّوْر ذاته مرسوماً للفِرَق بغلبة العدَّة، على نسق من مُشاكلِهِ اللبنانيِّ آثرته إيران، وحاكم سوريا، 'مقاومةً' حزباً أين من مفاخره اللهُ مُذْ يقول عن يقين نفْسه إنه رفيق القتلة في سلاح القتل؟
لربما بدأت عشائر البعث الكردستاني بصناعة الزرائب لِكُرد الشمال السوري، وتخزين علف البعث المُهْمَل لمذاود الأسرى الجددِ ـ أسرى السلاح، استعداداً لطلب جديد من حكام تركيا: نَحْتِ صنم آخر من دم، في الأرض المشوفة بلا وقاءٍ، مثلها كمِثْل معارضةٍ من مبتكراتِ الخدعة الروسية في حذاء الأسد، بدعوى درْءِ 'التدخل الخارجي'، الذي لم نرَ منه إلاَّ أسلحة الروس، وخزائنَ مال إيران ولحمَ حرسها المستحوذ حصريةَ 'فنِّ الخراب' حيث أمكَنَ خرابٌ.
مدَّخراتٌ خدائعُ بين عبث 'معارضٍ' أتحفنا بطروحات تصريف الأسد لسياسة الأخاديع، وبين الدفع بالجنون ذبْحاً تفجيراً في العراق، وترويعاً دكًّا في سوريا، استقرَّتْ، في بعضها المذهل فصولاً، على تأسيس كارثة للأكراد من 'رفاهة البؤس' تستصلح بها عشائر الكردستاني، في ظل سلاح ابن الأسد 'الخالد'، اقتصادَ المستقبل الكردي السوري بقروضٍ من شهوة الكارثة، إنجازاً لمملكة أوجلان على مقاس زنزانته.
على عشائر بعث الكردستاني أن تفهم اليوم، قبل تدرُّج النكبة نضوجاً، أن أكراد سوريا موكلون بحقوقهم من داخل البيت السوري ـ بيتهم؛ من داخل ثورة سوريا ـ ثورتهم.
قد لا تفهم هذه العشائر، بتصحيف في الترجمة من عربية الأسد إلى كردية أوجلان، مثلها كالترجمة الوضيعة من دولة على مقاس الدُّول هي إيران تصحيفاً في خطاب الرئيس المصري، جالساً عند مضيفه 'الثقة' خامنائي، أنها تجرُّ كردَ شمال سوريا إلى مساومةٍ وضيعة.
قد لا يفهم فرع البعث الكردستاني الجديد ـ المشمول بلقب 'العمال' المفقودين من طبقة عشيرته الزُّرَّاع، وأهل الحرْث، المغلوبين على أمر يقينهم بين عسف النظام التركي، و'التمثيل' المُجحَف لهم حُكْراً قَسْراً على أوجلان ـ أن ثورة الكردي، في سوريا، هي من أجل الجولان، ودرعا، واللاذقية، وعامودا، وسَريْ كانيي، لا من أجل إنعاش خيال الإخفاق عند فرع البعث الكردستاني، الألمعيِّ في السعي إلى دحرجة روح الكردي، بتمام أملها، إلى عبقرية الكارثة.
لم يعرف فرع بعث الكردستاني أن الكرد لا يريدون صنماً جديداً من مقاسات أصنام عائلة الأسد، على مدخل حياتهم. لم تفهم عشائر الكردستاني أن كُرد سوريا لن يمكِّنوها من اتخاذهم درعاً في سذاجة اللعب بالمصائر، كي تفاوض التركيَّ على 'رأفةٍ' بصنمها. هي لم تفهم، في الأرجح، أنَّ كل فراغٍ من سلطة الأسد، في ديار الكرد السوريين، لن يملأه إلاَّ السوريون بجيشهم الحرِّ ـ ممثِلهم سيِّداً على الديار والأمكنة في إدارة أمن الناس أحراراً في مُعْتَقد خيالهم، ومُعْتَقد إيمانهم بالحياة، ومُعتَقَد أعراقهم. أم تظنُّ عشائر البعث الكردستاني أنها إنْ غدت 'مؤثرةً' دمويًّا ـ بإصغاءٍ إلى مُقْتَرَح الرئيس المصري الغامض إشراكَ المؤثِّرين، في الشأن السوري، كإيران الحَصافةِ في ' فنِّ الخراب'ـ غدَتْ جزءاً من 'الحلِّ'؟ لا. كلُّ مؤثرٍ دمويٍّ جزءٌ من وجوبِ الرحيل حلاًّ.

المصدر: موقع العربية

محمد الشيباني("ستيمر بوينت" او حين تساوت رائحة البارود بالكحول في مساء عدني كآنه الدهر!!

يونيو 23, 2015 اضف تعليق


خاص الرومي

قام العمل الروائي الرابع للكاتب احمد زين، الذي حمل عنوان "ستيمر بوينت"(*) ،على بناء سردي صارم ،مرتكزا بدرجة رئيسية على  تعدد انوات السرد ومصادرها ،في مساحة زمنية قصيرة، استدعت الى لحظتها الرئيسة المغلقة، التي لا تتجاوز ليلة واحدة، سِيَر الشخصيات وافعالها داخل الزمان والمكان، اللذان تقوم على (مبذولاتهما) التوثيقية، رواية شديدة الالتباس والخطورة، بدا  المتحكم الرئيس صوت الراوي الخارجي، الذي لايتواني احياناً في اسقاط وعيه اللاحق على مسبوقات الاحداث.
اما الثنائيات بتقاطعاتها الحادة، تحضر في تاريخ المدينة، التي ارادها المؤلف ان تكون (راوية) اخرى لخصوصياتها التاريخية والثقافية، حتى عشية استقلالها  اواخر نوفمبر 1967.
الشاب اليمني والعجوز الفرنسي، اللذان تنهض على استرداد ذكرياتهما، على هيئة تداعيات صامتة، ومسموعة احياناً، في مساء الثامن والعشرين من نوفمبر 1967 ،الفكرة السردية الرئيسة، ببناها الحكائية ومستوياتها المتعددة، يمثلان النواة الصلبة للعمل . فمن خلال مرأة كبيرة، تُظِهر للفرنسي وجه خادمه الشاب، الذي يقعد طرف الصالة،  في قصر العجوز (العجائبي) المطل على مدينة التواهي (ستيمر بوينت) وبحرها، في ذلك المساء البعيد، منتظراً اوامر سيده، هي في ذات الوقت ـ اي المرآة ـ تظهر وجه العجوز الفرنسي وتعبيراته، التي يقرأها الشاب بوضوح، ويعرف ما يجول بخاطر صاحبها، تماما مثلما يعرف العجوز ما الذي يستبد بتفكير الشاب.
الثنائيات المتعارضة  هذه، التي يمكن تمثيلاها  بـ (الشاب/ العجوز ـ الفرنسي/العربي ـ الثري/الفقير)، تتحول الي ذات واحدة، ممتلئة بحب المدينة، التي وفد كلاهما اليها من خارجها، والخشية عليها وعلى حياتهما ايضاَ من النزعة الانتقامية للحكام الجدد، عشية الاستقلال. 
 العجوز جاءها شاباً فقيرا من احدى المدن بفرنسا،  ليعمل مع تاجر من ابناء جلدته، عمل عنده اواخر القرن التاسع عشر ايضاً الشاعر (آرثر رامبو) ،الذي ظل العجوز يحتفظ بصورته على الجدار ،مختزلا الكاتب بهذا الترسيم الشخصياتي، السيرة الاقرب لأشهر تاجر اجنبي مر على عدن، وهو (توني بس)، الذي يظهر هنا ملتبساً بالشخصية الروائية، فرجل الاعمال ،الذي اشتغل بكل شئ بعدن، ليتحول بعد الحرب العالمية الثانية الى امبراطور المال والاعمال في المنطقة، التي تقول المصادر المتعددة عنه انه( بدا حياته موظفا بسيطا لدى تاجر البن الفرنسي قبل ان يستطيع في سنوات قليلة من الهيمنة على مفاتيح جنة عدن  التجارية، وان يمد تجارته في البر والبحر والسماء ) وهو ما حاول طرقه الكاتب في التخييل الروائي، لإعادة تقطير هذه الشخصية سردياً بكثير من الذكاء، دون الوقوع في التباسات السيرة الفعلية  الا فيما يخدم بنية الخطاب، كون الشخصية الفعلية للفرنسي، كانت قد توفيت قبل هذا التاريخ بأكثر من ستة عشر عاماً  من ليلة التداعي الكبيرة (توفي توني بس في عام 1951).
اما الشاب الذي قدم اليها من الحديدة، منذ اعوام خمسة، بعد مقتل ابيه في حروب الجمهوريين والملكيين في شمال اليمن، وبإلحاح من جدته لامه ،اندمج فيها الى الدرجة التي حاول الذوبان فبها، وتمثل حياتها المدينية  ،معتبرا ان حضورها المميز كمدينة حضارية في منطقة متخلفة ،صار بفضل الانجليز وفعلهم ، وهو المأخذ الذي سيؤخذ عليه من قبل بعض اصدقائه الثورجيين، وعلى راسهم نجيب الذي كان يرى في قناعات سمير حيال المدينة واثر الانجليز فيها نوع من الخيانة للقضية الوطنية.
لهذا حين  يحضر الاثنان( الشاب والعجوز) في مرأة  المساء الطويل، التي تنداح فيها  تداعياتهما المفخخة بالخوف، سنرى كيف ان العجوز استبقى الشاب معه في تلك الليلة، التي وضع فيها للمرة الاولى عينه بعينه، ليس حباً فيه، وانما من اجل حمايته من اي هجوم محتمل على قصره من قبل الفدائيين.  الرعب ذاته الذي سيحياه الشاب من الفدائيين المحتملين، الذين ربما ارشدهم اليه، باعتباره موال للإنجليز، صديقه  اللدود نجيب .
(المرآة ستبدو في لحظة من اللحظات، ليس مجرد سطح يعكس تعابيرهما، او يكشف عن محاولة احدهما سرقة نظرة الى الآخر، تحولت شخصاً ثالث ،قادر على دفعهما الى مناطق من الكلام، لم يتخيل (سمير) ان يخوض فيها يوماً ما مع (العجوز)) ص103 
آناتا الشاب والعجوز المتشظيتان، ، سيراهما الشاب واحدة، حين يتخيل ان العجوز يتفوه بما يريد قوله، وما ينبثق من اعماقه، كاعتراف مُر ،بلحظة الانهدام الكبرى التي تتحكم بمشاعرهما المضطربة.
الليلة الطويلة ،التي رآها العجوز دهراً، التي تساوت فيها عنده رائحة الكحول الراقي برائحة البارود، التي بدأت تنتشر في الارجاء، ستنتهي باستيقاظ الشاب بعد غفوة طويلة بذهن مشوش، وجسد محطم، لم ير العجوز على الاريكة حيث كان، ولم ير المرآة ايضاً ،وحين هم بالمشي اصطدم بحطام المرآة، ومن شظاياها اللامعة رأى وجهه  مشوها وقريباً من القبح، فلم يجد امامه من حل سوى ترك المكان والهروب الى اللاشئ ، حيث  تساءل وهو يسمع هدير الموج في المرفأ، كم طريق تؤدي الى عدن؟ طريق قوافل البخور في الازمنة السحيقة ،ام مسالك الغزاة منذ الرومان الى الكابتن هينس الى .....؟   
في الرواية سيظهر قاسم الذي عمل كتاجر اخشاب قبل الحرب الثانية، غير انه اثناء الحرب سيعمل في التهريب بحماية ضابط انجليزي، ارغمه على  تقديم خدمات غير اخلاقية له، وهي جلب فتيات فقيرات من الاكواخ للضابط ،وشكلت اخرهن الندبة الاكثر غوراً في قلبه ،فظل عشرين عاماَ يبحث عنها بعد اختفائها ، (حتى تحولت رحلة العثور عليها الى مايشبه البحث عن معنى لحياته ، بل عن حياته نفسها التي تاهت منه) غير متناس تأنيب الضمير عن عملياته (القذرة) ،تلك حتى وهو صاحب مقهى يرفض دخول المتعاونين مع الانجليز اليها !! 
(آيريس) الانجليزية الفاتنة، التي جاءت الى عدن لدراسة انعكاس المكان على الجنود والموظفين الانجليز، فوجدت نفسها موضوعا للدراسة، تعلمت من الشاب اللغة العربية، كمدخل لاندماجها في المجتمع، وخدمها صوفي عجوز، لم تغادر مخيلته كامرأة غواية يصر على التخاطب معها بلغة انكليزية غريبة ،ليعطي حضورها في الرواية تلك المرموزات المستجلبة من الاسم اولاً، ومن تكثفها التعبيري عن حالة التمرد الداخلي للنخب الانجليزية ضد السياسات الاستعمارية التمييزية لبلادها، التي هي ليس اكثر من خطوات ثقيلة تدعس عشب الاروح، وتسحق طلائع المستقبل لمدينة كعدن، ستترك جديدة  وسوى ذلك لا شيء". (ص 115)
غير ان (آيريس) عند التاجر الفرنسي، في ليلة استذكاره الطويل، هي تلك التي "تتحول قطرات العرق فوق جسدها الى حبات لؤلؤ، نلتقطها بلسانينا حبة حبة . كنا نشرب الخمر من سرتها ، في تجويف ابطيها" (ص 113 ).
نجيب الثورجي،  الذي عبر بصفاء عن لحظة الاندفاع،  او ما يسميها بـ (الوثبة الذي هو بدونها لا شيء وستجعله يتحدى كل الخطوط) واراده المؤلف ان يكون التمثيل لفكرة التمرد اليساري، في تماهيها النظري مع فعل الكفاح المسلح  على الارض ، لهذا كان يحضر كشخصية استعراضية تتعالى على ما حولها."مرات يخيل لسمير ان الخلفية الحزبية لنجيب وراء غطرسته، وانه لهذا السبب يتصوره يحتقرهم، حين يبدو له احيانا انه لا يتحدث سوى مع نفسه. ومرات يفكر انه يستميت لإقناعهم بأفكاره، وكأن مهمة غامضة موكلة اليه لجلب اتباع . قرأ كامو وسارتر فاصبح وجودياً، وما ان عثر على فرانز فانون حتى تحول مناهضاً للإنجليز، وقبل كل ذلك قرأ ماركس فشعر ان الماركسية وجدت من اجله، واخذ يتقلب في اتجاهاتها وتياراتها" (ص 116/117)
حضور ضاج مثل هذا، ربما لتبديد الصورة الاخرى لصاحبها ،الذي عمل في فندق، يرتاده أوربيون، في وظيفة "لا تتمثل فقط في تنزيه الكلاب في الاماسي ومساعدتهم على التبرز، واحياناً غسلهم في بقعة قصية من البحر . انما ايضا تلبية رغبات بعضهن الجنسية، نظرا لما تظهره ملامحه احيانا من وحشية  تروق لعدد من الاوربيات اللاتي ينزلن في الفندق"( ص118)

سعاد الشابة العدنية، التي ظلت  مشتتة بين سمير الذي يحبها، ونجيب الذي يؤثر في وعيها، تماماً مثل تشتتها بين ابيها الموظف المرموق، الذي اتاح لها كامل الحرية في التعبير عن نفسها، في طريقة لبسها وعلاقتها بمحيطها ، وامها المحافظة التي ارادتها ان تكون قريبة منها اكثر ومن الحياة بمدركاتها البسيطة، وكثيرا ما "فكرت انها تعيش تحت ضغط الرقابة الداخلية للمجتمع، لكنها لم تشأ عن سابق قصد واصرار في التحرر منها، واعتبرت ذلك ما يميزها ،ويمنحها تألقها الشخصي. خاضت نقاشات حادة مع زميلاتها في الكلية حول ارتداء بنطلونات الجينز، والتعرف على شباب والجلوس معهم في البارات والمقاهي الحديثة. ومكثت طويلاً تفكر ان الجسد الذي تعيش فيه، غير قادر ان يستوعب الحياة، التي تشعر بها تصطخب في اعماقها"( ص 88ـ 89.
(***)
لانه  الحي الاوربي (التواهي) او (ستيمر بوينت) او(ملتقى البواخر) ببوابته البحرية (رصيف امير ويلز) ومينائه المعروف عالمياً، قد صار هنا عملا سردياً ،كان  لابد ان يكون طرق الاحداث الكبيرة، والتي مرت عبر هذه البوابة، التي لصقت بذاكرة المدينة واهلها متحققاً ، وهو امر  لم يغب عن بال  الكاتب وقلمه،  فكانت الاشارات الى ذلك حاضرة، كجزء من اللحظة السردية، وليس التاريخية ـ التي تحضر بدورها كإشكال توثيقي في بنية العمل ،وعلى وجه الخصوص ما يذهب الى جهة الضبط الجغرافي والزمني ،وتعيينات المكان وهو ما سنهمله ،باعتبار ما نتناوله عملا ادبياً محكوماً بالتخييل السردي، وليس بوصفه وثيقة تاريخية ـ
ومن هذه الاحداث زيارة الملكة (اليزابيث الثانية) الى عدن في العام 1954 ،فجاءت تفاصيل هذه الزيارة، الموثقة  كاستحضارات سردية ،بعد اثنتي عشر سنة من وقوعها، بواسطة ( ليبان)  الصومالي(الذي لم تسعه الدنيا حينها من الفرح، يوم نظر ـ من قرب ـ  اليها وهي تمر داخل سيارة عسكرية مكشوفة، ولوحت بيدين، كانت تخفيهما في قفازين ابيضين، وان بياض بشرتها كاد يعمي عينيه) كما قال ص125
الزيارة التي سوف ترتبط بوضع حجر مستشفى الملكة في خور مكسر، وفندق (كرسنت هوتيل) في التواهي الذي شيد من اجلها، وايضاً في تكريمها لبعض الشخصيات البارزة في المجتمع . وسترتبط ايضا، بتلك التذكارات الصغيرة ،الحاملة لصورها ،والتي ستحتفظ بها الجدات في السنوات اللاحقة، كما ستفعل جدة سمير.
ومنها بقاء الزعيم المصري (سعد زغلول) فيها لفترة في مدرسة جبل حديد، وهو في طريقه الى المنفى ، تفاصيل هذه الاقامة  سوف يستعيدها  الحاج حسين(الذي قام ببعض شئونه وهو صبي) ومنها "تفاصيل ذلك المساء شديد البرودة في شتاء 1922الذي غادر فيها سعد زغلول على متن المدمرة الحربية (كلما تس)الى جزيرة سيشل، في المحيط الهندي، على قرع الطبول واهازيج العدنيين، يردد صداها الجبل وهي تحكي عن الشجاعة والبطولة ومقاومة المحتل" (ص 39).
مرور المهاتما غاندي بعدن في  سبتمبر العام 1931، شكل حدثاُ بارزا في تاريخ المدينة، التي وصلها في الخامسة والنصف من صباح الايام الخريفية، وعند السابعة والنصف وصل غاندي إلى كريتر واحتشدت الجموع لتحييه في أحد شوارعها، الذي سمي لاحقاً باسمه، بعدها زار غاندي بلدة الشيخ عثمان وألقى خطابه الأول خارج شبة القارة الهندية منذ العام 1914 ،في بستان الفارسي الشهير بالشيخ عثمان. وأكد ان الهند لن تقف معزولة من أجل الاستقلال، وأن خمس الجنس البشري سيصبحون أحرارا من خلال اللاعنف. كما هي العادة تمنى أن يعيشوا حياة بسيطة , وكان قد أعطى الأوامر لجماعته أن تكون في أدنى فئة من فئات المسافرين والركاب على ظهر السفينة، عندما علم بحجم الأمتعة التي جلبها رفاقه أصر على سبعة صناديق كأمتعة من عدن الى بومباي. ومما يتذكره اشرف الهندي صديق جد سمير عن هذه الزيارة "ان غاندي تكلم باللغة الانجليزية وبلغة جوجرات حول الاستقلال، ودعا الهنود للوقوف الى جانب العرب، كان الجميع ينصت كما لو كانوا في صلاة" (ص140)
 (***)
عدن مدينة كوزموبوليتية بتعددها الثقافي والاثني، لم يعبر عنها، فقط  العدني العربي واليمني ، بل عبر عنها الهندي والصومالي والفارسي والانجليزي والفرنسي، عبر عنها المسلم واليهودي والمسيحي والبوذي واللاديني  بوصفهم ابناءها الطيبين ،في جملة الاصوات التي  تظهر مشبعة  بروح المدينة، التي آثرت نخبها  بعد استقلالها تقديم شططها السياسي وانقساماتها، على روح التعدد والانفتاح فيها، تماما كما عبر عن ذلك سمير في ذروة خوفه عليها، او بمعني اقرب السارد الخارجي، الضاغط بوعيه اللاحق على مسبوقات مدركاته، حين رأى ان حماسة الفدائيين لا تعني سوى سيطرة الريف على المدينة، واغراقها في مستنقع صراعاتهم، لان ما كان يحركهم اولاً هو جوع السلطة، وبفعلهم ستتحول الى مدينة مغلقة على نفسها، وهو ذات  ما تحقق على مدى سنوات لاحقة.
عدن بلهجتها المحببة "سوي لك مبصرة نظرك ضعيف. خلي كلامك ساني. كُتر الحكوك يسيِل الدم.  عمل دريول وبعدين شوكي دار. انت تشتي لك معه ميسم صرع، شوفوا لا تجزعوها علينا يا اصحاب القطيع .،...." التي اختزلها الكاتب في احاديث الناس في المقهى.
 بأكلاتها الشعبية (زربيان، صيادية، مطفاية، سمك مخبازة، رشوش، خبز طاوة، بطاط حُمر، قوارمة، كُشمبر، بورتة، عشار، شتني،...) التي هي خليط من المطبخ الهندي والصومالي واليمني، هي البيت البسيط بروائح البخور والفل والنباتات العطرية، حين تفوح من خزائن الجدة.
هي ذكريات الجد ،واول طابع بريد صدر في المدينة ،ويحتفظ به في علبة اثيرة، هي الـ (ماين رود) في المعلا وشارع الهلال في التواهي، وهي اسواق البهرة والبز والكدر والزعفران  في كريتر.
هي حواري اليهود والبينيان  والطليان والعرب، هي كنائس (البادري ورأس مربط وحافون وصلاح الدين ) وهي مساجد (ابان والعسقلاني وجوهر والنور والهاشمي) وهي اصوات الفنانين (احمد قاسم والمرشدي، ومحمد سعد عبد الله.)
هي زيارات (العيدروس) و(الهاشمي) الموسمية، وهي الموالد الصوفية في مساجدها العتيقة مساءات الخميس، وهي (مخادر) الاعراس في الحواري.
هي كل شيء كما حاولت ان تقول "ستيمر بوينت"، حتى وهي تتعثر قليلاً في ضبط بعض جغرافيا المكان وتعييناته، وتجاهد في البحث عن قارئ مختلف وصبور، بذات اصطبار التأليف، الذي كان في (اربعة اعوام) وفي ثلاث مدن (عدن وصنعاء والرياض).
خبرات الكتابة، المستفيدة من تقانة  الصورة السينمائية، في تبدل مواقع(انوات) السرد، وامكنته وازمنته المتداخلة، واحدة من السمات البائنة في العمل، والتي تتحول احياناً الى عبء على قارئ قليل المعرفة بالمدينة.

(*) دار التنوير بيروت 2015