صورة اليوم: كريم وصفي يعزف رغم الخراب

مايو 31, 2015 اضف تعليق
عازف التشيلو كريم وصفي يجابه الموت العراقي الكثير بجذوة السلام الذي في الموسيقى .. في كل مكان يثخنه الدمار والارهاب يقدم مقطوعاته التي ترثي لحال شعبه.. تحية لروح الفنان الانسانوي اللاطائفي واللاعدواني وهو يحاول بلغته ان يتحدى الخراب

خالد الحجيري *(لماذا لا نصدق نصر الله)

مايو 31, 2015 اضف تعليق

في خطابه اﻷخير، عرض السيد حسن نصر الله خدماته على اللبنانيين عامة، وأهالي عرسال خاصة، وتضمن العرض القضاء على الجماعات المسلحة في القلمون وجرود عرسال، ما يخلص لبنان من خطر "الارهاب" الذي يتهدده، وعرسال من "الاحتلال" الذي تعانيه فيعود أهلها لمزاولة أعمالهم وحياتهم الطبيعية.
لا شك أن عرسال تعيش منذ بداية الثورة السورية ضيقا ومحنة كبيرين، تبدأ بأعباء النزوح السوري ولا تنتهي بمضايقات المحيط اللبناني الموالي لحزب الله، واعتداءات بعض فصائل المسلحين السوريين على اﻷهالي في الجرود وداخل البلدة وقصف الجيش اللبناني المتواصل للجرود، ما ضيق عليهم فعلا في ممارسة نشاطهم الاقتصادي في بساتينهم ومقالعهم ومناشرهم الواقعة كلها في الجرود.

لكن، هل يمكن التعويل على عرض نصر الله؟! قراءة بسيطة في تناقضات الخطاب السياسي للسيد منذ بداية الثورة السورية لا تترك مجالا ﻷي ثقة أو مصداقية في هذا الشأن.

لن نعتمد في ذلك على ما يتم الكلام عنه من مخطط لتهجير العراسلة وضيوفهم السوريين لضمان التواصل الكامل مع دويلة علوية عتيدة يتم العمل على إنشائها وتمتد من الساحل حتى دمشق مرورا بحمص والقلمون، فهذا المخطط يبقى ضمن التحليلات، رغم إن إرهاصاته على اﻷرض باتت واضحة.
في الوقائع، خرج السيد بمقولة "ما في شي بحمص" بداية الثورة، ليتبين لاحقا أن حزبه يشارك في المعارك في غالبية المدن السورية ابتداءا بحمص وانتهاءا بدمشق وحلب ودرعا وادلب.
في معرض تبريره لمشاركته في حرب نظام اﻷسد ضد شعبه، تدرج من الدفاع عن قرى شيعية على الحدود الشمالية، الى الدفاع عن المراقد واﻷضرحة الدينية داخل سوريا، إلى الحرب الاستباقية ضد الارهاب على طريقة المحافظين الجدد اﻷميركيين، ليخلص نهاية إلى أنه يخوض حربا وجودية لا مكان فيها ﻷنصاف الحلول.

في بداية مشاركته في الحرب، دعا خصومه السياسيين الى منازلته في سوريا لتجنيب لبنان مخاطر هذه المنازلة، وإذا به يرفع شعار "سنكون حيث يجب أن نكون" وأنه سيحارب في كل مكان تقتضيه "حربه الوجودية"، سواءا في اليمن والعراق وحتى لبنان، الذي يبدأ الخطر الوجودي فيه من عرسال وجرودها، في خطاب مذهبي تحريضي واضح مغلف بدعوة عشائر بعلبك الهرمل لمحاربة الارهاب ابتداءا من جرود عرسال.
على ضوء هذا الغيض من فيض التناقضات التي حفلت بها خطابات نصر الله على امتداد اربع سنوات، كيف يمكن تصديق ضماناته لعرسال واللبنانيين، وهل يمكن الثقة بضمانة من يدافع حزبه وإعلامه عن مجرم ارهابي من الدرجة اﻷولى هو ميشال سماحة، دون إدانة ولو لفظية لمن أرسله ومونه بالمتفجرات لتخريب لبنان على رؤوس أهله ؟!

* ناشط ومهندس لبناني

ممثلتان إيرانيتان منفصلتان في مهرجان كان السينمائي

مايو 30, 2015 اضف تعليق
انها لمهمة مستحيلة تلك التي تقتضي جمع الممثلتين الإيرانيتين، النافرتين من بعضهما، وذلك بسبب وطنهما الأم، إيران. فالموضوع حساس، ولكل منهما وجهة نظر متناقضة مع تلك التي تدافع عنها الأخرى. الأولى هي غولشيفته فرحاني، احدى وثلاثين سنة، وسارة بيات، خمس وثلاثين سنة، كلتهما ولدتا في طهران، ولكن لن تلتقيا. الأولى لم تعد تطيق التكلّم عن الجمهورية الإسلامية، فيما الثانية بالعكس تماماً، تستعد للعودة إليها، بعد بضعة أيام، عند انتهاء المهرجان. واحدة من النقاط المشتركة بين الإثنتين انهما عملتا تحت إدارة المخرج الإيراني أصغر فرهادي، الذي يلاقي نجاحاً خارج بلاده كما في داخلها، مع السلطات الإيرانية الرسمية (...).

الممثلتان لهما بصمتهما في الحدث السينمائي السنوي. الأولى، الفرنكو إيرانية، غولشيفته فرحاني، فيّاضة، متدفّقة، ترسل خصلاتها السمراء الطويلة، تعيش في منفاها الفرنسي منذ ست سنوات. في شريطها «الصديقان»، للمخرج لوي غاريل، الذي يعرض في المسابقة الخاصة لـ»أسبوع النقاد»، تلعب غولشيفته فرحاني دور منى، السجينة التي حصلت على نصف حريتها، والتي تنغمس في مثلث غرامي مع رجلين، تدير رقصته بمفردها.

أما الثانية سارة بيات، الأقل ذيوعاً على المستوى العالمي، فقد اشتهرت من خلال شريط «إنفصال»، حيث تمثل دور امرأة عاملة تنظيفات. في هذا الفيلم أصرت سارة بيات على وضع القطن في أنفها وعلى خدودها، فبدت مثل الهامستر. ولكن هذا الانطباع خاطئ... فعلى شرفة الفندق الكبير اكتشفنا وجهها الذي يشبه وجه مريم العذراء (...). ممتشقة القامة، تلبس الثياب السوداء، وهي تعتبر نفسها هنا انها عابرة سبيل... وبصفتها مسلمة، تغطي سارة بيات شعرها بمنديل سميك غامق، في ظل درجة حرارة بلغت السابعة والعشرين. تبقى عيناها اللوزيتان بلون الشوكولاتة. وهي، في المهرجان، تمثل في فيلم «ناهد» للمخرجة الإيرانية الشابة إيدا باناهندة، الذي اختير لمسابقة «نظرة ما»، الخاصة. وقصة ناهد انها مطلقة، تبحث عن استقلاليتها؛ هي بالكاد تغطي تكاليف عيشها عبر أعمال السكريتاريا، تقاتل من أجل الإحتفاظ بابنها، وتحاول في الآن عينه أن تعيش قصة حب جديدة. فيلم ايراني حتى العظم...

أما غولشيفته فرحاني، فلا راية لها. هويتها عالمية، لا تقع على أرض محددة. تقول ذلك وهي واقفة أمام الشاطئ موسِّعة عينيها: «متى سيتوقفون عن طرح الأسئلة عليّ عن إيران؟ خرجت منها منذ ست سنوات، ويبدو لي الأمر وكأنه ستون عاماً. العلاقة مع إيران انقطعت، أنا ممثلة من دون ماضي. أنا مثل منى، الشخصية التي أمثل دورها، لا أهتم من أين أتيتُ!».

عندما كلفها لوي غاريل بهذا الدور، كإمرأة حرة، كان يأمل فعلا بأن تطوي غولشيفته فرحاني الصفحة الإيرانية. يقول لنا بهذا الشأن: «كنت أريد لها أن تمثل في فيلم لا تحمل فيه على أكتافها ظروف المرأة الشرقية. فهي تمثل في فيلم فرنسي» (...).

غولشيفته فرحاني رسمت طريقها الخاص بسرعة. كون والدها ممثل ومخرج مسرحي سمح لها بالظهور في أول فيلم لها وهي في الرابعة عشر من عمرها. وبسرعة، أعطيت لها أدوار مختلفة، ونالت جوائز عديدة. الجمهور الأجنبي اكتشفها في شريط «المتجر» (2004) للمخرج الإيراني حميد نعمة الله. في العام 2008، كانت تمثل إلى جانب ليوناردو دي كابريو في شريط ريدلي سكوت «كذبة دولة»؛ هكذا أصبحت غولشيفته فرحاني أول نجمة ايرانية تجتاز حواجز هوليوود.

هنا، بدأت مشاكلها: فالسطات الإيرانية غضبت عندما رأتها في ثياب عارية الكتفين والصدر على الطريقة الغربية في احد المهرجانات الأميركية. ولدى عودتها إلى ايران، صادرت جواز سفرها. أما الباقي فمعروف: ترحل غولشيفته فرحاني من بلادها، وتستقر في فرنسا حيث تبني لنفسها سمعة كمتمردة، بتحدّيها للملالي. آخر تحدياتها: الظهور عارية في العدد 17 من مجلة «إيغويست» (أناني) للمصور المعروف باولو روفرسي.

وهي لعبت في فيلم «قراصنة الكاريبي» الذي سيخرج إلى الشاشات عام 2017، للمخرجين جواكيم رونينغ واسبن سنبرغ، وكذلك في فيلم «مأساة صوفي» للمخرج كريستوف اونوريه. وهي تردد: «أنا هنا سعيدة مثل سمكة في البحر».

أما سارة بيات، فهي تريد أن تبقى «ضمن الإطار». وهي تقول: «أنا أعشق إيران. والحرية مفهوم نسبي جدا. لو لم نكن على درجة من الحرية، لما نال فيلم «الإنفصال» جائزة في مهرجان برلين». وهي ترفض أن تمثل إلا في الأفلام التي نالت موافقة السلطات، مثل فيلم «ناهد». وهي تتابع: «الذين يصورون أفلاما سرية يسيئون إلى صورة البلاد. لن أمثل في فيلم سري، بل ان فكرة كهذه تجعلني أتقيأ» (...).

أن تكون سارة بيات نجمة إيرانية مثل ممثلة أخرى اسمها ليلى حتمي، فتلك هي أمنيتها. هي أيضا بدأت مبكراً مشوارها الفني. وهي تروي: «عندما كنت طفلة، كنت أقلد مذيعي نشرات الأخبار على التلفزيون، وكذلك الممثلين. وكان أبي يقوم بتصويري وأنا أؤدي هذه الأدوار». ولكن أهلها وقفوا بوجهها عندما أرادت امتهان المهنة. وهي لم ترضخ لهم. تتابع: «عندما بدأت بحصد الجوائز، أصبحوا سعداء بمهنتي هذه». وفي مهرجان كان هذه الأيام تمكّنت سارة بيات أن تلمس مدى شعبيتها، إذ تقول: «التقطتُ صوراً مع المصطافين هنا، بالقرب من قصر المهرجانات. ثم وقعت انظار المعجبين على الصفحة الأولى من مجلة تعلن انني سأشارك بالتصوير في فيلم عن الرسول محمد، الذي يروي طفولته». الفيلم من الإنتاجات الضخمة، تموّله السلطات الإيرانية، وتلعب فيه سارة بيات دور مرضعة الرسول ومربيته. مثل مواطنتها غولشيفته فرحاني، تعتبر سارة نفسها محظوظة: «أنا أعيش داخل غيمة» تقول. فبعد أيام ستكون قد ركبت الطائرة وعادت إلى إيران. 

استعادة لقصيدة من خارج السياق الشاعر أدونيس والثورة والطغاة.. وإيران الخميني

مايو 30, 2015 اضف تعليق
يوركي عبده ألماظ
خمسة استهلالات

1- «شاعر سوري مبدع هو أدونيس، هزته الثورة الخمينية في إيران، وأظهرت أكثر نوازعه الدينية تأصلاً، فإذا به يبرر عدم فصل الحقل السياسي ليس عن الدين عموماً، وإنما عن دين بعينه هو الإسلام». وائل السواح (الأوان 6-9-2007).

2- «جاء العصفُ الجميلُ ولم يأتِ الخرابُ الجميل... أنا ساعة الهتك العظيم أتتْ وخلخلة العقول» أدونيس/ من قصيدة «مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف»1970

3- «لا أعرف أن أبكي، لو أنني أعرف لكنت حولت عيني إلى ينبوعين من الدمع، جنوبي في درعا، وشمالي في بانياس وجبلة». أدونيس (جريدة الحياة 2011). 

4- «أنا مع الحراك الثوري مهما كانت النتائج، لأن هذا الحراك هو في حد ذاته دليل على حيوية الشعب ودليل على تشبثه بالحرية وتشبثه ببناء مستقبل مختلف» أدونيس (موقع القنطرة 2011). 

5- «لا هيمنة في الأخير إلا للحرية، ولا أمن في الأخير إلا بالحرية». أدونيس «رسالة مفتوحة إلى الرئيس» (صحيفة السفير 2011).

[1ـ الشعراء يقولون ما لا يعلمون!

وكأن الشاعر لا يكفيه الشعر!؟ فتراه، يحشر أنفه في ما يجب وفي ما لا يجب! وإذا كان تورط الشاعر في ما لا يجب، أمر لا يختلف، في نتائجه السلبية على إبداعه وعليه شخصياً، سوى في اختلاف البشر في تحديد ما يجب وما لا يجب، فإن تدخله المحمود في ما يجب عليه أن يتدخل به، هو بدوره أمر محفوف بالمطبات والمخاطر.. ذلك أن الشاعر، حينها يخرج من منطقة اختصاصه ويدخل في اختصاصات سواه، أي خارج دائرة خبراته ومعارفه، إن لم أقل خارج طبيعته، وأكثر ما يغوي ويجذب الشعراء من أمور، على مدى التاريخ، وبخاصة في البلاد التي يتحكم بها الاستبداد، هي السياسة! الأبعد عن الشعراء بعدها عن أي صنف آخر من البشر، لكونها حقلاً له أمراؤه وأسياده، أمّا ما تلك المقولة الشهيرة التي ثبتها المفكر الحداثي الإنكليزي تيري إيغلتون في خاتمة كتابه «فكرة الثقافة»: «.. في وقت غدت الثقافة، في أنظمة الحكم السلطوية.. شكلاً أساسياً من أشكال الخروج والتمرد السياسي، حيث انتقلت عباءة المقاومة من المناضلين السياسيين إلى الشعراء». فإنها تبين وبكل دقة تمييز ايغلتون العمل الثقافي عن العمل السياسي، ملقياً على أكتاف الشعراء عباءة المقاومة لا عباءة السياسة ذاتها.

يقدم أدونيس في «تحية إلى الثورة الإيرانية» نموذجاً عربياً في غاية المثالية، وإن ليس في غاية الندرة، لتورط الشاعر في موضوع لا معرفة له فيه، جملةً وتفصيلاً. تاريخاً وحاضراً، فبأفضل الأحوال وصلته بعض أخبار الثورة الإيرانية خلال قيامها ثم نجاحها وإطاحتها بالشاه، فاحتفى الرجل بهذا الثورة وكتب تحيته هذه. إلاَّ أن أدونيس، كما سيبدو، لم يكتف بتحية ثورة وشعب، بل، وهنا المشكلة، راح يحمّل هذه الثورة كل صبواته، والشعب الإيراني كل أمانيه. وأحسب أن الوضع الإيراني القائم، وما بات معروفاً عن طبيعة نظام الملالي وولاية الفقيه من محافظة وعودة للماضي وتضييق على الحريات، أبعد ما يكون عن منهاج أي ثورة ذات أفق مستقبلي، وما استتبع ذلك من فساد واستبداد وقمع لفئات واسعة من الشعب، نتيجته ما حدث في الانتخابات الأخيرة والاحتجاجات الشعبية الكبيرة التي تلت، وبخاصة في قطاعي الشباب والمرأة، هذا وغيره جاء تأكيداً لخطل أدونيس في احتفائه المباشر، بالثورة الإيرانية، وأظن أن أدونيس نفسه يوافقني الآن بأنها قد خيبت أمله وآمال الكثيرين من العرب وغير العرب الذين شاركوه احتفاءه بها. أما ما يعيد عقد هذه الآمال كلها، إن لم يكن ثورة مضادة، فليس أقل من حركة إصلاح شاملة يقوم بها الشعب الإيراني الرائع نفسه مع قادته الإصلاحيين الكبار ممن نعرف كخاتمي وموسوي وسواهم، وممن لا نعرف وسيبرز في مجرى الأيام والأحداث.. 

تحيةٌ إلى الثورةِ الإيرانية

أفقٌ، ثورةٌ، والطغاةُ شَتات 

كيفَ أروي لإيرانَ حبي 

والذي في زفيري

والذي في شهيقي

تعجزُ عن قولِهِ الكلمات.

-

سأُغنّي لقُمٍّ لكي تتحولَ في صبواتي

نارَ عصفٍ، تطوفُ حولَ الخليج

وأقولُ المدى والنشيج.

...

شعبُ إيرانَ يكتبُ للشرقِ فاتحةَ الممكنات

شعبُ إيرانَ يكتبُ للغربِ وجهُكُ يا غربُ مات

شعبُ إيرانَ شرقٌ تأصلَّ في أرضنا ونبي

إنه رفضُنا المؤسِسُ، ميثاقُنا العربي.)

أدونيس (صحيفة السفير 1979).

2- أي تحية وأي شاعر

غريبة هذه القصيدة التي كتبها أدونيس احتفاء بالثورة الإيرانية، ونشرت مرة واحدة فقط بصحيفة السفير اللبنانية سنة 1979، ثم اختفت. فلم تتضمنها أي من مجموعات أدونيس الشعرية أو غير الشعرية، كتلك الكتب التي يجمع بها مقالاته وتأملاته وخواطره. غريبة كشعر، وغريبة كأفكار. وغريب أكثر أن يكون صاحبها أدونيس، «سيد الحداثة الشعرية العربية دون منازع»! نعم أنا أصدق هذا. أو ربما يصحُّ أكثر السؤال، من له أن يكتب قصائد كهذه سوى شعراء كبار، كأحمد شوقي، والجواهري، وأدونيس.. ونزار قباني، مثلاً عندما كتب عن قيام ما سمِّي الميثاق بين سوريا والعراق، ثم ما لبث وأن ألغي لادعاء العراقيين أن السوريين كانوا يعدون لهم مقلباً، فالشعراء في غمرة انفعالاتهم وحماستهم يتركون لألسنتهم أن تنطق على هواها. أقول ألسنتهم ولا أقول أقلامهم، لأن القلم، معدن وخشب وحبر، طبيعته أن يفكر، أن يتأنى، أن يختار. لكن اللسان، لحم ودم وأعصاب، يشطح مع اللحظة، ينفعل، مطابقاً القلب والهوى. إلاّ أن هناك من يقول إن كان صحيحاً أن الشعر يحار بين أن يكون ابن اللسان أو ابن القلب، فليس له أبداً أن يكون ابن العقل!

ولكن كيف لشاعر بمستوى أدونيس، بترفعه عن كل ما يعمّ ويخمّ، بعد السطر الأول المحتشد بأربع كلمات ثقيلة المعاني: (أفقٌ، ثورةٌ، والطغاةُ شتات)، الذي يطرح السؤال: لماذا وضع كلمة (أفق) بدايةً!؟ فالثورة قد حصلت، وتمَّ تشتت الطغاة، فالشاه المخلوع بقي لفترة طويلة مشتتاً تتقاذفه الدول والعواصم، التي كانت تفرش له سابقاً البساط الأحمر من باب الطائرة إلى باب المطار، فلم تقبله أن يحلَّ فيها كل من فرنسا وإيطاليا ولا حتى الولايات المتحدة الأميركية، التي يتهمه البعض بالعمالة لها، ويزيدون بأنها خذلته، حتى حطَّ في مصر بدعوة من رئيسها المؤمن محمد أنور السادات، ومكث فيها حتى مات. ولكن يبدو في ملة أدونيس واعتقاده، إن ما حصل؛ الثورة، وتشتت الطغاة، ليس سوى البداية، وإن لها أفقاً أبعد من هذا تصبو إليه، أفما كان يمكنه أن يقول، كاقتراح لا أكثر: (ثورةٌ،...، أفقٌ)!؟. لكننا نعلم أن «أفق» كمفردة، وكدلالة، لها وقعها في القاموس الأدونيسي، ومن الجيد بعرفه، استخدامها كلما أتاحت الفرصة، وربما يجد أدونيس أنه شيء جيد أن يبتدئ بها. غير أن مصدر استغرابي، هو كيف لشاعر بمستواه وخبرته، أن ينتقل مباشرة بعد هذا السطر إلى: «كيف أروي لإيران حبي»، أقصد، من دون توطئة كافية لهذا الانتقال. مع الانتباه إلى أن استخدامه لفعل «أروي» لا يصحّ إذا أعملنا الحرص على الدقة والسدادة في التعبير، إلا بإضافة كلمة حكاية أو قصة أو سيرة، لتصير: «كيف أروي قصة حبي» مثلاً! غير أن أدونيس، الشاعر الكاره للتفاسير والشروحات كما نعرفه، يفسر، ويشرح لنا، أن سبب هذا السؤال، الذي سمح لنفسه به، علماً بأنه يُسمح للجميع بهذا ما عدا الشعراء الذين مهمتهم في الأصل، مهنتهم، لأنهم سادة الكلام، أن يجدوا دائماً السبل القادرة على التعبير عن أي شيء، هو أن: «الذي في زفيري والذي في شهيقي تعجز عن قولهِ الكلمات»، فأي حبٍّ لإيران، كبير، عميق، جارف، تعجز عن قوله الكلمات!؟ ثم أي مستوى شعري بسيط يظهره هذا التساؤل البالغ السذاجة، والذي عادة ما يستخدم من قبل هواة الشعر والمبتدئين، الذين يرددون دائماً ما معناه: كيف أصف، كيف أعبر، كيف أقدر على قول، ما تعجز عن قوله الكلمات!

[2ـ نبوءات أم صَبوات؟

المقطع الثاني الذي يبدو وكأن أدونيس لا يستطيع به كبح جماح عواطفه، ولن أجاري وائل سواح هنا وأقول، نوازعه، يبدأه بـ»سأغني». ليس للثورة، أو البلد، أو الشعب الذي شتت الطاغية، بل لـ»قمّ»، المركز الديني المعروف، وذلك لأنه يعلم كالجميع بأن الثورة الإيرانية ثورة دينية أولاً وأخيراً. وهو لا يغني، بل «يصلي»، إذا سمحتم لي باقتراح مفردات بديلة أراها أكثر دقة لأنها تتضمن ما يشبه الدعاء، لـ»قمِّ«، لا لأنها قامت بثورتها وحسب، بل كي تتحول في صبواته (صلواته): «نار عصف تطوف حول الخليج»، وطبعاً المقصود، الخليج العربي أو الفارسي لا داعي في هذه المناسبة للتحديد، وما حول الخليج الذي يصبو أدونيس أن تطوف به نار عصف الثورة الإيرانية، هو الدول الخليج العربية، العراق والكويت والسعودية وقطر والبحرين والإمارات، لينتهي المقطع على الطريقة التنبؤية الأدونيسية، فالشعر عند أدونيس رؤية ونبوءة، كما تعلمون: «وأقول المدى والنشيج»، بمعنى أن يعمَّ عصف النار كل المدى، ويعمّ النشيج!؟ وهنا، حقيقة، لا أدري أي حبّ، أي احتفاء بثورة، صبوات الشاعر تريدها أن تصل لهكذا نتيجة. فلو كانت نبوءة أدونيس، جاءت، مع السماح لي بتغيير القافية: «أقول المدى والنشيد» لكان الأمر مفهوماً ومبرراً. خصوصاً وأني لا أظن أن أدونيس الآن أو في الماضي، كان متأثراً بموجة العداء الصريح من الناصرية والبعثية والقومية واليسارية، للسعودية ودول الخليج من الكويت للإمارات لعمان، فما زلنا نسمع من يلقبون أناس هذه البلاد بلقب: «العقل» (بالقاف المعجمة)، ساخرين من محافظتهم على ارتداء العقال، وما زال بعضنا يذكر الشعارات التي كانت تكتب على جدران الجوامع وبوابات المدارس، وبخاصة في عقد الستينات، مثل: «أمريكا رأس الأفعى والسعودية ذنبها»، والتي لليوم قابلة لأن تعود وتظهر في مناسبة أو أخرى. ومن الأمثلة الراهنة على هذه النظرة، ما كتبه منار ديب في صحيفة قاسيون 23/3/2009، للملف الذي أعدته صحيفة الجزيرة السعودية عن الروائي والشاعر الدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي، حيث وصف السعودية بأنها: «النظام الذي يقطع الرؤوس في الساحات، ويمنع المرأة من قيادة السيارة، ويستعبد العمال الأجانب، ويقيم أوثق التحالفات مع الإمبريالية وأعداء الشعوب»!؟ إذن الأسطوانة ما زالت صالحة، والأغنية المسجلة عليها سوف دائماً تبقى مفضلة، على ما يبدو بالنسبة للبعض، ما دامت السعودية غير محكومة من قبل حزب قومي مناضل أو يساري أممي!؟

ربما يعترض أحدهم ويقول: لماذا لا تعتبر ما يقوله أدونيس في هذه القصيدة، لا أكثر ولا أقل من تنبؤ، كما تنبأ مرة في قصيدته «قبر من أجل نيويورك»، بتفجير مركز التجارة العالمي، كما اكتشف البعض!؟ لماذا لا تعتبره تحذيراً، علينا أن نتنبه له، إنذاراً بنار تعصف، وكأنها نار نووية، بالخليج!؟ الرد هو أن النبوءة هنا، أقرب إلى الأمنية، والإنذار، أقرب إلى التهديد، فهو يقول: «أغني لقمٍّ لكي تتحول في صبواتي.. نار عصف..» وكأن أدونيس هنا يكرر استخدام إحدى أشهر جمله في قصيدة «مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف» كما أذكر: «جاء العصف الجميل ولم يأت الخراب الجميل». نعم أدونيس واحد من سلالة المخربين الكبار في تاريخ الثقافة والفكر العربي بالتأكيد. هو الذي يلقب نفسه: «لغم الحضارة/ هذا هو اسمي».

[3 ـ الرافض أبداً يقبل ويبارك!

أدونيس الرافض أبداً. إنه يريد أن يؤسس الحياة على الرفض، يؤسس الشعر والفكر والهوية وكل شيء على قاعدة السؤال والرفض. لكنه هنا لا يسأل، هنا يقبل، بل يحتفي، أعود وأكرر التعبير ذاته، بالثورة الإيرانية و(قمٍّ) والشعب الإيراني. ولا أدري أية تأثيرات حزبية «قومية سورية» بقيت قادرة من حين لآخر لأن تجعل منه شعوبياً، كما حين اتهمه مرة يوسف الخال في أحد رسائله، قائلاً له: «عد إلى الوحل» وهو ما أورده أدونيس في نهاية كتابه «الشعرية العربية» (دار العودة- بيروت-1985)، فها هو في المقطع الثالث والأخير في النص أعلاه يفسر ما يكتبه شعب إيران للعالم: «للشرقِ يكتبُ فاتحةَ الممكنات»، والسؤال: «ممكنات ماذا؟» لا نريد التوقف عنده، أمّا ما يكتبه شعب إيران للغرب: «شعبُ إيرانَ يكتبُ وجهُك يا غربُ مات». فأية نبوءة هذه وأية أمنية!؟ وماذا يجده أدونيس مستحقاً للتهليل في موت وجه الغرب، أية شرقية هذه تقوم على مجابهة الغرب والعداء له و.. قتله. ثم يأتي الأغرب من هذا كله، هذان السطران الأخيران في القصيدة، الأول في ركاكته، وكأنه كتب، وهذه الملاحظة تنطبق على القصيدة برمتها، أذكرها من باب إيجاد العذر للقصيدة ولصاحبها أكثر من توكيد حكم نقدي عنها، بتسرع واعتباطية شديدين. حيث يلاحظ أن الصفتين اللتين يصف بهما أدونيس شعب إيران: «شرقٌ ونبي» لا تصلحان للعطف، أي لا يصح جمعهما إلاّ بتساهل ما. كما أنه من الغريب القول، إن شعب إيران الذي ليس شعباً عربياً، وهذا ليس من باب العداء أو رفض الآخر، فالإيرانيون ليسوا عرباً، وتلك لعمري حقيقة لا أظن أحداً يخجل أو يقلقه شيء من تردادها، والإيرانيون أنفسهم، على ضروبهم كافة، شيعة أو سنة، لا يدعون أي عروبة، لا بل أذكر أنني حضرت ضمن مهرجان للسينما الإيرانية كان يقام في دمشق، قلب العروبة النابض، منذ عشرين سنة على الأقل، فيلماً إيرانياً عن الحرب مع العراق، فرأيت وسمعت فيه حشداً من الإيرانيين يتظاهرون في شوارع طهران وهم يسبون العرب ويلعنونهم. أقول إنه من الغريب أن يكون: «شعب إيران شرقٌ تأصَّلَ في أرضنا»، والـ(نا) هنا يقصد بها العرب، نحن العرب الذين يتوجه إليهم أدونيس بهذا الكلام! وهذا ما يؤكده أدونيس في السطر الثاني، من دون أي شك في تفسيري وفي تفسيره، لماذا شعب إيران شرقٌ تأصَّلَ في أرضنا ونبي؟ بكونه: «رفضُنا المؤسِّسُ، وميثاقُنا العربي». فيا له من تفسير أن يكون شعب ما رفضاً مؤسساً لشعب آخر، وميثاقاً لأمة أخرى.

[4 ـ حق الشاعر في النسيان

ليست غايتي من العودة لقصيدة أدونيس هذه والكتابة عنها، بعد خمس وثلاثين سنة من نشرها في صحيفة السفير، سنة 1979، المشاركة في رمي الحجارة على شجرة أدونيس الخضراء والمثمرة، كما يفعل غيري، أو النيل من أرائه ومواقفه مهما كانت، وخصوصاً في موقفه ذاك من الثورة الإيرانية الذي كنت، أعترف، أشاركه فيه ولو بصبوات مختلفة، كما أني أبعد الناس عن محاولة النيل من شخصه الكريم، هو الذي استقبلني مرة في بيته في بيروت، بكل تلك الحفاوة واللطف، مع أنه لم يكن يعرفني، ولكن أيضاً ببعض الحذر، فقد ناله من الأصدقاء، وبخاصة المقربين منهم، ما ناله، لأن هذه الأمور التي يقوم بها البعض بقصد الإساءة لشخصية أدبية كبيرة لأسباب ولغايات غير أدبية، كثيراً ما تنبع من ضغائن شخصية، ومشاعر غيرة وحسد للمكانة التي لا مثيل لها التي بات أدونيس يتمتع بها، عربياً وعالمياً، وغالباً أيضاً ما تؤدي إلى نتائج تعاكس تلك التي يأملونها منها، فمن يشتهر من الشعراء، هم من تكثر وتزيد عن حدها مهاجمتهم أدبياً وشخصياً، كما حصل للمتنبي مثلاً، وكما حصل لأحمد شوقي وجبران خليل جبران ونزار قباني، وكما حصل ويحصل لأدونيس أكثر من الجميع. ما كتبته لم يكن سوى إلقاء نظرة، وإبداء رأي، أو لأقل مراجعة سريعة، لما يمكن لشاعر، مهما بلغت مكانته وبلغت ثقافته، أن يقع من هفوات، ويا لها من هفوات، على الصعيد الشعري والصعيد الفكري بآن، خصوصاً عندما يورط نفسه وشعره في التعبير عن مواقف سياسية وشبه سياسية، لا علاقة له بها كشاعر. هذا ما أقوله لنفسي قبل أن أقوله لغيري، وقبل أن يقوله أحد لي، والبعض قد فعل وقاله لي صراحة، فالشعراء عامة يستسلمون لأهوائهم ونوازعهم، وفي الوقت نفسه لا يقبلون مساءلة من أحد، حتى أنفسهم. نعم ليس الشعراء من أولئك الناس الذين يضعون أنفسهم تحت أية مساءلة، أو يقبلون التقيد بأي شرط. حتى وإن اكتشفوا بعد حين أخطاءهم، مؤثرين أن ينسوا ما قالوه ذات يوم، ويمحوه، وإن لم يستطيعوا، نراهم يحاولون تقديم تفسير آخر له، وذلك كي يتجنبوا الاعتراف بأخطائهم، والاعتذار عنها. أما قال محمود درويش: «لا تعتذر عمّا فعلت» وصفق له الجمهور. ولكن هذه القصيدة لم يكتبها أدونيس وهو في التاسعة عشرة أو في الرابعة والعشرين من عمره، كما عندما كتب ملحمته: «قالت الأرض» التي كان بيتها الأخير:

قيل: كونٌ يُبنى. فقيل: بلادٌ

جُمِعت كلُّها، فكانت سعادة

وهي إشارة صريحة إلى أنطون سعادة مؤسس وزعيم الحزب السوري القومي الإجتماعي، الذي كان أدونيس في منتصف القرن الماضي ينتمي إليه، والتي عندما أعاد نشرها ضمن مجموعته الشعرية «قصائد أولى»، جاءت كمقاطع مرقمة من /1 إلى 41/ حاذفاً منها مقاطع عديدة، السطر الأخير هذا كان من إحداها.. أمّا قصيدة «تحية إلى الثورة الإيرانية» فقد كتبها أدونيس عام 1979 وهو في عمر الثامنة والأربعين، أي العمر الذي عبر خلاله أدونيس الكثير من الأحداث والكثير من التجارب، الكبيرة والأليمة، الشخصية والعامة، وصار من المتوقع منه ألاّ يتأثر وينفعل بالأشياء كما تتراءى له لأول مرة لحظة ظهورها. وأظن أن أدونيس نفسه، كان يعتبر هذه القصيدة، كما عنوانها، تحية، لا أكثر، فهو لم يضمنها في أعماله الشعرية الكاملة بطبعاتها المتعددة، ولا في أي من مجموعاته الشعرية المفردة، التي أتباهى بامتلاكي الطبعات الأولى النادرة لها، ومنها مجموعة «المسرح والمرايا» ومجموعة «كتاب التحولات والهجرة بين أقاليم النهار والليل» وكذلك «أغاني مهيار الدمشقي»، المجموعة الأحبّ إليّ، طبعة مجلة مواقف، وهي تحتل مع باقي كتبه رفّاً كاملاً من مكتبتي الشعرية، المحتلة كلّ رفوفها، أصلاً، بمزاجي الشعري الخاص، والخاضعة لشرطي الخاص في أن ما يستحق الاحتفاظ به من كتب الشعر، هو ما يعود أمثالي إليه، كما يعودون لامرأة، على حد قول أنسي الحاج عن مجموعة توفيق الصائغ الأولى (ثلاثون قصيدة-1958)، أو كما يعود الجميع، ناجحين وفاشلين، قبل الموت وبعده.. للوطن..

بودابست ـ رومانيا


نوافذ
  

صورة اليوم: فداحة تجارية

مايو 29, 2015 اضف تعليق
أرجو ملاحظة أن صاحب المحل لم يعلن عن نيته في عدم استقباله للزبونات غير المحجبات من الأساس
بل طلب منهن عدم الجلوس في المحل
يعني عادي ياخد فلوس منها لكن جلستها في المحل ستزيل البركة... ‏
سبحان المائلو شبيه !
هدى جعفر

عباس بيضون(قصيدة منحولة)

مايو 29, 2015 اضف تعليق
فضيحة فكاهية
عن السفير

"قامات التمرد والحداثة» اسم ضخم لكتاب يتناول بحسب ما خط على غلافه «الحداثة الثانية في لبنان» الكتاب كما لا يوضح عنوانه محصور بالشعر، هو عبارة عن حديث مع كل شاعر ومختار منه وسيرة مختصرة له، ويحسن لي أن أذكر الشعراء الذين تناولهم الكتاب بالاسم «شوقي أبي شقرا، ربيعة أبي فاضل، يوسف بزي، شوقي بزيع، عباس بيضون، مهى بيرقدار، نعيم تلحوق، ربى سابا حبيب، جمانة حداد، ندى الحاج، ماجدة داغر، شربل داغر، أمين ألبرت الريحاني، عبده لبكي، الياس لحود، وديع سعادة، ديزيره سقال، محمد علي شمس الدين، جودت فخر الدين، زاهي وهبة»، اللائحة كما ترون طويلة وتتبع في ترتيبها التسلسل الألفبائي، ما يوحي بالحياد وعدم التحيز، أما مؤلفو الكتاب فهم ثلاثة كما ورد على غلاف الكتاب. ربى سابا حبيب ودومينيك خوري ونانسي ميلع. إنهم ثلاثة لكنهم لا يتساوون من حيث إسهامهم ومن حيث مستوى هذا الإسهام ومقامه، الأولى «الدكتورة ربى سابا حبيب» كما هو اسمها على الغلاف، لها فضل الإشراف والفكرة والتقديم، أما الأستاذان دومينيك ونانسي كما هما اسماهما في الكتاب فلهما نصيب الإعداد وحده. ويمكننا أن نفهم من ذلك أن الأستاذين طرحا على الشعراء الذين تنقلوا بينهم والذين كانوا من اختيار حبيب أسئلة من وضعها أيضاً. كما نفهم أن الدكتورة راجعت الأجوبة التي حملها إليها الأستاذان وأعادت تنضيدها كما راجعت السير الذاتية المختصرة، كما اختارت لكل شاعر نموذجاً من شعره وهي بالطبع اختارت أسماءهم كما ورد آنفاً. أي أن الفريق الذي وضع الكتاب كان بقيادتها وتحت إشرافها، الكتاب بجملته فكرتها، وبكلمة فإنها وحدها المؤلفة ووحدها التي تتحمل مسؤولية الكتاب وتتحمل اختياراته، فيما قام دومينيك ونانسي بالعمل الخام أو المادة الأولى التي كان لحبيب فضل صياغتها الأخيرة كما كان لها فضل الاختيار وفضل البرمجة وفضل الانطلاق.
لا يسعني وأنا من الأسماء التي حواها الكتاب أن أبدي رأياً في الفكرة، فقد قبلتها عملياً بمجرد موافقتي على إجراء الحديث وإجابتي عن الأسئلة، وإذا كان لي من ملاحظة على صورة هذه الإجابة في الكتاب فلن تكون سوى ملاحظة عابرة تتعلق في الغالب بهفوات طباعية كتلك التي تقول عن بودلير إنه «كتب نصاً نثرياً» ومثلي يعرف أن بودلير كتب كتاباً كاملاً في قصيدة النثر هو «سأم باريس»، لن أتدخل ما دمت واحداً من الذين شاركوا في الكتاب في اختيارات حبيب وإلى أي حد هم أوهن «قامات التمرد والحداثة». رأيي في هذا الموضوع لن يكون له أي ميزة وسيكون فقط مقابل رأي حبيب وسيكون في أفضل الأحوال مساوياً له. غير أن من حقي أن أستكثر عدد «قامات التمرد والحداثة»، فلا أظن أن هناك قامات فعلاً وعلى الأقل أشك في أن هناك عدداً من القامات يصل إلى العشرين.
لكن ما راعني فعلاً في الكتاب هو أن النموذج الشعري، الذي ألحق بحديثي على أساس أنه من شعري، ليس من شعري وليس لي. بالطبع ليس في النص المنحول أي مسحة تمت إليّ لا من ناحية الروح ولا من ناحية الأسلوب ولا من ناحية الرؤيا. قلت في نفسي قد يكون في الأمر خطأ مطبعي. قد يكون نسبت إليّ قصيدة لغيري ونسبت قصيدتي لآخر سواي. فتشت عن قصيدتي في ثنايا الكتاب ولدى كل الشعراء فلم أجدها. عندئذ اتصلت بدومينيك الذي قال لي إنه سيتصل بربى سابا حبيب ثم عاد ليقول لي إنه وجد القصيدة منسوبة لي على موقع في الإنترنت. سألته عن اسم الموقع فقال إنه «المحيط». بحثت في الكومبيوتر عن الموقع فوجدت بعد لأي القصيدة نفسها منحولة لمجموعتي الشعرية «بطاقة لشخصين» نقلاً عن جريدة الصباح العراقية. أنا أنشر في لبنان وكتبي الأخيرة تصدر عن دار الساقي، وهي في المتناول بدون شك، ومن وجدوا الطريق إليّ وعرفوا رقم هاتفي المحمول وقابلوني شخصياً كان في وسعهم أن يجدوا كتبي لدى ناشري وأن لا يبحثوا عنها في الإنترنت، وهب أن البحث عنها في الإنترنت مقبول. أما كان عليهم وهم الذين يعرّفون بقامات التمرد والحداثة أن يبحثوا في موقع معروف كموقع «جهات الشعر» مثلاً الذي كنت مرة رئيس التحرير الزائر فيه، وصاحب هذا الموقع شاعر معروف هو قاسم حداد وفيه بالطبع كل شعراء الحداثة الأولى والحداثة الثانية في لبنان وغير لبنان.
عوداً إلى القصيدة المنحولة لي. هي تحوي كل ما أكرهه في الشعر، أو هي على الأقل لا تشبهني
أي يد تستمرئ القتل
بتلك البشاعة
..........
أي يد شيطانية
تحيل الورود رماد
..........
كنصل السكين
اجتزك من الوريد إلى الوريد
قد تكون أمك
أختك
جارتك
صديقة الطفولة
..........
الجبناء قتلوا الشعب

حنان رمّال*(لكنه... يحبني)

مايو 28, 2015 اضف تعليق
خاص الرومي

صفعة على الوجه تحاول محوها وردة خجولة حمراء ينذر لونها بدم قادم وما من عين ترى.
وردة ستُرمى قبل ان تذبل اوراقها بجانب ورود سبقتها وتنتظر احتضان ورود لاحقة.  
أزيز صفعة لم يخمد انينها في الإذن حتى هبطت واحدة ثانية تكمل معزوفة صماء أبت إلا أن تحفر أنغامها  على صفحة كرامة مهدورة لتلحن قصيدة كتبت على بحر شعر دم ينزف تفعيلة مفعولة. 

 لكنه... يحبني.
الم يحن الوقت لكي نكف عن الدوران تحت صفعات هذا الحب الأعمى؟ 
ألم يحن الوقت لكي نقطع تلك اليد، لكي نحرر ذلك الصوت و نعطيه قوة الكلمة و جرأة الفعل، ان نؤمن ان من بإستطاعتها ان تهب حياة تستحق الحياة؟ 
الى متى سنسمح لهذا الطيف ان يسكننا، ان يعمينا، ان يضعفنا، ان يغرقنا، ان يحرقنا؟
الى متى سنصمت، الى متى سنربط اوتارنا الصوتية بحبال الحب الشائكة الحريرية؟
الى متى علينا ان نسكر من شذى تلك التفاحة المحرمة التي نهشتنا و حملتنا ذنب تذوقها؟

 لكنه... يحبني. 
كم من عيب سترنا تحت رداء الحب الفضفاض؟
كم من دمعة سكبنا في وعاء حب دون قاع؟
كم من جرح عضضنا من انياب الحب المخملية؟
كم من سراب لحقنا تحت فيء الحب الحارق؟
كم من حلم عشنا تحت جناح حب مظلم؟

 لكنه... يحبني. 
علينا ان ننزل الحب من ملكوته، ان نجرده من ألوهيته، ان نسحقه لكي نحصل على لبه، ان نقوى به و لا يقوى علينا، ان نخاف عليه و لا نخاف منه، ان نوئده في المهد قبل ان يأخذنا الى اللحد حيث لن تنفع: 
قتلني... لكنه... يحبني 

(*) منتجة لبنانية

علي المقري *(عن توفيق سيف والسجن الحوثي)

مايو 27, 2015 اضف تعليق
فايسبوك
قبل وأثناء حرب صيف 1994 كان توفيق سيف كثير النقد لما يسميه بالثقافة البرقية الخاطفة، السهلة والاستهلاكية. كان ضد تخندق الناس في مشاريع تحمل شعارات رنانة ولا تقدّم الجديد. يومها لم ننصت إليه نحن الذين كنا نأمل التغيّر والتحوّل حتى في الأحجار. ثم، اكتشفنا أهمية ما كان يطرحه بعد أن عشنا الكارثة. 
اليوم، أفكّر به وبسجّانيه من جماعة الحوثي؟ ماذا يريدون منه وأي خطر يمكن أن يشكّله عليهم؟ توفيق القباطي أو توفيق سيف أو توفيق الأكسر، كما بدل اسمه أكثر من مرّة، لم يكن لديه، إلى ما قبل أربعة أشهر، حتى تلفون موبايل؛ وبالتالي ما زال ليس لديه صفحة في الفيس بوك أو تويتر. وأكثر ما يمكن أن يقوم به هو أن يقول رأيه بصوت خفيض في إحدى المقاهي أو اللوكندات الشعبية التي صارت مقراً لإقامته. أي خطر من رأي يمكن أن يقوله؟ أليس الأجدر بهؤلاء السجّانين الاستفادة من حكمته؟
توفيق الذي يكتب الشعر ويعمل باحثا في مركز الدراسات والبحوث اليمني ليس له جبهة أو حزب يمكن أن يحميه أو يحتمي به. فقد بقي طوال العقود التي عرفناه فيها متمرّدا على كل مظاهر المؤسسة بما في ذلك مؤسسة العائلة والكتابة، وبقي بهذا ملتحفاً بهوى الفقراء اليمانيين الذين يعيش معهم في الأماكن الرخيصة والفقيرة.
فأي تهمة يمكن أن تلصق بشخص مثله من قبل من صاروا يرفعون الشعارات الوطنية؟
وهو الأجمل منهم ومن وطنهم الذي حوّلوه إلى معتقل كبير؟
توفيق الذي كتب قصيدة عن رنا والنسيان لم يعرف أحد خبر اعتقاله سوى قبل أيّام، وكانت الحرب قد أنستنا السؤال عن كل شيء بما في ذلك توفيق الذي هو نحن:

عام سعيد يا رنا
البحر يذكرهم
وينساني أنا
يا للحنين, مخضباً بالأشرعة
بنوارس العهد البعيد
وزوارق الماضي التي
ظلت هنا.
كانوا هنا معي يوما
ويوما هاجروا وتغربوا
كادت جياد البحر
تبعد بيننا.
همست بسر لي رنا
والبحر يفضح سرنا
عام سعيد يا رنا
البحر يذكرهم
وينساني أنا.

روائي يمني والنص عن الفايسبوك

فتحي أبو النصر*(حق مشروع)

مايو 27, 2015 اضف تعليق


المقاومة السلمية أو المسلحة حق مشروع وأصيل وعادل في وجه المعتدي الذي يمعن في غطرسته العنفية الفجة ولايريد الكف عن الاعتداء والظلم والاقهار والارهاب والطغيان والغلبة والهيمنة مختصراً الوطن فيه على طريقة من ليس معنا فهو مع جانب الاعداء والخونة
غير ان المقاومة الوطنية الناضجة لا يمكنها مع تداخل معالم السيطرة والاستلاب والتجريف على الصعيد الاقليمي ان ترهن ارادتها لأمزجة خارجية استغلالية او تجييرية ذات توجهات طائفية وتصورات لاوطنية تجعل المقاومة تتحول من حالة رادعة وطنياً إلى حرب بالوكالة كما تحرفها عن مسعاها الحر والديمقراطي والحضاري خصوصاً إذا اقدمت على تهشيم العلاقات الانسانية والوطنية بين ابناء الوطن الواحد إثر تطييف الصراع السياسي والحقوقي كما هو في الأساس وصولاً الى تخريب الامل في فعل المقاومة نفسه !
وبالطبع فإن المقاومة التي تلاقي التفافاً حولها –لاتشكيكاً بها-هي التي لاتمس اخلاقية الحركة الوطنية من ناحية انها ذات سياسة متسقة وواضحة وموحدة الشعار دون التباس أو مغالطة أو ارتهان من اي نوع
كذلك ليست اي مقاومة مقدسة عن الاخطاء او النقد بغية الارتقاء والتنوير مابالكم وغايتها كما يفترض تحقيق الكرامة والاحترام والندية والاعتراف والمساواة امام القانون
وبالطبع دون أخذ كل هذه الضرورات في البال لابد أن تنتكس المقاومات الفوضوية كما علمنا التاريخ 
فالمقاومات التي بلا استراتيجية وطنية عليا تدمر نفسها من نفسها إذ لاتكون متماسكة
ومن البدهي ان ينجح من يتربصون بها وبكل سهولة حتى من داخلها في تطويقها وشقها عبر استغلال التناقضات ودس الفتن مروراً باستثارتها للتوغل خارج معطياتها الوطنية المفترضة
في السياق بقي أن نجدد التذكير -لمن يتناسون أو يستعبطون تحديداً –بما يمثله الفارق الجوهري بين العنف الدفاعي والعدواني من إنصاف لايقبل التشكيك والتبخيس بقيمة ماتنطوي عليه المقاومة المسلحة من عنف هو رد فعل على فعل عنيف لايكف
( هذا علمي ولا جاكم شر ) 
كاتب يمني
______________________

الجدارية لحنظلة اليمني للفنان الجميل الصديق مراد سبيع

لوحة وتعليق: حزن ادوارد مونخ

مايو 27, 2015 1 تعليق
خالد مطلك(فايسبوك)

الحزن شعور طبيعي، والكآبة حالة مرضية
.. احيانا تتورط الامم بالانزلاق من الحزن الإنساني الى هاوية الكآبة، فيتحول الجميع الى كائنات عصابية مريضة منفعلة ومستوفزة، يساهم كل فرد من جانبه بإشاعة اليأس والسوداوية وانغلاق الافاق، الجميع في حالة هجوم، الجميع في حالة دفاع مستميت، بذلك تخسر الامم طعم حياتها، وبدون حياة جميلة ولذيذة وتستحق ان تعاش ، لا يمكن لهذه الامم ان تنتصر. عندما تحل الكآبة في كل مكان، حتى في قلوب الشباب والشابات، بل حتى في ارواح الأطفال، عندها لم يعد للنصر من معنى. بدون حياة رائعة لا يمكن دحر الظلام . ليس من المنطق ان نكره الحياة وندافع عنها في نفس الوقت ، لا يمكن ان نشيع اليأس ونبحث عن انتصارات. صحيح ان الظروف قاسية جدا ولكن صناعة الحياة الجميلة هي التي تخلصنا من هذه الظروف. الجندي الذي لا يحلم بحياة جميلة ، تقتله الكآبة قبل بندقية العدو، لنسترخ قليلا ونفكر كيف نصنع الحياة التي تستحق ان نعيشها . 


اللوحة لإدوارد مونخ

محمود الحجيري(حج شيوعي ضمن وفد شيعي)

مايو 27, 2015 اضف تعليق
خاص الرومي 

في صيف العام 1985، دبت فيّ نفحة ايمان، أنا المعروف بولائي للحزب الشيوعي، وذهبت لزيارة الديار المقدسة في السعودية منفرداً وبطريقة شبه سرية لم يعلم أحد بها تقريباً.

في اليوم الاول تعرضتُ للسرقة على مدخل الحرم المكي فلجأت الى السفارة اللبنانية، وبعد قيامها بما يلزم، أمنت لي مجموعة حجاج التحقت بها لاتمام مناسك الحج. بدون تخطيط وجدت نفسي ضمن مجموعة حجاج شيعة من جنوب لبنان، وقد سررت جدا وفي اول فرصة افصحت عن هوية بلدتي المذهبية وقد اعلنت الموضوع بداعبة وعقدت معهم عدة جلسات لمناقشة القضايا العالقة منذ الخلاف على الخلافة الاسلامية. ولعبت دور السني المطلع والمهتم بمصير الطائفة، وقد لاحظت الارتياب والشك من المضيفين تجاهي، حول طريقة التحاقي بهم ومستوى نقاشي وحتى وضعي الجسدي، وقد سمعت هواجس البعض منهم، وكان خوفهم أن تكون الاستخابرات السعودية زرعتني بينهم لرصد احاديثهم والتجسس عليهم، وعندما وصلنا في رحلتنا المقدسة الى جبل منى، وصل خبر للمطوف أو المسؤول بزيارة الامين العام لحزب الله الشيخ صبحي الطفيلي للمجموعة التي كنت ضمنها، فرتبت الخيمة بما يليق بالضيف مع تحديد مكانه وتجهيزه بفرشتي اسفنج فوق بعضمها وعدد من التكيات وسلة فواكه متخمة، ووصل الشيخ وجال على الحضور مصافحاً قبل ان يجلس في المكان المحدد له.

 بعد مقدمة الاطمئنان على حالة الحجاج والسؤال عن أوضاعهم، دخل في محاضرة سياسية متوسطة الحجم، وعلى ما أذكر، كانت الاوضاع السياسية والامنية محتدمة على الساحة اللبنانية وخاصة في المخيمات الفلسطينية حيث كانت خاضعة لحصار النظام السوري بادواته اللبنانية بقيادة حركة امل من اجل الضغط على القيادة الفلسطينية التي، ابتعدت عن منطقة تلقي القرار السوري. هذا التصرف الاجرامي بحق الفلسطينيين ترك اثاره السلبية على الساحة اللبنانية التي كانت تعصف بها الأزمات من كل الاتجاهات، وبعد ان أنهى الشيخ صبحي الطفيلي مداخلته السياسية، فسح المجال لمداخلات الحجاج واسئلتهم على وقع ارتشافه الشاي الذي قدم له. بعد مداخلات عدة ومجموعة من الاسئلة، استعاد مبادرة الكلام وجاوب على كل التساؤلات بهدوء وروية فامتعض احدهم وقال له بحدة: إلنا ساعة عم نحشرك ونسألك بدنا ياك تسبلنا على السنة! فاستعان الشيخ بمخزون ذاكرته وما فيها من اقوال واحاديث لمرجعيات وائمة كلها تلعن الفتنة وتدينها.

 انتفض احدهم وقال بصوت جهوري: "السنة بيكرهونا"! فأتى الجواب من امين عام حزب الله حازماً، وقال: غير صحيح هذا الكلام نعيش مع السنة منذ مئات السنين ولم نلاحظ انهم يكرهونا او نكرههم ولكن من فرض عليهم كرهنا هو حركة امل عندما افتعلوا حرب المخيمات العبثية والتي لا تخدم إلا العدو الصهيوني، فثارت اعصاب احدهم وزمجر وضرب بكفه حصيرة النايلون على الأرض وقال: حركة أمل رائدة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية فابتسم الشيخ صبحي ووضع سبابته المرفوعة على فمه وقال للاخير: اسكت ولا كلمة، وطنية تعني "يسارية" واتحداك انت ونبيه بري ان تعلنا عن مقاومة إسلامية.

هذا منطق "حزب الله" في طفولته قبل ثلاثين حولا وهذا ما علق في ذاكرتي من تلك السهرة في رحلتي الايمانية المغامرة.

صورة اليوم: هريسة ماو تسي تونغ

مايو 26, 2015 اضف تعليق

حسين الموزاني(فايسبوك)



دأب أبناء الطائفة الشيعية، وربّما بسبب الشعور التاريخي بالمظلومية إلى البحث عن أنصار ومحبّين ومعجبين بالحسين وآل البيت. فوضعوا على لسان الزعيم الهندي المهاتما غاندي كلاماً مفاده أنّ غاندي تعلّم من الحسين أن يكون مظلوماً فينتصر. ويبدو أن الشيعة لم يكتفوا بالهنود أنصاراً، خاصةً بعد اشتداد الهجمات الوهابية السنّية وحملات الإبادة الجماعية ضدّهم، فاكتشفوا الصين الشعبية. وإذا ما عنّ للصينيين أن يعتنقوا المذهب الشيعي بعد انهيار الشيوعية الماوية ذات يوم، فإن عدد الشيعة سيضاهي حينئذ عدد السنّة. وبذلك يكون الشيعة قد حقنوا دمّهم على أفضل وجه، لأنّ من الصعب إبادة مليار وخمسمئة مليون شيعي من قبل مليار سنّي فقط. لكن من السهل بالطبع إبادة ثلاثمئة مليون شيعي على صعيد العالم برمته، وستكون المواكب الحسينية الصينّية أفضل بالطبع من المسيرات الماوية الكبرى . والآن نعود إلى "موكب دولة الصين الشعبية" حيث نرى في الصورة الثانية السيّدة زينب تسياو بنغ وزوجها عبد الأمير شون لاي من إقليم "ستشوان" وهما يوزعان الشاي في الطريق إلى كربلاء ويحضران "الهريسة الماوية". وقد اكتشفت هذا الموضوع في صفحة السيّدة ندى فاضل الربيعي، فلها الشكر الجزيل. ويقال إن وفداً صحفياً صينياً زار مدينة الكاظمين الشيعية ببغداد، وكانت مرجعية السيستاني في النجف قد بعثت بمترجم يجيد اللغة الصينية ليرافقهم. فرأى أعضاء الوفد مئات البيارق الملّونة تجوب الشوارع الرئيسية للمدينة - هاشم المشّاط أدري أنت من أهل الكاظم بس لا تعلّق على الرفاق الماويين - فسألوا عن المناسبة. فقال المترجم إنّ هذه شركات آسيوية ترفع أعلام شركاتها قبل عرض منتوجاتها في معرض بغداد "الدولي" للمواد الغذائية. لكنّ الرفاق الصينيين لم يقتنعوا بكلام المترجم. فطافوا في الأزقة الصغيرة للكاظمين حتّى وصلوا إلى "عقد الكصاصيب" أي حيّ القصابين. فرأوا الناس يحملون السيوف والسكاكين و"الزناجيل" ويلطمون ويصرخون وقد سقط البعض منهم مضرجين بدمائهم وكانوا يهتفون بجنون دمويّ "أويلاخ العبّاس أحّاه، أويلاخ العبّاس أحّاه" فسأل الرفاق الصينيون المترجم النجفي "وهؤلاء ما الذي أصابهم؟" فقال المترجم إنّ "هؤلاء نكبوا، لأنّ شركتهم أعلنت إفلاسها"!

عبدالله خلف*(نصرالله وفقدان الثقة)

مايو 26, 2015 اضف تعليق
هل بدأ حسن نصرالله يفقد ثقته بإلتزام أبناء الطائفة الشيعية بأوامره وأوامر الوليه الفقيه لإرسالهم إلى ميادين الموت دفاعاً عن سفاح دمشق؟!. فاستحضار معركة صفين التاريخية وما ترمز إليه، هي لتحميلهم مسؤولية دينية بعدم تلبية نداء الواجب المقدس، وما تهديده للشيعة المستقلين وتسميتهم بشيعة السفارة إلا اتهام سيوجهه لكل معترض على حروبه على أنه خائن وعميل ومرتبط بالخارج.
فمعركة حزب الله اليوم، هي لتثبيت كرسي إيران على طاولة المفاوضات على مستقبل سوريا، كما يريد أوباما ويرفضه التحالف العربي والمعارضة السورية، والخطابات التحريضية الجنونية لحسن نصرالله، والدعوات المتكررة للطائفة الشيعية للقتال الذي سيكون في عرسال وجرودها، وفي كل مكان في سوريا كما ذكر في خطابه الأخير، تعكس هذا التوجه بهدف حماية ما تبقى من النظام لتأمين المصالح الإيرانية قبل إنهياره الشامل، على حساب دماء وحياة أبناء الطائفة الشيعية.، بعد أن أصبح واضحاً
أن وجوده في سوريا ليس لقتال داعش الإرهابية، والوقائع أثبتت ذلك، قبل وبعد الرمادي وتدمر، بأن تمدد داعش لم يحصل إلا بتواطؤ من النظام ولمصلحته ومصلحة إيران، ولم يسجل أي معركة داخل سوريا بينه وبينها.
وكذلك يدخل تحريضه على عرسال ومعرفته المسبقة بأنها ستكون شرارة لحرب أهلية في باب الإبتزاز للدول الإقليمية والغربية المتوافقة على تهدئة الوضع في لبنان وتحييد ساحته عن الصراع في المنطقة.
فبالنسبة لإيران جاءت ساعة رد جميلها، بعد أن دفعت عشرات المليارات منذ عشرات السنين لحزب الله ومناصريه في لبنان، في حين يرزح نسبة كبيرة من مواطنيها تحت وطأة الفقر والعوز والبؤس، مما يضع حسن نصرالله في موقف حرج إن لم يكن حجم التعبئة والتضحيات للشيعة اللبنانيين على قدر المساعدات الإيرانية.

بيان الحراك الثوري في سوريا : أنقذوا اللاجئين السوريين في عرسال

مايو 26, 2015 اضف تعليق

نداء الحراك الثوري إلى الأمم المتحدة
26 أيار 2015
يوجه شباب الحراك الثوري نداءاً عاجلاً إلى الأمم المتحدة للتدخل الفوري لحماية اللاجئين السوريين في مخيمات عرسال في لبنان من ميليشيات حزب الله المسلحة.
إذ دعا زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله في خطابه الأخير إلى التعبئة العامة لميليشياته مظهراً مجدداً خروجه عن سيطرة دولته وعدم التزامه بالقوانين الدولية.
إن حزب الله يهدف بتجييشه الأخير إلى تنفيذ مخطط بأمر من دمشق وإيران للانتقام من اللاجئين السوريين في عرسال اللبنانية وتهجيرهم من جديد. ويستهدف المخطط أيضاً كل من استقبل اللاجئين السوريين وساعدهم مادياً أو معنوياً من أهل عرسال، ناوياً أن يجعل من ذلك درساً لكل من يقدم المساعدة للاجئين السوريين.
إن الأمم المتحدة مسؤولة بشكل مباشر عن أمن اللاجئين السوريين وهي الوحيدة القادرة على تأمين الحماية لهم. ولذلك فإن شباب الحراك الثوري يدعو الأمم المتحدة إلى التحرك العاجل من أجل حماية اللاجئين السوريين في عرسال وفي كل المدن اللبنانية، ومنع ميليشيات حزب الله من التعرض لهم أو تهديد أمنهم أو المس بكرامتهم.

شباب الحراك الثوري

حسين الموزاني *(هايدغر والفلسفة الوجودية)

مايو 25, 2015 اضف تعليق

فايسبوكة اليوم


قرأت خبراً في جريدة ألمانية مفاده أن مشادةً كلامية حول الفيلسوف الألماني كانط نشبت بين رجلين كانا يتبضعان في متجر بمدينة "روستوف" الروسية الواقعة على نهر "الدانوب" ثمّ تطوّر النقاش واستحال إلى عراك، فاستخدم أحدهما مسدساً صوتياً بدلاً من الحجّة المنطقية، فأصاب خصمه الفكري في وجهه. ويقال إنّ عقوبة ذلك تصل إلى خمسة عشر عاماُ. ونعود الآن إلى مارتين هايدغر الذي اعتبره أعظم فيسلوف ألماني على الإطلاق، بل أعظم من كانط نفسه. فهو قد أثبت علمياً ومنطقياً بأنّ الإنسان مخلوق جاء عن طريق الصدفة المحض، ولا أهمية تاريخية أو طبيعية له، فهو ملقى به في الكون ولا يختلف مبدئياً عن أي شجرة أو حشرة أو حيوان. وهو محكوم بالوجود ليس إلا. وبذلك جرّد الإنسان من كلّ الخرافات و"الحمولات" الدينية والقومية والتاريخية والأيديولوجية. ويشدد هايدغر على فكرة "الموت" ويقول إنّ الإنسان حالما يولد يكون جاهزاً للموت، وذلك لترسيخ مفهوم "الحياة" وزمنيتها، لأنّ الإنسان هو كائن زمني في نهاية المطاف، وليس سرمدياً. ويتوقف الموت نفسه على مدى إدراك المرء له. ولكلّ شخص موته الخاص، ونرى هذه الفكرة في رواية "راينر ماريا ريلكه" "يوميات مالته لاوردس بريغه" الصادرة عام 1910 أي قبل نشر كتاب "الوجود والزمن" لهايدغر بسبعة عشر عاماُ . و"المشكلة" الوحيدة لهايدغر هو أنّه لم يكن "يهودياً"، وإلا لفرض علينا كلّنا فرضاً مثلما فرض علينا ماركس ولينين وتروتسكي وسارتر. ولأنّ هايدغر لم يعثر على حلّ ناجع لأزمة الإنسان الحديث فقد لجأ إلى القول بأنّ مشاكلنا لا يحلّها إلا الله. لكنّه قال عبارته هذه ساخراً. فاعتزل العالم وعاد إلى قرية قريبة من قريته "مسكيرش" حيث ولد وصار يعيش حياةً بدائية تتلائم مع طبيعة "الغابة السوداء" أو أي حيوان فيها. وبما أنّني "مسلم" و"عربي" و"عراقي" و"شيعي" فإن مشاكلي لا يحلّها كانط ولا هايدغر ولا الحكومة العراقية ولا الانظمة العربية ولا الانظمة الغربية ولا حتّى الله نفسه.

كاتب ومترجم عراقي مقيم في ألمانيا

صورة اليوم: طفلة فلسطين

مايو 25, 2015 اضف تعليق

طفلة في عزّة كسرت الحصار على طريقتها، تلهو في بحر دير البلح. بعدسة المصوّر إبراهيم فرج.

باسم سيفو*(كبائع هزائم متجول)

مايو 25, 2015 اضف تعليق
 
خاص #الرومي

عندما عدتُ،
كبائعِ هزائمٍ متجوّلٍ،
لمْ أجدْ نساءَ الحيّ، و لا الحيّ
قالوا:
إنّ المسافرَ طوى البلادَ في حقيبتِهِ،
ووصلا عندَ الفجرِ،
إلى القاعِ
وقالوا:
عاشقةٌ تساقطَ التّوتُ عنْ صدرها،
ومسكتِ البلادَ عكّازاً لجفنها
وقالوا:
شاعرٌ جفّتْ غوايةُ حبرِهِ
صنعَ منَ البلادِ امرأةً،
ودواة
شحّاذٌ جائعٌ عَبَرَ في الجوارِ،
أخذَ البلادَ رغيفَ خبزٍ يابسٍ
أمّا أنا،
ومتلَ كلِّ القتلى،
وضعتُ البلادَ إلى جانبي في القبرِ،
أقفلتُ الظّلامَ جيّداً
ورميتُ المفتاح

2
سأجلسُ فوقَ الماءِ،
أفصفصُ حبّاتِ الهواءِ وأرمي لُبّها للغارقينَ،
بعدما تاهوا عن المنفى،
ورصفوا القاعَ بالخيام
سأجلسُ تحتَ الصّليبِ،
حارساً، كي لا يفرّ مرّةً أخرى ذاكَ المسيحُ،
وإلّا،
شكوتُهُ إلى أبيه
سأثقبُ قعر الفُلكِ،
دخيلاً بينَ الأزواجِ كضيفٍ فضوليٍّ،
وأُبْقي الأرضَ وحيدةً،
مثلي
سأجمع التّمرَ الذي لم يحتملهُ النخلُ،
حتّى أعيدَ خلقَ آلهةٍ شهيّة،
تليقُ بها الرّغبةُ،
و الصّلاة
سأقف تحتَ الرّكام،
كي أحمي المدينةَ من سكّانِها،
و أقلّمُ ضلعي لأكتبَ عندَ مدخلها:
هذي البلادُ لا ترحّبُ

إلّا بالغزاة


(*) شاعر سوري مقيم في فيينا

هشام أصلان ّ(غرف إضافية)

مايو 24, 2015 اضف تعليق
قصة... خاص الرومي


1

الضلع العرضي لتلك الساحة المستطيلة أصبح قصيرا، فتحولت إلى شارع صغير يفصل بين بلوكّين يمينا ومثلهما على اليسار.
بلوكّات هذه الرقعة ليست من التلاتات، التي تنبه أصحابها إلى أهمية وجود غرفة ثالثة، عندما بُنيت لذوي المنازل المنهارة أيام السادات.
سوف يتحايلون، بعد سنوات طويلة، ويخرجون بشريحة بنائية عند الواجهة بارتفاع البيت وعرضه لتبرز غرفة إضافية من كل شقة.

الجالسون على العتبات في هذه الليلة، تنبهوا إلى صخب آتٍ من إحدى شرفات الدور الخامس.
كان أحدهم أتم التاسعة والعشرين. وهو الآن يحتفل، للمرة الأولى، بعيد ميلاده، بعدما راح يلفّ على أفراد العائلة للتأكيد عليهم بالمجيء، واضطر إلى اصطحاب بعضهم في سيارة أجرة يعمل عليها.
سوف ينتظر ليطمئن إلى أن الكل موجود. الجدّ والأحفاد، الإخوة وزوجاتهم، قبل أن يختفي ساعة أو أكثر قليلا، ليظهر بعدها عند باب الغرفة الإضافية. حليق الوجه، بنظافة ساهمت في إظهار المساحات الفارغة بفروة رأسه، وملابس يبدو أنها جديدة.
لن يلحظ إحدى زوجات أخوته، عندما تبتسم بإعجاب إلى اعتنائه بنفسه الذي عاد إلى سابق عهده بعدما كان أهملها لفترة، غير أنها همهمت لسلفتها بأن شكله بعد حلق الشارب، أصبح عرص.

2

الصخب يزداد تدريجيا.
يتجلى عندما تصر زوجته على جذبه إلى السجادة التي تقوم بدور حلبة رقص في منتصف الغرفة. لكن هذا الصخب، لم يكن بسبب صوت حسن الأسمر الخارج عاليا من جهاز التسجيل، وإنما بسبب صيحات الجالسين تشجيعا للداخل إلى الحلبة.
لحظات، وتبدو عليه ربكة لا تليق بمثله. وهو من تعتبره العائلة شاردها الذي جال داخل أركان الليل في سهرات لا يعرفون عنها شيئا، وأفراح الشوارع بعبقها الأزرق وفوهات الجِوز، والتطوح عند رمي النقطة على راقصات الدرجة الثالثة.
بدا، وهو يتحرك بخطوات أثقلها الترهل والخجل، كموظف قطاع عام يجرب رقصته الشعبية الأولى، ويخشى السقوط مع مجاراة الحركة السريعة للزوجة السمراء التي تلفّ حوله في خفة وميوعة.
لم ينجح الهواء المنعش للغرفة البحرية، في منع حبات عرق غزير من التسلل إلى جبهته، وانسيابها من وراء أذنيه.
أنقذته شهقة إحداهن، عندما رأت صغيرا يزحف عبر باب الشرفة التي لم يكتمل بناء سورها.
يشير هو إلى الموجودين ليستمروا في الصخب حتى لا ينتبه الصغير، فيقوم بحركة سريعة تلقي به من الخامس.
اقترب والتقط الولد، ثم استدار به سريعا بطريقة حاول أن يجعلها مسرحية، لعلها تعيد له تركيبة المغامر الذي تصوروه، بعدما فضحته رقصة بلهاء.


3


انحنى يلتقط عُقب سيجارة ملقى عند عتبة المدخل.
تأمله بدراما، ثم نظر إلى الصبي الجالس على درجة السلم الأولى، نظرة ذات مغزى، قبل أن يتجاوزه تاركا إياه في حيرة من هذا الخال الذي يعاتبه بالعين. كأنه اكتشف تدخينه للتو، رغم أنهما تبادلا السجائر عدة مرات من قبل.

في الطابق الثالث، ألصق ظهره بالحائط المقابل للدرابزين، حتى يوسع طريقا للرجلين الذين حملا محفّة لا زالت مبتلة.
أكمل طريقه صاعدا. يحاول تفادي خط الماء النازل على درجات السلم، والذي تزداد كثافته كلما اقترب من الطابق الخامس.

قبل يوم واحد، شاهده الجيران يصعد درجات السلم نفسه، وهو يحمل والده بين ذراعيه، بعدما اشتد عليه المرض، واجتاح التليف أغلب رئتيه.
عندما تكلموا عن الهزال الشديد الذي بدا على الجدّ، أمّن على كلامهم بأنه صار في وزن طفل، فلم يشعر هو بتعب من حمله إلى الطابق الخامس، رغم وجود سيجارة مشتعلة بين شفتيه.


4


"زحليقة" مركز الشباب القريب لم تعد تصلح للعب.
مصنوعة من الخشب، ومازالت مثبتة في الأرض الرملية.
"للرمل الذي يغطي ساحات لعب الأطفال، في المدارس والنوادي، رائحة مختلفة، عن رمال الشواطئ، وعن الرمل المستخدم في أعمال البناء".
هكذا فكر.
كيف كان سطحها، الخشبي، ناعما لدرجة تسمح بالتزحلق دون جروح أو نتش للملابس؟ لا يعرف.
يتسابق مع أقرانه في صعودها عكسيا والوصول إلى قمتها دون وقوع.
لكنه كان، في أوقات كثيرة، يفضل الجلوس على بعد، ومراقبة البنات اللاتي تطايرت تنانيرهن أثناء التزحلق، فتظهر ملابسهن الداخلية.

الآن يقف عند سلم "زحليقة" من البلاستيك، ليحاول صعود الدرجة الأولى.
لن تتحمله. ارتفاعها لا يستدعي صعود السلم.
مثلها مثل الكرسي، قال لنفسه.
يجرب الجلوس على قمتها، مستندا بإحدى قدميه على الأرض. فشل بسبب صغر حجمها. ينتفض عندما يشعر بحركة في الغرفة الأخرى.
لو سألته زوجته عما يفعل، سيقول إنه كان يختبر متانتها.
كانت كبيرة الحجم بالنسبة لابنته، تبذل جهدا لصعود درجتيها وبدء التزحلق.
أحيانا، تحاول الصعود بشكل عكسي. تقف على بعد خطوات من نهايتها، ثم تجري لتقفز إلى منتصف مجرى "الزحليقة"، تتشبث بحافتيها، تنام على بطنها وتترك نفسها للنزول وهي تضحك بصوت عال. ويهيئ له إن رحلة نزولها تأخذ وقتا أطول مما تحتاجه المسافة بين قمة الزحليقة  وبين أسفلها.

بالليل، تذكر أن يزحزحها قليلا عن مكانها، حتى لا تصطدم البنت بالمنضدة الصغيرة في وسط الغرفة، أثناء نزولها مندفعة داخل المجرى البلاستيكي.


5

عند سفح الهرم الكبير وقفت العربة القديمة. يخرج من مقدمتها سلك يصل إلى جهاز تليفزيون أبيض واسود صغير.
لم أفهم كيف يعمل التليفزيون ببطارية العربة.
هناك أربعة كشافات تسلطت على المثلث الحجري العملاق، وتشكلت أشعتها على مكعبات الحجارة الكبيرة، فزادت هيبته. عيال يلعبون الكرة، وآخرين يحاولون تسلق الدرجة الأولى لجسم الهرم، بينما مجموعة من الشباب تجلس على الدرجة الثالثة أو الرابعة، غير أن بعضهم بجوار فتيات في ثنائيات بعيدة. وعائلات افترشت السفح الممتد.
لاحظ هو أن محاولاتي لإطلاق الطائرة الورقية الصغيرة ليست ناجحة. أخذ مني بَكرة الخيط، وجلس على قرفصائه. بدأ في سرسبة الخيط تارة، وجذبه تارة. تتأرجح الطائرة، مع السرسبة، إلى اليمين واليسار، ويبدو ذيلها مثل ثعبان يتراقص، وهي تبتعد. ثم تعلو وينفرد ذيلها كرمح مشدود عندما يجذبها، وتصدر الشراشيب البلاستيكية حفيفا محببا.
..
كان يعرف أنها لعبتك المفضلة بين ألعاب الحي، الدبور، البلي، الرهان على الأساتك وأغطية المياه الغازية، القصب الذي كنت تتراهن على كسره إلى عُقل بحافة يدك، وغيرها من الألعاب التي كانت لها مواسم.
هناك طائرة أو اثنتين في سماء المنطقة، الموسم بدأ إذن. بسرعة إلى عم منصور، تنتقي من دكانه الصغير "غابة" تصلح للتقسيم ثلاث عصي متساوية بالطول، وتصنع طائرتك بمهارة، قاضيا الليل في عمل ذيلها الذي يأخذ وقتا طويلا، بسبب قص أكياس البلاستيك إلى شراشيب رفيعة، ولضم الخيط حولها واحدة تلو الأخرى.
..
ترك ليّ بكرة الخيط، بعدما اشتد. وذهب يتمشى بالقرب.
لمحت أبي يرمقه، وانشغلت بالطائرة التي حلقت. غير أن أذني التقطتا صوت محمد فؤاد خارجا من جهاز تسجيل، بأغنيته الجديدة:
يا صغير ع الهوا..
بالتحديد، المقطع الذي يكرر فيه فؤاد كلمة "يا صغير"، متقطعة، قبل أن يكمل أغنيته.

في البيت، قال أبي إنه اندهش بشدة عندما رآه يقترب من العائلة التي كان معها عددا من الفتيات يرقصن على أغنية محمد فؤاد. اقترب وكأنه غير متعمد، ياقة قميصه المشجر محدوفة إلى الوراء، وبدأ في التصفيق مع نفسه والدندنة بالأغنية، لعله يلفت نظر إحداهن.
تحدث أبي، أيضا، عن شعوره برغبة، في أن يذهب إليه من الخلف، ويفاجئه بصفعة قوية على قفاه الطويل العاري.

6

عاش من شافك. قال أحدهم.
بسرعة عرف الملامح التي غيرها الصلع.
واستعادت أنفه رائحة كان يشمها من هذا الرجل قديما. رائحة ارتبطت في ذهنه بالنوم مع النساء وعدم الاستحمام بعدها. هاجس كان ترسخ لديه تجاه هذا الشخص الذي عرف أغلب قحاب المنطقة، أو أنه يدعي هذا.
كان يربط بين لون السائل المنوي وبين البياض الشاحب لهذا الوجه، الذي يظهر على جانبيه خَضار باهت لعروق غير نافرة.
لطالما اندهش من حديثه عن هذه المرأة أو تلك، خصوصا عندما يسترسل في وصف أجسادهن، والأوضاع التي مارسها مع كل واحدة.
يتساءل، بينه وبين نفسه، عن هذا الشخص الذي يستطيع الإيقاع بكل هذه السيدات اللواتي يبدو عليهن الاحترام.
اتجوزت ولا لسه؟ سأل الرجل.
ارتبك لمّا لم يتذكر اسم محادثه، لكنه تجاوز المسألة وأراحه أن الرجل، هو الآخر، ناداه بغير اسمه.
آه. قالها مداريا دهشته من السؤال، فزوجته تقف بجانبه.
وانت، اتجوزت؟
اتجوزت تاني بعد ما طلقت الأولى.
ولسه قاعد هناك؟
لا. المنطقة بقت صعبة جدا.
أنا عندي شقه هنا، قريبة من البحر، ما تيجي تتغدى معايا.
مرة تانية، لأني مرتبط بناس.
خلاص، نسهر مع بعض.
وذهب.
راح هو يحمد الله أنهما لم يتبادلا التليفونات أو أي شيء.
وجلس يتأمل قرص الشمس.
كانت المرة الأولى التي يلحظ فيها مشهد الغروب. أدهشته السرعة التي راح يختفي بها وراء البحر، وأبهره اللون الذي خلفه وراءه في الأفق.
تذكر أنه لم يهتم بهذا الأمر من قبل.
ابتسم، وحاول سماع ما تقوله السيدتان اللتان وقفتا بالقرب منه.
لكن صوت الأمواج كان أكثر علوا.

7

توقعت سماع خبره بعد المقابلة الماضية.
كانت ملامح وجهه الأسمر أكثر امتلاءً بالتفاصيل.
العينان دخلتا أكثر لتصنعا فجوتين، وانحفر خطين عميقين على جانبي الأنف.
أعطيته سيجارة رفضها بابتسامة، وحكى بتفاؤل كبير أنه توقف عن التدخين منذ ستة أشهر.
قال إنه كان شعر بتعب بعد حضور فرح ابنة أحد الأصدقاء. ظل يروح ويجئ داخل الشقة:
مكنتش عارف آخد نفسي.
في اليوم التالي، وبعد عمل الإشاعة، سأله الطبيب:
بتدخن بقالك قد ايه يا حاج؟
 متعدش، أجاب.
يعني شبعت م السجاير، كفاية عليك كده بقى، أمره الطبيب.
كان يحكي بطريقة من أُنقذت حياته على آخر لحظة.
ذهب مبتسما.
واستغربت، في نفسي، من أن الطبيب كان يناديه بـ يا حاج، وهو لم يتجاوز الأربعين بعد.
أو هكذا كنت أتصور.

(*) قاص مصري

(

صورة اليوم: مخيمات ايران

مايو 24, 2015 اضف تعليق
العجب من اخلاقيات السياسة والقادة السياسيين هذه المشاهد من دولة تدفع مئات ملايين الدولارات شهريا لبسط نفوذها في دول جديدة واماكن بعيدة عن حدودها وتدفع المليارات في سبيل التسلح ويعيش 15 مليون من شعبها تحت خط الفقر وحسب كلام وزير داخليتها " ما يقارب 10 ملايين ايراني يعيشون في العشوائيات حول المدن " انها احزمة البؤس في ايران النووية وتصدير الثورات...
عن العربية نت

زياد خزاعي «ضربة اليورو» والجنس يهزّان سوق الفيلم والشهوات

مايو 24, 2015 اضف تعليق
السفير

همّان هزّا الدورة الـ 68 (13 ـ 24 أيار 2015) لمهرجان «كانّ» السينمائي: الـ «يورو» والجنس. الأول ضرب سوق الفيلم في صميمه، من دون أن يهزّ أركان قوته المتنامية. حاول عملاؤه الحفاظ على بأسهم التجاري وأنفتهم عبر رسائل إلكترونية وُزّعت على الجميع عبر شبكة «إنترنت»، تضمنت تصريحات طنّانة حول نجاحهم في تحقيق صفقات معتَبَرة. على رأس هؤلاء، الأميركيون الذين حافظوا على مستوى تواجدهم إلى أقصى حدّ، ما جعلهم يستحوذون على 18 % من أرضية السوق، فيما قنعت الدولة المضيفة فرنسا بالمركز الثاني بنسبة 15 %، وجاءت أفريقيا في المرتبة الثالثة بـ 2 % فقط. فقد غامر أهل هوليوود بكل شيء لجعل عمليات الإنتاج بين أيديهم (27.9 %)، وكانت الفرحة عارمة بتواجد جديد المخرج الأسترالي جورج ميلر «ماد ماكس» ضمن العروض الخاصة، وتمخطر نجومه، أمثال الجنوب أفريقية تشارلز ثيرون والبريطاني توم هاردي، على السجادة الحمراء، في وقت ارتفعت إعلاناته الفخمة على واجهة فندق «كارلتون» العريق، احتفاءً بـ «البليون دولار الأولى» التي كسبها لاحقاً بعد عرضه العالمي الأول في «كانّ» الأسبوع الماضي.
المال
لا «كانّ» من دون هوليوود. هذا ما أدركه المدير الفني تييري فريمو، على الرغم من محاولاته اللعب على صراط نخبوية العروض، وإبقاء المهرجان منصة لعناوين تكتسح لاحقاً أسواقاً ومهرجانات أخرى. بيد أن القيصر الجديد لـ «كانّ» بيار لسكور وضع نصب عينيه العملة الخضراء أولاً، مجتهداً في عامه الأول على تحييد خسائر «سوق الفيلم» مع تصاعد «ضربة اليورو»، باعتبار أن تلك السوق هي الرحم الحقيقي لميزانية مهرجان تتعاظم دوراته عاماً تلو آخر. لكن، لا يزال الوقت باكراً على إعلان نسب أرباح السوق وخسائرها، مع أنها أغلقت أبوابها في 22 أيار 2015، ولن تُعرف النسب إلا ليلة الختام الشهيرة، حيث سيتابع الملايين لمن ستؤول «السعفة الذهب» من بين المتنافسين (19 فيلماً) في مسابقة رسمية غلبت عليها نصوصٌ متواضعة القيمة والاشتغال السينمائيين.
الأمر الأكثر اطمئناناً للثنائي لسكور ـ فريمو أن السوق تمكّنت، للمرّة الأولى في تاريخها، من اختراق سقف الـ 11 ألف و806 مشاركين، منهم 1927 مشتركاً، بينما حضر 5 آلاف و36 شركة عالمية. إلى ذلك، أوردت إدارته خبراً عربياً سعيداً خصّ سوريا والبحرين والعراق وإقليم كردستان، الذي شارك للمرة الأولى، ضمن 116 دولة، في «القرية العالمية» الواقعة على شاطئ «كروازيت». الغريب أن إعلام «كانّ» لم يهتمّ بهذه الحقائق، وركّز جهده على شؤون غريبة المنطق. فقد نشرت صحيفة «هوليوود ريبورتر» تحقيقات كثيرة، تناول أحدها اللغط الذي طال إدارة فريمو، بخصوص سماح رجال أمن لشابات دخول العروض الرسمية الليلية وهنّ تنتعلن أحذية رياضية، وتخالفن تقليدا صارما بانتعال الكعوب العالية. وهذا أثار حفيظة الممثلة البريطانية إميلي بلانت، التي صرّحت في مؤتمر صحافي خاص بـ «سيكاريو» للكندي دوني فيرنوف، الذي أدّت فيه دور البطولة، أن على المشاركات ارتداء ما يحلو لهنّ، ليرتفع صدى معركة يبدو جلياً أنها ستكون في واجهة الدورة المقبلة. كذلك، اهتمّت الصحيفة نفسها بمناقشة آراء متعلّقة بموضوع نظام عويص وشائك: سياسة إصدار البطاقات الصحافية، وتثمين أصحابها والصحف والمطبوعات التي تقف وراء نشاطاتهم داخل أروقة المهرجان. أصاب أحد قدماء المشاركين فيه بقوله إن تراتبية ألوان البطاقات تشبه «نظاماً طبقياً استبدادياً، يفصل العبيد (أصحاب البطاقات الصفراء والزرقاء) عن الطبقة المتوسطة (أصحاب اللون القرمزيّ) وأصحاب الحظوة (أصحاب اللون الأبيض وزملاءهم الحاملين اللون القرمزي مع نقطة صفراء)، في أولوية الدخول إلى قاعات العروض، وشغل المقاعد الأفضل. وبقدر ظرافة الموضوع، إلا أنه شاكس تجاوزات غير مبرّرة للاستضافات، وصل عدد طالبيها إلى حدّ تخمة، تجلّت بعشرات الواقفين في طوابير ـ إما تحت شمس قائظة وإما تحت زخّات مطر بحرية لا ترحم ـ قبل ساعات من موعد أي عرض على أمل الفوز بمقعد.
«بورنو» راقٍ
أعلن «كانّ» بشكل موارب أن الجنس وحكايات شبقه وأجساد نجومه وإيروتيكية مشاهده سلعة لن تبور، وأن أشرطته على قدر هائل من سطوة لاكتساح الأسواق وتحقيق أرباح لا تُعقل. هذا كلام لا يرتبط بأفلام «بورنو» مبتذلة، بل عن أعمال مميّزة قاربت اللحظة الجنسية من زاوية متفلسفة، على قدر هائل من الجرأة وفرادة الصنعة، كما تجلّت برونق باهر في جديد الأرجنتيني الفرنسي غاسبار نويه «حبّ»، وتفجيره قنبلة فضائحية خضّت طهرانية سائدة. هذا عمل مصنوع بحرية مطلقة، تجعل من خطابه الإيروسي وتركيبته السينمائية متقدماً لحقب مقبلة، لن يتمكن أحدٌ من تجاوز ابتكاريتها الخاطفة أو تقليدها، وإن أصابها شيء من التبسيط الحسّي. قفز نويه بصنف ما يمكن نعته بـ «البورنو الراقي» إلى نقطة اللاعودة، التي ترغم سلطات الرقابات على تشريع الفيلم الجنسي، ورفع الخشية الأخلاقية من مناقشة ممارسة بشرية ترتبط بالمهج والعواطف والرغبات والعائلة. فيلم مخرج «دخول الفراغ» (2009) ذو خطّ حكائي مختزل: شاب أميركي يدعى مورفي (كارل غلوزمان) ربّ عائلة صغيرة، يعاني ذنب اختفاء صديقة فرنسية قابلها قبل أعوام، وعاش معها فورة جنسية، لا تُضاهيها بفعلها ومغامراتها وعذابات شبقيتها. ينعكس إثم الشاب على أمانه العائلي، فينحطّ ببطء شديد نحو انكسار نفسي أليم. خلال هذا اليوم الوحيد، استرجع نويه ـ بمونتاج سحري من توقيعه بمساعدة دوني بيدلو ـ أغلب المطارحات الغرامية بين مورفي وإلكترا، منذ تعارفهما وحتى انفصالهما. إنهما فورتا جنس شبابي سعيا إلى تكريس منطق شخصي لمعنى المضاجعة ورغباتها، وتحرّر الجسد ولذّاته. كلّ مشهد للقاء جنسي صوّره القدير بنوا ديبي بألق بصري مفعم بألوان صارخة وتهييجية. فالهدف ليس تصوير جسدين بهيين، بل توظيف خلفيات فاتنة تتماشى مع الفعل المقدس. تختفي إلكترا إلى الأبد، ويسقط الشاب في حضيض الذكريات.
لكن البشرية تبقى مطارحاتها الغرامية عنواناً أزلياً للشهوة التي شعّت حكاياتها في فيلمين آخرين، هما «كارول» للأميركي تود هينز، عن علاقة سحاقية غير متكافئة في خمسينيات أميركية بين امرأتين من طبقتين متضاربتين، و «مارغريت وجوليان» للفرنسية فاليري دونزيلّي، الذي يروي حكاية زنا محارم بين شاب أرستقراطي وشقيقته، قبل أن ينال القانون والكنيسة من رقبتيهما.
إلى ذلك، توافرت الشهوة بأسلوب فجّ وإعلاني واستفزازي في جديد المغربي نبيل عيوش «الزين إلي فيك»، بجعله 4 عاهرات في مدينة مراكش عنواناً لشتم حياة داعرة، تدفع فتيات بلاده إلى بيع أجسادهنّ من عرب الخليج (السعوديين تحديداً)، وإلى التهتّك وإدمان المخدرات وارتكاب السرقات وممارسة انحطاط جماعي، يقود نهى ورندا وحليمة، بـ «قيادة» الشابة النارية سكينة، إلى رحلة كابوسية. هذا شريط تنميطي ومدّع، ذو لسان بالٍ حول بنات الهوى ولياليهنّ وضحاياهنّ ومكرهنّ. يُرجع خطاياهنّ إلى الفقر، ويتحامل على سلطات تُهينهنّ، ويغلّ في طبقة فاسدة تولّدهنّ، من دون أن يوصل مُشاهِدِهُ إلى قناعة عقلانية بأن يُحاولنّ التوبة أو الخلاص من مذلتهنّ. بدلاً من هذا، رتّب مخرج «ياخيل اللّه» (2012) رحلة استجمام لهنّ على شواطئ مدينة أغادير. عابَ الشريطَ حواراتُهُ غير المتوازنة، ومشهدياته المعمولة بعجالة واضحة. لعلّ أسوأ ما فيه هو التوليف الذي وقّعه دميان كيو، فهو لم يكن سوى ربط مقاطع ومشاهد حقّقها، برعونة سينمائية غير معهودة، مخرج متمرّس. والفيلم، بهذا المعنى، يُشكّل كبوة لا تُغتفر.

حنان رمّال* (صورة محفورة)

مايو 24, 2015 اضف تعليق

خاص الرومي

لطالما ارتبطت الصورة بقيمة، والقيمة بقصة، والقصة بوقت، والوقت بشعور، والشعور بانفعال، ولكن للأسف مع وجود الهواتف الذكية والصور الفورية تبلّدت انفعالاتنا وتخدّرت مشاعرنا.

متى كانت اخر مرة مزّقت فيها صورة بيدك بعد نهاية علاقة مشحونة مزّقت قلبك إربا؟  
هذا الشعور بالانتقام من صورة حملت ما حملت من ذكريات لا تضاهيه كبسة زر بسيطة تمحي عشرات الصور بلحظة واحدة.
اللذة التي تشعر بها عندما ترى بريق سعادة حقيقية في عيون من تحب، عبر صورة تحملها بين يديك، تمرر أصابعك على ورقها وتحس بحرارتها تخترق كل حواسك و تسافر بك الى تلك اللحظة نفسها، تلك لذّة لا يمكن ان تختبرها في صورة على شاشة باردة يصعب فيها أن تتعرف على نفسك رغم كل الإضافات و التحسينات المتاحة. 
هل تساءلت يوما كيف إحتفظ البشر بالذكريات قبل عصر السرعة هذا الذي علّب كل شيء بما في ذلك الذكريات؟

هل تساءلت يوما ما الذي يدوم أكثر، أهي مئات الصور التي نأخذها شمالا ويميناً، طلوعا  ونزولا،  مصحوبة دائما بالإضاءة المناسبة والابتسامة اللائقة، أم هي صورة واحدة نلتقط من خلالها روح اللحظة والإحساس الدقيق ؟
هل جربت التحديق مطولا بوجه من تحب، آملا في أن يبقى في ذاكرتك بتفاصيله الصغيرة  وعيوبه الكاملة في محاولة منك لتخليد اللحظة؟
صورة محفورة تساوي آلاف الصور المنثورة.

(*) منتجة لبنانية

جان رطل("لينا مقدّم"انعكاس صوفي يسكن معرضها في البلمند)

مايو 24, 2015 اضف تعليق
من عدد الإنشاء الاخير

يأتي معرض التشكيلية " لينا مقدّم " في جامعة البلمند قاعة الزاخم للمعارض كمحطة جديدة لاستكشاف الجيل الثاني من خريجي معهد الفنون الفرع الثالث،في الجامعة اللبنانية، والذي يبدو وإن أصبحت لديه الخبرة الطويلة في الحضور التربوي والتعليم العالي،غير انه يظهر قليل الحضور نسبة لأسلافهم وأساتذتهم المؤسسين كما العديد من أعضاء الجيل الاول من الخريجين.ملاحظة لا تأتي لتتحدث عن الكمّ والكيف أو أنها ترغب في إقامة مقارنة تفاضل بين جيل وآخر غير أنها تأتي لتطرح إشكالين يخرجان من هذه الحقيقة الأول له علاقة بمدى تراجع الظروف التي تسمح بإنتاج معارض في منطقة الشمال عامة،وهنا نقصد المعارض التي تتمتع بمستوى لائق فنيا،والثاني تحول جامعة البلمند إلى المكان،الشبه الوحيد، الذي يمتلك روزنامة واضحة لخطة باتجاه برمجة للعروض في غياب أماكن تقليدية في طرابلس ،عاصمة المحافظة ومركزها،كالرابطة الثقافية وقصر نوفل والمركز الثقافي الفرنسي وغوته الذين منهم من أفلس ومنهم من استنكف ومنهم من فقد مشروعه والهوية.
تبقى الإشارة إلى مراكز ذات طابع اجتماعي على خلفية "تحشيد" سياسي لهذا الميلياردير أو ذاك مما لا ينتج غير بعض الخروقات الفنية النادرة.هذا إن قيل ونادرا ما يقال،لسبب وحيد هو الحرص على الاحتفاء بأي شيء يمتلك مشروعية فنية في هذا الزمن المرّ،والى أن تتحول الحال إلى ما هو تنافس من ضمن ما يسمح بالاحتفاء بالفنون والثقافة تتميّز أنشطة البلمند وقد تنفرد في كثير منها.
سمحت لنا "لينا مقدّم" أن نفتح هذا السجال لما استقدمه معرضها من جمهور عريض أتى من كل المطارح والمشارب والأعمار أكاديميين وطلاب الجامعة متخصصين وهواة وجامعي لوحات وذواقة مما أكد على عطش جمهور كبير للون واللوحة تأتي من قبل تشكيلية مجتهدة ولو كانت قليلة الإطلالات في معارضها الفردية.وهي هنا أطلقت على معرضها اسم "انعكاس" وربما نفهم الكلمة أكثر والمقصود منها حين نقرأ لها موضحة أن الفن بالنسبة لها في جوهره انعكاس لروحها عند ملامستها اللون وبالتواصل والتناغم مع الآخرين الأمر الذي ينتج أعمالا متحركة أنيقة وغنية بمساحاتها وعميقة بخلفيتها الناضجة.تتقدم بعماله اللوحات نحو مواضيع قليلة تلبسها فهما ناضجا لمعاني اللونية.
في الكثيف والأساسي تطالعنا مجموعة من الرسومات ترتكز على حالة الراقص ،بالتنورة "الفتلة"ومنهم من يحصرها بالطريقة الصوفية المولوية،ومعها من ناحية مختلفة عن الشأن ألحلولي والوجد الإلهي المأخوذ بالحركة الإنخطافية العمودية،تأخذنا عبر ثلاثة لوحات صائد الضوء،إشعال اللهب،نوافذ روحانية من الموضوع الكلاسيكي،والتي ستتناوله بتمعن واستفاضة لاحقا،إلى افتراض الراقصة الأنثى الداخلة في صلب الموضوع الصوفي باقتراحها مركزا للوحة منيرا لها،متحرّكة،أكانت تستعين بالدف أو بتحركها للكفين بكثير من الدقة نحو المادة الملتهبة،والتي تبدو ما فوق المادة بهيولتها وأسلوب رسمها،وبكل الأحوال تظهر مصدرا للإضاءة في كل اللوحة بحيث تشع على السيدة الراقصة وتنقل باقي الإحساس إلى ما بعدها.عند الإمرأة والنوافذ تأخذك الحركة الدائرية التي تتجسد بحركية تلعب على تبديل لون الفستان ما بين الأزرق،الطاغي على كل المشهد،لكنه عند حركة الفستان المخطوفة صورته في حالت دورانه فيتجعّد وتلمع هنا وهناك من طياته ولكن الأكثر سحرا هو تحوّل الأكف إلى نوع من "الفلو" الرؤيا الغبشة لما للحركة من تأثير على البصر حيث السرعة تفوق قدرة العين على اللحاق بالحركة.
بين الرقص الصوفي أكان مع الراقصات أو الراقصين،الذين يتجمعون بأكثر من تشكيل يتوزعون به في اللوحات الأكثر عددا،تستنفد "مقدّم" خلفيات وأجواء لأماكن بمسعى يكاد لا يترك لغيرها من مزيد.فثمة من يدور على بلاط لامع وكأنه تحول مرآة وبالخلفية من يتحضّر للدخول إلى الحلبة،وهناك من يتحرك تحت العقود طائرا ومحوّلا المدى المنظور إلى سلّم يدخل من خلال شكله ضمن لعبة الدائرة المكونة للموضوع، وتعود بعدها لاختزال العناصر المكونة حيث الدرويش الأزرق ،موضوع مكثّف، مع بناء اللوحة من عنصر واحد وضربات اللون المنفرد أيضا والطاغي الجريء.تستعيد أيضا بواحدة من اللوحات، أسمتها "نقاوة القلب"،موتيفة السرعة لكن هنا لا يغيب الموضوع المصوّر وان تلحق به غشاوة إلا أن السرعة القصوى تجعل المشاهد،بوجهة نظر الرسامة،يرى الرأس وقد أصبح رأسان.
إلى جانب هذا الموضوع الطاغي تتعامل "لينا مقدّم" مع الطبيعة الصامتة ومع العمارة المدينية فتذهب بنا إلى الغابات لتصورها أشجارا باسقة بألوان نقية كما تتحرك عند أدراج المدينة التي تصل الأحياء والمناطق مع القناطر ونسق الأبنية المحيطة وقد رسمتها ملونة وأسود على أبيض،بتقنية قلم الحبر،مما ذهب إلى تأكيد نوع من رومانسية التعامل مع الموضوع بغياب أي عابر سبيل.
تأتي لوحة أهل الكهف بالأهلة على رؤوس أشخاصها وكأنها محاولة لتجسيد الرواية القرآنية بأمانة وبتقنية تستلهم رسم الأيقونات وهو أسلوب تصالحي يمزج التجارب ويخرج منها بما يجمع فيما بينها فتأخذ هذا المنحى نحو الطريق الذي يفضي إلى رقص التانغو،باعتبار أن ما سبق، وما رسمته من رقص من نوع مختلف في عملين آخرين،يتحدثان ويتشكلان، وكأن حركات الجسد هي ذرائع بتكوينها لاختراع اللون وتناسقه بمساحات كبيرة أو بما تحدد المنطويات بالعتمة والنور.

فيتنام تحيي الذكرى الأربعين للحرب بأفلام هوليوودية

مايو 24, 2015 اضف تعليق




منذ أربعين عاماً، بالتحديد، غادرت منزلي. كانت سايغون، عاصمة فيتنام الجنوبية، على وشك ان تسقط في ايدي جنود فيتنام الشمالية، وان تُمنح اسماً جديداً هو «هو شي منه». كان ذلك في الثلاثين من نيسان، 1975، كنت، وقتئذ، في السابعة عشرة من العمر.

في تلك الاثناء، كنت أقطن مع أعمامي، لذلك اصطحبوني معهم عندما ولوا الأدبار. شعرت بالخجل لأنني كنت في الجانب المهزوم من الحرب. ومع ذلك، أحسست بالاطمئنان: فالملايين الذين ظلوا هناك، بدوا أنهم معرضون لحمام دم على ايدي الشيوعيين. كان ابواي من بين هؤلاء: والدتي تاهت في دانانغ، وسط فيتنام، وأُلقي القبض على والدي (كان موظفاً رسمياً لدى حكومة فيتنام الجنوبية). اثناء الهجوم الذي شُن خلال احتفالات رأس السنة الفيتنامية، ثم اقتيد اسيراً الى مكان مجهول في فيتنام الشمالية. لم يخطر لي ان اراهما ثانية، ولكن، في العام 1984، حدث ان التأم شملنا في كاليفورنيا. كذلك، لم يخطر لي أنني سأعود إلى فيتنام.

تطلّبت زيارتي الأولى الى فيتنام، عقداً ونصف العقد. كما استغرق القرار النهائي لانتقالي الدائم الى هانوي، عقداً آخر ونصف العقد. ولا تزال الحكومة الفيتنامية تحتفل، حتى اليوم، بذكرى انتصارها في الثلاثين من نيسان. وتعمّ الاحتفالات الرسمية هذا العام، بالذكرى الأربعين للانتصار المشار إليه، جميع أنحاء البلاد. ومع ذلك، يبدو أن قلة من المواطنين، يهتمون بذلك. وبالنسبة إلى أولئك الذين يقفون إلى جانب النظام في محاولتهم تمجيد الماضي، فإنهم لا يفعلون أكثر من إثبات سياسات الفشل التي ترتبت على ذلك.

في أميركا، كان ينبغي عليّ أن أشرح ان فيتنام ليست حرباً، فقط، بل هي بلد ذو تاريخ، وثقافة وشعب. هنا، يتهمني الفيتناميون بأنني مهووس بالحرب (الحرب الاميركية كما يسمونها)، ومع ذلك، فان معظم الفيتناميين الذين أعرفهم ينظرون إلى الحرب باعتبارها لحظة هامة في تاريخهم، جرى الاستيلاء عليها، بخديعة إعلامية.

منذ اسبوعين، ينهمك المسرح الوطني، في هانوي، بعرض مختارات خاصة من الافلام السينمائية، إحياء للذكرى الاربعين للحدث. وفي هذه المناسبة، انتشرت لافتات ترويجية غطت الواجهة البيضاء، لمبنى المسرح. ولكن من بين الأفلام الإثني عشر التي تُبث على شاشة المسرح، أربعة فقط من انتاج فيتنامي: أحدها وثائقي جيء به من المحطة الرسمية للتلفزة، والثلاثة الأخرى ُسمح بها من قبل وزارة الثقافة. أمّا الأفلام الثمانية المتبقيّة، فهي من انتاج هوليودي، معظمها ينتمي إلى سينما الحركة والإثارة. يُذكر ان صناعة السينما في فيتنام (انتقلت إلى القطاع الخاص) تنتج أفلاماً قليلة عن حرب فيتنام، غير أنّ قلة ترغب في مشاهدتها، في حقيقة الأمر.

أيضاً، في سياق الاستعداد للاحتفال بالذكرى، ثُبتت في معظم أنحاء المدينة، لوحات إعلانية جديدة، تنطوي إحداها على بوستر ذي ألوان برّاقة، يظهر عليه بوضوح البروباغندا الشيوعية التي كانت تستخدم، منذ عقود خلت، وقد برز العلم الأحمر والنجمة الذهبيّة. ولم يحدث، من قبل، أن دوّن المعلقون على الفايسبوك ملاحظات تفوح منها رائحة السخرية من هذا التصميم، بهذا القدر (سرعان ما أُزيلت هذه اللوحة من مكانها). ويتذمر الناس، على مواقع التواصل الاجتماعي من ان الحكومة تسيء استخدام كلمة «تحرير»، خصوصاً في إشارتها إلى ما فعلته حيال المواطنين في فيتنام الجنوبية؛ فالسياسات الاشتراكية التي طبقتها الحكومة هناك، جلبت الفقر بمستويات فاجعة. غالباً ما اقرأ، على هذا الصعيد، تعليقات يدعو أصحابها إلى الامتناع بما فيه الكفاية عن استسقاء الدم بالدم الذي كان أُهرق خلال الحرب. كما أنني غالباً ما أقرأ مقالات أُعيد نشرها. مقتبسة من الإعلام الغربي، حول فشل المصالحة منذ أربعين عاماً.

الناس في فيتنام، خصوصاً الشبان، لديهم اهتمامات مختلفة؛ معظمهم منشغل بمتطلبات الحياة والاستهلاك. ولكن، ليس هذا كل شيء. منذ أيام، وبينما كانت شرطة هانوي، تقفل شوارع في وسط المدينة قبيل الاحتفال بالذكرى الاربعين، أقدمت على اعتقال 20 شخصاً كانوا يحتجون على أمر بلدي يقضي بقطع آلاف الأشجار المعمرة، (ألغي هذا القرار الشهر الماضي، ولكن المحتجين يتخوفون من قطع بعض الأشجار تحت جنح الظلام بغية بيعها في السر). وفي الوقت الذي تحتفل فيه الحكومة بانتصارها في «الحرب الاميركية»، يتحدث الناس عن فشلها وضلوعها في الفساد وسوء استخدام السلطة. وعندما تنظر الأجيال الشابة إلى الماضي، لا يبدون إعجابهم بالتضحيات التي بذلها الشيوعيون؛ يستحسنون النموذج العصري لأعداء الشيوعيين. وكانت مواقع عدة على شبكات التواصل الاجتماعي، قد أعادت نشر صور فوتوغرافية تعزى إلى عقد الستينات الماضية ومطلع السبعينات، مقتبسة من مجلات اميركية مثل «لايف». تظهر الناس في فيتنام الجنوبية وهم يرتدون أزياء عصرية. اليوم، يرتدي سائقو الدراجات النارية، خوذات تحاكي الاسلوب الاميركي. وعلى طول الطريق الذي سُمي باسم «لي ديوان» (الامين العام للحزب الشيوعي اثناء الحرب ومهندس الحملة العسكرية للسيطرة على فيتنام الجنوبية)، ثمة صفوف طويلة من الاكشاك، يعرض أصحابها للبيع، احذية مماثلة لتلك التي يستخدمها الجيش الاميركي، اضافة الى ثياب عسكرية، طبع عليها شارة «الجيش الاميركي».

من ناحيتها، أقدمت الحكومة على الانتهاء من تنفيذ منصّة ضخمة على مقربة من قصر «إعادة التوحيد» في سايغون القديمة، حيث سيقام عرض عسكري مصحوباً باحتفالات عارمة. ويتولى التلفزيون الرسمي بث وقائع المناسبة مباشرة على الهواء، أعلمني أصدقائي أنهم لن يشاهدوا البث التلفزيوني. فالاحتفال بالذكرى يتزامن مع عيد العمال؛ لذلك سيمضون عطلة طويلة، نهاية الاسبوع، بعيداً عن الحدث.

[ نغوين كوي دك، صحافي سابق في الولايات المتحدة، ويدير حالياً، صالة للفنون في هانوي؛ صحيفة «أنترناشونال نيويورك تايمز» الاميركية (30 نيسان 2015).