728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الجمعة، 3 أبريل 2015

    سلافوي جيجيك: “الخطر الأكبر الذي يتهدد أوروبا يكمن في قصورها الذاتي”

    ترجمة لارا سليمان
    عد الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك من أجرأ مثقفي أوروبا، إلى جانب كونه يسارياً حسب تعبيره الشخصي. يقول جيجيك في عمله الجديد إن أوروبا لا ينبغي عليها أن تكون متسامحة لدرجة كبيرة مع الإسلام، ويتحدث عن حاجة القارة لـ”لثقافة قيادية” تنويرية.
    لا يحب جيجيك لقب “البروفيسور”، يمازح قائلاً إنه يلتفت خلفه ليبحث عن البروفيسور عندما يناديه الناس بهذا اللقب التشريفي. وبالفعل، فنادراً ما درّس جيجيك في الجامعات، السبب الذي جعل من جيجيك، البالغ من العمر 65 عاماً، مثقفاً عالمياً مؤثراً هو إنتاجه الضخم من الكتب والمقالات والزوايا الصحفية، فقد جعلت منه ظهوراته ومحاضراته حول العالم واحداً من أشهر المفكرين المعاصرين والمنظّرين الثقافيين في العالم.
    ولكن على الرغم من تأثيره الكبير، من الصعب بمكان تحديد موقفه بدقة من الناحيتين الفلسفية والسياسية.
    يعيش جيجيك في العاصمة السلوفينية ليوبليانا حيث ولد. كان منتسباً للحزب الشيوعي إلى أن رحل عن سلوفينيا عام 1988، وكانت علاقته سيئة بقنوات الحزب الرسمية بسبب أفكاره الخارجة عن المسار الماركسي القويم، ولم يتم منحه لقب بروفيسور في جامعة مدينته الأم. لكنه كان قادراً رغم كل الصعوبات على الذهاب لإحدى جامعات باريس بين عامي 1981 و1985، حيث درس أعمال المحلل النفسي جاك لاكان.
    كان جيجيك مرشح الديمقراطيين السلوفينيين الليبراليين قبيل انهيار دولة يوغوسلافيا عام 1990، على الرغم من موقفه النقدي الحاد تجاه الليبرالية السياسية، حيث كان يعتبرها فاقدة للقوة والجوهر.
    توجه جيجيك الفكري ميال للفلسفة الألمانية، أي هيغل وماركس بالأخص، ويركز على تطور مفهوم التسيير الذاتي وكيف أنه محكوم بأيديولوجيات وهويات دائمة التغير.
    تحتفي الكثير من البلدان بجيجيك، بدءاً من أمريكا اللاتينية وصولاً إلى آسيا، لانتقاده الدائم للرأسمالية العالمية ولاعتباره شخصية ثقافية قيادية لحركات التظاهر اليسارية.
    ألهمت الصدمة التي ولدتها الهجمات الإرهابية في باريس جيجيك لكتابة مقالة فلسفية جدلية حول الإسلام والحداثة، يعالج فيها القطيعة الواقعة بين التسامح في العالم الغربي وبين الكراهية المبدئية التي يحملها الإسلام المتطرف تجاه الليبرالية الغربية، كما يوجه فيها نداءً للغرب للحفاظ على تراث التنوير وقيمه العالمية. يقول جيجيك إن سلطة البشر لن تستعاد إلا عبر تجديد اليسار.
    مجلة شبيغل: لقد أظهرت الأزمة المالية والاقتصادية مدى ضعف السوق الحر، وقد جعلت من إظهار التناقضات التي تحملها الرأسمالية المعاصرة هدفاً لك، هل تتوقع ثورة جديدة؟
    جيجيك: لا للأسف.

    شبيغل: لكن ألا تود أن تعيش الثورة؟ هل ما زلت شيوعياً؟
    جيجيك: يعتبرني الكثيرون ماركسياً مجنوناً ينتظر نهاية التاريخ، قد أكون غريب الأطوار لكنني لست مجنوناً، أنا شيوعي لعدم وجود شيء أفضل، وبسبب يأسي من الوضع في أوروبا. منذ ستة أشهر كنت في كوريا الجنوبية للحديث عن أزمة الرأسمالية العالمية، تكلمت المعتاد كما تعلم: “بلا بلا بلا…”، فبدأ الحضور بالضحك وقالوا: عمّ تتحدث؟ انظر إلينا! الصين، كوريا الجنوبية، سينغافورة وفييتنام، وضعنا الاقتصادي جيد جداً. إذاً من الذي انزلق ووقع في الأزمة؟ أنتم فقط في أوروبا الغربية، أو لنكون دقيقين أكثر، بعض أجزاء أوروبا الغربية.

    شبيغل: حسناً، لكن الأمر ليس بهذه البساطة.
    جيجيك: نعم، ولكن هناك بعض الحقيقة في ذلك، لماذا نشعر نحن الأوروبيون أن وضعنا السيء هو كارثة متكاملة الأركان؟ أعتقد أن ما نشعر به لا علاقة له برفض أو تأييد الرأسمالية، لكنه يتعلق بمستقبل ديمقراطيتنا الغربية، هناك غيوم سوداء تظهر في الأفق، وقد وصلتنا أول العواصف.

    شبيغل: هل تقول بأن الأزمة الاقتصادية ستؤدي لأزمة سياسية؟
    جيجيك: الصين وسينغافورة والهند وتركيا الأقرب إلينا، جميعهم لا يتكهنون المستقبل. إنني اعتقد أن الرأسمالية تتطور بمنحى ستكون فيه فعالة بشكل أكبر بدون ضرورة وجود ديمقراطية كاملة التطور. إن صعود ما يسمى الرأسمالية الحاملة للقيم الآسيوية خلال السنوات العشر الماضية يوقظ الشكوك والتساؤلات: ماذا لو كانت الرأسمالية الاستبدادية في نموذجها الصيني مؤشراً لنا بأن الديمقراطية الليبرالية كما نفهمها، لم تعد شرطاً أو قوةً دافعة للتطور الاقتصادي، بل إنها تقف في طريقه؟

    شبيغل: ليست الديمقراطية هنا لتعبد الطريق للرأسمالية. سبب وجودها هو لتفادي المخاطر الكامنة في الرأسمالية وهذا ما يجعل الديمقراطية شيئاً لا بدل عنه.
    جيجيك: ولكن إن كان هذا هو الحال هنا، يجب أن يكون هناك ما هو أكثر من انتخابات حرة. يمكن للخيار الحر أن يقود المجتمع في كل الاتجاهات الممكنة. وبهذا السياق، أنا لينيني. لطالما تساءل لينين ساخراً: “الحرية، نعم ولكن لمن؟ وليفعل ماذا؟”

    شبيغل: حرية تقرير مصير الذات. وأولاً وقبل كل شيء، حرية التعبير والرأي هي جزء لا يتجزأ منها.
    جيجيك: رائع! أنا لست ستالينياً يسخر من الحريات المدنية معلناً أن خط الحزب هو الحرية الحقيقية الوحيدة هنا! حرية الاختيار في الحيز الشخصي والخاص تتزايد، وحتى في الصين، وأقصد هنا الحريات الجنسية وحرية السفر، حرية التجارة وحرية أن تصبح ثرياً. لكنني أتساءل إن كان هذا كافياً وإن كان هذا النوع من الحريات الشخصية فخاً. حيث تغطي مكاسب الحريات الشخصية على خسارات الحريات الاجتماعية، دولة الرفاه الكلاسيكية بدأت تتلاشى، لقد فقدنا القدرة على رؤية المسار الذي تسير فيه العملية الاجتماعية، وتحديد أي نمط من المجتمعات نريد أن نعيش فيه. يجب إعادة تحديد حقل الخيارات الذي نستطيع من خلاله أن نعيش حريتنا الفردية.

    شبيغل: بكلمات أخرى، أنت تفتقد وجود جدل أكبر حول النظام. رأينا واحداً في ثورة الطلاب عام 1968، لكنه لم يأت بنتائج حقيقية، باستثناء المكاسب على صعيد الحريات المدنية. ولكن بالتناقض مع الرغبة بالحريات الفردية، ألا يكمن إغراء الاستبدادية في حركة الرغبة الجماعية لتخطي هذا النظام الموجود؟
    جيجيك: لقد انتهى القرن العشرون، فلا يمكن لنظام استبدادي أن يستمر على المدى الطويل. إذا أردنا أن نحافظ على الصورة التي نملكها عن أنفسنا في الغرب، علينا ان نعيد طرح الأسئلة الكبيرة المتعلقة بتوسيع الحريات الديمقراطية وبعملية التحرر الفردي. هنا يكمن التهديد الأكبر لأوروبا. أنا يساري أوروبي، على الرغم من أنه أصبح من الرائج انتقاد النزعة الأوروبية داخل دوائر اليساريين تحت اسم التعددية الثقافية. لكنني مقتنع أننا بحاجة لأوروبا أكثر من أي وقت مضى. تخيل عالماً بدون أوروبا، سيكون لديك قطبان فقط، أمريكا بنيوليبراليتها المتوحشة وما يسمى الرأسمالية الآسيوية مع بنيتها السياسية الاستبدادية، وبينهما سيكون لديك روسيا بوتين مع مطامحها التوسعية. ستخسر بذلك الجزء الأغلى من المجد الأوروبي، حيث تنطوي الديمقراطية والحرية على عمل جماعي دونه لا يمكن لمبادئ المساواة والعدل أن تكون.

    شبيغل: إنه مجد التنوير، الانتقال من عدم النضج الذاتي إلى تقرير المصير الذاتي.
    جيجيك: تماماً! لست صديقاً مفضلاً ليورغن هبرماس، لكنني أتفق معه تماماً في هذه النقطة. علينا أن نتلاحم مع المشروع الأوروبي التنويري أكثر من أي وقت مضى. أنه الأمر الوحيد الذي سيمكننا من تغيير حدود ما هو ممكن أو قابل للتنفيذ.

    شبيغل: ألا يتطلب هذا الهدف الكثير من قيم الديمقراطية الليبرالية؟
    جيجيك: نعم، علينا المضي إلى ما هو أبعد من الديمقراطية الليبرالية. الديمقراطية العادية تعمل كما يلي: تتظاهر الأغلبية الناخبة بالرضى عن الادعاء بحرية الاختيار. لكنها في الحقيقة تقوم بفعل ما هو مطلوب منها. إنه القول بأن خيار المواطنين الألمان المفضل للحكم هو الائتلاف الكبير (ملاحظة المحرر: الائتلاف الحاكم يضم الحزبين الأكبر في ألمانيا: حزب الديمقراطيين الاجتماعيين اليساري المركزي وحزب الديمقراطيين المحافظين المسيحيين) نابع من الخوف من اتخاذ قرارات رائدة جذرية حقيقية، فيتصرف الناس كما لو أنهم هم من قام بالاختيار، بناء على الظروف والقيود العملية والشروط المحددة مسبقاً. ولكن عليك أحياناً أن تغير إطار المعنى بدلاً من تحليل الأمور بمهارة والتأقلم معها. إن تطوير إرادة عامة (تلك التي تحدث عنها روسو) لا يحدث بهذه الطريقة. تطوير الإرادة يبقى أمراً فردياً خاصاً وسياسياً بامتياز. الليبرالية بيئة رائعة للرأسمالية لأن الحريات الديمقراطية الليبرالية والسعي الفردي وراء الملذات يحرك الناس وفقاً لمصالحها ويقوم بتحويلهم إلى مدمنين على العمل.

    شبيغل: ما هو البديل برأيك؟
    جيجيك: لا يمكن العودة للشيوعية، والستالينية كانت أسوأ من الفاشية بمعنى من المعاني، ولا سيما بالنظر إلى أن المثل الأعلى الشيوعي كان التنوير الذي سيؤدي بالنهاية إلى تحرير الذات. لكن هذا هو أيضاً مأساة جدلية التنوير. ما تزال الستالينية لغزاً بالنسبة لي، لم يكن لدى الفاشية أي طموحات تنويرية، لقد سعت وراء التحديث المحافظ بوسائل إجرامية. إلى حد ما، هتلر لم يكن جذرياً أو عنيفاً بما فيه الكفاية.

    شبيغل: ماذا؟ أنت لا تعني ذلك حقاً؟
    جيجيك: ما أحاول قوله هنا هو أن الفاشية قد تكون ربما ردة فعل على التفاهة والرضا الذاتي للبرجوازيين، لكنها بقيت حبيسة أفق المجتمع البرجوازي وتبنت فلسفة الرضا الذاتي نفسها. أشارك والتر بنيامين الرأي أن كل نهوض للفاشية هو في حقيقته نتاج ثورة فاشلة. نجاح الفاشية هو فشل اليسار، كما أنه يثبت وجود إمكانات ثورية، لكن اليسار هو الذي عجز عن معرفة كيفية استغلالها.

    شبيغل: ما هي الحالة الراهنة للمبادئ الأساسية للليبرالية: الحرية والمساواة والعدل؟ هل تعتقد أن الديمقراطية الليبرالية قوية بما فيه الكفاية كي تحمي نفسها من الهجمات غير الليبرالية؟
    جيجيك: أشك أن تكون قادرة على مواجهة التحديات، يقارب النظام الرأسمالي العالمي الوصول إلى نقطة الصفر الخطرة. والمهالك الأربعة القادمة هي: الكارثة المناخية، العواقب الواضحة للأبحاث البيولوجية الجينية، انعدام التنظيم الذاتي للأسواق المالية وتزايد أعداد الناس الذي يتم استبعادهم منها. كلما تزايدت عولمة الأسواق، كلما ازدادت هيمنة قوى الفصل الاجتماعي العنصري.

    شبيغل: لقد تم إدراك هذه المخاطر وتمت مناقشتها بشكل واسع. ولكن مع ذلك، هل تظن بأننا نسير عاجزين نحو الهاوية؟
    جيجيك: إن انعدام وجود بديلٍ واضح لا يمكن أن يعني ببساطة أن نستمر بهذا الاستعصاء. إذا استمر النظام الموجود بإعادة انتاج نفسه، فنحن نتجه إلى انهياره. الأمر الوحيد الذي قد ينقذ الديمقراطية الليبرالية هو إعادة تجديد اليسار. إذا أضاع اليساريون هذه الفرصة، سيزداد خطر ظهور الفاشية أو على الأقل ستظهر ديكتاتورية جديدة.

    شبيغل: يمكن ملاحظة مثل هذه الميول اليوم، من خلال الراديكاليات الدينية وشعبية الجناح اليميني والعصبيات القومية.
    جيجيك: هذا صحيح، والاستجابة لهذه الميول لا يمكن أن تكون بردود الفعل اليسارية المعتادة بالتسامح والتفهم. لا، فعند القيام بذلك، ستبدأ الليبرالية بالتراجع ذاتياً وبالتدريج، لدينا الحق بفرض الحدود، إننا نشعر بالذنب كثيراً في أوروبا، التسامح والتعددية الثقافية هي نتاج تأنيب الضمير وعقدة الذنب التي قد تودي بأوروبا للهلاك. إن أكبر خطر يتهدد أوروبا يكمن في قصورها الذاتي وتراجعها لثقافة اللامبالاة والنسبية العامة. يمكنك اعتباري عقائدياً في هذا الخصوص، فلا يمكن الحفاظ على الحريات بدون قدر معين من العقائدية، لا أريد أن أشكك بكل شيء أو أن أسائل كل شيء، ترتكز العقائدية الليبرالية على ما سماه هيغل جوهر الأخلاق. ولهذا أقف أيضاً ضد أي شكل من أشكال “التهذيب السياسي” الذي يحاول التحكم، عن طريق المحظورات الاجتماعية والقانونية، بأمر يجب اعتباره جزءاً من جوهرنا الأخلاقي.

    شبيغل: ألا تملك كل ثقافة عتبة ألم معينة لا يمكن بعدها التسامح مع الأمور؟
    جيجيك: هناك أشياء من المستحيل التسامح معها، كما يقول جاك لاكان: “l’impossible-à-supporter” (استحالة التسامح) فماذا يمكن أن يحصل لو أن مجلة ما سخرت بشكل علني من الهولوكوست؟ ماذا عن النكات التي تتضمن تمييزاً جنسياً أو عنصرياً؟ إن موقف الليبراليين اليساريين أو “الليبرتاريين” من السخرية العامة أو الدعابات اللاذعة يتجه باتجاه معاكس، نحو حساسية متزايدة تجاه هؤلاء العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم. كما تعلم، تعد النكت الوقحة اختباراً جيداً لعتبة التحمل بين المجموعات الثقافية المختلفة، أنا أحبها.

    شبيغل: لا يمكنني إلا أن أسألك، هل أنت جاد فيما تقول؟
    جيجيك: في يوغوسلافيا السابقة كان لكل مكون جمهوري نكاته عن المكونات الأخرى. على سبيل المثال، كان سكان الجبل الأسود مشهورين بالكسل. والجبل الأسود يشتهر بالزلازل، إذاً لمَ يدخل مواطن الجبل الأسود عضوه الذكري في كل شق أو حفرة ضيقة؟ إنه ينتظر الهزة المقبلة لأنه كسول لدرجة تجعله غير قادر على الاستمناء بنفسه. أو خذ النكات اليهودية، يمكنها أن تكون رائعة عندما يسخر اليهود من نفسهم. هل تعرف هذه؟ امرأة يهودية من أصل بولندي، وتتصف النساء من هذه الخلفية بالجدية بشكل خاص، تنحني بينما تنظف الأرضية، يدخل زوجها المنزل ويرى مؤخرتها المشدودة، فيرفع تنورتها بحماس ويضاجعها من الخلف، وعندما ينتهي يسألها إن كانت أيضاً قد وصلت للذة، فتجيبه: “لا، ليس بعد، ما زال لدي ثلاث بلاطات لأصل”. بدون هذا التداول الوقح، لن يوجد أي تواصل حقيقي فيما بيننا، وإنما فقط احترام بارد.

    شبيغل: لن أعلق كل آمالي على قوة اختبارات كهذه.
    جيجيك: هناك حدود بالطبع، ستكون هناك مشكلة انفجارية في حال تجاور مجموعتين عرقيتين، أو دينيتين، ولكل منهما طريقة حياة مختلفة لا يمكن لأحدها التسامح مع الآخر، كل منهما ينتقد دين الآخر أو نمط حياته بشكل جارح ويعتبر أي نقد يتعرض له موجهاً بشكل مباشر ضد هويته.

    شبيغل: أليست هذه هي ذاتها القنبلة التي فجرها التصريح الذي أصبح شعبياً، والذي يقول بشكل أساسي إن الإسلام جزء من أوروبا؟
    جيجيك: التسامح ليس حلاً هنا، ما نحتاجه هنا هو ما يسميه الألمان leitkultur أو ثقافة مهيمنة، ثقافة عليا قيادية تنظم الطريقة التي تتفاعل وفقها الثقافات الأدنى. فالاحترام المتبادل لحساسيات الآخرين الذي تفرضه التعددية الثقافية لن يكون ناجعاً عندما تصل الأمور لمستوى “l’impossible-à-supporter أو استحالة التسامح. يجد المسلمون المتدينون أنه من المستحيل التسامح مع الصور الساخرة من الدين ومزاحنا اللاذع، وهذا المزاح يشكل جزءاً من حريتنا. ويرى الغرب مع نهجه الليبرالي في الزواج القسري والتمييز العنصري ضد النساء -وهما جزء من حياة المسلم- أمراً لا يمكن التسامح معه. لهذا أقول أنا -كيساري- إننا بحاجة لخلق ثقافتنا القيادية الخاصة.

    شبيغل: ما هي هذه الثقافة القيادية؟ ما هي مواصفاتها؟ فحتى الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان يمكن التشكيك بها تحت اسم الاختلافات الثقافية.
    جيجيك: الثقافة الأوروبية القيادية هي عبارة عن عالمية التنوير التي يعي ضمنها الأفراد ذواتهم. وهذا يعني أنك يجب أن تكون قادراً على التخلي عن سماتك الشخصية وتجاهل مواقفك الدينية والاجتماعية والأثنية الخاصة. التسامح مع بعضنا ليس كافياً، يجب أن يكون لدى كل منا القدرة على النظر إلى هويته الثقافية كمصادفة بحتة متعلقة بالحظ، كأمر يمكن تغييره.

    شبيغل: الفرد العالمي هو فكرة مجردة فلا وجود له على أرض الواقع، كل إنسان ينتمي لمجموعة أو مجتمع معين.
    جيجيك: الإنسان العالمي حقيقي وواقعي إلى حد كبير في حياتنا، إلى جانب التفاح والإجاص والعنب هناك مكان أيضاً للفواكه كفواكه. يعجبني جمال هذه الفكرة الأفلاطونية حيث الناس ينتمون لمجموعات معينة لكنهم في النهاية جزء من بعد عالمي. أنا لا أبقى على ما أنا عليه خلال مسار حياتي، لكنني في نفس الوقت أبقى أنا. كما أن المجتمع ليس مغلقاً، يمكن للفرد أن يرحل وينضم لمجتمع آخر. هويتنا تتألف من عدة هويات يمكن لها أن تتواجد بالتوازي مع بعضها بنجاح.

    شبيغل: “الأيام تمضي، لكنني باقٍ” (يقرأ قصيدة للشاعر غيوم أبولينير).
    جيجيك: يمكن قولها على الطريقة المسيحية: الروح القدس تسكننا جميعاً. نتشاركه جميعنا، بغض النظر عن هويتنا المرتبطة بمجتمع معين. أنا ملحد لكنني معجب بالجوهر التحرري الذي تحتويه التعاليم المسيحية: اترك أباك، اترك أمك واتبعني، كما يقول المسيح. اترك مجتمعك وراءك بغية إيجاد طريقك للإنسانية العالمية!

    شبيغل: التحرر فعل عنيف، فعل فصل ونزع للجذور، والإسلام لا يسمح للناس ترك مجتمع المؤمنين.
    جيجيك: ليس هناك حرية، أو على الأقل لا حرية عالمية بدون لحظة عنف، وعملية نزع المرء لجذوره عملية قوية، لكن هذه القوة التي لا ينبغي أن تكون جسدية بالضرورة، تتضمن قيمة تعويضية. فتذكّر، ليس التدمير هو ما يميزنا، نحن نرتبط بخصائصنا، ولكن علينا أن ندرك أن هذه الخصائص تعتمد على المصادفة، مصادفة لا تلعب دوراً جوهرياً في ذواتنا. العالمية هل الانفتاح على المصادفة الجذرية.

    شبيغل: كيف يمكن ترجمة ذلك في السياسة؟
    جيجيك: لقد قال الخميني، قائد الثورة الإيرانية ذات مرة: “نحن المسلمون لسنا خائفين من أسلحة الغرب أو الإمبريالية الاقتصادية، ما نخشاه هو فساد الغرب الأخلاقي”. والنموذج الأكبر لهذه المقاومة هي الدولة الإسلامية، وأبعد من ذلك بوكو حرام، يا لها من ظواهر غريبة! حركة اجتماعية سياسية هدفها الأول هو إبقاء النساء جاهلات مبعدات في أماكنهن المخصصة. شعار الستينات القديم بأن كل ما هو سياسي هو جنسي يأخذ الآن معنى آخر غير مسبوق: الحفاظ على تسلسل هرمي جنسي صارم يصبح هو الحتمية السياسية الأهم. ألم نشهد مثالاً خفيفاً لنفس السياسة في رد الفعل الروسي عندما ربحت المغنية الملتحية كونشيتا فورست المسابقة الغنائية “يوروفيجن”؟ لقد قال فلاديمير تسيرينوفسكي، القومي الروسي، في إيار الماضي: “لم يعد هناك رجال ونساء في أوروبا، هناك فقط حيوانات”. حتى أن كنيستنا الكاثوليكية أثارت نفس المخاوف في مقاومتها لزواج المثليين.

    شبيغل: أليست المتعة الفردية الجامحة هي وسيلتنا الوحيدة لمواجهة الراديكالية والتطرف؟
    جيجيك: لا، لسببين اثنين: الأول هو أن خصمنا الحقيقي هو ليس الدين، لقد تحدث تسيفكو كوستي، وهو قس كاثوليكي كرواتي قومي، عن الكاثوليكية واعتبرها دلالة على أن الناس ليست مستعدة بعد للتخلي عن إرثها القومي والثقافي. “جميع الكرواتيين”. هذا التصريح يجعل الأمر واضحاً، المسألة ليست متعلقة بالإيمان وحقيقته، بل هي متعلقة بمشروع ثقافي وسياسي، والدين هنا هو مجرد أداة أو مؤشر لهويتنا الجمعية. الأمر متعلق بمدى تحكم العام بالفرد، ومدى حجم السيطرة التي نمارسها نحن كأفراد. لهذا يقتبس كوستي قولاً لإيطالي شيوعي مع موافقته عليه: “أنا ملحد كاثوليكي”. ولهذا السبب أيضاً، أشار القاتل النرويجي أندرس بريفيك، والذي بدوره ليس متديناً إلى حد كبير، أشار إلى الإرث المسيحي كعامل مؤسس للهوية الأوروبية. السبب الثاني وهو الأكثر حسماً، هو أن حرية الاختيار الفردية الجامحة تتناسب بشكل ممتاز مع الرأسمالية حيث أن العملية الاقتصادية الاجتماعية العالمية تصبح يوماً بعد يوم منيعة غير قابلة للاختراق. المتعة الجامحة والراديكالية تقودان بعضهما. لن تستطيع مواجهة الراديكالية بدون مشروع جماعي للتغيير الجذري، وهذا الأمر ليس مسلياً أو ممتعاً على الإطلاق.

    شبيغل: من الذي يحدد ما هو مصادفة وما هو جوهري؟ بالنسبة للمسلم الصالح، الحجاب مثلا ليس مصادفة، إنه أمر جوهري.
    جيجيك: هنا تكمن المشكلة الانفجارية، يجب أن تقرر المرأة أو الفتاة ذلك ذاتياً. ولكي تكون قادرة على ذلك، عليها أن تتحرر من ضغط العائلة والمجتمع، وهنا يمكن للعنف التحرري أن يكون فعالاً: فالإمكانية الوحيدة للتسيير الذاتي هي انتزاع الجذور، إن يمزق المرء نفسه فيفصلها عن ضغط المجتمع ليشكلها من جديد. لهذا أعتبر مالكوم إكس أحد أبطالي، فحرف إكس هنا هو إشارة لانتزاع الجذور، لكن ذلك لم يدفعه للبحث عن جذوره الأفريقية، بل على العكس، وجد في ذلك فرصة للحصول على حرية جديدة عالمية.

    شبيغل: هل ترحب بهذا النوع من العنف؟
    جيجيك: أنا أقبل بهذا العنف لأنه ثمن المصادفة الحقيقية وتحرير الذات، يمكنك تشبيه الأمر بلعبة سادية جنسية، حيث يمكن للمشتركين ممارسة جميع أنواع الانحرافات في كل وقت، ولكن لكل منهم الحق في القول: “توقفوا، أنا أريد التوقف والمغادرة”. يتألف التقدم في الديمقراطية الغربية من التوسيع المستمر للعالمية، وبفعل ذلك، يتم تنويع حرية الاختيار بين الخيارات التابعة للصدفة. لكن المصادفة لا تعني التفاهة. أكثر منجزاتنا الجماعية قيمةً حدثت بمحض الصدفة، حدثت من لا شيء واصطدمت بذاتنا الجوهرية.

    شبيغل: أليس العمل الدؤوب لتوسيع المساحات العامة هو مهمة المثقفين أمثالك؟ هذا يذكرنا بالمجتمع المفتوح الذي تحدث عنه كارل بوبر أكثر من ثورة البروليتاريا عند ماركس.
    جيجيك: يا إلهي! أي شيء ما عدا بوبر، فضمن هذا السياق أنا ما زلت ماركسياً، لأن المهم بالنسبة لي هو البنية التحتية للحرية المتأصلة في المؤسسات. الاختصاصيون -أو الأغبياء بالمعنى الأدق للكلمة-يجتهدون بإيجاد حلول لمشاكل معينة. أما المثقف فهو معني بطرح الأسئلة بأسلوب جديد لتعكس الظروف الاجتماعية لممارسة الحريات الشخصية المدنية. في مقالة “ما هو التنوير” يفرّق كانط بين الاستعمالات الخاصة والعامة للمنطق. والأمر راهن الآن أكثر من أي وقت مضى، فبالنسبة لكانط يعني الاستخدام العام للمنطق التفكير الحر بعيداً عن أي ضغط مجتمعي أو سياسي، بينما استخدام المنطق لخدمة الدولة هو أمر خاص. صراعنا اليوم، وهذا يتضمن ويكيليكس، هو الإبقاء على الساحة العامة حية.

    شبيغل: إذا كيف يمكننا خلق تضامن تحرري بين جماعات متباينة ثقافياً؟
    جيجيك: جوابي على هذا السؤال هو النضال. العالمية الفارغة غير كافية بشكل واضح، لا يجب تخطي صراع الثقافات بمجرد شعور بالإنسانية العالمية. بل من خلال التضامن الشامل مع المناضلين داخل كل ثقافة. نضالنا من أجل التحرر يجب أن يترافق مع المعارك ضد النظام الطبقي في الهند ومقاومة العمال في الصين. كل شيء يعتمد على ذلك: المعركة من أجل الفلسطينيين ومعاداة السامية، ويكيليكس وفرقة بوسي ريوت، كل هؤلاء جزء من نفس الصراع. إذا لم يحدث هذا، يمكننا قتل أنفسنا ببساطة.
    شبيغل: سيد جيجيك، شكراً لك على هذه المقابلة.

    نشرت هذه المقابلة باللغة الإنكليزية على موفع “Spiegel Online International الألماني بتاريخ 31/3/2015
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: سلافوي جيجيك: “الخطر الأكبر الذي يتهدد أوروبا يكمن في قصورها الذاتي” Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top