728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    السبت، 28 مارس 2015

    توماس ترانسترومر «أمير شعراء السويد» ... يدخل صمته الأخير



      عبده وازن  

    رحل الشاعر توماس ترانسترومر، «أمير شعراء السويد» وحائز جائزة نوبل للآداب. رحل عن ثلاثة وثمانين عاماً، عاش خمسة وعشرين منها مقعداً وشبه صامت لا يتكلم إلا عبر لغة الاشارة. دخل شاعر الميتافيزيق والعناصر والتجريد «الصمت المقدس» الذي كتب عنه وعاشه قبل الموت. كان ترانسترومر أول شاعر وأديب سويدي يكسر قراراً اتخذته الاكاديمية السويدية عام 1974 تستثني بموجبه الادب السويدي من الفوز بالجائزة العالمية الكبرى. لم تتمكن الأكاديمية من تجاهل هذا الشاعر الكبير والفريد في ما كتب وعاش وقاسى، وفي تحديه الاعاقة الجسدية وجعلها حافزاً على الابداع. ولعل الاعوام الخمسة والعشرين التي قضاها مشلولاً على كرسي الاعاقة كانت أشد أعوامه اختباراً وتجربة، وأبدع خلالها شعراً ساحراً مستعيناً بزوجته مونيكا التي كانت بمثابة يديه ولسانه وأذنيه. كافأت الاكاديمية الشاعر بجائزة نوبل التي طال انتظاره لها عام 2011 والسبب غير المبرر في تأخرها عنه هو هويته السويدية التي آثرت الأكاديمية طوال أربعين عاما إبعادها عن لوائح الفوز.

    كان توماس ترانسترومر واحداً من شعراء العصر الكبار، شاعراً فريداً بمعجمه ولغته والجماليات الجديدة التي أرساها في قلب القصيدة ما بعد الحديثة التي برزت عقب الثورات المتوالية التي عرفها الشعر العالمي. عالمه متعدد الوجوه والصور والتجليات، ومعجمه الشعري يميل الى حال من الغرابة في مصطلحاته وتراكيبه ومرجعيته الواسعة وكم أصابت الاكاديمية في بيانها الصادر لحظة اعلان فوزه عندما قالت أن ترانسترومر «يعطي منفذاً جديداً على الواقع من خلال صور مركزة وواضحة». وكثيراً ما وصف هذا الشاعر بـ «المسفار» ، بعدما جاب بلداناً ومدناً، كاسراً الجدران ومخترقاً الحدود التي تقسم العالم عالمين وأكثر والتي كانت ثير قلقه. كان يحمل في قرارة عينيه ووجدانه خريطة غير مألوفة للعالم كما احب ان يكون. ولا عجب ان يتنقل ترانسترومر، قبل أن يحل به الشلل، بين فيتنام وإيران والكونغو ونيويورك وشنغهاي واليابان واليونان وبراغ والخرطوم وسواها، بالواقع والجسد كما بالمخيلة والروح. وكان لأفريقيا النصيب الأكبر في رحلاته وشعره، وراح يبحث فيها عن «عري الأصياف في لقاء مباشر مع الشمس» كما يقول. وتمثلت افريقيا في ضمير الشاعر ومخيلته بصفتها «صورة حادة للآخر». وقد أضفت أسفاره ورحلاته الغريبة وغير المالوفة على شعره ونثره طابعاً إنسانياً وكونياً، وجعلت ابداعه بديلاً وجودياً «تستطيع الذات عبره ان تدافع عن هويتها» وتتحرر من ربقة الاغتراب أو الاستلاب. وكتب مرة قصيدة عن رجل افريقي قال فيها بجرأة نادرة : «جئت لألتقي ذلك الذي يرفع فانوسه ليرى نفسه في».

    لكنّ العالم المتعدد ظاهراً هو واحد في شعر ترانسترومر وفي وجدانه ومخيلته. وهو عرف كيف يتحرر من ربقة الزمن والمكان، ساعياً الى تأسيس زمنه ومكانه اللذين هما زمن الإنسان ومكانه، في صميم اللحظة الشعرية حيث «الزمن إنساني» وحيث يتجاوز المكان «الجغرافيا التعسفية» . ومن هنا تعييناً، كان ترانسترومر يعد نفسه شاعراً يكتب على «خط الحدود أو على الحد الفاصل بين العالم الداخلي والعالم الخارجي» ، وهذا الحد يسميه «حاجز الحقيقة» . ولئن بدا ترانسترومر شاعراً ملتزماً يعاني ما يعانيه الإنسان، فهو لم يمل البتة الى القصيدة السياسية والخطابية وابتعد عن أي نشاط سياسي وإيديولوجي. أما التزامه الحقيقي فكان موزعاً بين الالتزام الإنساني والجمالي. «كل مشكلة تصرخ بلغتها» يقول ترانسترومر وفي يقينه ان الشعر فن يفصح عن العالم.

    كان توماس ترانسترومر شاعراً مقلاً وميالاً الى الصمت، لا يكتب بسهولة وبساطة، لكنه استطاع منذ ديوانه الأول «قصيدة» الذي صدر عام 1954 وكان في الثالثة والعشرين من عمره، ان يفرض اسمه في طليعة شعراء الخمسينات في السويد كما في الشمال الاوروبي. وقد يكون الشلل الذي أصابه قبل ربع قرن فرض عليه الدخول في حال من الصمت الذي يصفه بـ «الصمت المقدس»، وهو صمت اللغة التي تتخطى تخوم الكلمات واللغة لتدخل أعماق الذات والكينونة.

    لم يكن ترانسترومر غريباً عن العالم العربي. في العام 2003 ترجم الشاعر العراقي المقيم في السويد علي ناصر كنانة مختارات من قصائد ترانسترومر عن السويدية وصدرت بعنوان «ليلا على سفر» عن «المؤسسة العربية» ومثّلت أول مدخل الى قراءة هذا الشاعر عربياً. وكان ترانسترومر على صداقة متينة مع الشاعر أدونيس الذي أشرف بنفسه على ترجمة أعماله الشعرية الكاملة الى العربية وقد أنجزها قاسم حمادي عن السويدية مباشرة. عاود ادونيس قراءة الترجمة معتمداً الترجمة الفرنسية وأعمل قلمه فيها وصدرت في دمشق عن دار «بدايات» العام 2005. واختار الشاعر سامر أبو هواش قصائد له ترجمها ونشرها في مجلة «الكرمل الجديد» عام 2011. وكانت المفارقة غير المنتظرة ان ترانسترومر نافس ادونيس على جائزة نوبل وخطفها منه وكانا هما من اقوى المرشحين لها عامذاك. والصداقة التي جمعت بين الشاعرين تجلت في الأمسيات التي أقاماها معاً وفي المقالات التي خصّ أدونيس بها هذا الشاعر الكبير «أمير شعراء السويد» والذي يعد واحداً من رواد القصيدة الحديثة في العالم اليوم، وكان له أثر على الكثير من الشعراء الجدد في اللغات العالمية التي ترجم شعره إليها وهي تقارب الستين، وبينها العربية التي بات له فيها كتابان. وكان ترانسترومر زار دمشق وبيروت غداة صدور أعماله الكاملة والتقى الجمهورالسوري واللبناني جالساً على كرسيه المتحرك، فهو أصيب بجلطة في الدماغ العام 1990 أفقدته القدرة على المشي والكلام. لكن زوجته مونيكا اعتلت المسرح معه وراحت تترجم اشاراته متحدثة عنه بطلاقة. كان الشاعر ما ان يستمع الى السؤال حتى ينظر إليها فتستنبط الجواب من عينيه وتنطق به. أما الكلمتان الوحيدتان اللتان كان يتفوه بهما فهما: نعم ولا.

    رحل توماس ترانسترومر تاركاً وراءه أعمالاً شعرية تنم عن تجربة عميقة في اجتراح لغة الصمت وخلق معادلات جديدة وغير مسبوقة في العلاقة بين القصيدة والماوراء، بين القصيدة والعالم بعناصره الحسية والمجردة.

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: توماس ترانسترومر «أمير شعراء السويد» ... يدخل صمته الأخير Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top