لوكوربوزيي جعل الجسد مبدأ للتشكيل الهندسي

أبريل 30, 2015 اضف تعليق
باريس - انطوان جوكي(الحياة)

هل كان شارل إدوار جانري (1887 ـ 1965)، المعروف باسم لوكوربوزيي، حداثوياً؟ هل جسّد فعلاً صورة المهندس الذي أنجز المشروع العقلاني الموروث عن عصر «الأنوار»، مواكباً، عبر شعار «الآلة المرصودة للسكن»، انتشار حداثة تكنولوجية وعقلانية ترتكز على أيديولوجيا الشكل الصافي البسيط (puriste)؟ عن هذين السؤالين، يحاول المعرض الاستعادي الضخم، الذي انطلق حديثاً في «مركز بومبيدو»، في باريس، الإجابة من خلال نحو 300 عمل فني تتراوح بين لوحات ومنحوتات ورسوم وتصاميم هندسية وماكيتات وصور فوتوغرافية وأفلام. أعمالٌ تتجلّى فيها مختلف جوانب عمل هذا العملاق، الذي تحلّ هذا العام الذكرى الخمسين لرحيله.
مهندس رؤيوي، منظّر في الحداثة، وأيضاً رسام ونحات، طبع لوكوربوزيي بعمق القرن العشرين، قالِباً الإبداع الهندسي وطريقة سكننا بارتكازه في عمله على الجسد البشري الذي يفرض نفسه، في نظره، كمبدأ شامل يحدّد كل أبعاد الهندسة وتشكيل الفضاء. وفي هذا السياق، ابتكر ما يُعرف بـModulor 1944، وهو عبارة عن قامة بشرية (1,83 متر) تجسّد نظاماً نسبوياً يرتكز على الرقم الذهبي، ويسمح بتنظيم متناغمٍ لجميع التشييدات الفضائية وفقاً للشكل البشري. لكن هذا الابتكار الذي سيفرض نفسه كنظام نموذجي في عمل العديد من المهندسين، ضابطاً شكل الفضاءات الداخلية ونسبة التشييدات، فُسِّر خطأً كأداة قياسية. ولهذا، يعود المعرض الحالي إلى مصادر مفهوم الجسد عند لوكوربوزيي، جسد في حركة يحدد مفهومه للإيقاع الذي سيتبلور عام 1910 تحت تأثير مدرسة «هيللورو»، والنظريات الـ «سيكوفيزيائية» (psychophysiques) للفيلسوف الألماني غوستاف فيكنير وعالم النفس فيلهايم فوند.
وفقاً لترتيبٍ زمني تحدّده مراحل بلورة هذا المفهوم الجمالي الجديد، يقترح منظمو المعرض قراءة جديدة لإنجازات لوكوربوزيي، يظهر الجسد فيها كعنصرٍ إدراكي يعكس تماسُك جميع الأبحاث التي تقف خلف أعمال الفنان الرسومية والنحتية والهندسية. وبخلاف المقابلة السائدة بين لوكوربوزيي الحداثوي، المؤسس لهندسة صفائيّة (puriste)، ولوكوربوزيي بعد الحرب العالمية الأولى الذي توجّه نحو تصميمات فجّة من الباطون أو أشكال أكثر فأكثر عضوية، يبيّن المعرض تكاملاً وتناغماً في مسعاه. وفي هذا السياق، كُرّست الصالة الأولى للتعريف بمفهوم الإيقاع لدى لوكوربوزيي، يظهر فيها تأثّره بالخطوط الضابطة التي وضعها المهندس بيتر بيرينس، وبأعمال المهندس ماتيو لويريكس، وأهمية سفره إلى الشرق عام 1911 حيث ملأ دفاتر كثيرة بالرسوم والملاحظات التي ستشكّل مرجعاً له طوال حياته، استقى منه نظريته حول الوحدة البصرية والإدراكية للشكل الهندسي، الذي سيرمز إليه في النهاية بالمكعّب. مكعّب أبيض يظهر في رسومه الصفائية الأولى، ولوحته «الموقد» (1918) التي ستشكّل حجر الزاوية في تعاونه مع الرسام أميدي أوزينفانت، الذي أسّس معه حركة الصفائيّة (Purisme) ومجلة «الروح الجديدة».
في الصالة الثانية، نشاهد أعداد المجلة المذكورة وماكيتات للفيلات الأولى التي سيصمّمها لوكوربوزيي، وترتفع كبيانات هندسية يجسّد فيها فضاءً ذهنياً يحدد الفضاء التشكيلي، الفضاء السكني، تناغُم التشكيلات الهندسية وفهم الميدان المديني معاً. ونقرأ في هذه الصالة مقاله الشهير «عيون لا ترى» الذي يعرّف فيه بفضاء الحداثة الجديد، فضاء مجتمعٍ تسيّره الآلة والسيارة والطائرة والباخرة، حيث تفرض الحركة مفهوماً جديداً للفضاء - الزمن. ونشاهد رسوماً وصوراً لفيلات مصمّمة لجسدٍ محرّر، ومفكّرة كتصميمات حرّة ومفتوحة على الضوء. وفي الصالة الثالثة، تتجاور أبحاثه التشكيلية المنهجية حول الجسد: جسد نسائي يتشوّه ويتشكّل مجدداً تحت أنظارنا، وتشكّل الجدارية (1936) التي رصدها لمنزل بادوفيتشي في مدينة فيزولي، أفضل تعبير عنه.
ولا يهمل المعرض المرحلة الصوتية (accoustique) في عمل لوكوربوزيي، التي ستنطلق مع الرسوم الإعدادية واللوحات التي تحمل عنوان «أوزون» (1943) وتظهر في جميعها الأذن، وتقود إلى سلسلة منحوتات سيحققها جوزيف سافينا. ويرتبط مفهوم الصوتيّة مباشرةً بمفهوم الفضاء الذي يتعذّر وصفه، كما نقرأ في نص لوكوربوزيي الذي سينشره في مجلة «الهندسة اليوم»، ويستعيد فيه فكرة «سيكوفيزياء» الفضاء، حيث تتصادى جميع الحواس داخل ميدان يوحّده تناغُم النِسَب.
لا يهمل المعرض سعي لوكوربوزيي إلى تجسيد فضاءٍ روحي مبني على فهم الفضاء الذي يتعذّر وصفه. إذ ستقوده علاقته بالأب كوتوريي إلى الاهتمام ببرامج مرتبطة بالفن الديني أو المقدّس. وفي هذا السياق، سيُحدد مشاريعه مفهوم الطائفة الروحية، المبنية على ثوابت فيزيولوجية وقِيَم ثقافية مشتركة، فيستبدل فكرة المدينة العقلانية، والفضاءات المدينية الفسيحة، برؤية للمدينة تتمحور حول أبنية رمزية. وهذا ما يفسّر دعوة السلطات الهندية له، في مطلع الخمسينات، لتصميم عاصمة البنجاب، حيث سيطبّق على أكمل وجه هذا المفهوم.
ويختتم المعرض الإنجاز الأكثر شخصية ورمزية لفكر لوكوربوزيي،Le Cabanon (الكوخ). فغرفة السكن هذه، التي شيّدها على صخرة عند شاطئ بلدة روكبرون كاب مارتان الفرنسية، تصوّرها بحدٍّ أدنى من الفضاء الحيوي. وبالتالي، يظهر هذا العمل كمفارقة في مسيرة مهندس فرض نفسه من خلال مشاريع مدينية ضخمة؛ عمل يتجلى فيه وأيضاً توقه إلى التزهّد وإرادته الأخيرة في العيش داخل فضاء صغير ومينيمالي، مبني على فيزيولوجيا الجسد البسيطة. وفي هذا الفضاء، سيعيش لوكوربوزيي شبه عارٍ في المرحلة الأخيرة من حياته، قبل أن يتوارى على مقربة من هذا المكان، خلال أحد استحماماته اليومية في البحر المتوسط.

سماح العيسى(جناح الغربة)

أبريل 30, 2015 اضف تعليق
أعدو. تحت جنح الغربة
امتطي ناصية اﻷرقام 
أضفر جدائل الكﻻم .
وأهوي على وجهي 
مشتاقة
مشتاقة حد الصمت.
حد تكسر اﻷحرف
تحت وطأة الحنين.
حد تبعثر الصوت 
وانهمار الندى..
أنا مشتاقة يا أمي..
وهذا البعد ﻻ يأبه
هذا البعد.. ﻻ يرحم 
وصوتي عاجز حتى
عن قطع مسافة الصدى ..
#Sama

فصامية السياسة الميقاتية

أبريل 29, 2015 اضف تعليق
ليس لدي مشكلة في عرس ابن الرئيس ميقاتي، لا في البذخ الذي يُحكى عنه ولا في مكانه أو في قائمة المدعوين أو عددهم. حرٌ كل ذي مال في عزمه وسعادته. ليس أول ولا آخر متموّل يتنعم في ماله.. وأنا شخصيا أشجّع على ذلك ولو كنت أفضّل المتموّل المُحسن على المتموّل مُمارس التقية. المفارقة ليست هنا. انها في دور الرجل في مدينته هنا في المشرق المعاكس تماما لوجهة الرجل في المغرب. فهو هناك يحبّ البسط والانشراح والبذخ والرقص والموسيقى والمشروب وقد أصرّ على أن يوصف العرس بألف ليلة وليلة مع كامل ايح...اءاتها.. وهنا لا يمارس فقط الدروشة والتقية (الدينية) وانما ايضا يموّل مشاريع أمراء الاحياء "السلفيين" في تسلّطهم على المدينة وارهابهم لمجتمعها "المدني والحداثي"، واعادة طرابلس بذلك سنوات الى الوراء.. وقد افتخر يوما بأنه "حرّر" شادي المولوي من سجن العدالة كما حرّر سابقا الجزّار "أمير حركة التوحيد الاسلامية" هاشم منقارة من سجون صديقه الاسد وركب على حصانه ليفوز في الانتخابات.
وهو نفسه الراقص ومحبّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا هناك، غير الصارف ليرة واحدة في دنيا هنا في غير مشاريع التطرّف في مدينته عاصمة لبنان الثانية الخالية تماما من أي مطعم معقول أو فندق أو مشروع سياحي يستقطب الناس، والمُعطل فيها أكبر معرض بمساحته وجماله وحسن تنظيمه وقد بُني على عهد الرئيس كميل شمعون، حتى لا نتكلم على المرفأ المُحتضر ومصفاة النفط الانكليزية المتوقفة والجامعة اللبنانية التي صارت أشبه "بالكتّاب" تحت الشجرة، وقد قرّر مؤخرا أن يضيف دكانا جامعيا باسم جامعة العزم والسعادة.
لا أريد هنا دعاية، لدي شخصيا مآخذ عليها، ولكن كان رفيق الحريري من الفئة نفسها. متموّل "سنيّ" يحب البسط والانشراح واليخوت والفرفشة. حارب التطرّف وبنى لبيروت مشاريع، أعجبتنا أم لا موضوع آخر، فنادق ومطاعم وأسواق، وتوسيع مطار..وجذب استثمارات غربية وعربية.. مشاريع كانت تشبهه ولم يكن مزدوج المعايير في هذا. حتى أن قتلته استخدموا سلوكه الحداثي هذا في إسناد فعلتهم للسلفيّ ابو عدس!
مرة جديدة ليس مال الرجل وعزيمته وسعادته ما انتقد. وانما تناقضه مع نفسه حتى الانفصام.

قرصنة فايسبوكية

أحمد زعزع( ليلى والذئب أو الوحش ذو الظهرين)

أبريل 29, 2015 اضف تعليق
خاص الرومي
 

كانت ليلى تسير في الغابة 
مختالة بردائها الأحمر وهي تُرندح لحنا جميلا علق في ذاكرتها عندما رآها الذئب الذي يتفيّأ تحت شجرة وارفة، فلمعت عيناه لقوامها الممشوق وخاطبها بنعومة:
"يا له من صباح جميل، إلى أين أنت ذاهبة أيتها الفتاة الصغبرة؟"
قالت ليلي: "إلى بيت جدّتي".
قال الذئب: "وهل لي أن أرافقك في الطريق لأسلّيك وأحميك وأتعرّف على جدّتك؟"
أجابت ليلى بلطف وبراءة: "لا مانع من مرافقتي، لكن جدّتي ليست في البيت".
سأل الذئب:" وأين ذهبت يا ترى؟"
قالت ليلى: "ستقضي يومها في السوق، ولذا قررتُ الذهاب إلى بيتها ليخلو الجوّ لي ولصاحبي".
استغرب الذئب هذا الجواب وقال: "وهل لديك صاحب في هذا العمر، وماذا تفعلان سويا؟"
قالت ليلى: "آه، نتسلّى كثيرا ونلعب الألعاب الظريفة".
سأل الذئب بفضول: "أي نوع من الألعاب؟ وما هي لعبتك المفضلة؟"
قالت ليلى: "لعبتي المفضلة هي لعبة الوحش ذو الظهرين".
صُدم الذئب وقال:" هذا كلام كبير لا يلائم عمرك، من عَلّمك هذا الكلام؟"
قالت ليلى: "صديقي عَلّمني، لكنني تفوّقت عليه".
تنهّد الذئب وقال: "آه لو تعلمين كم أحب هذه اللعبة، أترغبين أن نلعبها سويا الآن؟".
قالت ليلى: "حسنا، أدر وجهك إلى الشجرة وأغمض عينيك وعدّ إلى العشرة".
فعل الذئب ذلك وأغمض عينيه وهو يشكر السماء التي أرسلت هذه الفتاة إليه.
بعد لحظة أحسّ الذئب بمعدن بارد يلتصق بمؤخّرة رأسه وسمع ليلى تقول بصوت حازم: "إسمع أيها الحقير، إن لم تفعل ما سآمرك به سأفرغ هذه الرصاصات الستّ في ظهرك، هل تفهمني جيدا؟"
إرتاع الذئب وقال: "ماذا فعلتُ لأستحقّ هذا التهديد يا فتاتي الصغيرة؟"
قالت ليلى: "إخرس. لست فتاتك. رأيت نظرتك وفهمتها أيها الأبله. خذ معطفي هذا ومزّقه بأسنانك ومخالبك. هيّا".
نفّذ الذئب الأمر ومزّق المعطف الأحمر.
ابتسمت ليلى وقالت: "إحمل هذه السلة وإمش أمامي وإملأها بشرش الزلّوع، إيّاك أن تغشّني فأنا أعرفه جيدا".
انصاع الذئب وحمل السلة وبدأ يبحث مرعوبا عن شرش الزلّوع بين النباتات الكثيرة.
بعد برهة لم يستطع الذئب أن يكتم فضوله فسأل بصوت مرتجف: "هل لي أن أسألك لماذا تبحثين عن شرش الزلّوع يا...سيدّتي؟"
أجابت ليلى بنبرة ساخرة:" أرى أن لهذا المسدس فائدة إذ جعلني سيّدتك فورا! اخرس. أنت تعلم تماما فوائده للرجال فلا تتغابى معي، فهمت؟"
ابتلع الذئب ريقه وقال: "أقصد، أنك فتاة صغيرة، ولا تحتاجينه، على ما أعتقد..."
غضبت ليلى وقالت: "وهل تظنّه لي أيّها السّفيه الأحمق؟ إنّه لصاحبي الذي قرأ عنه في كتاب "عودة الشيخ إلى صباه في التقوية على الباه" وهو سيسرّ كثيرا إذا جمعته له".
احتار الذئب فيما يسمع وسأل: "وهل يقرأ صاحبك مثل هذه الكتب؟"
قطّبت ليلى حاجبيها وقالت:" لماذا كُتبَ عليّ أن أقابل ذئبا ثرثارا مثلك؟ إخرس. صاحبي رجل أعمال ثري وداعر ولا يقرأ إلا كتبا كهذه وهو يعطيني إياها لنستوحي منها. هل تظنني أقابل صبيّا صغيرا تافها؟"
ساد صمت وتابع الذئب بحثه وقطف بعضا من شرش الزلّوع مما شجّعه على مواصلة الحديث فقال: "سؤال أخير، يا سيدتي، لماذا أمرتني أن أمزّق معطفك؟"
ضحكت ليلى وقالت: "حسنا، وجواب أخير يا ذئبي الغبي، لكي أريه لجدّتي في حال عودتها باكرا إلى البيت ولأقول لها أنك هاجمتني وحاولت اغتصابي في الطريق وأن صاحبي أنقذني من براثن الموت وأتى بي إلى بيتها بسيّارته الفخمة، فتُعجَب جدّتي بأخلاقه وتستبقيه للعشاء فيتسنّى لي أن أقضي معه وقتا أطول، وربما قضينا الليل بطوله سويّا بعد أن تنام جدّتي ويعلو شخيرها".
سكت الذئب ووضع ذيله بين رجليه وخفض بصره وسار متعجّبا متى تغيّر العالم. 

وداد سيفو* (تذكرني الريح التي مرّت من هناك).

أبريل 29, 2015 اضف تعليق


تذكرني الريح التي مرّت من هناك.
 حبات الندى فوق حبل الغسيل
وأحبّكِ
نسي أحدهم نقطة بائها على شبّاك منزلي
 والطين العالق أسفل فستاني
وجنون دمشق يذكرني
 القادمون من خلف الأساطير غرقوا في خرافاتهم
 انبحّ صوت النهر وهو يقول
 ما من قتيل بين ضفتي ما من قتيل
كلهم ماتوا بعيداً
 لكن دمائهم مازالت تسيل!
سنرحل جميعاً
اليوم؛ أو في الغد.
 كلنا فانون
 وحده الشال الذي نسلّ خيط من شاله
سيذكر أني كنت هناك
 وأنه سرق قبلة من فمي
واني تعثرت بحبل الندى
 وعلق الطين بفستاني
 سيذكر أني البنت البكر لتلك الخرافة
ويذكر أني أنا القتيل


(*) شاعرة سورية مقيمة في فيينا

محمد حجيري(وما زالت الشاعرة تقول: "أنا قحبة")

أبريل 27, 2015 اضف تعليق
خلال مرحلة الثمانينات من القرن الماضي، كان بعض اليساريين يتبارون في الاعلان عن الكتب التي يقرأونها أو يتبادلونها في أمسياتهم، هناك كتب ألف باء الشيوعية، مثل "الأم" لمكسيم غوركي، و"كيف سقينا الفولاذ" لنيقولاي أوستروفسكي، وفي الشعر غالباً ما يكون السؤال عن قصيدة الشاعر العراقي مظفر النواب المسجلة و"الممنوعة" وهي "القدس عروس عروبتكم"، وكانت شتيمة الرؤساء العرب الواردة فيها "أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة؟" كأنها قمة "العبقرية" الثورية والتمرد وأعجوبة الأدب، كأنها بالنسبة لعشاقها "آية" بينة أو قولاً مأثوراً ورد على لسان المسيح، وحتى الآن يكتبون في تعريفها على الفايسبوك بأنها من "روائع الأدب السياسي"، من دون الانتباه الى أن هذا الكليشيه الشتائمي أو البيان الغاضب والانفعالي، وإن كان يفش خلق البعض، لكنه ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في اهمال أجمل ما كتبه النواب شعراً، وبالتالي صار شعره أسير كلمة "قحبة" وأسير قصيدته الرديئة.

أورد هذا الكلام، لأصل إلى قصيدة مترجمة عن الفارسية بعنوان "أنا قحبة" لشاعرة كردية فارسية مغمورة باللغة العربية اسمها باران ميلان، قيل إنها تنتمي الى الحركات النسوية، وتستعين بـ"الوقاحة" اللفظية أو ما يسمى "المحرمات"، لتقول موقفها من قضايا اجتماعية كالشرف والدين والجنس والاغتصاب: "يقتلني الشرف كلّ يوم"، و"يتم طعن امرأة من ذريّتي بخنجر الشرف./ فاقتلوني بدلاً عن نساء العالم!". وبغض النظر عن فجاجة العنوان، لكن القصيدة تعري المجتمع "الشرقي" أو التقليدي بالقول: "أضاجعك أنت الذي لا أحبّه./ فلن تجد أبدا عاهرة أكثر عهراً منّي!"، وتتوج ثوريتها بالتمرد العالي النبرة: "باسم النبي!!/ لقد رجمني الدين"، ومع أن القصيدة ترجمت في المرة الأولى العام 2011 بتوقيع حميد كشكولي، ثم ترجمت العام 2012 بتوقيع آوات محمد، لكن لوحظ أن الاهتمام بها في الأيام القليلة الماضية لمجرد عنوانها، وسبب انتشارها الواسع في وجودها على صفحات الفايسبوك. للعنوان هنا وقع خاص وفج وانتهاكي و"ابليسي"، أشبه بـ"فياغرا للانتشار"، وورود كلمة قحبة على لسان امرأة، أقوى بكثير من شتم الزعماء في قصيدة مظفر النواب. ربما هو الفارق بين شاعر يدّعي صوت الجماعة المهمشة، وامرأة "نسوية" تقرأ عن ذاتها لتكون بياناً عن أحوال الآخريات. 

لكن هل يصل المعنى المقصود؟ أم أن ضجيج كلمة قحبة ينسف جسور المعاني والمواقف؟ أليست كلمة أو لفظة "أنا قحبة" في اللغة والاستعمال الشعري، شبيهة الى حد كبير بـ"جهاد التعري" الذي تتولاه نساء حركة "فيمين"؟ لقد رأى كثيرون في القصيدة الجرأة لا القضية، شغلتهم اللغة بلسان المرأة أكثر من المرأة نفسها، ولدت لديهم متخيلاً ربما يكون ذكورياً، وبعضهم اعتبرها نوعاً من عربدة وليست قصيدة الموقف، ربما الأمر يتعلق بمشكلة التلقي قبل كل شيء...

وأياً يكن مضمون القصيدة وتعابيرها، سيبقى العنوان صارخاً لكنه يسرق المعنى كما حصل في قصيدة مظفر النواب، الكلمة الصارخة تتحول بروباغندا للشاعر.
هكذا، باتت الكتابة عن الجنس والعناوين "المشرقطة" مثل "أغاني آخر زمن". فعلى غرار باران ميلان، كتبت الشاعرة الأمازيغية مليكة مزان قصيدة عنوانها "أنا العاهرة وأما بعد"، من ديوان "متمرداً يمر نهدكِ من هنا / الرباط ـ 2006"، وقبل أشهر "توجت" قصيدتها "العرمرمية" الساذجة بموقف اكثر سذاجة، وكتبت على صفحتها: "أنها تضع خدماتها الجنسية رهن إشارة كل من يرغب فيها من أفراد الجيش الكردي، في حربهم ضد همجية الإرهاب"، كانت مثيرة للسخرية والتهكم لكنها أحدثت ضجيجاً فايسبوكياً...

قبل شاعرة "جهاد النكاح المضاد"، كتبت المدوّنة روعة كلسينا العام 2011 نصاً بعنوان "شبابيك عاهرات": "أنا عاهرة.. عاهرة ميدان التحرير.. أثرت حفيظتكم لبحثي عن استقرار البلاد عوضاً عن البحث عن زوج أستقر معه.. بحث عن سقف الثورة يحمي كافة الشعب عوضاً عن البحث عن رجل يأويني، وكأنني من دون مأوى"... كأن المدوّنة تسخر من استعمال كلمة عاهرة، وفي الوقت نفسه تستجدي تسويق كلماتها من خلال هذه الكلمة، وكان لافتاً مدى التعليقات على نصها...

لا شك في أن استعمال الألفاظ "الجريئة" أو "جهاد الألفاظ السوقية" إذا جازت التسمية، استعراض لافت لكنه باتت ممجوجاً، واشبه بنكتة مكررة عشرات المرات على لسان شخص واحد.
- See more at: http://www.almodon.com/culture/b701cd1f-ce32-4576-acd0-b24b8f4976a5#sthash.3i4mJt2U.dpuf

ياسين الحاج صالح(صادق جلال العظم: مراحل وأدوار في عمل مثقف من دمشق)

أبريل 27, 2015 اضف تعليق

تخطيطيا، أعتقد أنه يمكن التمييز بين ثلاثة مراحل في عمل صادق جلال العظم. تمتد مرحلة أولى، بيروتية، منذ بداية نشاطه ككاتب ومثقف في النصف الثاني من ستينات القرن العشرين، كان عمره وقتها نحو 30 عاما، وتمتد عبر السبعينات، ومرحلة ثانية دمشقية تشمل ثمانينات القرن العشرين وتسعيناته، ومرحلة ثالثة دمشقية بيروتية غربية تمتد إلى اليوم. 
ورغم أن الرجل ظل مثقفا مستقلا طوال الوقت (عدا تجربة لم تطل في الإطار الفلسطيني)، إلا أنه كان منخرطا في المرحلة الأولى في القضايا السياسية لتشكل المرحلة وسجالاتها. كتب في مرحلته الأولى "دراسات يسارية في القضية الفلسطينية"، "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، و"دراسات نقدية لفكر المقاومة الفلسطينية"، "سياسة كارتر ومنظرو الحقبة السعودية"، و"زيارة السادات وبؤس السلام العادل". وفي وقت مبكر من هذه المرحلة ظهر الكتاب الأساسي والتأسيسي: "نقد الفكر الديني"، الذي حوكم المؤلف إثره في بيروت، وصار بفعل مضمون الكتاب وتفاعلاته مثقفا عاما. وهذا فضلا عن مساهمات فلسفية. العظم دارس للفلسفة، ونال الدكتوراه برسالة عن فلسفة كنط. 
المرحلة الثانية، عقدا الثمانينات والتعسينات، يغلب عليها الشاغل الثقافي. وإن يكن العظم كتب مقالات في الصحف، ومنها صحف رسمية سورية حول الشأن الفلسطيني، إلا أن قضايا الثقافة هي التي كانت لها الهيمنة في عمله. بعد كتابه الطريف في "الحب العذري"، كتب العظم "الاستشراق والاستشراق معكوسا"، "دفاعا عن المادية والتاريخ"، "ذهنية التحريم"، "ما بعد ذهنية التحريم". وخلال معظم هذه الفترة كان الرجل مقيما في دمشق، يدرّس في قسم الفلسفة في جامعتها. ومثل جميع المثقفين السوريين المقيمين في البلد، وأكثر المقيمين خارجه أيضا، لم يعرف لصادق جلال العظم قول في الشؤون السورية في ذينك العقدين الفظيعين. المثقف العام غاب مع تمام احتلال الفضاء العام من قبل الدولة الأسدية في سورية ولبنان. لا مثقفف عام دون فضاء عام. 
المرحلة الثالثة هي مرحلة "ربيع دمشق" وما بعد. برز صادق جلال العظم في هذه المرحلة كمثقف عام من جديد ومشتغل بالشأن العام، من موقع معارض، وإن بقي "مستقلا". "ربيع دمشق" صنعه مستقلون، بالجيد في هذا والسيء. كان من الموقعين على بيان ال99 الذي يدعو إلى إلغاء حالة الطوارئ والإفراج عن المعتقلين السياسيين والحريات العامة. وعمل في إطار "لجان إحياء المجتمع المدني"، وكان لديه وعي حاد بوجوب انخراط المثقفين في الحقل العام، وكان يأخذ على نفسه وغيره الابتعاد عن الأنشطة العامة، ويتابع أكثرمن غيره النقاشات الجديدة والمساهمين الجدد. صادق كان مستعدا لأن يلقي محاضرة عن العولمة يحضرها 20 شخصا في بيت خاص، ومستعد لاستضافة اجتماعات "لجان إحياء المجتمع المدني" في بيته في حي المهاجرين، والمشاركة فيها في بيوت غيره، دون أن يدخل يوما في جدال ويتسبب في شجار، مما كان شائعا جدا وقتها، بارتباط مع أبرز الآفات الداخلية لـ"ربيع دمشق": آفة الأنويّة. الاستقلال الشهير للمثقفين في فترة "ربيع دمشق" يحيل من جهة إلى ضعف جاذبية التنظيمات المعارضة الأقدم بفعل تقادم تفكيرها وهياكلها تحت وطأة عقدين وأكثر من سحق أطر العمل العام، لكنه يحيل من جهة أخرى إلى الأنوات، كجيل وكنمط للشخصية والدور العام، ظهر للعموم في أيام "ربيع دمشق"، وهيمن في السنوات السابقة للثورة. الثورة السورية منذ ربيع 2011 أظهرت أن استقلالية الأنوات ليست أصيلة ومنتجة، وأن رجالها ونساءها لا ينقصهم الاستعداد للتبعية.
وبينما أسهم الأنوات في إفساد أجواء العمل العام، وحتى تسميم العلاقات الخاصة، بفعل انخراطهم الأبدي في حروب المكانة، كان صادق جلال العظم عامل جذب إلى العمل العام، وبعيدا عن الصراعات البينية. الرجل معتد بنفسه، لكنه نقي السريرة، ويخلو تماما من الخبث. ولم يحاول بناء قبيلة أو استتباع كتاب وناشطين من جيل أصغر، وهو الأستاذ الجامعي، مثلما فعل بعض مجايليه، متسبيين بفساد عام وخاص غير قليل. 
في مرحلته الأولى كان صادق جلال العظم ماركسيا، كانت الماركسية وقتها معسكرا دوليا وأحزاب ومنظمات صاعدة أو تكاد، وهيمنة مؤكدة في أوساط المثقفين. لم ينخرط مؤلف "نقد الفكر الديني" مع ذلك في العمل السياسي المباشر، وهذا نادر في جيله. وظل المثقف الدمشقي يُعرِّف نفسه كماركسي في مرحلته الثانية، هذا واضح في "دفاعا عن المادية والتاريخ"، لكن القضايا التي اشتغل عليها هنا كانت "ليبرالية" بالأحرى، تحيل إلى الحرية العقلية والتحرر الثقافي. في المرحلة الثالثة صار العظم يرى أن الليبرالية والعلمانية هي خط دفاع خلفي عن المبادئ الماركسية، وأنه شخصيا مارس هذا الدفاع في ما يكتب، وفي انخراطه المستجد في العمل العام. 
بنظرة عن بعد، يبدو مسار صادق جلال العظم معاكسا لمسار معظم المثققفين السوريين، فالرجل لم ينخرط في تنظيم في سنوات شبابه، وقت كان نادرا أن تجد مثقفين غير منخرطين في أحزاب أو منظمات، وهو خلافا لمعظم المثقفين انخرط في تجارب العمل العام بعد عام 2000، وكان في السادسة والستين. تجارب ذات شكل مفتوح وغير مركزي، بل منفلش، لكن كان شيئا مشرفا في رأيي أن يكرس مثقف مكرس وقتا وجهدا للعمل مع غيره في نشاط عام جمعي. لم تكون التجربة مثمرة على المستوى العملي، لكنها أظهرت تطلع السوريين إلى امتلاك السياسة، الاجتماع والقول والاحتجاج. كان صادق جلال العظم شريكا في هذه التجربة. 
ولعله يمكن التمييز ضمن هذه المرحلة الثالثة، بين مرحلتين فرعتين، الثانية منهما مرحلة الثورة. في المرحلة الفرعية الأولى، وبعد "ربيع دمشق"، صار صادق يقضي أوقاتا أطول خارج البلد، في بيروت وفي الغرب، يدرس كأستاذ زائر في جامعات أميركية ويابانية وألمانية. كان تقاعد عن التدريس من جامعة دمشق، وإن لم أكن مخطئا، فإن مشاركته مع طيب تيزيني ويوسف سلامة وأحمد برقاوي في يوم الفلسفة العالمي بدمشق عام 2004 كانت آخر ظهور عام له في سورية. 
اللافت أن العظم لم ينشر كتبا في هذه المرحلة الثالثة. كتب مقالات بالعربية والانكليزية، وأعطى مقابلات، وظهر على أقنية تلفزيونية. ساهم أيضا في غير كتاب، لكن مساهماته عبارة عن مقالات مطولة. 
بعد الثورة السورية، ينفرد صادق جلال العظم عن المثقفين السوريين من جيله بأنه لم يبتعد عن التعبير عن موقف واضح منحاز إلى كفاح السوريين منذ البداية، وفي الوقت نفسه لم يعمل كسياسي. لم يتذرع بالانشغال الفكري كي لا يتدخل بالكلمة والموقف والمقالة والمقابلة، وأنشطة أخرى غير معلومة على نطاق واسع، في صراع مواطنيه التحرري، وقول كلام واضح في شأن هو من ومِمن ومع من. لكنه ظل يعمل بأدوات الثقافة، لم يخرج منها ليعمل كسياسي بين سياسيين. الواقع أنه شارك في الاجتماع التأسيسي للائتلاف الوطني في أواخر 2012، وأخمن أنه ليس سعيدا بتلك المشاركة اليوم.
وبفعل مواقفه في هذه المرحلة الفرعية الأخيرة تعرض صادق للتأثيم والتسفيه، بصورة تطابق تسفيهه من قبل إسلاميين بسبب مساهماته في نقد الفكر الديني والدفاع عن سلمان رشدي في المرحلتين السابقتين من عمله. هذه المرة وصف بأنه بمنظر السنة وإسلام البزنس، وتقرر لرداحة لبناني أن العظم إما "مفكر إخواني" أو هو منفصل عن الواقع، قبل أن يقرر الكاتب القومي السوري إن العظم: "مفكر متطرف بامتياز يبرّر تطرفه بفرضيات يهودية". أما نارام سرجون، وهو اسم حركي لبهجت سليمان، ضابط المخابرات السابق والسفير السوري السابق في عمان، وأحد مربي بشار السياسيين في سنوات ولاية العهد، فوصف العظم بأنه "المفكر المحنط والمومياء الثائرة"، و"الصحابي الجليل"، وصاحب "العظام المتقيحة"، وأخيرا "المومياء العثماني".
لا ينبغي لشيء من ذلك أن يكون مفاجئا. هذا الشكل المنحط من الصراع الإيديولوجي هو جبهة مكملة لجبهة الحرب بالقذائف المدفيعة والبراميل المتفجرة وصواريخ سكود والسلاح الكيماوي، والقتل تحت التعذيب، والمجازر بالسلاح الأبيض. ولطالما سار الاغتيال المعنوي جنبا إلى جنب مع الاغتيال الفعلي في عالم "سورية الأسد". كمثقف مخضرم، يساري وعلماني ومستقل، صادق جلال العظم يمثل وجها علمانيا تحرريا للكفاح السوري يجب تشويهه، من أجل إظهار أنه ليس في مواجهة فاشيي ربطة العنق غير فاشيي اللحية. 
ختاما، تحدثت هذه المقالة الوجيزة عن صادق جلال العظيم كدور وكمثقف عام، يستخدم رأسماله الرمزي في الحقل العام، نصرةً لقضايا التحرر والعدالة وكرامة الإنسان. لم تتطرق المقالة إلى مضامين عمله الفكرية. هذا ميدان للاختلاف، اختلاف المرء عن نفسه مع نفسه، وعن غيره ومع غيره. لكن تصنيفا أقل خشونة لمراحل عمل العظم وتحولاته ونظرا نقديا مدققا في مضامين عمله أمر ملح. وهذا ليس فقط تكريما لرجل جدير بالتكريم من بلده ومثقفي بلده، وإنما كذلك لأنه من شأن النظر المدقق على سجل عمل العظم ودوره خلال نصف قرن أن يكون مساهمة في وعي أحوالنا وتحولاتنا. عند المنعطف الراهن من تاريخ سورية وتاريخ الثقافة والمثقفين فيها لا نستطيع النظر إلى الأمام دون مراجعة نقدية لتاريخنا الفكري والثقافي المعاصر. صادق جلال العظم اسم أساسي في هذ التاريخ. 

عن مجلة نزوى
ياسين الحاج صالح 

محمد الحجيري (الخصوصية اللبنانية أو الحداثة الوفية للارث القبلي)

أبريل 26, 2015 اضف تعليق

 فصل من كتاب يصدر قريبا


  غداة زيارته الى لبنان، والى ومنزل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط تحديدا، كتب الروائي البيروفي فارغاس يوسا، مقالاً بعنوان «في ظلال الأرز» قال فيه «ان في لبنان سراً غامضاً آخر، بين الأسرار الكثيرة الغامضة التي تخبئها بلاد التناقضات تلك»، فهي «قطعت شوطاً طويلاً، في التحديث مستبقة الشرق الأوسط بأسره. ولكنها أيضاً، وفي الوقت نفسه، بلاد وفيّة بصورة لا يمكن تفسيرها للإرث القبلي». هذه هي الخصوصية اللبنانية العصية عن الفهم والغامضة والسهلة الفهم، هي خصوصية نستشف مكنونها من كتاب «مدخل الى الخصوصية اللبنانية» للباحث نبيل خليفة الذي اعتبر انه في مواقع من الأرض تكونت جماعات إثنية قلقة بعضها منفتح على الآخرين وبعضها منغلق، وبعضها الآخر يحمل طابعاً توفيقياً. وتميز السكان بتميز أماكن اقامتهم، فسكان الساحل مرتبطون بعالم خارجي، وهم منفتحون، بينما سكان الداخل كثيراً ما ينعزلون وينغلقون، وهذه الثنائية كثيرا ما تحدث عنها مهندس النظام اللبناني ميشال شيحا في كتبه وتنظيراته وهي التي شكلت بنيان الأمة اللبنانية وثقافتها، ربما كانت سبب فصامها وتأرجحها بين الحداثة الغربية والتعلق بحبال الماضي «القبلي»، وكانت واجهتها حداثة غلب عليها الطابع الريفي والجبلي.    

ولما كان موقع لبنان في قلب منطقة الشرق الاوسط او قلب العالم، فقد جعله هذا الموقع نقطة التقاء وتصادم لمعظم شعوب العالم القديم والحديث. وخصوصية لبنان الأدبية والإثنية، باستنادها الى الأنتروبولوجيا اللبنانية في واقعها الإثني والمادي والثقافي، أهم من التأكيد على أسماء الامكنة والعائلات كمعايير أساسية لإثبات الانتماء والهوية لدى اللبنانيين كما يقول نبيل خليفة الذي يعتبر أن الدم وفئاته تحدد العرق، وأن الاجتهادات الايديولوجية والتنظيرات لا يمكن أخذها في الاعتبار، وأن التوزيع الجغرافي لسكان لبنان ليس له سوى تأثير ضئيل جداً في عرق سكانه. وقد عرف لبنان الانفجار الإثني والهجرة. لا ندري لو عرف يوسا الجذور العرقية لوليد جنبلاط ماذا كان سيكتب عنه، فهو الذي تعملنا ان اسرته من اصول كردية واسمها «جانبولاد» لا نعرف ان كان هذا يعني وليد جنبلاط، ولكن في شكل من الاشكال مرآة لأحوال التركيبة اللبنانية الاجتماعية والثقافية.
الصورة بمنازل كثيرة
تختصر الشخصية اللبنانية صورة المصور الأميركي سبنسر بلات التي فاوت بـ«الجائزة العالمية للصورة الصحفية». تلك الصورة التقطها في ضاحية بيروت الجنوبية في 15 آب (اغسطس)، اليوم الاول لوقف العمليات الحربية بعد «حرب تموز» 2006، والتي تُبرز تناقضات هذا «اللبنان» على ما قالت لجنة التحكيم، وفيها تعقيد الحياة الحقيقية، في كنف الفوضى. تبرز الصورة الفائزة تناقضات بلد يتجاور فيه على نحو لا يُطاق الدمار والخراب والولع باللهو. جمال يطل على الخراب والحياة الرتيبة، والسيارة المكشوفة التي في الصورة كأنها في مشهد هوليوودي، خصوصا لناحية لونها، وثمة فتاة تنتظر بدهشة وترتدي «تي_ شيرت» ابيض في مشهد لا يخلو من الملمح الاغرائي والايروتيكي، فتاة اخرى تضع المنديل على انفها وقاية من الروائح والغبار المنبعثة من فعل الخراب، فتاة اخرى كانت تلتقط الصور للمباني المدمرة. أما الشاب سائق السيارة المكشوفة، فأشبه بمغني بوب ذي لحية يسارية، واللافت انه لصق على «تبلوه» السيارة «ستيكرز» لجمعية «صامدون» وهي الجمعية التي برزت في مساعدة النازحين في «حرب تموز». ثمة من وصف الصورة بأنها مشهد من فيلم «التمرد بلا قضية» لجيم دين، والغريب هو تلك التعليقات التي استغربت الصورة، شاهدوها وقالوا «يا إلهي». اخذهم العجب والدهشة، وأغدقوا في تأويل الصورة واستنباط معانيها او نقدها وتوجيه الاتهام الى ملتقطها، مع انها صورة عابرة بالنسبة للمواطن، لكن يمكن تفسيرها من منظور ثقافي لبناني، فهي تفصح الصورة عن تلصص المصور، عن فعل التقاط الصور في أوضاع مأسوية: إن وُجد من تناقض، فهو في ذلك اللقاء بين الفن والجمال والمأساة. تغطية الكوارث من أجل إبداع صورة مثيرة، ذلك ما برع فيه المصور روبيرت كابا.
يوضح بلات أنه عندما تعرّف على لبنان، ادرك تناقضاته العظيمة «في اي وقت يمكن ان تقع حوادث اطلاق نار، وفي اللحظة التالية قد يجد المرء نفسه في فندق فخم موصول بشبكة الانترنت. نادراً ما تفرغت الغلافات الصحافية لمثل هذه التباينات. هناك أيضاً طبقة فاحشة الثراء لم يضيء عليها احد. ان صورتي تقاوم نمطيات الحرب وماهيتها. الحرب بالغة التعقيد، اختصرناها دائماً بمشاهد لـ«حمامات الدم». لا يمكن مقارنة لبنان بالعراق أو إيران، تلك بلدان مختلفة، ان صورتي تجمع لبنان بكل تناقضاته الساخرة، من الاثرياء الاسطوريين الى الفقراء. كثير من الفوتوغرافيين يبنون شخصيات نمطية للحديث عن هذا الجزء من العالم، لكنهم في النهاية اناس يشبهوننا. «هل هذا هو لبنان»؟ سؤال وحيد أواجهه كردة فعل على صورتي الفائزة. هذا ما يناقض تصنيفي للحروب ولضحاياها». يقول بلات معلقا على الصورة: «بالنسبة لي هذا هو لبنان: رياء وسخرية وجمال وهمجية. لديك هذه الصفوة من الناس وفي الخلفية أناس مُعدمون يتمازجون بطريقة غريبة. قد يعتقد البعض أن أشخاص الصورة مسيحيون، لكن يبدو أنهم من الشيعة لأن المنطقة التي التقطت فيها الصورة معقل شيعي». الارجح ان الصورة رواية، انها اكتمال للمشهد الثقافوي اللبنانيوي الذي يسحر يرعب في آن معا، يسحر عندما يكون «ملتقي»، ويرعب عندما يصبح «ساحة»، يقتل عندما تأسره الاوهام الايديولوجية ويغدو طائر الفينيق عندما تحكمه الافكار. وتلميح بلات الى تفسير اشخاص الصورة يوحي بموضة الاستشراق السائدة في تأويل الشرق واستنباط معانيه السطحية، فبلات الذي يقول انهسقد يعتقد البعض ان اشخاص الصورة مسيحيون» يعرف نمطية التفكير الغربي في الحكم على الآخرين.
ساحرة بورتوبيللو
صورة اخرى تعبّر عن الشخصية اللبنانية في رواية «ساحرة بورتوبيللو» للروائي البرازيلي باولو كويليو، ترجمت وصدرت لدى دار المطبوعات للتوزيع والنشر. تبدأ أحداث الرواية في بيروت ثم تنتقل الى لندن مع الأسرة اللبنانية، وبطلتها شيرين خليل لبنانية بالتبنّي، وهي طفلة الميتم الغجرية التي تتناوب على جسدها انياب البرد في رومانيا، تتبناها اسرة لبنانية، معروفة دبلوماسيا! تتمرد… تتخطى الحدود الحمر بحثا عن ماضيها. تسطو على عقول الكثيرين من مديري مصارف وممثلي مسرح واصحاب شأن، لتجعل من بيروت ولندن ودبي وترانسلفانيا مسرحا لافكارها الغريبة وقدراتها الفذة. تنسج علاقات كثيرة بعضها مريب، وتختفي في ظروف غامضة. يجعل كويليو أسرة خليل اللبنانية الثرية تبحث عن طفلة للتبني في رومانيا قبيل سقوط النظام الشيوعي. تنطلق الاحداث من بيروت السبعينات وتشهد اندلاع الحرب اللبنانية العام 1975 وتنتهي في منتصف التسعينات من القرن الماضي في  لندن التي كانت العائلة اللبنانية لجأت اليها بعد «حرب السنتين». تجري حياة شيرين التي حملت إسماً ثانياً هو «أثينا» ولقباً هو «ساحرة بورتوبيللو»، اختارتها أمها بالتبني بين مجموعة من الأطفال وترددت في اختيارها بعدما قالت لها مديرة مركز التبني في مدينة سيبيو في مقاطعة ترانسلفانيا الرومانية إنها من نسل غجريّ. عندما اشتعلت الحرب اللبنانية كانت تردد أمام أهلها المتفائلين إن الحرب ستطول. تلتحق أثينا أو شيرين بجامعة في لندن لدراسة الهندسة، لكنّها لا تلبث أن تهجر الدراسة لتتزوج في العشرين من عمرها من زميل لها، دنماركي يُدعى لوكاس. وعندما وضعت ابنها الذي سمّته فايورل لم تستطع أن تواصل حياتها الزوجية فسعت الى الطلاق.
في لندن تدخل عالم المصارف ثم تنتقل الى دبي موظفة في مصرف، ومن هذه الوظيفة تنطلق الى عالم العقارات وتنجح. لكنّ هذا النجاح لم يملأ «الفراغ». عندما ترجع الى لندن تقرّر البحث عن أمها الحقيقية، والبحث عن الأم يعني لها البحث عن الجذور والعودة الى المكان الذي ولدت فيه. وعندما وجدت أمها في مدينة سيبيو. أمها التي تدعى ليليانا وتعمل في الخياطة داخل المنزل تروي لها قصتها كاملة. إلا أن التعرّف الى الأم لم يكن حدثاً كبيراً في حياة أثينا أو شيرين، فهي سرعان ما غادرت مسقط رأسها عائدة الى لندن ولكن الى حياة أخرى، غامضة. لا ندري اذا كان كويليو يعرف سر المرأة اللبنانية في الشرق، الارجح ان لديه شيئا من ذلك، فان نقول المرأة اللبنانية نصبح امام سحر آخر للخصوصية اللبنانية، هذا السحر الذي بدأ مع هجرة آسيا داغر الى مصر، ثم مع «الاسطورة» صباح والشقراء ليز سركسيان (او ايمان) وجورجينا رزق في الافلام المصرية، ولم ينته السحر مع هيفاء وهبي ونانسي عجرم ونيكول سابا ونور ومايا نصري، وغيرهم مثل هؤلاء اللواتي يخطفن الجمهور من المتعطش الى التلصص، ما يقوله السطح هو الجوهر كما يعبر احد نيتشه، «المرأة المتلفزة» جزء من الشخصية اللبنانية، وبقدر سحر هذا المرأة في النسيج الاجتماعي بقدر ما تشكل إرباكا للمجتمع نفسه، فالذي يحب هيفاء وهبي يقف حائرا اما صوتها واغرائها، وهي ورطة الشعار نفسه، انها فعل الحداثة مقرونا بالوفاء للارث القبلي.
سانتياغو نصار أو انتهاك شرف العائلة
تجمع بطلة كويليو تناقضات العالم في شخصيتها، وهي لا تذكر القارئ ببعض الفتيات اللبنانيات وصورتهن المتلفزة، وشهرتهن الاباحية والاغرائية والفضائحية فحسب، بل تذكر بسانتياغو نصار بطل رواية «قصة موت معلن» للكولومبي غابريال غارثيا ماركيز، وان اختلف البطلان، قصدنا القول ان الشخصيات اللبنانية باتت تستلهم الروائيين خصوصا في اميركا اللاتينية، لم يكن غريبا ان نقرأ فصلا كاملا عن اللبنانيين في البرازيل في رواية لخورخي امادو، او في رواية لايزابيل الليندي او ماركيز وغيرهم. ربما بقي بطل ماركيز ساطعا لانه «السهل الممتنع»، او لأنه المثل على حياة التناقض نفسها، فسنتياغو نصار اتهمه الاخوان بيدرو وبابلو فيكاريو بانتهاك شرف العائلة المتمثل في أختهما إنجيلا فيكاريو والتي حصلت على الطلاق بسبب عدم عذريتها بعد خمس ساعات من زفافها من باياردو سان رومان ولهذا قرر الأخوان بيدرو وبابلو فيكاريو قتل سانتياغو لغسل شرف العائلة بمديتين تستخدمان لذبح الخنازير. ولم تكن توجد أدلة قاطعة تثبت بأن سانتياغو نصار تحديداً هو الذي قام بانتهاك شرف إنجيلا فيكاريو. ورغم أن جميع أهل القرية كانوا يعلمون بنية الشقيقين بيدرو وبابلو فيكاريو لقتل سانتياغو إلا أنه لم يحذره أحد بنواياهما. بعيدا عن الموت المعلن، بماركيز يبدو انه اختار شخصية لبنانية حقيقية وكتب عنها.
«الشقيقان»
الشخصية اللبنانية او الحداثة الوفية للإرث القبلي نجدها في روح ابداعات كتاب من جذور لبنانية. حين كتب الروائي اللبناني الاصل ميلتون حاطوم المولود لمهاجر لبناني وأم برازيلية روايته «الشقيقان» ترجمت الى العربية وصدرت لدى دار الفارابي، كان يدرك التناقض اللبناني، او الثنائية بين الالتحاق بالغرب الحداثوي والتعلق بالشرق التقليدي. تدور احداث الرواية في مدينة مانوس البرازيلية داخل مجتمع المهاجرين اللبنانيين والعرب الذين يشكلون اليوم أقلية مؤثرة جدا في البرازيل. ويطلق على المواطنين في أميركا اللاتينية من ذوي الأصول العربية إلى اليوم اسم الأتراك نظرا لقدوم أوائل المهاجرين إلى هذه الدول خلال فترة الحكم العثماني وكانوا لذلك يحملون وثائق سفر صادرة من الدولة العثمانية. وبطلا رواية الشقيقان هما عمر ويعقوب، ابنا مهاجرين لبنانيين، تعرض الرواية لحياتهما وتطورها كجزء أصيل من تاريخ البرازيل، واحد منهم يبقى في البرازيل والآخر يعود الى لبنان حرصا على الجذور هنا تبرز مشهدية الواقع اللبناني والوفاء للإرث القبلي.
 تعود جذور حاطوم الى منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبية قبل مجيء «حزب الله»، لكنه ولد في البرازيل عام 1952. غادر جدّه بيروت الى الامازون في بداية القرن العشرين خلال حقبة اكتشاف المطّاط. بقي لبضع سنوات في ريو برانكو (عاصمة ولاية آكر في الامازون الغربية)، ثم عاد الى بيروت. اخبر اولاده عن مغامرته البرازيلية، فراودت والد الروائي رغبة في ان يكتشف البرازيل بدوره. هكذا سافر اليها مع نسيبه سعيد فرحات عام 1939. وفي مانوس، تزوّج من امرأة مولودة من اب مسلم من جنوب لبنان وامّ لبنانية كاثوليكية من البترون تدعى اميلي حوّاط. خلال السبعينات من القرن الماضي، عاش في ساو باولو حيث درس الهندسة. عام 1980 حصل على منحة للدراسة في مدريد، وبين عامي 1981 و1983، عاش في باريس حيث درّس الادب الاميركي اللاتيني في جامعة «سوربون نوفيل» (باريس ٣). كتابه الأول، «قصص من الشرق»، حاز جائزة «جابوتي» لافضل عمل تخييلي لعام 1990، بالاضافة الى اهم جائزة برازيلية للأدب القصصي.
تعددت أسباب الهجرة العربية (اللبنانية والسورية) إذ هرب المسيحيون (الكاثوليكيون، المارونيون، والأرثوذوكسيون) من الإمبراطورية العثمانية، إلا أن الغالبية العظمى، هاجرت سعيا وراء حياة أفضل. قلة هم المستعدون لترك بلدانهم للأبد وللتكلّم لغة أخرى مع علمهم أن لغتهم الأم ستكون محصورة في حلقة صغيرة من الأهل والأصدقاء داخل جماعتهم.
كان العجائز المسنون يروون حكايات عن الخروج، التنقلات، الرحلات الطويلة، الأعمال التجارية على ضفاف أنهار بلاد الأمازون. وكانت تلك وقائع ملأى بالمغامرات والأخطار تخيّم عليها، كالحتمية، رغبة الاستقرار والنجاح في البلد الجديد. كان والدا ميلتون وجدّاه لأمه يتحدثون العربية، إلا أن والدته لم تلفظ كلمة واحدة بلغة والديها، لكونها برازيلية. لذا كانت العربية بالنسبة لي أشبه بلحن مصنوع من نغمات أليفة، لكن قصية، ما لبثت أن تحوّلت شيئا فشيئا إلى مجموعة من الأصوات تستدعيها الذاكرة تدريجيا مع رحيل القدامى. كانت اللغة الفرنسية أسهل متناولا لأنها أقل صعوبة، ولأن جدته إميلي كانت تحكيها بالتناوب مع العربية: لقد تابعت تعليمها في ثانوية فرنسية في بيروت. كان جده يسألها دائما: «لماذا تتكلمين الفرنسية مع حفيدنا؟ إنها لغة المستعمر». فكانت تجيبه بالفرنسية: «حسنا يا كبيري»، مقلّدة بامتياز اللكنة العربية.
الهجرة من خصوصية الشخصية اللبنانية قال ميشال شيحا قائلا: «بدون هجرة لا يمكننا الحياة، لكن إذا أضحت الهجرة كبيرة فيمكن عندها أن نموت»! المهاجرون بشكل عام يجهدون لإيجاد مكان لهم في البلد المختار. إنهم يعملون ويوفرون مبلغا من المال حالمين باللحظة التي ستمكنهم، ولو مؤقتا، من العودة إلى مسقط رأسهم. وهم يقيمون على الحدود الثقافية: بين لغتين، وبين ثقافتين. جملة طويلة تقال بالعربية، تتبعها أخرى قصيرة ببرتغالية غير متمكّنة، مترددة، غير دقيقة. ومع ذلك، تنتهي الأغلبية العظمى إلى خلق جذور لها في البلد الجديد، في حين يتخلى الأبناء تدريجيا عن الأواصر التي تربطهم بأرض آبائهم. لذا تعني الهجرة فقدان جزء من الأصول والاندماج في الثقافة الجديدة. إن موسيقية وإيقاع اللغة العربية والفرنسية أليفان بالنسبة لي، إلا أن لغتي الأم هي البرتغالية؛ البرتغالية البرازيلية، مع لكنة الأمازونا»، تراكيب جملها ومفرداتها». يقول حاطوم «يصعب تحديد من نحن، إلا أن برازيليا من أصول مهاجرة، أيا كانت أصوله، لن يشعر بالغرابة وبالغربة اللتين قد يحس بهما ابن مهاجر تركي في ألمانيا أو باكستاني في إنكلترا. ذات يوم خلال محاضرة لي في مكتبة الكونغرس في واشنطن حول روايتي الأولى، رأيت ملصقا كتب عليه: «الكاتب اللبناني ـ البرازيلي». فلفتتُ نظر رئيس الجلسة إلى أن هذه الصيغة لا تملك أي معنى في البرازيل.
– لماذا؟ سألن.
– لأننا لا نعتبر أنفسنا أفريقيين ـ برازيليين، إيطاليين ـ برازيليين، يابانيين ـ برازيليين أو عرباـ برازيليين. نحن لا نقيم هذه الفوارق ولا نصنّف الناس تبعا لأصول أو لإثنيات هذه المجموعة الاجتماعية أو تلك، بهدف تمييزهم عن الآخرين. إن تمييع الأصول هو في أساس تكوين المجتمع البرازيلي. وهذا معناه الخليط، رفض الهويات الصارمة المتحجرة، واستيعاب ثقافات متنوعة غير مصنفة تراتبيا. من هنا أهمية تعايش مختلف الإثنيات، من مختلف الأصول، حتى ولو بدا ذلك طوباويا. ففي مطلق الأحوال، التهجين والاختلاط ليسا حكرا على البرازيل أو على أميركا اللاتينية، هما أيضا جزء من ماضي أوروبا».
ثمة اسماء كثيرة من اصول لبنانية في اميركا اللاتينية من رضوان نصار الذي لم يحظ إلا بترجمة إحدى قصصه القصيرة إلى العربية وهي «اليوم فجرا» بالرغم من أنه يتعرض في روايته «الِفلاحة العتيقة» للأقلية اللبنانية التي هاجرت إلي البرازيل وأصبحت جزءا أساسيا من ذلك المجتمع، والعمل يعكس وينقد أيضا الوضع السياسي بالبرازيل في السبعينيات. رضوان نصّار (يتقاطع اسم العائلة مع عائلة سانتياغو نصار بطل رواية ماركيز). عرفنا عنه للمرة الاولى عندما كتب عنه الراحل سلام الراسي، عن بلدة ابل السقي تحديدا البلد الاصلي لنصار، يمثل هذا الكاتب حالة خاصة في الحركة الادبية البرازيلية الحديثة، لكنه لم يترجم الى العربية.
رحلة عائلة من لبنان
 باتت العالمية اللبنانية حاضرة بقوة في الادب العالمي، ليس عند ميلتون حاطوم ورضوان نصار فحسب، فاللبناني الذي ارتبط اسمه بالهجرة بات له ادبه المهجري، الذي يعكس خصوصية ما عن لبنان، بل ويعكس حداثة ما ثمة من وصفها بأنها اقرب الى «الضيعوية»، فجبران ابن بلدة بشري تأثر بوليم بليك، الريحاني المهاجر الآخر والملقب بـسفيلسوف الفريكة» تأثر بوالت وايتمان وحققا ثورة شعرية في المدرسة التقليدية. وهناك عشرات العالميين من اصل لبناني من امين معلوف الى ديفيد معلوف وجورج شحادة واندره شديد وربيع علم الدين وايتل عدنان وياسمينا طرابلسي والماظ ابي نادر وخايمي سابينس وياسمين غاتا، والكثير من الكتاب والكاتبات. المتأمل في نماذج من اعمالهم يبين واقع الشخصية اللبنانية واصلها وفصلها، فإلماظ أبي نادر مثلا التي ولدت وترعرعت في بلدة صغيرة في جنوب غرب ولاية بنسلفانيا تدعى كارمايكل، تشتهر بمناجم الفحم، قد روت قصة عائلتها في مذكراتها التي شكلت معلماً أدبياً وظهرت بعنوان «رحلة عائلة من لبنان». يدور الكتاب حول المجاعة التي حلت في لبنان إبان الحرب العالمية الأولى. كما يتحدث عن رحلات عائلتها ذهاباً وإياباً بين لبنان والعالم الجديد، بما في ذلك عمل والدها كبائع متجول على نهر الأمازون في العشرينات من القرن الماضي. تقول إلماظ في حديثها عن حياتها وتجربتها الإبداعية. «لم ينقض وقت طويل قبل أن أدرك أن إظهار عروبتي قد عمل على جعلي أبدو دخيلة، ففي منهاج الدراسة لم يكن هناك أي شيء عن الكتابة العربية وفي التلفزيون لم يكن هناك شخص له علاقة بلبنان سوى داني توماس، وأصبح لورانس العرب الإشارة المميزة لثقافتي. في الوقت نفسه كشفت الأحداث في الشرق الأوسط عن مشاعر مناوئة للعرب، وازدادت هذه المشاعر سلبية بمرور الزمن ووصلت حد الريبة وعدم الثقة حتى من جانب زملائي. واصلت الكتابة. قصيدة عن هجرة أمي من لبنان وتوطنها في الولايات المتحدة، وقصة عن حياة جدي كلاجئ خلال الحرب العالمية الأولى، ومغامرات والدي كتاجر مطاط في البرازيل أيام شبابه أصبحت مواضيعي المفضلة وانطلقت مني تلقائياً هذه القصص والأشعار كما لو أن التاريخ برمته كان محتبساً في داخلي. على أن كتابتي كانت لا تزال داخل الباب. في الخارج، في قاعة المحاضرات، في برنامج البكالوريوس والماجستير، بعد عدة سنوات، كان الأدب الذي نقرأه غريباً عن إحساسي الطبيعي غربة باربي في سنوات طفولتي، كانت نماذج الكتاب تشمل عدداً لا بأس به من المؤلفين المنتمين لهوية أوروبية والذين كتبوا بإجادة حول مواضيع تتصل بالثقافة الأميركية السائدة. أما أنا فقد انصرفت في كتابتي إلى رواية قصص الأطفال الذين ماتوا خلال الحصار العثماني لقريتنا في لبنان. كنت أحس في شِعري بموسيقى غريبة عن السمع الأميركي، وجاءت الصور التي نسجتها في كتابتي موشاة بالتفاصيل اللامعة وأكثر ثراء من الكتابات الأخرى في السبعينات. على أني لم أشعر بالترحيب خارج الباب»، ما تقوله الماظ جزء من صورة اولية للشخصية اللبنانية.
ربطة العنق
يخبرنا الروائي الاسترالي ديفيد معلوف عن نفسه في سيرته «12 إدموندستون ستريت» انه مولود في برزبن لأب لبناني وأم بريطانية إلا انه لا يفخر ولا يتحمس لأي من هذين الانتمائين كما انه لا يتحمس للانتماء الى استراليا، كما جاء ذلك التنكر صريحا في إحدى المقابلات التي أجرتها معه إحدى الصحف المحلية العربية التي قدمته لقرائها معتزة بجذوره اللبنانية فكان رده: «أنا لا انتمي لأي بلد او عرق او جغرافيا. إنّ انتمائي الوحيد هو للغة». وجاء أيضاً على لسان بطله في رواية «جونو» التي يعتبرها النقاد شبه سيرة ذاتية: «ما هذا الامر الغريب في ان اكون هنا بدلا من اي مكان آخر، لو ان والد والدي لم يحزم حقائبه هربا من التجنيد الاجباري الذي كانت تفرضه تركيا لو ان اهل امي لسبب من الاسباب لم يتركوا منزلهم الارستقراطي في نيو كروس ويأتوا إلى مناجم الذهب في جبل مورغن، لما كنت استراليا. إنه أمر حصل لي بالصدفة فقط».
وخلافا لما نراه في ادب الكثيرين من إعلاء لقيمة المكان الذي نشأوا وتربوا به فإن معلوف هجا برزبن واستخف بقيمتها المادية والمعنوية على حد سواء، فهي عنده المدينة البليدة الغارقة في التقليد والتحجر، بيوتها واهلها واسواقها لا تثير في النفس اية مشاعر خاصة، ما هي بالرومانسية ولا الكريهة البغيضة. إنها مدينة عادية كأي مكان اخر في العالم: برزبن لم تكن شيئاً. مدينة لا تنفث حراً ولا صقيعاً. نشأ معلوف مقيداً بقيود الطبقة الوسطى وتوحي كتاباته انه لم يكن فخوراً بهذا الانتماء: «عندما أفكر بنفسي وانا في سن الثالثة عشرة، أرى صورة مرتبة جادة بربطة عنق مستقيمة حسب التقليد الشائع (والدي يكره ربطة عنق وندسور) أظافر نظيفة كنت أُمنع من قضمها بان يوضع عليها مادة مرة. فرق (في الشعر) واضح على الشمال، قمصان حرصت كاسي (الخادمة) على تنشيتها بحيث اصبح من الصعب علي التحرك بداخلها، إحساس بالرضى عن النفس الى درجة الاعجاب الشديد. لم ازل امقت السيد منزيس، وعصبة الادخار الكمونولثية، وشيء ما التقطته من اجتماعات عصبة الامل على شاطئ سكاربورو «حتى العبد حر تحت العلم البريطاني». ولكني فقدت كل ايمان بسانتا كلوز وبقوة سائل الاوكسجين في شفاء الثآليل. بدأت اشكك بتعاليم الكنيسة الكاثوليكية وحررت نفسي من خلال التجارب العملية المتكررة من المفهوم الغريب الذي يقول انني في مداعبة نفسي زمن تحتز قد يؤدي الى سقوطه. ولكني لم اكن كليا قد اسقطت الاحتمال من ان هذا قد يقود الى العمي».
طرد اتاتورك الاله من البلاد
تكتب ياسمين غاتا في «ليلة الخطاطين» قصة شغف جدتها العثمانية بالخط العربي وتكريسها حياتها له بينما كانت تركيا من خلال جمهورية كمال اتاتورك قد تخلت عنه. وهي في الوقت نفسه تسجل بحسرة وألم رومانسي زوال ذلك المناخ الفني وروحيته وهالته التي مثلها الخط العربي ومتفرعاته الفنية العديدة وتلتقي دون قصد كما يبدو، رجال النهضة العربية الذين وقفوا في وجه التتريك من خلال تمسكهم بلغتهم التي انزل بها القرآن. فالجمهورية التركية استبدلت عام 1928 الكتابة العربية بصيغة معدلة للابجدية اللاتينة. وقدمت الابجدية الى مصطفى كمال على لوح من ذهب. الخط العربي كان يتسم بالقدسية كما يحلو للجدة ان تعبر، فالاله لا يهتم للابجدية اللاتينية: نفسه الكثيف لا ينزلق فوق هذه الحروف المفصلة والقصيرة القامة». ويرد الخطاطون القول: «طرد اتاتورك الاله من البلاد». فـ«الذئب الرمادي» المعجب بالثقافة الغربية وعدو الامية بات ممسكا وحده بزمام السلطة فاصلح الكتابة باستبدالها كما يستبدل حليب الأم. انجرح الخطاطون وكذلك القرآن. منع استخدام العربية في المعاملات الرسمية، والكاتبة ان الخطاطين كانوا يقدسون الخط العربي.
ياسمين غاتا هي ابنة الشاعرة والروائية اللبنانية فينوس غاتا الخوري. وقد ولدت في فرنسا عام 1975 ودرست فيها تاريخ الفن الاسلامي. ترصد جذورها المتعددة من الابوين والاجداد. عاشت حياتها في فرنسا ولم تتقن اللغة العربية. لكن منذ طفولتها «بدأ الشرق مفعوله السحري، بوجهييه اللبناني السهل المنال من خلال عائلة لا تزال على قيد الحياة من خالات وابناء خالات، وتركيا الغامضة بأشخاصها الذين رحلوا». وضعت ياسمين سيرة العائلة من خلال مهنة الخطاطين، اجواء الرواية تحمل شبها بأعمال تناولت «حرفا» تحولت الى نوع من الفنون قبل ان تقضي عليها الحديثة ومن ذلك عمل الروائية اللبنانية هدى بركات «حارث المياه» وحديثها عن شغف بطلها بالاقمشة شغفا كأنه تعبد فني وقد ورث هذا الحب عن ابيه واجداده. يرافقنا في الروايتين شعور متشابه بالفقد والالم وبعمل الزمن في النفوس والحرف والمهن ومن خلال ذلك بحياة الناس وتوازنهم النفسي احيانا. فالشغف بالأقمشة انتهى مع صعود «من النفط والبولياستر. ايضا تذكرنا رواية ياسمنيا بأجواء رواية الفراشة الزرقاء التي كتبها ربيع جابر عن صناعة الحرير في جبل لبنان.
تقول غاتا «انطفأت في 26 نيسان (ابريل) 1986 عن ثلاثة وثمانين عاما. كانت اسطنبول تحتفل بعيد الزنبق في امير جان. صبيحة اليوم نفسه ابلغ ابني نديم وفاتي الى الدوائر البلدية في بكلربكي القرية الساحلية المتربعة على الضفة الاسيوية للبوسفور. كان رحيلي بلا مشاكل كما كانت عليه حياتي. لم اخف الموت مرة فهو لا يقسو الا على من يخشونه. لا صراخ ولا دموع. جاء موتي لطيفا لطف القصب عندما تغط اليافة في المحبرة. وجاء اسرع من الحبر يشربه الورق. حرصت على ان لا اخلف ورائي اي فوضى. رتبت حياتي وادوات الخطاطة التي كنتها».
في وصفها عملية الكتابة نجدها مستغرقة في حالات فنية وتنقل الينا تجاربها فنجد انفسنا في عالم «تشخيصي» تعرضه بهدوء ولطف مؤثرين وتتحدث عم عمل عادي فتحوله الى حالة جماة حية. تقول مثلا «طلابي يرصدون حركاتي الدقيقة. صبغت الورقة. غطيتها بمحلول لاصق. بللتها بالمغلي وطليتها بطبقة تحول دون تغلغل الحبر في اليافها. رسمت السطور بواسطة خيطان مشدودة على مسافات متساوية وسلمت يدي الى لغة النبي والى القلم الذي راح يرسم الذيول السوداء السميكة لحروف حديث شريف. رأيت الحبر يرقد ويستبق الاوامر. شرعت في التدوين فانكمش رأس القصب حزنا ليغرق ألمه في المحبرة. فجأة بدت له المهمة فوق طاقته. يقال ان بعض الأقلام تخدش طرفها. تجدعه. حتى يسيل الدم فتضع حدا لوظيفة الجلاد المناطة بها».
شاكيرا او قوة ارضية في خدمة السحر
شاكيرا، الاكثر تعبيرا عن الشخصية اللبنانية، هذا هو واقع الحال هذا واقع التناقض والتعقيد والسحر، حين اشتهرت المغنية الشقراء كثر الحديث عن جذورها، او عن اصلها وفصلها. السؤال ماذا لو كانت شاكيرا فاشلة وغير مشهورة هل سنعود الى نسبها ام ستبقى في مغمورة في المنفى؟ هكذا اللبناني شديد الحماسة لمغادرة بلاده وشديد الحماسة لاعلان الانتساب اليه لأن في ذلك شيئاً من التقليد والفصامية، او شيئاً من «السحر الثقافي». لقد عبر القاص الفلسطيني محمود شقير عن هذه ظاهرة شاكيرا والنسب، من خلال قصته «صورة شاكيرا» التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. قصة تبين مشهد الحماسة القبلية للشهرة والنفور التقليدي من «البنت المتحررة»، فالجد لا يحتمل ان تكون قريبته راقصة، ولكن ابناء عائلة شاكيرات الفلسطينية يصبحون ابناء ذوات لأن شاكيرا منهم، هكذا تقول قصة شقير، وهذا هو الواقع.
شاكيرا العالمية من السلالة اللبنانية، اسمها الكامل هو شاكيرا إيزابيل مبارك ريبول، وقد ولدت في الثاني من شباط (فبراير) 1977 في بارانكولا – كولومبيا، من عائلة فقيرة. طردت من المدرسة لأنها كانت ترقص بطريقة «خلاعية» لم تعجب إدارة المدرسة، فانتقل أبوها للعيش عام 1990 في العاصمة الكولومبية بوغوتا لتبدأ بالبحث عن عمل في مجال عرض الأزياء. لا نريد الحديث كثيرا عن فنها، فهي غنية عن التعريف، ما نود التلميح اليه انها مزجت بين حركات هز البطن الشرقي بموسيقى البوب اللاتينية، قالوا انها كانت سببا في «عولمة الرقص الشرقي»، اخرجته من إطاره الضيق، الى رحاب العالمية والفن، جعلت هز الارداف والبطن سحر الشعوب، تقف على المسرح، تقول «إني أسد في غابة»، «تشفط» عقول المحبين ليس برقصها فحسب بل بلكنتها الهجينة ولغاتها المتعددة، انها تشبه لبنان نفسه، بل تزيده سحرا وعالمية، هي الاتية من جذور «زحلاوية» ينطبق عليها القول السعيد عقلي، «فلنزحلن لبنان ولنلبنن العالم». شاكيرا «ابنة عمنا»، تقول أحب أن أرى عيون الناس وأنا أغنى لهم. وبعض الوجوه التي لم ترها قط سوى بين الجمهور تتذكرها دائما فيما بعد كوجوه أصدقاء حميمين.
تتكلم شاكيرا الاسبانية والانكليزية والبرتغالية بطلاقة. ويمكن لها أن تدير شؤونها بالإيطالية والعربية تعرف بعض الشتائم بهذه اللغة الأخيرة فقط. تمتلك إحساساً شاعرياً بالأشياء من حولها، فهي سريعاً ما تقتبس كلمات من بودلير وماركيز.
 سألت أنت رمز جنسي أيضاً. ما الذي يعجب الرجال فيكِ؟
 اجابت:
ـ أنا لا أتعاطى بالأوهام. رجال أميركا اللاتينية يُعرف عنهم ولعهم بكرة القدم، وهم يريدون أن يشاهدونني  فحسب. تضيف: أنا فتاة مطيعة. تربيت على أيدي رهبان كاثوليك. أقدم موسيقى بملابس مثيرة. هذا هو كل شيء. أنا لا أبيع أفلاماً هابطة في غرفة ما في أحد الفنادق مثل باريس هيلتون».
تعتبر شاكيرا المراوغة مكانها المفضل للاستماع إلى الموسيقى هو سيارتها الخاصة وبصوت عال ولكن دون إزعاج أحد، عندما سألها أحد الصحفيين: متى تتزوجين؟ اجابت ضاحكة :سإني أخاف من الزواج أكثر مما أخشى الموت». اما ماركيز فكتب عنها «انها النموذج الأمثل لقوة أرضية في خدمة السحر».
خاتمة
لا يسعنا سوى ان ننهي هذه العجالة حيث بدأنا. والحال ان قارئ نص «في ظلال الأرز» ليوسا يحسب أن كاتبه عاش في لبنان ردحاً من الزمن وعرف مكنوناته وتركيبته قبل ان يحمل قلمه ويشرّح الشخصية اللبنانية في مقالة مقتضبة ومكثفة، ربما هي زبدة كتاب او مسودة لمشروع مستقبلي وإضاءة على نموذج من احوال المجتمعات في العالم. يوسا الأميركي اللاتيني الذي زارنا اخيرا، بدا من خلال مقالته كأنه يعرف لبنان من قبل، يفهم تركيبته وحين قدم إليه عليه إلا ان يلمسها من خلال نصه، كأنه سبق له ان قرأ ميشال شيحا وسائر الذين تحدثوا عن «الهويات اللبنانية». كان على يوسا ان يشاهد كورنيش بيروت البحري غير المتناهي، بناطحات سحابه، وأنهار السيارات التي تذرعه، والحشود المتنوعة على أرصفته حيث تظهر، جنباً إلى جنب، نساء محجبات من القدمين حتى الرأس، وفتيات جميلات تتطاير شعورهن مع الهواء، ويكشفن عن بطونهن، وأذرعهن، وأفخاذهن، وظهورهن، بطلاقة الباريسيات أو النيويوركيات، وليس صورة الكورنيش في عيني يوسا ببعيدة عن الصورة التي التقطها بلات في الضاحية الجنوبية، او صورة الفتاة التي شخصها كويلو في رواية «ساحرة بورتبلليو» او في شخصية المغنية صباح. ما لاحظه يوسا في مشواره اللبناني هو اجتماع التناقضات في مكان واحد، وفي الشخص الواحد، يسأل أي شيء هو أمين معلوف؟ أهو لبناني، لأنه ولد في قرية جبلية في هذه البلاد، حيث تقيم أسرته منذ قرون، ولأن العربية هي لغته الأم؟ أم أنه فرنسي، لأنه يكتب بهذه اللغة ويعيش منذ ثلاثين سنة في فرنسا؟ ليست التناقضات في اجتماع الكورنيش البحري او في هوية أمين معلوف بل في منزل وليد جنبلاط الذي زاره يوسا، حياة زعيم الأقلية الدرزية المحاطة بالموت لم تحرمه من السخرية، إنه شخصية مثيرة للفضول يبدو كما لو امتزج فيه سيد إقطاعي، ومثقف متهور وكزموبوليتي، نبي وحتى في بيته علق الصور المتناقضة بين الداعية الى الحرية والدكتاتورية.
الارجح ان النسيج اللبناني، والتناقضات اللبنانية تشبه كتابات يوسا نفسها وصولا الى مواقفه السياسية، بات «على الموضة» كما يكتب بعضهم لا سيما منذ زيارته الأخيرة «التفقدية» لبعض بلدان المشرق العربي، وتصريحاته الملتبسة عموما، وهو اصدر كتابا عن فلسطين وإسرائيل خلال اللاحقة الأخيرة عن مشاهداته خلال زياراته، والمعروف أن يوسا بدأ يبدل موقفه جذريا في بعض المجالات منذ إخفاقه في الحملة الرئاسية التي خاضها في بلاده ضد الياباني الأصل فوجيمورا، متهما يومها الأميركيين بخذلانه والتسبب، في خسارته، مهما يكن من أمر فإن يوسا السبعيني اليوم، كان دائما متقلبا من الناحيتين الفكرية والسياسية. في المقابل لا يمكن إنكار انه ثابت على أمر محدد، وهو كونه واحد من كبار كتاب الرواية في العالم، وفي نصه عن لبنان يتراءى لنا انه «لبناني أبا عن جد».

محمد الحجيري
كاتب من لبنان
شاركها !

قصيدة طويلة للشاعر التشيلي بابلو نيرودا

أبريل 26, 2015 اضف تعليق

ترجمة: سركون بولص
المدخل
(بابلو نيروا في باريس عام 1971)
يا له من قرن طويل!
تساءلنا: متى ينتهي؟
متى يسقط رأسياً
في الكثافة، في المتاهة؟
في الثورة التي عبدناها؟
أو في الأكذوبة
البطريركية الكاملة الصفات؟
لكن ما هو أكيدٌ
هو أننا لم نعشه أبداً
كما كنا نريد.
*
كان يتعذب دائماُ.
كان دائما يُحتضر.
يبزغُ في الفجر ويدمى بعد الظهيرة.
يمطر في الصباح، وعند المساء يبكي.
اكتشفت الحبيبات
أن لكعكعة الزفاف جراحاً
كما بعد استئصال الزائدة الدوديّة.
*
تسلق الرجال الكونيّون
سلّماً من نار
وعندما لمسنا أقدام الحقيقة
كانت قد انتقلت الى كوكب آخر.
*
تطلعنا الى بعضنا كارهين:
أشدُّ الرأسماليين دناءة لم يعرفوا
ما العمل:
كانوا قد تعبوا من المال
لأن المال كان قد تعب
والطائرات من دون ركاب
وما من علامة على الركاب الجدد.
كنّا جميعاً ننتظر
كما في محطات القطار، في ليالي الشتاء:
كنا ننتظر السلام
فجاءت الحرب.
*
لا أحدٌ كان يريد
أن يقول شيئاً.
الكلُ كان يخاف التورّط:
بين الشخص والآخر كبرت المسافات
وصار التنافرُ بين الاصطلاحات من الحدّة
بحيث كفّ الجميع عن الكلام
أو أخذوا جميعاً يتكلمون دفعة واحدة.
*
عندما سقطت القنبلة
(البشرُ، الحشراتُ، الأسماك
أبيدت كلّها) فكّرنا بالرحيل
حاملين صرّةً صغيرة،
باستبدال كوكبنا وجنسنا.
أردنا أن نكون خيولاً، خيولاً بريئة.
أردنا أن نغادر هذا المكان.
بعيدا، بعيدا من هنا.
*
لم تكن الإبادةُ وحسب
لم يكن الموت وحده
(رغم أن الخوف كان خبزنا اليومي)
بل أن لا نقدر على الحركة
بقدمين اثنتين.
لقد كان ثقيلاً،
هذا العار
في أن نكون بشرا
كالذين دمّروا ومن أبادوا.
*
ومرة أخرى، مرة أخرى
كم من المرات، الى متى؟
*
الكلابُ وحدها بقيت تنبح
في العلوّ الريفي للبلدان الفقيرة.
هكذا كان نصف القرن صمتاً
والنصف الآخر، كلابا تنبح
في ليل الأرياف.
*
مع ذلك، لم يسقط النابُ المرير
وظلّ يصلبنا.
*
فتح لنا باباً، تبعناهُ الى الداخل
وهو يشعلُ ثقاباً مثل مذنب،
وعندما أغلق الباب
ضربنا في البطن بعقب بندقية.
أطلقوا سراح سجين
وعندما رفعناه على الأكتاف
ابتلع السجنُ مليون سجين آخر
وخرج مليون آخر من المنفيين،
ثم دخل مليونٌ الى الأفران
وأحيلوا الى رماد
*
أنا في مدخل الباب، أغادر
وأستقبلُ القادمين الجدد.
*
كان الفجر ما زال يبدو نظيفاً
بفضل النسيان الذي نتملاه به
بينما استمرّت الأمم، منشغلة،
تقتلُ البعض هنا والبعض هناك،
تصنع فظائع أكثر وتخزنها
في ترسانة الموت.
*
أجل، حالنا لا بأس بها، شكراًً لكم:
ما زال لدينا أمل.
*
لهذا السبب أنتظرُ في مدخل الباب
أولئك الذين يقاربون نهاية هذا العيد:
نهايةُ هذا العالم.
*
أدخلُ معهم مهما كلف الأمر.
*
أغادرُ مع من يغادرون.
*
واجبي هو أن أحيا، أن أموت، أن أحيا.
عن إيلاف

رستم غزالي... كثر انتظروه على ضفة النهر!

أبريل 24, 2015 اضف تعليق

حين أسقط نظام صدام حسين التكريتي، وضع الاحتلال الاميركي حاشيته ومستشاريه على اوراق ورق اللعب أو الشدة ووزعها في إطار مطاردتهم لاعتقالهم، واحتاج التخلص من الحاشية الصدامية فترة لا بأس بها، استعمل خلال الاحتلال الأميركي أساليب سخيفة لإذلال كل من يمت بصلة الى نظام صدام. ويبدو ان ما فعله الأميركي في العراق، يقلده بشار أو نظامة بحاشيته أو اركانه، منذ وصوله على الحكم في سوريا، بطريقة يكتنفها "الغموض الواضح"، في البداية "انتُحر" رئيس الوزارء السوري محمود الزعبي بعدة رصاصات ووزعت ثروته على الموظفين، ونفي عبد الحليم خدام وصودرت أملاكه، وانتُحر غازي كنعان وشقيقه واختفت اسرارهما(بعد مدة على اغتيال الحريري في لبنان)، وقتل محمد سلمان برصاصة قناص،(على الهامش قتل عماد مغنية في عمق دمشق)، وخلال الأزمة ثم فجرت خلية الأزمة(أصف شوكت ومجموعته) وأبعد فاروق الشرع، وقتل جامع جامع...
والآن قتل رئيس شعبة الأمن السياسي رستم غزالي، ما فعله هذا الأخير أنه مشى على خطى سلفه غازي كنعان، وصل الى لبنان وتزعم التشبيح والابتزاز والصفقات، شارك في تجارة العاملات الأجنبيات، حصل على "شهادة دكتوراة" من احدى الجامعات اللبنانية مكتوبة من احد عباقرتها(ربما على هذا العبقري الاعتذار لاصحاب العلم)، ثم برز اسمه بقوة في فضائح تبييض الأموال في بنك المدينة مع رنا...، وبقي عبءا على حياة لبنان الى حين انسحب الجيش السوري عنه قبل عشر سنوات بالتمام والكمال عام 2005، غادر غازي كنعان بيروت فسلموه مفاتيحها في السراي الحكومي، رحل رستم من بيروت فسلموه هدية بندقية "المقاومة" في الضاحية الجنوبية، وما بين البندقية والمفتاح كانت لعبة السياسة تتبدل، والولاءات تتبدل، والفضائح تتبدل.
في أيامه الأخيرة، لمع اسم رستم في أكثر من ناحية وموضع، حضر اسمه في كل شاردة وواردة في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، اذ اظهرت الوقائع أنه كان يفرض أو يبتز الحريري الأب برواتب خيالية وسيارات وشقق ومشاريع، ومع ذلك لم ينج(الحريري) من سطوته وارهابه. من ناحية أخرى، دمر قصره بديناميت النظام وزعم أنه كان في صراع مع بعض الضباط الإيرانيين في ميدان المعركة، سرعان ما أطل بين مجموعة من الجنود يحمل سيجارا كأنه في حالة ترف وتشبيح لا معركة، وقيل او سرب ان هذه الصورة شعر من شاهدها من عسكريي الجبهات بالوهن والذل، لأن هناك من يقاتل ويموت وهناك من يستمتع بسيجار ثمنه مئة دولار، كأن الهدف من نشر صورة رستم والسيجار فرصة لتبرير قتله، وما هي الا أيام حتى اتهمت عشيرته بتهريب المازوت، وتواردت معلومات عن اصابته في درعا، ومعلومات اخرى تقول أنه تعرض للضرب على يد مجموعة من مرافقي اللواء رفيق شحادة، ولم تمض ايام حتى  اقيل غزالي وشحادة من منصبهما
معلومات تقول ان النظام الأسدي لم يكن يتوقع ان رستم لديه هذه الثروة الكبيرة(400 مليون دولار) التي حصل عليها من بنك المدينة وزواريب اخرى، ومعلومات اخرى تفيد ان النظام أو بعض اركانه طلبوا منه المال فرفض ففجروا منزله في البداية ثم اتهموه بتهريب المازوت وكانت النتيجة أنه ادخل شبه ميت الى المستشفى على اثر تعرضه للضرب المبرح واللبيط على يد انصار رفيق شحادة.
مع مقتل رسم تضيق الحلقة حول بشار، ولم يبق منها إلا آل مخلوف وآل الشاليش وبعض الضباط(مملوك، الحسن، ناصيف)، وهم ربما على طريقة الثورة تأكل ابناءها، أو النظام يأكل اركانه.
رستم غزالي قتل، كثر انتظروه على ضفة النهر..

الرومي

الأسد وطموح التطبيع مع فرنسا ورداءة اعلام المعارضة

أبريل 24, 2015 اضف تعليق
من فيلم اللسان الاخرس لمنيرة الصلح(بيرقص بدون دف)


خاص من باريس
ردت وزارة الخارجية الفرنسية على مزاعم بشار الأسد أثناء مقابلاته للمحطات التلفزيونية الغربية؛ البرتغالية والـ  BBC وأخرها للقناة الثانية في التلفزيون الفرنسي من خلال مقارنة موثقة بين أقوال الأسد وتقرير لجنة التحقيق الدولية، وهذه الخطوة تعبر عن ثبات السياسية الخارجية الفرنسية بالنسبة للموضوع السوري وموقف فرنسا من مجازر بشار الأسد، ويؤكد بأن زيارة وفد نيابي أو آخر سياحي فرنسي لا  يصنع سياسة ولا يغسل نظام الأسد من جرائمه بحق الشعب السوري.
   كما يأتي هذا الرد مع غياب فاضح لأية استراتيجية أو مبادرة إعلامية لقوى المعارضة السورية وأصدقائها من العرب وغيرهم للتوجه للرأي العام الغربي لمواجهة إعلام النظام السوري وكذبه وتزويره للحقائق ولم نقرأ على صفحات بعض الإعلام العربي إلا الإنتقادات والتحليلات البائسة عن فرنسا ودورها.
وهنا مقارنة أجرتها وزارة الخارجية الفرنسية بين ما قاله بشار الأسد للتلفزيون الفرنسي في 20 نيسان 2015 ولقناة ال BBC في 9 شباط 2015 وبين تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية والتي شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 22 آب 2011 وأعدت هذا التقرير في 5 شباط  ونشرته في 20 شباط 2015.

ما يلي ملخص لما ورد في المقارنة :

يقول الأسد: منذ الأسابيع الأولى من الصراع لم يكن هناك متظاهرون سلميون.
تقرير اللجنة: ابتداء" من آذار 2011 أطلقت القوات الحكومية النار على المتظاهرين في درعا.

يقول الأسد: بعض الأخطاء حصلت من وقت لآخر بحق المدنيين.
تقرير اللجنة: القوات الحكومية ارتكبت مجازر في إطار الهجوم على المدنيين .

يقول الأسد: الذين ارتكبوا أخطاء بحق المدنيين عوقبوا!.
تقرير اللجنة: المسؤولون عن الجرائم يتابعون جرائمهم دون معاقبة.

يقول الأسد: لسنا ألعوبة لنعمل ضد مصالحنا من أجل مصالح الآخرين.
تقرير اللجنة: القوات الحكومية استفادت من دعم قةات أجنبية من حزب الله والميليشيات الشيعية.

يقول الأسد: ما تسمى معارضة معتدلة وتنظيم الدولة الإسلامية لهم نفس القواعد.
تقرير اللجنة : المسلمون السنة هم الأكثرية الساحقة من ضحايا القوات الحكومية وتنظيم الولة الإسلامية.

يقول الأسد: عندما نطلق النار نصوب فقط نحو الإرهابيين لحماية المدنيين.
تقرير اللجنة: القوات الحكومية استهدفت بشكل مستمر البنية التحتية.

يقول الأسد: في الجيش لا نستعمل إلا القنابل العادية ولا نوجهها إلا نحو الهدف.
تقرير اللجنة: استعمال القنابل العنقودية والحرارية والحارقة والصواريخ موثقة.

يقول الأسد: لا يوجد إلا المقاتلين في المناطق التي نحاصرها.
تقرير اللجنة: سكان مخيم اليرموك محاصرين منذ أيار 2013.

يقول الأسد: لماذا تريدوننا أن نقتل الطلاب والأطفال؟ ماذا سنربح؟.
تقرير اللجنة: وجود الأطفال في مراكز الإعتقال مؤكد حيث يتعرض جميع المعتقلين للتعذيب.

يقول الأسد: لم نستعمل غاز الكلور وفقط الأسلحة التقليدية.
تقرير اللجنة: القوات الحكومية رمت براميل متفجرة تحتوي على مواد كيمياوية على إدلب وحماة.





محمد رشو (دُلْدْل)

أبريل 23, 2015 اضف تعليق
خاص الرومي

1
قالت أمي أن جدي كان يعاني من الربو، وحين التقطوا الصورة التي علّقته في البيت، كان خالي الطيب الذي في الشام ينظرُ بطرف عينيه إلى جدّي وخالي الذي كان معنا حينها، الأزعر برأي أبي كان يحدّق في عين المصور، وجدي كما حكت أمي جاءته نوبةُ ربو بينما كان المصور يهمُّ بالضغط على زناد الكاميرا، لذلك كانت حياتنا تمضي، نكبر وجدي يحاول أن يتنفس، يفتح فمه نصف فتحة، يريد أوكسيجيناً، فيما كان خالاي بشعرهما الطويل مع زوالف السبعينات على طرفيه، الطيّب يلتفت نحوه بطرف عينه ليرى ما يحدث دون أن ينزل ذراعه المدودة على الكتف، والأزعر أيضا لا يحرّك ذراعه لكنه يبقى ينظر في عين الكاميرا ويحدّق في عين كل من سينظر إليه.
2
وحين كان أبي يقول: أستطيع أن آكل مع الكريف والقرباط أيضا، كانت أمي تجّعد وجهها مشمئزةً وتأتي بحزمة حركات متلازمة نفهم منها أنها ستتقيأ إذا استمرَّ أبي في حديثه، وتخاطبه:
كريف نَهْ عشيرَتنْ، چهْ زبل جيه بونه،
)الكريف ليسوا عشيرة، لقد خُلِقُوا من الزّبل(
لكنها كانت ترى أنهم  طيبون ومسالمون وأفضل من القرباط الذين يسرقون ما تطاله أيديهم، ولذلك كانت تطرد القرباط لكنها تجزل في العطاء للكريف حين يأتوون في موسم الزيتون، يطبّلون في الحقل ويزمّرون فتملأ  أمي خُرجهم من الزيتون الأخضر ويمضون، وكان يبدون بؤساء ويشتكون من أنه لم يعد أحدٌ يدعوهم إلى الأعراس، مطلقين لعناتهم العشوائية على الشيطان الذي خرّب بيوتهم والذي لم يكن سوى الأورغ.
حنان كريف كان استثناءً، لم يكن يأتي في مواسم الزيتون بل ولم يكن يزورنا سوى مرة واحدة في العام وكان حين يأتي يكون برفقته رجال آخرون وابنتاه قمري ونازو، فيمكثون عندنا ثلاثة أيام خلالها يرافقهم أبي وخالي إلى صيد الدلدل ليلاً في وادي المغارات. وكنتُ بين السادسة والسابعة حين اصطحبني خالي معهم في بيكاب المازدا البيضاء، وفي تلك الليلة بقيت قمري مع أمي في البيت لتلفّان اليبرق لوجبة اليوم التالي، أتذكر أن خالي أجلسني بجانبه بينه وبين نازو، ليعقّب وهو يقود على كل جملةٍ لنازو بمرح ويهتف: ياع، فيما أبي والرجال كانوا يجلسون على المقعدين المتقابلين في الجزء الخلفي من البيكاب، على مدى الطريق الذي كان يستغرق أقل من ساعة بقليل، كانت نازو تتكلم عن الدلدل، لحمه ألذّ من لحم الخروف، لحمه يشفي من الربو، يلّين المفاصل، يأكل النبات وليس الحشرات مثل القنافذ، ولا يتزاوج إلا في الربيع، قالت هذا وغمزته بعينها ثم ضحكتْ ونظرت عبر الليل، فشاركها خالي الضحكة دون أن يعقب بياعته الحمقاء، لكنه مدّ يده اليمنى من ورائي وقرصها في الخصر لتنطّ من مكانها مطلقة: "أي"، ووصلنا الوادي حوالي الحادية عشرة في الليل وبدأ الرجال على الفور ونصبوا أفخاخهم وربطوا طعوم الكستناء والبطاطا بخيوط وأوصلوها وجلسوا ينفخون الدخان من تحت شواربهم الصفراء، ليلتها غفوت في حضن خالي بينما كانوا يلقون نكاتهم ولم أستيقظ إلا وأنا على المقعد الأمامي من السيارة التي كانت تهتز بشكل خفيف بالكاد تُحس، كان القمر أبيض تماما وكانوا يبدون كالأشباح من بعيد، ثم انتبهت لمصدر الجلبة التي أيقظتني، استندت على البلور ووقفت على ركبتي ونظرت إلى الخلف لأرى مؤخرة عارية لأول مرة، ولم تكن سوى مؤخرة خالي نفسه، كان خالي ونازو يلتفان على بعضهما، وكان فمه في عنقها وكلما كان يحرك مؤخرته كان ثديها الأيسر يقفز من تحت ٱبطه الأيمن، كان النعاس ما يزال على عيني ولم أكن أرى بوضوح تام فضوء القمر بالكاد كان  يضيء ظهر خالي وركبة نازو اليسرى  نزولاً حتى بطّة الساق، ولكن كنت أسمع بوضوح أصواتهما، كان خالي يشهق ويزفر بقوة وهو يفحّ فوقها وكانت نازو تئن تحته وأستغربتُ حينها كيف أنها تتألم ولا تصرخ، كيف لا تستنجد، كيف تتألم وتقدر أن تكتم بإرادتها كل ذاك الألم .
3
كان خالي في بيتنا، في بيته، في محل الحلاقة، أينما حلّ يستطردُ وهو يتنقّل من رأس إلى رأس، المقص في يمينه والمشط في يساره، جق جق، جق جق، ويقول:
سليمان الحلبي الذي قتل كليبر هو سليمان محمد أمين من قرية كوكان، وقضى 31 يوما يتعقب كليبر حتى طعنه بخنجر كان يخفيه في ثيابه ليقتل بعدها بأمر من محكمة عسكرية صلباً على الخازوق بعد أن أحرقت يده اليمنى، ومحو إيبو شاشو كان أول من أطلق رصاصة ضد الفرنسيين بعد أن إجتمع مع رجال آخرين في حارة آغيول، وقبلهما تزوج ممهد الدولة حاكم الدولة المروانية الكردية في ديار بكر من "ست الناس" حفيدة سيف الدولة الحمداني، وابن حمدان في حلب تزوج من فاطمة بنت أحمد الهزارمردي الكردي، وسيف الدولة نفسه أوصى بدفنه في ميافارقين التي دفن فيها قبلها أخت الأمير وأمه، وحارة الأكراد تأسست في زمن الأيوبيين وكانت تقع خارج حلب، والشيخ عزالدين بن يوسف الكردي شغل منصب أمير لواء حلب في أوائل الدولة العثمانية، والأمير عزالدين هو من بنى الحوض الكبير داخل باب آغيول، وحين أستردّ منه الأمير جان بولاد منصب أمير لواء أكراد حلب أنشأ داراً عظيمة داخل باب النصر هي ما تعرف اليوم ببيت جان بولاط وهم أنفسهم من ذهبوا إلى لبنان وأصبحوا دروزاً، والقاضي أحمد أفندي بن طه زاده واقف المدرسة الأحمدية ولد في حلب وتولى فيها نقابة الأشراف، وثم بدأ ببناء مدرسته في محلة الجلوم، زقاق الجلبي، ووقف فيها ما جمعه من الكتب التي بلغت ثلاثة آلاف مجلد، منها عدة مجلدات بخطه.
رغم أن أبي كان يحبه، كان يلقبه ب" چنگه سز" أي الثرثار، وحين كان يتشاجر مع أمي كان يعيّرها فيه ويقول: أز ده ڤي تاماريه نم، أي أنيك هذا الجذر، كان أبي يرى أنه ستكون له رائحة البشر، فقط لو أنه يخرج أنفه من بين الأكساس، فهو لم يتزوج، ولم يشتري بيتاً، كان يعزف على الطنبور ويغني في الأعراس، يدخن باكيتين من الحمراء الطويلة، يطلق لحيته ويشذبها ليبدو أكثر شبها بشڤان پرور، وكان يمزح،  ويتكلم بحميمية غامضة تستعصي على التفسير، وحين يخاطب أحداً، يبتدأ ب" ته ده منو" أو "من ده ته كرو"، لا فرق عنده، ولا من يخاطبه يزعل منه إن ناداه: نيكني أو أنيكك.
كان يفتح باباً ويعرف كيف ومتى يغلقه، إلا الباب الأخير، دخله ولم يخرج منه، لا هو فتحه، ولم يمهله الذين فتحوا له وقتا ليفكر كيف يغلقه.
في المرة الأولى التي كتبت فيها تقريراً عن جريمة، أذكر جيداً، كان حين كنت عنده في المحل بحارة جامع معروف، وما أن سمع الجيران يصرخون في الجوار، حتى ترك السشوار، أمرني أن أجهّز الكاميرا وأن ألحقه.
يومها كان الثلاثاء وكنا في حزيران وكانت حلب ما تزال هادئة في ٢٠١١، أقدمتْ أم في العشرين من العمر على قتل طفليها الرضيعين الذين يبلغان سنة ونصف، والصغيرَ خمسة أسابيع فقط، وذلك ذبحاً بالسكين، كان الزوج قد هرع إلى منزل أهلها ليخبرهم بعد أن عاد إلى البيت ورأى ما رأى، وكان الجيران متحلقين بحيادٍ مؤلم حول الأم التي كانت تجلس على كرسي بلاستيكي، وتحدّق في الفراغ في ظلمة باب المطبخ حيث الجثتان، وكان السكين لا يزال تحت قدمها اليمنى، لم تكن مكترثة لما حولها، أذكر نهارها أن خالي لم يرتبك مطلقاً، وكأنه كان يعرف ما ينبغي أن يفعله ريثما يأتي البوليس، جلب كأس ماء من البراد وأعطاها فشربت على الفور، ثم وضع يده على كتفها، وبكل الحميمية التي في صوته، قال لها:
ته برچيه؟ چه بوخيه؟
هل أنت جائعة؟ ماذا تريدين أن تأكلي؟
فأغمضت المخلوقة عينيها ولاحظت كيف اهتزت عضلات وجهها قليلا قبل أن ترد:
فلافل، صندويشة فلافل.

4
مثلما كان خالي يأتي إلينا حين يعلم أن الكريف قادمون لأجل صيد الدلدل، كنا نزورهم أيضا، وذات مرة، كان أبي بحاجة إلى سلالم جديدة لإستعمالها في قطاف الزيتون فاصطحبني معه إلى منزل جدي، تلك المرة، وصلت البستان برفقة خالتي الصغرى التي كانت تضحك دائماً، كان ضحكها يحلُّ محل كل ما يقال وكل ما سيقال، وكل ما يمكن أن يقال بشكل سيء أو جيد، كانت تضحك، وتتردد ضحكتها مع اقترابنا من بساتين الحور أسفل النبعة، ومع هبوب العصافير والتفافها بين أشجار الحور والبيوت وشجرة الدلب الكبيرة، حين وصلنا كان خالي متسلقاً شجرة حور، وحين رآني، لوّح لي باليمنى متشبثاً باليسرى وأخذ يتسلق حتى قبل رأس الشجرة بقليل، ثم أخذ يحرك جسده قليلاً قليلاً لتهتز الشجرة من أعلاها، ينحني بنصفه العلوي وهو شابكٌ قدميه كرباط، ويصفّر، فتهتزُّ الحور، وتميلُ، ثم يسقط رأسه للخلف وينحني بجذعه للخلف لتميل الشجرة معه من أعلاها، وظل يتأرجح شيئاً فشيئاً وحين أصبح يمسُّ شجرة الحور المجاورة، استدار للخلف، وبحركة واحدة، هوب، قفز إلى رأس الحور الأخرى التي أخذت تهتز من قفزته، وأمسك بها، وأخذ يضحك ويصرخ باتجاهي، وضحكت خالتي، وسبّته في أمه، في أمها، ولم يأبه بنا، بل ظل يميل مع الشجرة الأخرى، وكرّر الأمر نفسه، وتنقّل من شجرة إلى أخرى، كنت أراقبه بنفس مقطوع وأنا أشهق، وقفت وعيناي على شجرات الحور تميل على سماء زرقاء، لم انتبه لزرقتها إلا فيما بعد مثلما لم أبالي حينئذ بذبابة كانت تقف وتطير ثم تقف على جلد عنقي حيث تفاحة آدم تماماً، كان شعري ما يزال أملساً و طويلاً يمس رقبتي، كنت قد بلغت السادسة وسألتحق المدرسة في منتصف أيلول، أميل برأسي للخلف وأنظر للأعلى ولا أرى سواه، وبقيت كذلك وأنا أكبر مع خالي الذي كانت أخباره تأتي من مكان إلى آخر، بدءاً من اختفاءه في أثر نازو بين جنديرس وعفرين وحلب، في تتبع رائحة كسها كما كان يصر أبي أن يقول، ثم في امتطاءه الدراجة الهوائية بلفاحة حمراء على الرأس مع فلت عسكري وخفافة أديداس، يوزع المنشورات ويقود الاجتماعات، فإختفاءه  في معسكرات البقاع وجبال قنديل وجبال آغري، فحياته هناك بين الحدود وخلف الحدود وحيث لا حدود كما كان يقول، وثم تواتر الإشاعات والرسائل ولتنقطع أخباره تماما قبل أن يظهر فجأة بعد أربعة عشر عاماً، ذات صباح،حين ولج صالون بيتنا في الشيخ طه ، كانت ما تزال قبل الظهر  ونحن نائمون بعد، قال لأمي حالما دخل: كوجوك كانيه، أين الكلب؟ ليتجه حيث أشارت أمي نحو فراشي وأندس بجانبي وضمني لأستيقظ على رائحته التي لم أكن أخطأها.
لم تتغير رائحته، لكنه كان قد تغير، يعرج خفيفاً في قدمه اليسرى من أثر طلقة كانت ما تزال نائمة على مقربة من عظم الساق، يدخن كثيراً، يصر على أنه رأى، يفكر قبل أن يتكلم، وثم يتكلم متدفقاً ويدق بكفه الأيمن على الأرض كازاً على أسنانه ليؤكد بحرقة:
إذا كان ثمة كوردستان، فهنا.
وبقي مصراً على ما يقول، ومصراً على أنه قد رأى، وأظنه حين اختفى، لم يختفِ إلا لأنه كان قد رأى.

5
في محل الحلاقة كانت القصص تتوالد مع حركات المقص، عن الثلج، عن الأصابع التي تُبتر حين تتجمد، عن الذئاب والضباع والأفاعي، عن الجوع، عن الرصاصات حين تمرّ جوار الأذن، عن السجون، عن العدو الذي تعرفه، والعدو الذي تجهله، عن الأخطاء، وعن سؤاله الذي ظل يهجس به: كيف نعيش؟ وحين كنا نبقى معا، أو حين يسكر، كان يكرر قصصا بعينها، يسكت فجأة ويقول: هل تصدق أن أحدا يمكن أن يموت من أجل كأس من السكر؟ ولا ينتظر الرد مني، نعم يحدث، كل شيء يحدث في هذه الحياة، ويسرد قصة الذي سرق كأس سكر، وأتهمه رفيق له، فمثل أمام محكمة ثورية خضعت لرأي الأكثر تطرفاً من أفراد المحكمة وقضت بأن يُعدم، فمن يسرق كأس سكر، يمكن أن يسرق أي شيء، وأن يفعل أي شيء، ثم يمجُّ نفساً طويلا، ويقول: عطيني الطنبور، أناوله وهو يذكر لي أن نوري ديرسمي، حين كان طالباً في جامعة إستانبول، كان يغني ويلجأ للطنبور لإقناع خصومه أو كسب مؤيدين آخرين له حينما لم تكن الأفكار والفلسفات تجدي، ويغني خالي، كريڤه، دوتمام، خانمه من، خزال خزال، جيا ميچ أو دومانه، كل تلك الأغاني التي كانت تُسجّل في برلين وتسكب في أشرطة لتُهرّب عبر الحدود وتصل إلى محلات التسجيلات لتُنسخ وُتباع سراً، ولتأتي معها صورٌ لشڤان وگلستان، كانت تُطبع على القماش وتكملها النساء بالخرز، بالأحمر والأسود والأبيض، تكتمل السترة السوداء المزررة، يكتمل الشال الأحمر حول العنق، يكتمل ذراع شڤان المدودة على كتف گلستان، ويكتمل الغضب في أعينهما، الغضب الذي لا بد أن يُصيبك بالعدوى ما دمت كرديا، تغضب دون أن تفكر، وحين تفكر تستسلم للغضب، وحتى حين تحب لا بد أن تكون غاضباً ولا بدّ أن تحلم ليتعمّد جسدك بماء القداسة، وكان خالي رغم ولعه بشڤان وطبقات صوته، يكرر أحيانا أن صوتها أشد حلاوة من صوته، وثم حين ينال منه العرق، كان يضحك ويقول: هل تعرف لماذا؟ وأفكر، ربما، ربما، ربما،.... فيكمل وهو يضحك:
نا، نا، دور مره، شڤان ده كوني منه، دنگه منچي إيه خاش به.
لا، لا، لا تذهب بعيداً، لو ناكني شڤان لكان صوتي أيضاً جميلاً.
  6
كان البيت الذي دخلته من تلك البيوت الإسمنتية التي بلا طابو، غرفتان وصالون مع دكانتين على الشارع أحدها كان خالي قد أستأجره والأخرى كان قد حولها طبيب أسنان التقيته مرتين عند خالي وأسمه إن لم أكن خاطئاً كان محمد رشو إلى عيادة مرتجلة مقسمة من المنتصف بقاطع خشبي إلى قسم  يضم كرسي المعالجة وقسم ينتظر فيه المرضى، ما إن اجتزت عتبة البيت حتى لفحتني رائحة التواليت التي خفت شيئاً فشيئاً كلما كنت أمشي في الممر حتى الصالون حيث كانت السيدة التي تكلمت معي بالهاتف لتخبرني بأمرٍ يخصّ خالي.
كانت في الأربعين لكنها تبدو أكبر بعقد أو بعقدين، لنحافتها البادية مع التجاعيد المبكرة على الوجه، لطريقتها في ارتداء الفستان التقليدي مع الإيشارب، وربما أكثر لأسلوبها في الكلام حيث كانت تسرد التفاصيل المملة دون رابط، كلَّ ما فكرت فيه، كل ما حدث لها هذا الصباح والبارحة واليوم الذي قبله والذي قبله، وأيضا ما حدث لأبنائها وزوجها وللفتاة التي وجدت معلقة بعمود الكهرباء ولجيرانها بعد قتال الأكراد مع عشائر البگارة،  وكانت تقف أحيانا لتسأل: من سري ته إيشاند؟ (سببت لك الصداع)، فأرد بتلقائية، لا لا، فتتابع ولتأتي ظناً منها بزيادة التشويق، أو لضبط الإيقاع، بحركة تأتيها بعض النساء الأكراد، بعضهن، بترك فاصلة صوتية بين الجمل ليست أكثر من تصويت يشبه الصفير الخفيف على الحساء الساخن أو على الرشفات الأولى من الشاي، أو الصفير الذي يسببه الزكام الخفيف من الاحتقان بالأنف والمحاولة البائسة من المزكوم بفتحه بسحب الهواء،وظللت أحتمل كل ما يخطر على بالها، وكل هذا الهواء البارد الذي ينتج عن وضع أول اللسان على قبة الحنك مع فتح خفيف للفم وشهيق، لأفهم  كيف أن خالي كان يجب ألا يتكلم، وكيف أنه في حوالي الساعة الثالثة عصراٌ حضرت سيارة ڤيرنا فضية اللون ووقفت أمام المحل حيث قام أثنان منهم كانا كالعجول كما قالت السيدة بنزع خالي والمقص والمشط ما يزالان بيديه وكيف اقتاده الملثمان أمام مرأى الجالسين والعابرين والزبون الذي بقي بشعر نصف مقصوص إلى داخل السيارة وكيف اتصلوا بعد ساعتين بها ليخبروها أنه لا بد أن يربّى، وحسب السيدة فإن الذي كان يتحدث معها كان يتكلم بلهجة ساحلية ولكنها أكدت أنها سمعت أيضاً رنات موبايل بنغمة كردية، وحين سألتها: وماذا كانت النغمة بالضبط؟
أجابت: الدف والزرنه أي الطبل والمزمار.
كان حظر التجول يُفرض من تلقاء ذاته، ولم أجرؤ أن أخرج، بقيت عندهم، جاءت العائلة وجلست حولنا، جاء الأولاد  الصغار من الغرفتين،  جاء توأئمهم الأكبر وكان ابنة نسخة طبق الأصل من السيدة وابناً ويا للشيطان سأفكر لاحقاً ولم انتبه لحظتها، كان نسخة طبق الأصل من خالي، وثم جاء الزوج ذو الشارب الأصفر ليمرح رغم كلّ شيء،  وليبقى الصداع يشد على كامل رأسي وليصبح كما قال الزوج ذو الشارب الأصفر حين تكلم لأول مرة:
 لقد حولتِ رأسه إلى طبل، لن تتركي عادتك نازو.
وما إن قال ذلك حتى دققت بائساً في الصوت الذي كان يمتد إلى ليل آخر ودققت بائساً في الوجه الذي كان بالكاد يُرى في الظلام الناتج من انقطاع الكهرباء، كان الضوء أقلّ من أن يفضح الوجه ويظهره تماما، وأكثرَ من أن يجعله تختفي التجاعيد منه ليعود كما كنت رأيته في ذلك الفجر الأزرق وكما حسبتني رأيته في الصباح الذي لم أصدق أن يمضي الليل لأقفز فيه في أول سيارة سرفيس ينزلق من جامع معروف نحو محطة بغداد حيث نزلت وتمشيت لأمتار ووجدت نفسي على باب الحديقة العامة.
7
طلقتان ناريتان في الظهر، في الإلية، نزفٌ صاعق في الصدر، سمٌّ في الشاي، مبيد حشري في وعاء اللبن، مسدسات مزوّدة بكاتم صوت، سكاكين، شنتيانات، روائح نتنة ناتجة عن حموض مسكوبة على الوجه، رصاصات في صدر الفتاة مع علامات دهس لمرور سيارة على البطن، وعلامات أخرى كنت أسجلها وأرفقها مع توقيت الجريمة، اسم الضحية، وتوصيف المكان، ويكتمل التقرير، وثم حين ظهرت الجثث الملفوفة بأكياس بلاستيكية مع أرجل مربوطة بحبل وأياد مقيدة مثلها إلى خلف الظهر، ومع سقوط القذائف والبراميل، لم أعد مهتما بالعلامات، لم أكن أتمكن سوى من توثيق الأسماء، تُسلّم الجثث للأهالي الذين يكونون سعداء لأنهم استلموا، وإن لم يأت أحد، تُدفن الجثة على عجل في حديقة، أو منصف أوتوستراد، أو مقبرة ، دون مراسيم، دون ماء وصابون وكفن، دون تلقين وملائكة، تعود إلى التراب وتبقى الأسماء لتدل على أحد ما، رزكار، جوليا، كريستينا، عارف، ناريمان، فارس، حكيمة، غيفارا، عكيد، أمينة، شيرين، جودي، تولاي، نزار، مصطفى، فالنتينا...، إن كانت محظوظة وتذكرها أحدٌ ما، تبقى الأسماء لتدل على أحد ما، أو تعود إلى ترابها الذي يخصها، إيقاعاً من مقطع أو مقطعين أو ثلاث مقاطع، لتدلّ على لا أحد، محض إيقاع بائس في موسيقى العدم.
وحدها مكناتُ القتل كانت تعمل جيداً بعد أن عُطِبَتْ حلب، كنتُ ما أزال في الشيخ طه، في منزلنا عند الجسر بمحاذاة سكة القطار فيما كان أخوتي وأخواتي قد التحقوا بأبي وأمي وانتقلوا إلى بيتنا في القرية على حدود تركيا، وكان أبي محاولاً أن يلّين رأس الحمار، رأسي، وأن يجرّني معه، كان يتكلم وكأنه يملك اليقين الذي يحميه، والحصن الحصين الذي يأويه: صار ما صار، لنا قرانا، ولنا زيتوننا.
وكنت ما أزال أعمل وبهمة أكبر مما قبل، وكان العمل قد أصبح أيسر لكنه اختلف فبعدما كنت أرتدي نظارتي النظيفة الأنترفلاي والجينز والكتّان المكوي والخفافة السبورت لأعاين هؤلاء البؤساء متأبطاً الكاميرا وآلة التسجيل أصبحت أذهب دون أن أتأنق لأنني كنت أعرف أنني أيضا وأي أحد آخر وفي أي لحظة، سيتمدد في وضعية من الوضعيات الخرقاء التي يتقنها الميتُ بينما أحدٌ ما يمدّ على وجهه شرشفاً أو يمرُّ دون أن يترك على وجهه سوى نظرة غير مكتملة، نظرة رثاء تبترها شفرةُ العطف الممسوحة بسمّ القرف.
في الصباح التالي لليوم الذي أختفى فيه خالي، لم أكن أريد أن أصدق ما يخطر لي، لم أكن أريد أن أرى بطنه وقد شطب بضربة سكين أو رأسه وقد تشوه بطلقة أو عضوه وقد بتر، بقيت أتمشى في الحديقة العامة، دخلت من الباب الذي مقابل مبنى مديرية الكهرباء، ولم أفكر بالحاجز كما كنت أفكر فيه، كانت أصوات القناصة والقذائف والطائرات تتناوب فيما بينها أو تتزامن مع بعضها فأخرجت سماعات الأذن، أوصلتها بالموبايل السامسونغ ودون تحديد، شغلت الأغاني تشغيلاً تلقائياً، وتمشيت ولم أتوقف عند تمثال أبو فراس الحمداني كما كنت أفعل، صعدت الدرج، كانت السماء شاحبة تماماً فوق مشفى دار التوليد، أنحرفت نحو اليسار وأكملت طريق البيت حتى قطعت حلويات سلورة والمبنى القديم الذي على الشمال، المبنى الحجري المغلق قبل المثلث الذي يتفرع بعده عن الطريق المستقيم  طريقان أحدهما يلتف دائريا حول الحديقة والآخر يميناً نحو العزيزية، وحين وصلت الجسر، توقفت وظللت أنظرت في ماء قويق العكر كما كان دائماً، حاولت أن أخدع نفسي وأفكر في المبنى القديم المائل للزهري الذي كان ربما قصرا عثمانيا أو منزلا يهوديا أو قنصلية في زمن ما، لكنني لم أقدر أن أكمل، لم أقدر سوى أن أسند ركبتي للحجر الأبيض على طرف الجسر ومرفقي على سوره، وبكيت، بصمت دون أن أخفض رأسي، دون أن أخفي وجهي، حتى لم أعد أرى الماء عكراً، حتى لم أعد أرى شارع الشلال بأكمله ولا جامع التوحيد ولا البنك الإسلامي ولا السماء التي ازدادت شحوباً فوق السليمانية والتلل والحميدية، بكيتُ يومها حتى لم أعد أرى شيئاً.
8
 عدتُ إلى البيت وتمددتُ كميّتٍ، لم أعد أريد أن أفعل شيئا، لن ألتحق بأبي، ولن أخرج في الصباح التالي إلى أي مكان، كان الظلام، ولم أستطع أن أحدد الوقت بالضبط، شّغلتُ مصباح شحن لِيد صغيرة، كنت سأنام لكنني التقطتُ صورة جدي عن الكوميدنة،  كان ما يزال يفتح فمه مع صدر مرتفع قليلاً وشدٍّ لم ألحظه من قبل في جلد الجبهة مما بدت عيناه جاحظتين وكأنه سيختنق حقا، ورغم ذلك لم أبقَ طويلاً معه ولا مع خالي الطيب أذ استسلمت للأزعر الذي كان يحدق في عيني، كنت غفوت، غفوت بعدما تمددت كي لا يكتشف أني رأيتهما، كان خالي يدق على البلور لأستيقظ، قال: تعال لترى، يكفي، وشاداً أنفي بأصابعه، أكمل وهو يجرني، تستطيع أن تنام في يوم آخر، مشيتُ معه، كان الرجال متوزعين على الأفخاخ التي نصبوها بين المسافة الفاصلة بين المغارات والبساتين، كان دلدل قد علق تماماً في قفصه وأغلق الباب عليه، كان المسكين منكمشاً على نفسه باسطاً أشواكه فوق ظهره، ثم أخذ يتحرك، كان يحاول الخروج ويتحرك بعبث طلبا للنجاة، يندفع للأمام ويتراجع إلى الخلف بسرعة وحين أخذ يضرب الأشواك بعضها ببعض ويصدر أصوات حادة وشبحية كالأفاعي باصطكاك أسنانه الحادة القاطعة على بعضها، أبتسم خالي وهو يعصر كتفي محاولاً تهدئتي: لا تخف، لقد يئس، إنه يدرك أنها نهايته، من تلك الليلة ما أزال أحتفظ بثلاثة أشواك من الدلدل، نظيفة لامعة عارية مقلمة بالأبيض والبني الذين يتداخلان بحدود غير مؤذية، كانت قد بلغت الرابعة حين لمت نازو فناجين الشاي والإبريق، وحمل الرجال أقفاصهم في أكياس خيش، وبدأ البيكاب يتحرك، لم تتكلم نازو طوال الطريق لكنها كانت لا تكف عن الإلتفات بعينين ملتمعتين رطبتين إلى خالي الذي بدا لي يومها راضياً وقوياً وجميلاً بشكل لا يحتمل، وددت طوال حياتي لو أمتلك جماله في ذلك الفجر الأزرق المسالم البراق، كان البيكاب يتهادى، عيناي في عينيه والفجر يهبط على غابات السنديان، على الطريق، على المنازل، على شجرة الدلب الضخمة، وعلى الحور من شجرة إلى أخرى حتى الحدود التي كانت قد تلاشت في الليل من تلقاء نفسها.