يشار كمال في: سلطان الفيلة

فبراير 28, 2015 اضف تعليق


رحل يشار كمال
وفي السبت في إسطنبول الروائي التركي يشار كمال عن 91 عاما بعد تدهور حالته الصحية إثر صراع طويل مع المرض، وهو يعد أحد أهم الكتّاب في تركيا وأكثرهم شهرة وقد ترجمت أعماله إلى أربعين لغة.
وكان الأديب الراحل قد نقل إلى مستشفى في إسطنبول منذ منتصف يناير/كانون الثاني الماضي لعلاجه من مشكلات في الجهاز التنفسي والقلب، لكنه توفي بعد تدهور حالته الصحية.
ووصل كمال إلى العالمية من خلال خياله المدهش والمتدفق في أعماله الروائية وفهمه الكبير لأعماق النفس البشرية واستلهامه التراث التركي والكردي، وهو ما تعكسه أعماله الأدبية التي جعلته واحدا من الشخصيات الرائدة في الأدب العالمي.


وكتب عنه آزاد أحمد علي في موقع التمدن:


يعتبر يشار كمال أحد أهم الروائيين في تركيا المعاصرة، فهو من مواليد منطقة وان الكردية على الحدود الإيرانية، ولد عام 1923. رحل أهله إلى منطقة جكوروفا قرب البحر المتوسط. عاش فيها طفولته وشبابه، وترعرع ضمن وسط قروي تركي كردي تركماني مختلط. كان يشار ابنا لأسرة فقيرة ومهاجرة فلم يتمكن من إتمام تعليمه، كما لم يحصل على شهادة عالية، إذ دخل المدرسة وهو كبير نسبيا وكان هاجسه أن يقرأ فقط. أتم تعليم الابتدائي واشتغل بعدها في التدريس. ففي أعوام 1941 ـ 1943 ساعد معلم مدرسة القرية وعلم الأطفال. ومن ثم تابع قراءة الصحف والمجلات بشغف، وكان دائما يحلم بأن يصبح كاتبا. وتحقق حلمه فنشرت له في البدء مجموعة قصائد، في الصحف والمجلات بمدينة أضنه.
عمل لاحقا كاتبا للعرائض، إلى حين أن رقي إلى العمل في صحيفة الجمهورية الصادرة بإستانبول، نشر فيها تحقيقات عديدة. لمع اسمه ككاتب مع صدور روايته الأولى أنجه محمد «محمد يا صقري» التي نشرت في أعوام الخمسينات ولاقت إعجاباً ووزعت بشكل واسع روايته هذه، كما ترجمت إلى العديد من اللغات منها العربية.
استمر في إصدار الروايات المميزة التي تدور أحداثها في الريف الكردي والتركي، واستلهم من البيئة التي نشأ فيها بمنطقة جكوروفا مجمل عناصر ومادة رواياته، صور معاناة العمال الزراعيين والتطور الذي تبع استخدام الجرار في الزراعة والتأثير السلبي الذي لحق بمجتمع الفلاحين والعمال الزراعيين. تجسدت تلك الأفكار بأجمل صيغة في روايته الرشيقة (شجرة الرمان) وهي رواية قصيرة ممتعة ترصد شقاء وجماليات حياة العمال الزراعيين في سهول جكوروفا وهم يكدحون ويرحلون من قرية إلى أخرى بحثا عن العمل ولقمة العيش. وعلى ما يبدو أن هذه الرواية لم تترجم إلى العربية. 
أما روايته التي نحن بصدد استعراض خطوطها العامة فهي جديدة ومختلفة عن باقي روايات التي كتبها يشار كمال. تأتي خصوصيتها من حيث أسلوب السرد وبناء الحدث، كما أن الدلالات والرموز موظفة سياسيا وفكريا في النص الروائي. تجري أحداثها في عالم الحيوان المفترض. يرتكز النص على دلالات اختيار عالم الحيوان أولا، ومن ثم تقسيم هذا العالم إلى سلاطين وحكام، أي حيوانات قوية وضخمة وكسولة ممثلا ب "الفيل" ، وعالم آخر صغير ميكروسكوبي ممثلا بمملكة النمل، هذا الكائن الصغير النشيط العامل بجد طوال حياته.
تبدأ الرواية بهجوم الأفيال على بلاد النمل وتدمير مدنهم وقراهم وسحقهم تحت الأقدام واحتلال وإخضاع مملكتهم للسلطان ـ الفيل. ونظرا لإسلوبه الوعظي الإرشادي التبشيري في النص يبالغ يشار كمال في إبراز تناقضات هذين العالمين: عالم الفيل ومجتمعه وعالم النمل ومجتمعه، وبالتالي عالم الكائنات الصغيرة المسحوقة وعالم الحيوانات العملاقة التي تسيطر على الآخرين الأصغر حجما وقوة.
ومن خلال تنامي الأحداث والصراع بين النمل والفيل تتبلور أفكار جديدة ويبرز وعي النمل بواقعه وضرورة الخلاص من جور الفيلة وظلم سلطانهم. ورفض تجميع البذور والأطعمة المجففة واللوز لهم، وتخزينها ليلتهمها السلطان في المحصلة.
يدخل على خط تماس الأحداث طائر الهدد طائر "الملك داود" الذي ربما يشير بدلالة رمزية إلى دور اليهود أو إسرائيل في الأحداث والصراعات المعاصرة في تركيا، حيث يشغل الهدد منصب مستشار السلطان ومراسله الخاص إلى مملكة النمل.
وينسق ويخطط مع السلطان الذي ظهر في النص الروائي فيلا ضخما أبيض اللون هائل الحجم لا يريد لأحد المنافسة أو تقاسم السلطة في مملكته التي تحكم النمل وتسيطر عليهم وعلى مخزونهم.
يدفع طائر الهدد السلطان للعمل على تفتيت جموع النمل وإخضاعهم لسلطة الفيل المتوارثة، مما أدى إلى قيام مجاميع النمل الفقيرة باللجوء لتأسيس رابطة تحمي حقوقهم وتحفظ مصالحهم في كل الأصقاع والمناطق البعيدة /ص25/ 
يساهم الهدد مع السلطان لنشر نظرية تشير إلى أن النمل أصله فيل ويحاولون إقناع النمل بذلك، فيقتنع جزء من النمل بهذه النظرية ...
هنا تبرز في النص إشكالية رمزية الانتماء ودلالات توظيف عوالم الحيوان، فبالإضافة لهذا الغرض، أي غرض الانتماء إلى هوية طبقية وقومية محددة..
يتم مقاربة فنية لعوالم تركيا وهوياتها القومية والاجتماعية المركبة، فثمة قراءة أخرى لهذه الرواية تشير إلى أنه من حيث التوظيف والدلالة الرمزية فإن مملكة النمل تعبر بصيغة ما عن بلاد الأكراد ومناطقهم ومجتمعهم النشيط الكادح المغبون، وان مجموعة الفيلة تمثل السلطان والحكم التركي وسلطتهم التاريخية.واحتلالهم التاريخي لكردستان.
في حين القراءة الأكثر تفصيلا والأوسع ترجح اعتبار جموع النمل هي التعبير عن الطبقات الشعبية التي تعمل وتنتج الخيرات، فهم بالتالي جماهير الكادحين حسب أدبيات أواسط القرن العشرين الاشتراكية.
تسير الأحداث ويتضرر عالم النمل ويشتد غضبهم، يقاومون جور الفيل وسلطانه، يلجأ كل من الهدد والفيل لزرع بذور الشقاق بين أطياف النمل فيعم الخلاف مملكة النمل وينقسمون إلى ألوان (الأحمر، الأصفر، الأبيض)، يختلفون، يتصارعون وتجري بينهم معارك طاحنة، تسيل دماء النمل بغزارة على الأرض، تتعزز سيطرة الفيل وتسلط السلطان على ما تبقى من مملكة النمل، لدرجة أن يخضعهم خضوعا تاما ويفرض عليهم شروط قاسية لجمع الثمار وتخزينها في المستودعات، وبناء قصر من الكريستال للسلطان، وكذلك تأمين كل مستلزمات الحياة الرغيدة له وصولا إلى طلب تأمين ماء الحياة والشباب والخلود للسلطان نفسه، وإلا ستكون عاقبة النمل وخيمة.فتتضاعف معاناة النمل ودرجة شقائهم.
تجري كل هذه الأحداث بلغة روائية بسيطة وسرد سلس. تعيد مملكة النمل وحدتها لاحقا ويبرز الطموحات في تحررها من جور سلطان الفيلة من جديد. إلا أن يثور النمل فتنطلق ثورتهم من الجبال ضد سلطة الفيل، ولكن تفشل المحاولة ويلجأ السلطان من جديد إلى سحق النمل وترهيبه وخداعه لضمان السيطرة على هذه الكائنات المليونية النشيطة. 
وبعد طول معاناة وتردد تصطف جموع النمل حول قائدهم "الحداد الأعرج" ويتفقون جميعا على حفر الأرض تحت أقدام وقصور وكل مواقع السلطان وأتباعه من الفيلة.
ثم يرددون أغنية جميلة هي أغنية التحرر من بطش وجور السلطان، ويرفع جموع النمل راية حمراء، وهنا يستحضر الروائي الكبير يشار كمال أجواء الرومانسية الثورية في النصف الثاني من القرن العشرين، ويواكب انتشار فكرة الثورة الطبقية بكل رومانسيتها وعنفوانها. ويلفت النظر إلى ترابطها الجدلي مع قضايا تحرر الشعوب المضطهدة.
ينجح النمل في حفر الحفر الكبيرة تحت أقدام الفيلة، الذين يسقطون بغباء في حفريات عميقة وتزلزل الأرض تحت أقدامهم...
ربما كان هذا هو حلم يشار كمال بعالم لا يسوده السلاطين ضخمي الأجساد، عالم يعيش فيه النمل المنتج ضمن مملكة ووطنه بسلام.
بدت الرواية على الرغم من دلالاتها ورمزيتها وشفافيتها وصياغتها للعلاقات في علم الحيوان الموازي والمتداخل مع علم البشر وكأنها خطاب أيديولوجي مصاغ فنيا في منتصف القرن العشرين. طغت على النص النزعة الرومانسية الثورية، وكذلك عانت من بعض الاضطراب في توظيف الرموز والدلالات، مما سبب تباينا في مستويات قراءة وتحليل النص.
لكن نصه هذا أكد من جديد على نهاية حياد الكاتب، وعلى الأرجح سببت هذه الرواية بتصنيفه أيديولوجيا ووضعه على القائمة الحمراء، ولربما أضرت بمجمل نتاجه وباقي رواياته الجميلة. فمازال يشار كمال جالسا في الظل، يراقب ويكتب، وهو شبه منسي، إذ لم ينل حقه كأحد أهم كتاب تركيا وآسيا وربما العالم المعاصرين.
ــــــــــــــــ
سلطان الفيلة ـ رواية ـ يشار كمال
ترجمة: مصطفى ايدوغان
طبعة: نودم ـ باللغة الكردية ـ السويد 1998
عدد الصفحات 239 ـ قطع متوسط

منال الشيخ(*)... ماذا بعد متحف الموصل وسور نينوى!

فبراير 27, 2015 اضف تعليق
لطفولتنا نصيبٌ من متحف الموصل. زيارات عائلية أو مدرسية كانت تنظمها مديرية التربية لنتعرف على آثارنا القديمة. أتذكر كيف كنا نتجول بصحبة مشرف على المتحف، يشرح لنا كل قطعة ومعلومات تاريخية عنها. ظهر اهتمامي بالمتحف والآثار عندما شاهدتُ، نهاية الثمانينات، أول اكتشاف عراقي لكنوز مطمورة في مدينة نمرود/كالخو، جنوبي الموصل. كانت لحظة هائلة وعظيمة وأنا أشاهد خبراً محلياً عن هذه الكنوز في أيدٍ عراقية، تهتم بكل تفاصيلها وتحاول نفض تراب الزمن عنها وإعادة بريقها المستحق إليها. بعض هذه الكنوز استُخرج من بئر في القصر الملكي في نمرود.

كنتُ، في إحدى الرحلات، جالسة على حافتها، وأنصتُ إلى صدى التاريخ المنبعث من عمق البئر والزمن. لم أكن أعلم بعد، أنني أجلس على تل من الحضارة والكنوز اتجاه قمّتها نحو باطن الأرض. بعد ذلك، صرنا نشاهد هذه الكنوز والآثار خاشعة ومنتصبة ببهاء في متحف الموصل، وبعضها في قصر أسرحدون في تل النبي يونس. هذا الضريح الذي كان معبداً، ثم تحول إلى كنيسة، ثم إلى جامع باسم جامع النبي يونس، حتى تم تفجير الضريح على أيدي عناصر تنظيم "الدولة الإسلامية" في الصيف الماضي.

بعد مدة من اكتشاف الكنوز، هزّ الموصل خبر سرقة رأس الثور المجنح، وقصّه بمقص ليزري ومحاوله تهريبه خارج البلد. تم القبض على المجموعة التي حاولت سرقة الآثار وحكم عليهم بالإعدام جميعاً. سرت الشائعات في المدينة أنهم اعدموا بالمقص الليزري نفسه الذي استخدموه لاجتثاث رأس الثور المجنح. كانت المفاجأة الشخصية بالنسبة إلي وقتها، أن أحد المشتركين في الجريمة كان زميلي في المدرسة في مرحلة الابتدائية. كان من عائلة معروفة وميسورة! تساءلت وقتها كثيراً ما الذي دفع بشاب ميسور وفي مقتبل العمر، لارتكاب جريمة معروفة عواقبها جيداً؟ رغم قوانين مكافحة وتجريم سرقة الآثار وتهريبها، كنا نسمع، بين الحين والآخر، عن عمليات تهريب وبيع للآثار تتم عبر الأردن. آنذاك، لم تكن العلاقات جيدة بين العراق وسوريا ليتم تصريفها عبر الحدود السورية وتركيا.

في حرب الخليج، وبعد هزيمة القوات العراقية أمام قوات التحالف، وقعت في الموصل معارك صغيرة، هنا وهناك، بين الأجهزة الأمنية، مع قسم من الجيش، وبين فصائل كردية مسلحة اعتبرت نفسها معارضة. كان المتحف أحد ضحايا هذه المعارك أيضاً بالإهمال، وتحول إلى مأوى للكلاب الشاردة والقطط. بحسب شهود عيان، صارت جماجم بعض الهياكل العظمية القديمة، الموجودة في المتحف، وفي متحف التاريخ الطبيعي، فريسة للكلاب السائبة التي لم تجد فيها رائحة النخاع، لكنها كانت مناسبة لتسليتها، وإلهائها عن جوعها، في ظل غياب الحياة في المدينة لأسابيع.

كان هذا الإنذار الأول في رأسي عما ينتظر الموصل إن سقطت يوماً ما. ولم يخب ظني في ذلك. كان المتحف على بُعد خطوات من الخطر التخريبي الذي داهم متحف بغداد ومدن العراق ابان الاجتياح الأميركي العام 2003. لكن اللصوص اكتفوا بسرقة محتويات ثمينة من المناطق الأثرية. وبقي المتحف مغلقاً للترميم والتجديد، منذ أواخر 2003 حتى افتتح العام 2012 ومن ثم أغلق، إلى يوم سقوط المدينة في يد "تنظيم الدولة".

كنتُ أتوقع، مثل آخرين، أنهم سيدمرون المتحف يوماً ما، لا محالة. بل واستغربتُ تأخرهم في هذا العمل المشين. سمعتُ أن الفيديو الجديد الذي بثتهُ حسابات "الدولة الإسلامية" في مواقع التواصل الاجتماعي، ويظهر فيه العناصر وهم يدمرون محتويات متحف الموصل، أنه مسجّل من أيام الصيف، وليس الآن. لكن، إن صحّ ذلك، لماذا اختاروا هذا التوقيت لبثهِ؟ لعل العملية تزامنت مع تدمير الأضرحة، ومنها ضريح النبي يونس الذي طاولت آثار تفجيره بعض البيوت القديمة المحيطة به. كان من ضمنها بيت استأجرته أغاثا كريستي في الثلاثينات من القرن الماضي، ومكثت فيه خمس سنوات مع زوجها عالم الآثار الذي عمل طويلاً في التنقيب عن آثار تل النبي يونس ونينوى عموماً.

إن بث مثل هذا الفيديو في الوقت الحالي، إنما هو رسالة إلى العالم، بأن عناصر "الدولة الإسلامية ليسوا لصوصاً"، وأنهم مستعدون لتدمير كل ما يخالف الشرع "حتى لو بلغ ثمنهُ مليارات الدولارات"، كما قال المتحدث باسمهم في الفيديو، وذلك بدلاً من تهريبه وبيعه وجني المال. ولا أستبعد أن يكون ما رأيناه يُخرَّب، مجرد مجسّمات، لا القطع الأصلية، لأنهم يعلمون جيداً قيمة هذه القطع ويعرفون أنها ستدر عليهم أموالاً طائلة لتمويل صفقاتهم من الأسلحة. ويجوز التساؤل: كم من القطع الأصلية حالياً في حوزة "الدولة"؟ وكم من القطع تم بيعها حتى الآن؟ ومن الشاري؟ وهل من جهة دولية ترصد؟

بيتي حيث نشأتُ، كان قريباً من ضريح النبي يونس ومن وسط المدينة الذي يقع فيه المتحف، ومعظم المؤسسات الحكومية، منحني هذه العلاقة المباشرة بالآثار. أخرجُ صباحاًن أقصد الجامعة، وإذ بسور نينوى، الذي تم تفجيره مؤخراً أيضاً، وبواباته الأثرية تحيط بي من كل الجهات. لا أكاد أمشي في منطقة إلا وهناك أثر لجدار أو بوابة أو أحجار ضخمة متهاكلة فوق بعضها البعض، باقية، شاخصة منذ العهد الآشوري إلى يومنا هذا. وكأن المدينة شقت حداثتها بأصابع فنان، من دون أن تمسّ أثر الزمن فيها. لا أعرف، إن استمرت "الدولة الإسلامية" في تدمير وسرقة إرث المدينة، ما الذي سيتبقى من اسم نينوى؟! 
- See more at: http://www.almodon.com/culture/eafea2dd-6e9a-440a-9ae7-6e163fb0026e#sthash.wvqkxRG4.dpuf

شاعرة عراقية المقال نقلا عن موقع المدن

كريم النجار... ماذا بعد التماثيل

فبراير 27, 2015 اضف تعليق
ماذا بعد الحزن والشجب وردود الأفعال الآنية على جريمة داعش بتدمير متحف نينوى وبما يملكه من كنوز حضارة آشور، وربما الأمر سيطول آثار الحضر والنمرود وأماكن أخرى؟.
الأمر كان متوقعا حتما، بعد هدم مراقد الأنبياء والجوامع والكنائس، أم أن الوضع كان غامضا لدى الحكومة وقوات الحشد الشعبي وقوات التحالف الدولي؟
عام 2006 أشتعلت الحرب الطائفية والأهلية في بغداد والكثير من المدن، إثر شرارة تفجير قبة الامامين العسكريين، وكان رد الفعل عنيفا ومدمرا ودمويا ترك آثارا من الصعب أن تمحى، فهل ستتحرك تلك الضمائر لدى الطائفتين ومن يمثلهما إزاء تدمير آثار هي رمز العراق وحضارته وأسمه؟
لماذا لم تتحرك الحكومة والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والصحف ووسائل الاعلام جميعها، منذ سيطرة داعش على نينوى وتكريت والأنبار ومدن في ديالى وكركوك، للضغط على المجتمع الدولي لحماية المعالم الأثرية وشواهد الحضارة التي تحفل بها تلك المدن، كما حدث حين دمرت القاعدة تمثال بوذا في أفغانستان، حيث تحول هذا الموضوع بذاته إلى تجييش الرأي العام العالمي ضد القاعدة وجرائمها.
تدمير ذاكرتنا الحضارية والإنسانية، أشد فتكا من سجال حرب داعش الارهابية، التي ستنتهي في يوم ما. لكن كيف لنا أن نستعيد ذاكرتنا وهويتنا التي نعّرفُّ أنفسنا بها أمام الجميع؟

فايسبوكة

روزا ياسين حسن(*)... تماثيل الكعبة

فبراير 27, 2015 اضف تعليق


وسط موجات التنديد "الغاضبة" بما يفعله "داعش" اليوم، يستفزني الأمر لطرح سؤال، على الرغم من هدير الحقد والغضب والقرف الذي يثيره داعش: 
ما الذي فعله داعش، في تدميره لآثار الموصل والرقة وغيرها، لم يفعله أجداده المسلمين قبله؟!
حين دخل "الفتح الإسلامي" مكة تم تدمير أكثر من 360 تمثالاً في الكعبة وحدها، ومنهم الإله هبل. وأُمر بتدمير مئات الأصنام الأخرى، كأساف ونائلة ومناة والعزة واللات، ومُحيت وطُمست رسوم ولوحات أثرية تحفظ تواريخ شعوب وحضارات كاملة.
وسار خلفاء الرسول على هدايته في تحطيم كل الأصنام وأشكال الفن المجسّم والمصوّر التي لاقوها في طريقهم.
إذاً، ينبغي الاعتراف بأن داعش لا يُكثّف، فحسب، الوجه البشع لتاريخنا الإسلامي الطويل، ولكنه آت من رحمه!!
وعلينا أن نرى هذا الوجه البشع فينا، كما رأت أوروبا الوجه القبيح للمسيحية المكثف في عصر محاكم التفتيش.
وإن كنا صادقين مع أنفسنا، ومع غضبنا تجاه ما يفعله داعش اليوم، ينبغي أن نكف عن تدريس أجيالنا، كما درّسناهم على مدار قرون، أن تحطيم الآثار في زمن "الفتوحات الإسلامية" هو عمل حضاري لوأد الجاهلية!!!

(*) كاتب سوري فايسبوكة

خالد مطلق(*)... صدمة متحف الموصل

فبراير 27, 2015 اضف تعليق
 من الطبيعي ان نصاب بهذه الصدمة المروعة وتتقطع قلوبنا ألما على آثارنا الغالية، فهي على الأقل اخر ما تبقى لنا كي نباهي به الشعوب الاخرى، فنحن لم نترك اثرا مهما منذ بابل وآشور وأور وسواها .

من حقنا ان نحزن بعمق، نحزن بطريقة تتناسب مع هذا الالم، وتتناسب مع مناسبة الحزن نفسها، اذ لا يعقل ان نحزن من اجل فناء رموز حضارية ، بطريقة غير حضارية، نتألم من اجل رمزية هويتنا التاريخية المشتركة، ولكن بطريقة تشكك بهذه الهوية وتعمل على تشتيتها، التعبير عن الحزن سلوك انساني راقي، وليس (وليمة عارية **) للشتائم والتشفيات.. الشعوب التي لا تعرف حتى ان تحزن بإنسانية، وتتكاتف في اللحظات العصيبة، لا اعتقد انها ستعرف طريقها للفرح والبهجة ايضا. 


كلنا نعرف الاسباب التي فقدنا بموجبها نينوى الغالية بيد عصابة همجية ، كلنا ندري بان داعش لم تواجه جيشا مدربا قويا قادرًا على حماية البلد ، لقد بدد اللصوص والفاسدون والكذابون ثرواتنا الهائلة وتركوا اخوتنا الجنود البسطاء يواجهون مصائرهم بلا عدة عسكرية وبلا تدريب وبلا غطاء جوي، لقد تركوهم في العراء يواجهون المذبحة . 

كانت نينوى وطوال تاريخها، تفخر بآثارها وحضارتها وجامعتها، الموصل ألان مثلها مثل المدن السورية، مختطفة ومغلوبة على امرها، وتواجه احقر مجموعة بشرية تحرق أسراها احياء في أقفاص من حديد . اي شخص منا قدر له ان يعيش في الموصل الان فمن المؤكد انه سيروع وسيصاب بنوبات الرعب على نفسه وعائلته، سيرتجف هلعا بين جدارن الجريمة الذي صممتها داعش من حولها . نحن نعرف اهل الموصل جيدا، عشنا معهم، دخلنا بيوتهم، تشاركنا معهم مقاعد الدراسة وخنادق الحرب، نحن نعرفهم جيدا. ليس من شيمتهم اطلاقا التنازل عن عمقهم التاريخي لحفنة من الاوباش. 

هناك مستعمرات طلحبية من العوام والدهماء و سفهاء العقول يجروننا في كل مناسبة الى مناطق تفاهاتهم ويقسموننا بمشيئتهم ويصنوفننا على هواهم ويحولون أحزاننا الوطنية الى حفلاتهم الطائفية البشعة . وللاسف نتورط معهم احيانا في لغة لا تليق بنا ، خاصة ونحن نبكي حضارات الاف السنين التي ندعي علاقتنا بها .

الآحزان الوطنية، مثل مجزرة يوم الامس الاسود ، مثل جريمة سبايكر ، مثل سقوط الموصل، يجب ان توحدنا ، يجب ان نضع أيدينا بايدي بعضنا كي نتقاسم الالم ، كي نتجرع المِحنة، كي نبقى اقوياء ، كي ندحر عدونا المشترك. عدونا الحقير الذي للاسف بات يعرف نقاط ضعفنا ويوظفها في كل مناسبة. 

قليل من الحب هو ما نحتاج اليه ، قليل من الحكمة والهدوء، هو ما نحتاج اليه ، لنجعل من مصائبنا الوطنية مناسبات للتقارب، للوئام، للسلم الوطني، لقد شبعنا من التفاهة ، لقد أصبحنا عبئا على أنفسنا . 

لقد افرطنا في الكراهية حتى تحولت الى داء وطني مزمن . 

خذ طائفيتك بعيدا عني ، أرجوك لم أعد احتمل .

** الوليمة العارية عنوان رواية لعلي بدر، هي من اروع ما قرأت...


(*) كاتب عراقي
فسبكة

اريك رولو بقلم آلان غريش

فبراير 26, 2015 اضف تعليق
 رحل الصحافي اريك رولو عن 89 عاما، هنا مقال مستعاد عنه لآلان غريس


إنّه الصحافي الفرنسي الأشهر في ما يتعلق بالمنطقة. كتابه «في كواليس الشرق الأوسط: 1952ـــ 2012» (منشورات فايار) يشتمل على حقائق واكتشافات عدة، خصوصاً التحول الذي أحدثته حرب الـ 1967 وعواقبها على المدى الطويل

طوال عقود، كان ايريك رولو الصحافي الفرنسي الأشهر في ما يتعلق بالشرق الأوسط. غطى حروب الـ 1967 و1973، وقابل جمال عبد الناصر، وأنور السادات، والعاهل الاردني الملك حسين، وياسر عرفات، ودافيد بن غوريون، وموشيه دايان، واسحاق رابين، وشيمون بيريز، وجميع القادة الذين كان لهم تأثير كبير في تاريخ هذه المنطقة. ارتبط رولو في وقت مبكر جداً بالزعيم العراقي الكردي مصطفى البارزاني، ويبقى دوماً حساساً تجاه مطالب هذا الشعب.

الكتاب الذي ينشره اليوم بعنوان «في كواليس الشرق الأوسط: 1952-2012» Dans les coulisses du Proche-Orient (منشورات فايار) شهادة بارزة على تاريخ هذه المنطقة، وخصوصاً على التحول الذي أحدثته حرب الـ 1967 وعواقبها على المدى الطويل. بالنسبة إلى كل الذين يريدون أن يفهموا، تمثّل هذه الشهادة مقدمة واضحة ومثيرة للاهتمام إلى التاريخ المعاصر لهذا الشرق الذي ندعي أنه معقّد جداً. بالنسبة إلى الشبان، سيكون هذا اكتشافاً. أما بالنسبة إلى الآخرين، فسيمثل ذلك انغماساً في ذكريات منسية أحياناً.
يشتمل هذا الكتاب الذي ألّفه صحافي تابع يوماً بيوم الأحداث التي شهدتها هذه المنطقة، على حقائق واكتشافات عدة، من بينها الطريقة التي اعتمدها الجيش الاسرائيلي ــ من خلال شبه انقلاب ــ كي يفرض على حكومته شن الحرب على مصر في 5 حزيران (يونيو) 1967. يروي رولو أيضاً موت جمال عبد الناصر، وتولي السادات زمام السلطة، والطريقة التي اتكأ بها هذا الأخير على الاخوان المسلمين لمحاربة اليسار والماركسيين.
بصفته دبلوماسياً مستقبلياً، لم يحصر رولو مهمته بدور المراقب. في نهاية الستينيات، حاول عبثاً تنظيم زيارة الرئيس الأسبق للمجلس اليهودي العالمي ناحوم غولدمان إلى القاهرة. قام عبد الناصر بدعوة غولدمان، لكنّ الحكومة الاسرائيلية رفضت اعطاء هذا الأخير الضوء الأخضر. لم يفوّت القادة الاسرائيليون يوماً فرصة لضرب بمسيرة السلام عرض الحائط... لقد كتبت مقدمة هذا الكتاب الصادر حديثاً، وأقدّم هنا بعض مقتطفاتها:
«في مطلع عام 1952 نُفِي ايلي رفول الذي سيصبح لاحقاً ايريك رولو، من مصر. غادر البلاد في الرابعة والعشرين من العمر حاملاً معه أمتعة قليلة ومتسلحاً بخبرة كبيرة. لم تُثبِط عزيمته سنةٌ من البطالة، ووجد في النهاية مكاناً له في قسم الاصغاء إلى الاذاعات العربية التابع لوكالة «فرانس برس»: في تلك الحقبة، كان مراسلو الصحف في الخارج قلائل والوسائل المتاحة لمعرفة ما يحدث قليلة. عليهم إذاً الاصغاء إلى الاذاعات المحلية ليتمكنوا من الاطلاع على آخر المستجدات.
في تشرين الأول (أكتوبر) 1954، حقق سبقه الصحافي الأول: أعلن أنّ الرئيس المصري جمال عبد الناصر نجا من محاولة اغتيال نُسِبَت إلى الاخوان المسلمين. وفي عام 1955، بدأ تعاونه مع صحيفة «لو موند»، ومرة أخرى، ها هي مصر والأزمة بين عبد الناصر والغرب تقدمان له فرصة توقيع أول مقالٍ له يظهر في الصفحة الرئيسة: «سيُشيَّد سد أسوان رغم كل شيء. هذا ما تؤكده القاهرة» (صحيفة «لو موند» بتاريخ 22-23 تموز (يوليو) 1956). بعد بضعة أيام، أي مساء 26 تموز (يوليو)، استمع لخطاب عبد الناصر الذي أعلن مقهقهاً، متفاجئاً ربما من جرأته، عن تأميم شركة قناة السويس، بغية تمويل بناء السد العالي في أسوان لأنّ الجهات المانحة في الغرب رفضت متابعة تمويل هذا المشروع. فوجئت إدارة «فرانس برس» بهذا الخبر، لا يُعقَل أن يجرؤ عبد الناصر على ذلك، وكتمته لبعض الوقت ولم تقرر نشره إلا عندما بدأت الصحف المنافسة بنشره».
(...)
«هذا الكتاب دليل أيضاً على فطنة هذا الصحافي الجيد الذي كان في كل لحظة على موعد مع التاريخ: في القاهرة في حزيران (يونيو) 1967، أثناء الاعتداء الاسرائيلي؛ في عمان عام 1970، خلال المجازر التي ارتكبها الجيش الاردني بحق الفلسطينيين؛ في القاهرة مجدداً، في 28 أيلول (سبتمبر) 1970، عندما توفي الرئيس عبد الناصر بشكلٍ مفاجئ، وفي نيقوسيا عام 1974عندما حدثت محاولة انقلاب ضد الرئيس، الأسقف مكاريوس (مقالة بعنوان «لطالما شكلت قبرص واليونان جزءاً من «امبراطوريته»» في صحيفة «لو موند» وذلك في إطار تصور بريطاني للشرق الأوسط الذي يضم اليونان، قبرض وتركيا في خندق واحد).
غالباً ما يحظى ايريك رولو بتكريم استثنائي. ينزل في أهم الفنادق حيث يجلس المسؤولون في غرفة انتظار ليقابلوه، يفضوا له بأسرارهم ويكشفوا له عن الحقائق التي يعرفونها، وهذا ما يثير غيرة بعض زملائه.
لكن دولة واحدة تخرج عن هذه القاعدة: إسرائيل. لا شك في أنّه استطاع كما يقول هنا، اجراء مقابلات مع دافيد بن غوريون وغولدا مائير وموشيه دايان واسحاق رابين وشيمون بيريز. بيد أنّ مناحم بيغن، الزعيم اليميني، أدانه بصفته «عميلاً مصرياً» رأي شاركه إياه «الاستابلشمنت». ويتذكر جان غيراس أنه في باريس، «قامت السفارة الاسرائيلية بمضايقته من خلال بعث رسائل يومية من «قرّاء ساخطين» إلى مدير صحيفة لو موند». بالنسبة إلى قادة «الدولة العبرية» خلال السبعينيات، فإنّ ايريك كان أكثر من مجرد عدو. إنه خائن تستوطن فيه «كراهية الذات». لا يستطيعون أن يفهموا أنّه على العكس، حمل هذا الرجل في نفسه تقليداً يهودياً يسعون هم إلى دفنه، تقليد ضرب عرض الحائط بالقومية الضيقة وأعرب عن تضامن مع المظلومين كلهم. انّ أحد أصدقاء رولو، شحاتة هارون، محامِ مصري يهودي رفض مغادرة مصر حتى وفاته، ونقش على شاهدة قبره:
«أنا أسود عندما يكون السود مظلومين.
أنا يهودي عندما يكون اليهود مظلومين
أنا فلسطيني عندما يكون الفلسطينيون مظلومين».
يحب إيريك أن يروي «عودته» إلى مسقط رأسه، إلى هيليوبوليس، في نهاية الستينيات. مع زوجته روزي، قرع جرس الباب واستقبله بلطف سكان المنزل الذين أخبرهم قصته. ويا للمفاجأة، رآهم يقهقهون: «إنهم فلسطينيون يحتلون منزله، وسخرية الوضع قد فاجأتهم جميعهم بشدة. ستربطه علاقة صداقة بهؤلاء المشرّدين، من دون منزل ولا وطن، ويشعر أنّه مقرب منهم».

* صحافي فرنسي ومدير مساعد في «لو موند ديبلوماتيك»

سيارة تطلق النار على سائقها... محمد حجيري

فبراير 25, 2015 اضف تعليق


في الطريق الى بيروت، في الطريق من صيدا الى بيروت، معادن ثقيلة تتحرك، الاتوتستراد زهرة تحتضن أرواحاً قذرة، شاب ينظر إلى عابرات بسيارات فارهة…
في الطريق
الأشجار أكاذيب العيون
الأشجار أحلام الجبال
الأشجار أطفال العقل،
الأشجار عانة الينابيع
الأشجار نساء السواقي العطشى
الأشجار لن تكون أنا.

في الطريق
 الألم مسموع على كرسي
الألم كأشواك بين أصابعي، 
الأيام زهور 
الأيام ألم
الأيام ناس لا أحتملهم في سيارة الفان
رجل مقرف بالسعال
امرأة متفانية في الإنجاب 
 وفتاة الجامعة بثياب السرير
رجل والع بسيجارة
جبل ينام فوق كتفي 
لافتات لأعمار ممزقة
لحروب صغيرة

في الطريق
القتيل على الأرض 
لا أريد أن أرى دمه
والله في الأفق
في الطريق من صيدا إلى بيروت 
الحياة احتمال موت
الحياة أفكار ضائعة بين نهدين 
أو في كومة من القش
واليأس يظهر على أصبعي أوسع من السماء

في الطريق 
الحياة بانتظار عود ثقاب واحد 
عود ثقاب واحد يكفي لهذه الحياة
الحياة… سيارة تطلق النار على سائقها 
والموت والاتوتستراد وجهان لعملة واحدة 
لعقول دمرها الجنون 
لأرواح باردة تحت عجلات وحشية 

في الطريق 
أفكر قليلاً 
عزرائيل في السيارة 
أمشي بهدوء 
البطء شيطان الملل 
البنزين يغوي كما الحب
الإطارات تغوي كما الحب 
أفكر قليلا ً
غيري يفكر قليلاً 
الشرطي يغضب
 الوزير يصرح 
في اليوم الثاني يبقى 
الاتوتستراد والموت وجهين لحب واحد
هو الموت

في الطريق 
أشجار تحتضن أرواحاً 
شاب ينظر إلى عابرات بسيارات فارهة 
شاب يبيع الذرة 
شاب ينظر ولا يرى 
شاب يلمح سيارة تلتهم راكبيها على قارعة الطريق 

في الطريق 
حياة خلف بيوت بعيدة، 
موت خلف بيوت بعيدة، 
طوائف فوق الروابي وعلى المنحدرات 
شرطي يلهو بأصبعه 
وزير تخطفه الكاميرا 
رجل ينظر من النافذة ليتذكر 
رجل يقرأ لينسى 
عويل عجلات 
عويل أرواح تحت عجلات
عويل أفكار ونهود تحت حاملات خفيفة 
سيارة تطلق النار على سائقها، 
رأس رجل بين فكيّ ديناصور 
راكبو دراجات يقودونها نحو موتهم اللامرئي 
جيفة كلب قضى 
عويل رافعة معدنية بين الصنوبر

في الطريق 
 رجل والع في حذاء مستعمل
رجل والع في مومس عابرة
   سيارة تسقط في النهر
سيارة تقفز فوق الجسر
سيارة تبتسم للهواء
وتسقط في النهر
في الطريق يمتزج الموت بالحديد
لكن القبر هو القبر

في الطريق 
حياة خلف بيوت بعيدة، 
موت خلف بيوت بعيدة، 
عواء طوائف فوق الروابي وعلى المنحدرات 
شرطي يلهو بأصبعه 
وزير تخطفه الكاميرا 
رجل ينظر من النافذة ليتذكر 
رجل يقرأ لينسى 
عويل عجلات 
عويل أفكار ونهود تحت حاملات خفيفة 
سيارة تطلق النار على سائقها، 
رأس رجل بين فكيّ ديناصور 
راكبو دراجات يقودونها نحو موتهم اللامرئي 
جيفة كلب قضى 
عويل رافعة معدنية بين أشجار الصنوبر

في الطريق
وفي أي مكان
الحياة 
شريط
ذكريات 
لا ينتهي
الحياة
أرخص من العشب اليابس 
في الطريق
بعضهم يبتسم للموت 
دون أن يراه
بعضهم يبتسم للموت مثل شجرة تشبه حطاباً(1)
 دون أن يفكر مثل شجرة(2)
 دون أن يصرخ مثل شجرة(3)
دون أن يموت وقوفاً مثل شجرة
بعضهم يبتسم
 الموت المباغت يسمونه قضاء وقدر
الموت
ابتسامة
 الخلود
كل الطرق تؤدي الى الجحيم
كل الطرق تؤدي إليكِ
انقذيني من رياحك 
أنا مجرد غبار
هنا في الطريق 
أنقذيني
فكل شيء وهم في وهم
حتى النساء.

1 – إشارة إلى ديوان «شجرة تشبه حطابا» للشاعر اللبناني عباس بيضون.
2 – إشارة إلى ديوان «أفكر مثل شجرة» للشاعر العراقي عبد العظيم فنجان.
3 – إشارة إلى ديوان «صراخ الأشجار» للشاعر اللبناني شوقي بزيع.
محمد الحجيري 
شاعر من لبنان 

بشير مفتي...في مرثية عشق قديم/خاطرة

فبراير 23, 2015 اضف تعليق




-1-
ليست الكلمات التي تنقصنا حينما لا نتكلم
 ليست الكلمات ولكن حرارتها 
تلك الحرارة التي تنبعث من القلب
 تلك التي تفجرها وترسلها كالحمم
 تلهب العالم كله لو أرادت
 تشعل القلب نيرانا لو رغبت
 تلك الحرارة الملتهبة
 هي التي تعطي كلماتنا أجمل سحر


-2-
أنت من اختار لي هذا.
تركتني أصعد إلى أعلى قمم الشوق،
 ثم سحبت البساط من تحتي
 فسقطت قٌدام عينيك
 تركتني انفجر كالشظايا فوق الأرض
 تمزقت شرايين القلب وبقيت صامتة عني
 شاهدتني أغرق في بحيرة الدم الساخن
 شاهدت موتي وضحكت
 نهيتني حتى عن البكاء
 طلبت مني الصمت عن الكلام
 فرحت لموتي
 فرحت لموتي
-3-
لم يمت قلبي بعد
 لكنه كأنما انتحر
 صمت فجأة عن الصراخ
 غاص في وحدة أليمة
 ذاب في أرض الصقيع الباردة
 سخونته تلاشت
 صار يئن دون وجع
 بصمت لا يحرق اي أحد.
-4-

نسيتك فجأة 
 وأنا أتخلى عنك أخيرا
 شاهدت سنوات العشق المجنونة تضيع في الصحراء
 والعاصفة تمحي خلفي ذلك الأثر

-5-
تخطرين كشبح ليلي
 امرأة تشبه سحر الليل
 لم أتعذب إلا في داخل الليل
 النهار أمتطيه كسحابة شتاء طويل 
 يحرسني من ليلي الحزين.
-6-
فجأة انبثق الضوء
 فسرت خلفه
 لأبصر الأفق
 لا يوجد أي حلم
 لكن غريزة الحياة تستمر
 في ذلك الطريق
-7-
هل كنت تبكي
 أم كنت تحلم
 أم كنت تنظر للحياة على أنها جنة العابرين.

عبد الله خلف عن بشير هلال

فبراير 23, 2015 اضف تعليق
  • بكير بعد يا بشير، المعركة ما انتهت، رحلت قبل الأوان، زرناك يوم أمس وأنت على فراشك في المستشفى رأيناك تفتح عينيك، ربما لتودعنا، أكنت تسمعنا يا صديقي عندما أخبرناك عن آخر أخبار لبنان وعن جلسات الحوار وعن أخبار سوريا التي دافعت عن حريتها وكرامة شعبها وأخبرناك عن العاصفة الثلجية في لبنان وعن ضيعتك "قرنايل"، أخبرناك عن مقهى داغر الذي كنا نجلس فيه معك دائماً، حبسنا دمعنا وتألمنا وكنا نعرف أنها ستكون آخر زيارة إليك، أسمعناك أغاني فيروز عن الجبل البعيد قبل أن نتركك وتتركنا وقبل عودتك إلى ذلك الجبل، بيتك وموطن ذكرياتك التي حدثتنا عنها في كتاباتك، ستعود إليه يا بشير للمرة الأخيرة.

  • لن أسمعك بعد الآن على الهاتف اليومي تقول: "كيفك عمي عبدالله؟" وتسألني عن أحوال عرسال وأهلها وعن أوضاع النازحين السوريين فيها وأنت من خيرة المدافعين عنها، وكنت أرد عليك "يا هلا بالشيخ بشير" وأسميتك "القائد" تحبباً وللتصاقك بالثورة السورية ونشاطاتها والتي لم تغب يوما" عنها! كما كنت دائماً مناضلاً من أجل حرية واستقلال لبنان وقليلون يعرفون أن 14 آذار تكونت في مكتبتك الباريسية قبل بيروت! 

  • تحية لروحك أخي وصديقي بشير هلال.

نهاية زمن انتظار الـمُخَلَّص؟ بشير هلال

فبراير 23, 2015 اضف تعليق
كان يمكن اعتبار ما جرى تقديمه كمقابلة صحافية مع المشير عبد الفتاح السيسي في جريدة «السياسة» الكويتية بمثابة إعلان منتظر لترشحه للانتخابات الرئاسية، وعلى أنها مقصودة بذاتها كترميزٍ للرهان على استمرار وأهمية العون الذي تلقاه الحكم المصري منذ عزل الرئيس محمد مرسي من دول الخليج، باستثناء قطر. لكن بياناً منسوباً إلى الجيش المصري نقلته وكالات الأنباء بعد ساعات على المقابلة، أعاد الأمور إلى مدار الإبهام المنظم، بنفيه «أن يكون قائد الجيش عبد الفتاح السيسي حسم أمر ترشحه للانتخابات الرئاسية مؤكداً ان ما نقلته بعض الصحف مجرد اجتهادات وليس تصريحات». بذلك بدا كما لو أن الجيش يُعمِّق مسار التأويلات المتناقضة لتأخر قائده في الإعلان عن ترشُحه، رغم مطالبته «بالإجماع» من المجلس الأعلى للقوات المسلحة بـ «الاستجابة لثقة الجماهير فيه»، وتقديمه استقالته من الحكومة ووداعه لها اللذين سبقهما قرار تقديم الانتخابات الرئاسية على التشريعية. والأخيرة كان يُفترَض إنجازها أولاً وفق «خريطة الطريق» وبنود الدستور الجديد الذي أقِر بنسبة 98 في المئة في استفتاء أجري منتصف الشهر الماضي وقاطعه «الإخوان المسلمون» وجماعات اسلامية اخرى، إضافةً إلى جزء من منظمات شباب ثورة 25 يناير ومنظمات المجتمع المدني التي يتعرَّض بعض ناشطيها للملاحقة والمحاكمة.
لم ينفِ بيان الجيش مع ذلك احتمال الترشُح بل وضعه في خانة الترقب الواقع بين التكتيك التعبوي الإعلامي، وبين استخدامه كأداة في «كسح الألغام» وتشكيل مشهد سياسي- انتخابي ملائم لإبراز السيسي كزعيم في حالة الترشُح - وهو الاحتمال الغالب- بما يُقرِّب انتخابه وقتئذٍ من صفة المبايعة أو كـ «مرشد» في حال قراره عدم الترشُح وانتظار انتخابات رئاسية مقبلة باسم الجيش ولمصلحة دوره. وفي الحالتين استكمال تحويل الترقب القائم منذ انقلاب 3 تموز (يوليو) المنصرم إلى عنصر فاعل في تشكيل صورة خلاصية وتنزيهية لشخصية المشير ودوره. ولعلّ في واقعة سحب جريدة «الوطن» المصرية نسخة تحتوي تحقيقاً عن ثروة وإرث المشير العائلي، إشارة كافية إلى الحرص على وجهة تنزيهه عن الانتفاع الشخصي التي أكملها البيان بتنزيهه عن شبهة استخدام السلطة وميزاتها العنفية والبيروقراطية في التمثيل الشعبي، بقوله إن المشير «يتطلع الى انتخابات رئاسية تعددية تتساوى فيها فرص كل المرشحين»، وإنه «يرفض حملات تستهدف تشويه منافسيه المحتملين، وهو يقبل بأي منافس ولو من داخل المؤسسة العسكرية»، فيما قراره «قرار شخصي سيحسمه بنفسه أمام أبناء الشعب المصري العظيم».
وهذا يجعل البيان بما نفاه وبما أكَّده، مؤشراً أيضاً إلى ثقة بالفوز وبنجاح عملية تحويل وقائع الثورة المصرية خلال سنوات ثلاث إلى مادة لمحورة المشهد السياسي المصري حول «الدور الجديد» للجيش وللسيسي نفسه فيه.
بهذا المعنى فإن التفسير الإخواني لتأخر الترشّح كعلامة على انقسامات جدية داخل المؤسستين العسكرية والأمنية، بدا أقرب إلى تمنياتٍ «مفيدة» لإعادة تعبئة قاعدة أرهقها الانتقال من السلطة الاستئثارية التي نذرت لها كل تاريخها، إلى المعارضة الممنوعة مجدداً وسط انزياح تأييد الغالبية الشعبية عنها، وتزايد طلب الأخيرة على الاستقرار الذي يصيب في الوقت ذاته جزءاً من الطواقم القيادية اليسارية والليبرالية والمجتمع -مدنية للثورة. ذلك لا يلغي إمكانية وجود تمايزات بين شرائح جيلية ووظيفية داخل الجيش، واختلافات في مقاربة كيفية الحفاظ على امتيازاته ودوره الاقتصادي-السياسي ومنافسة نسبية بين مؤسساته الاستخباراتية وبين المؤسسة البوليسية لوزارة الداخلية الأكثر تورطاً بالقمع والفساد العمومي زمن الرئيس حسني مبارك. لكنها لم تكن، وليست بعد، عامل شقاقٍ جدي في قراره وإلا لما استطاع الالتفاف على ضعفه الموضوعي الطارئ الذي أحدثته الثورة، ثم على نفوذ «الإخوان المسلمين» وصولاً إلى مواجهتهم ومنعهم بعد تثمير الحراك الشعبي ضدهم في تحقيق الانقلاب عليهم، ثم مصادرة هذا الحراك عبر المعركة التي يخوضها تحت شعار «مكافحة الإرهاب» التي تغذَت بأخطائهم السياسية الفادحة في الحكم ثم خارجه.
والحال أنه كان سيبدو غريباً عدم استثمار التعاظم العفوي والمُصنَّع في شعبية الفريق الأول -الذي رقَّاه الرئيس الموقت إلى رتبة مشير- بعد مظاهر تأييدٍ اتخذت أشكالاً احتفائية ودعائية ومبايعاتية فاقعة، بدءاً بملء اعمدة الإنارة العامة ولوحات الإعلانات بصوره بالزي العسكري، مع عبارات من نوع «السيسي رئيساً» وحملة «كمِّل جميلك» وإطلاق أغنية «تسلم الأيادي»، مروراً بتوقيع عريضة مليونية لمطالبته بالترشُح وصولاً إلى وضع صورته الكرتونية على غلاف مجلة «سمير» للأطفال مُدوَّناً عليها «ابن مصر الأصيل»، بعد عدديْن منها خصصتهما لأسْطرة دور الجيش. وترافقت هذه الحملة وتترافق مع وقائع محاكمات الرئيس المعزول و14 قيادياً من حركة «الإخوان المسلمين» واستمرار الاعتقالات في صفوفها وحصول صدامات دموية خلال تظاهراتها غير المُرخصة، كما اقترنت الحملة في الإعلامين الرسمي وشبه الرسمي بموجة ردحٍ تخويني للحركة تذرَّعت بملف الإرهاب، وتخطَّت أحياناً حدود الكوميديا الهابطة كما في الفتوى التي أصدرها الشيخ مظهر شاهين إمام مسجد عمر مكرم ونصت على «وجوب تطليق الزوجة الإخوانية في حالة مشاركتها في تظاهرات الإخوان، أو الرقص عند استشهاد أحد ضباط الجيش والشرطة» واضطر مفتي الجمهورية إلى استنكار الفتوى.
وفي هذا السياق يبدو طبيعياً ما ذكرته «الحياة» في 7 شباط (فبراير) من أن المشير سيعلن رسمياً ترشحه في كلمة يلقيها عقب اعتماد قانون الانتخابات الرئاسية، المتوقع منتصف الأسبوع المقبل، وتتضمن الكلمة «تعهداً بالحؤول دون عودة رجال نظامَي الرئيسين السابقين مرسي ومبارك».
وإذ ينقضي زمن انتظار الترشُح ويبدأ التحضير لانتخابات رئاسية، وإن محسومة النتيجة مبدئياً، تعود إلى الواجهة القضايا المتروكة لخط «الغموض البنَّاء» الذي اتبعه المشير حتى الآن، والتي لن يعود ممكناً حلها بتوليد «ناصرية» سياسية جديدة ضمن ثنائية علاقة القائد-الشعب بطريقة «أقول نشبك الأيدي ونتقدم للعمل»... أو باعتبار التنمية مجرَّد برامج خبراء واستقلال الجيش بسلطته على نفسه واقتصاده وقضائه حقاً دستورياً، ومشكلة «الإخوان» قضية «مجموعة إرهابية» تُعالج أمنياً، وليست نهجهم الإقصائي اللاديموقراطي وحاكميتهم. يبدأ زمن زوال الأوهام الكبيرة وعودة السياسة.
عن جريدة الحياة

من «الأحمر» إلى «الأخضر»، دانييل كوهين بنديت ـ بشير هلال

فبراير 23, 2015 اضف تعليق


بشير هلال

بدا دائماً رجُلاً يجيد القدوم من الهوامش والأطراف والأقاصي ليلعب في الرقعة المركزية للأحداث. هكذا منذ الثورة الطلابية في 1968، التي كانت ثقافية جيلية وسياسية معاً. ضد سلطة ديغول ولكن ايضاً ضد كل «سلطة» بالمعنى التراتبي والتنخيب الطبقي الإقصائي، وضد الضبط الاجتماعي التقليدي القامع للفرد وللجنس وللنسوية وللشباب. وضد الرأسمالية لكن أيضاً ضد اشتراكية مركزية شمولية تدَّعي، وهي تشيد غلبة نظامها الجهازي، أنها تقيم للبروليتاريا «المُخلِّصة» والمؤلَّهة كنيسة الشباب والتجديد الدائميْن. ضد المع والضد معاً. رجُل القيادة الميداني لمشروع تجاوُزي يوتوبي يلخصه الشعار «الغنائي» الذي انطلق خلال هذه الثورة: «كونوا واقعيين، اطلبوا المستحيل». «المستحيل الواقعي» الذي يجمع في «باتش وورك» ساحر بين ماركس، من دون لينين، وباكونين وماركوز وغيفارا وهوشي منه وماو وثورته الثقافية والبيتلز والرولينغ ستونز وحبوب منع الحمل وبراعم البيئوية السياسية و«الفهود السود» ومارتن لوثر كينغ والعداء للامبريالية والتسيير الذاتي واللامركزية والعودة الى الطبيعة وكراهية مدن التنك.
رجل حركة 22 آذار (مارس) الذي منعته سلطات فرنسا، وطن والدته، من الاقامة في أراضيها اثناء «الثورة»، ليدخلها مراراً في السر قبل انطفاء الثورة الميداني وتمددها الفعلي في ثنايا الحياة الفرنسية والاوروبية عبر تحديث ما بعد المجتمع الصناعي. الرجل الذي كان يبدو كما لو أنه يتلاشى بعد ذلك، لم يكن في الواقع يفعل أكثر من مراجعة تجربته ليضيف اليها براغماتية تُواصِل ولا تقطع مع المصادر الحقيقية ليوتوبيا واحلام تلك المرحلة، وليبدأ منذ 1984 نشاطه مع الخضر الالمان وليصبح عام 1994 نائباً عنهم في البرلمان الاوروبي، ثم رئيساً لكتلة الخضر فيه منذ 2002 وناطقاً رسمياً باسم حزب الخضر الاوروبي المُنشأ عام 2004 قبل أن يترشح لانتخابات هذا البرلمان وينجح كمرشح في فرنسا على لائحة «اورويا البيئة» التي حصدت أعلى رقمٍ للخضر في تاريخهم: 16.28 بالمئة من الاصوات.
هكذا من الطرف الهامشي الذي كانه الخضر في فرنسا والمانيا واوروبا عموماً قبل ثلاثين عاماً، باشر مرة ثانية السياسة ليعود فيصبح في قلب ديناميتها كمواطن «اوروبي» وفيديرالي، كأنه استشرف تحول القضايا التي يحملونها محوراً تاريخياً جديداً للعمل السياسي، بصرف النظر عن تفاصيل حيواتهم الحزبية وتبدلاتها وتلويناتها. التأثير في التغيير وعبره يبدو اليوم في قلب نشاطية دانييل كوهين. وهو يدين بذلك ليس الى حزب بذاته ولا الى فكرة بعينها، بل ربما اكثر الى رؤيته بأن المجتمع بإمكانه لعب دور لا تستطيعه الدولة ولا يجب ان يقتصر عليها، ولإيمانه ببراغماتية تكره توهُم السياسة انطلاقا من منظومة تدّعي تفسير وحلّ كل شيء.
في نهاية مقابلة معه في مكتبه بمقر البرلمان الاوروبي في ستراسبورغ، قلتُ له إن أول مقالٍ كتبتُه ونشرتُه في جريدة «الاخبار» الشيوعية آنذاك، كان في نقد سياسته في الثورة الطلابية باعتبارها يساروية مغامِرَة. نقدٌ استلهم حذر الحزب الشيوعي الفرنسي ومُحافظته السياسية والايديولوجية. لم يتسع الوقت لأضيف أن «مغامرة» الثورة الطلابية التعددية العصرية فشلت ميدانياً لكنها نجحت في إذابة جليد المحافظة وعالم النظام الصناعي التقليدي وبقايا الكولونيالية، بينما نحن نجحنا عبر «واقعيتنا» اللينينية الزاعمة الضديةَ لمغامرة «اليسار الطفولي»، في الانقياد إلى أحضان الحروب المتناسلة التي أوقفت تيار إذابة جليد العصبيات الأهلية وحروبها «الوطنية» الباردة. فاقتضى التنويه...
بشير هلال: لقد انتقلت من اقصى اليسار الى المعارضة البيئوية. من داني الاحمر في الثورة الطلابية عام 1968 الى داني الاخضر. هل هناك شيء خلاصي ما
تستبطنه سيرتك؟ 
دانييل كوهين بنديت: ليس الأمر كذلك تماماً. فالثورة الراديكالية اليسارية التحررية لعام 1968 التي لعبت فيها الحركة الطلابية دور الكاشف والحافز، كانت ثورة سياسية من النمط الراديكالي الكلاسيكي، بمعنى انها كانت تحمل الأفكار الثورية لديموقراطية هادفة إلى المساواتية والتحرير في العادات وتلك المنتسبة لأقصى اليسار والداعية إلى التسيير الذاتي. وهي مزائج استلهمت مروحة واسعة من المفكرين من باكونين إلى هربرت ماركوز. وهي في الواقع أفكارٌ من القرن الماضي. وانتقالي إلى «داني الأخضر» كما تقول هو عملية مركّبة نتجت عن وعي مُضاف ببدء مرحلة جديدة من التاريخ الانساني عنوانها الضرورة العاجلة لايقاف الانهيار البيئوي لعالمنا عبر إيصال المجتمعات إلى مرحلة التمكّن من تبني السياسات واتخاذ التدابير الآيلة إلى ذلك. ما يستلزم وعياً سياسياً جديداً أسْميتَ ذلك خلاصياً أم لا. اليوم لا تستطيع انتظار الثورة لحل مسائل التدهور البيئوي. وهذا ما اختبرته جيداً من موقعي كنائب عن «الخضر» في البرلمان الاوروبي.
بشير هلال: من الممكن حماية البيئة من مسارها التدهوري دون اجراء
تغييرات سياسية؟
دانييل كوهين بنديت: لا، التغييرات السياسية ضرورية الى ابعد الحدود. ولكن السياق الوحيد الذي يسمح لك بالوصول الى هذه التغييرات هو عملية الاصلاح في المؤسسات الديموقراطية.
بشير هلال: عندما تقول انك كنت تحمل مشروعاً كلاسيكياً لأقصى اليسار التحرري، يكون رد فعلي الأول سؤالك عمّا بقي لديك من هذه الأفكار؟
دانييل كوهين بنديت: يبقى ذلك التوجه المجتمعي الإعتاقي والمساواتي والعمل على قاعدة انه لا يمكن ايجاد الحلول عبر الدولة وحدها، وأنه لا بد من تحسيس المجتمع كمواطنين بمسؤولياته الخاصة في التطور السياسي، بهدف توسيع أشكال التسيير الذاتي في المؤسسات والمدينة. والتحسيس بالمسؤولية هذا لا يعني تشريكاً يلائم التوجه التحريري للفرد المواطن في الدول الديموقراطية وحسب، بل هو يشكل أيضاً ضمانته.
بشير هلال: كثوْري راديكالي في وقت معين من حياتك ماذا يعني لك اليوم النشاط البرلماني؟ هل يسعدك أن تمارسه؟
دانييل كوهين بنديت: أنا اعشق البرلمان الاوروبي. إذ أجده برلماناً فريداً وشديد الخصوصية بعكس البرلمانات الوطنية التي أعتبرها مضجرة إلى حدٍ ما. إذ في الأخيرة تتموضع غالباً في سيناريوات مغلقة. فإمّا أن تكون من مجموعة الأكثرية وفي هذه الحالة يتوجب عليك القول ان الحكومة على حق أو في مجموعة المعارضة وعليك ساعتها أن تقول ان الحكومة على خطأ. في البرلمان الاوروبي يجب دائماً ايجاد أكثرية. كل قانون وتشريع يجب ان يجد أكثريته الخاصة التي قد لا تتطابق بالضرورة مع التمايزات السياسية. هذا ما هو مثير للاهتمام وساحر. البرلمان الاوروبي بهذا المعنى اكثر انفتاحاً. وهذا ما يجعلني أجد نفسي في هذا الفضاء السياسي.
بشير هلال: إلى اي درجة انخرط رفاقك واصدقاؤك في أيار 1968 في مسارات شبيهة؟ وهل اتخذوا مسافة مع ماضيهم؟
دانييل كوهين بنديت: قلة اختطّت المسار الذي اختططتُه. تجد أناساً مثل ألان جيسمار الذي كان أحد قادة حركة 1968 وغدا بعدها أحد مؤسسي تنظيم «اليسار البروليتاري» الماوي وسُجِن لهذا السبب، قبل أن يجد نفسه لاحقاً في الحزب الاشتراكي ومفتشاً تربوياً عاماً ثم أستاذاً محاضراً في معهد العلوم السياسية. ثمة شخص آخر مثل جاك سوفاجو الذي كان نقابياً طلابياً وعضواً في الحزب الاشتراكي الموحد وانصرف بعد ذلك الى تدريس مادة النهضة والقرون الوسطى. معظمهم لم يتابعوا في العمل السياسي وأغلبهم غدوا أساتذة ومدراء مؤسسات وصحافيين مثل سورج جولي الذي ساهم في تأسيس جريدة «ليبراسيون» وقليل من السياسيين مثل هنري فيبير الذي غدا نائبا عن الحزب الاشتراكي في البرلمان الاوروبي. هل اتخذ هؤلاء الناس مسافة مع ماضيهم؟ لا، لقد تطوروا وطوروا مواقفهم مع الوقت. يكون عندنا تاريخ نتطور فيه وعبره. نُعطى فرصة للتأمل والتفكُر في تغير المجتمعات والأزمنة.
بشير هلال: على سبيل المثال يقول جوزيه بوفيه الذي هو صديقك ان البيئوية لا تتلاءم مع الرأسمالية؟ هَل لا زلتَ تطالب انت أيضاً بتغيير النظام الرأسمالي؟
دانييل كوهين بنديت: نتناقش كثيراً في هذا الموضوع. ولكل منا طريقته في التعبير عما يعتقد. في الحقيقة، البيئوية تستلزم إصلاحات تغير الرأسمالية بعمق.على هذه النقطة نحن متفقون كما نتفق على أننا لا نريد اقتصاداً دولتياً أو مُخَططاً مركزياً. ولكن النقاش هو كيف يمكننا القيام بهذه التحولات وقيادتها. ومن وجهة نظري فإن اقتصاد سوقٍ مقرون بضبطٍ وقوْعَدَة، وفيه إلى جانب الشركات مؤسسات مُسيَرة ذاتيا واقتصاد تضامني بدائلي، قد يكون أحد مفاتيح الإجابة. ولا علاقة لذلك بما يسميه الحزب الحاكم في الصين مثلا اقتصاد سوق اشتراكي. المقاربة ليست مشابهة. لنأخذ مثلا بسيطا: كل الناس اليوم يناقشون أزمة المديونية. أقصى اليسار ورفاقي البيئويون الفرنسيون هم ضد السوق، وبعضهم لهذا السبب يقف مع فكرة «نزع العولمة» Démondialisation، أو مع فكرة إبطاء النمو Décroissance دونما تمحيص لمآلاتهما. وأعتقد أنه كي نكون منسجمين مع أنفسنا كبيئويين يقولون بمجتمع الرزانة في الاستهلاك، علينا العمل وفق قاعدة أنه لا يسَعْه أن يكون مجتمعا اقتراضياً سواء كان هذا الاقتراض عمومياً او خاصاً، وإلاَّ استمررنا بانتاج وصناعة المديونية التي هي السبب الرئيس في الأزمة الراهنة المتحولة من ماليةٍ بدايةً إلى اقتصادية شاملة الآن. إن لم نقُل ذلك ونعمل بوحيه فإننا نمر الى جانب الاصلاحات البيئوية الضرورية. فإذا كنا نُحبِذ تقليص استهلاك الطاقة الناضبة فإن ذلك يُلزمنا على سبيل المثال - وبين عناصر أخرى- باعادة النظر بقطاع وبكيفيات البناء والعمارة مما سيعني نمو وزيادة بعض الانشطة الحرفية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. إبطاء النمو هو مفهوم عمومي اجمالي بينما يجب ان نُعيِّن اين نريد النمو أو التقليص وكيف. هذا يعني ان إطلاقية المفهوم تنزع عنه الصدقية العلمية والعملية. مثل آخر، البيئويون يطالبون بتقليص اعتماد الطاقة النووية في انتاج الكهرباء ولكن بالمقابل يجب ان يكون لديهم مقترحات حقيقية لتنمية طاقات بديلة. بعضهم يتصرَّف كما لو أن هناك عبارة او مفهوماً يحلان كل المشاكل.
بشير هلال: هل هذا مدخل لتبرير عدم ايمانك بالأفكار الكبرى، وبالتالي ما يتهمك به البعض من تغييب او اضاعة للمعايير في نشاطيتك السياسية عبر دعواتك إلى إعادات نظر متتالية بتركيبات المشاهد السياسية والتحالفات في فرنسا والمانيا وعلى النطاق الاوروبي؟ 
دانييل كوهين بنديت: لا ليس هذا بالضبط. أنا لا أؤمن بالتبسيط عبر الأفكار والمنظومات الكبرى. إذ يجب في السياسة تدبير التعقيدات والتشابكات المختلفة وهذا لا يتم بالتبسيط والاختزال وبالتمسك بالتعميمات الاطلاقية. هناك تبدلات طيلة الوقت تستوجب المعالجة وجل ما نستطيعه هو تضمين مقارباتنا عدداً من المعايير والقيم الاخلاقية الأساسية مثل العدالة والمساواة والتضامن والتعاضد. ومن جانب آخر فعندما أتكلم عن اعادة النظر بتركيبة المشهد السياسي فلأن التغييرات التي نطالب بها كبيئويين لا يمكن فرضها بواسطة أكثريات بسيطة من نوع 51 الى 49 بالمئة. إذ أنها تغييرات في طُرز الحياة تتطلب العمل لانتاج إجماعات مجتمعية جديدة ونوع من التوافقات السياسية الموازية في امور محددة. وهذا ما تعنيه بالنسبة لي اعادات تشكيل المشهد السياسي.على سبيل المثال هناك نقاش اليوم بين الاشتراكيين والبيئويين على موضوع الخروج من النووي. أنا مع هذا الخروج بينما الاشتراكيون منقسمون بين مؤيدين، أكثر او أقل، وبين معارضين له. البيئويون يقولون للاشتراكيين اليوم بمناسبة التحضير للانتخابات الرئاسية وانتخاب التشريعيات العام المقبل: نريد اتفاقاً فورياً على الخروج من النووي الذي يمثل 70 بالمئة من انتاج الكهرباء في فرنسا. أنا لست موافقاً على مطالبة رفاقي لأن البلاد لم تشهد حتى الآن نقاشا وطنياً عاماً حول الطاقة من مصدرٍ نووي، ولأن هذا النقاش بقي ضمن دائرة تكنوقراطية مغلقة. ما أقوله انه يمكننا اليوم صياغة اتفاق على تقليص نمو المعامل النووية وعلى إطلاق نقاشٍ وطني حول موضوع تجديد هذه المعامل او تفكيكها. يجب تحسيس المجتمع والمواطنين بمسؤوليتهم وصولاً الى استفتاء. كما انه يجب ان تربح الانتخابات أولاً لتستطيع إطلاق النقاش. هذا سياق جرى اختباره في المانيا: فاتفاق «خضرها» واشتراكييها على الخروج من النووي سبقه نقاش وطني لمدة عشرين عاماً ومؤتمران للحزب الاشتراكي الديموقراطي. بينما لم يكن هناك في اي يوم نقاش حول الخروج من النووي في الحزب الاشتراكي الفرنسي ولا في غيره من الاحزاب. وبالتالي، لا يمكننا اعتماد المثال الالماني كما هو.
بشير هلال: العام القادم هناك رئاسيات وتشريعيات فرنسا. ولديكم في «اورويا - الخضر» مرشحة على ما يبدو، وهو ما لا يستهويك؟
دانييل كوهين بنديت: لا ليس هذا تماماً. انا ارى ان مجال الخضر في المعركة الرئاسية شديد الضمور كما تشير استطلاعات الرأي. ولا اعتقد ان عليهم المشاركة فيها. وهذا ما دافعت عنه دائماً. ولكن غالبية البيئويين تريد ذلك وعلينا انتظار ما سيعنيه قرارهم. وذلك لمفارقة بسيطة قوامها ان جمهور الخضر والبيئة الاساسي يريد هزيمة ساركوزي في الرئاسية المقبلة. فالناخبون يريدون للمرشح ضده - وهو مرشح الحزب الاشتراكي فرانسوا هولاند الذي اختارته التمهيديات المفتوحة لهذا الحزب - أن يكون في الطليعة عشية الدورة الاولى. وليس فقط لعدم تكرار مشهد 21 نيسان (ابريل) 1995حين تأهل لو بن زعيم الجبهة الوطنية اليمينية كمنافس لشيراك بدل جوسبان، ولكن لأن الخروج في الطليعة من الدورة الاولى يعطي دينامية ربح. وحتى التمهيديات برهنت ذلك على مستوى المعنويات. وفي هذا السياق وجدتُ من السيئ ان يقوم ناطقون ومنتخبون من البيئويين بالدعوة علناً الى مناصرة مارتين اوبري في تمهيديات الاشتراكي. هذا ليس دورنا، إذ ليس للخضر ان يحددوا مرشح الاشتراكيين. ولذا فلست متفائلا بمعركة مرشحتنا. ليس لأنها ضعيفة فهذا ما كان سينطبق عليَّ او على سواي لو ترشحتُ مكانها. انها مشكلة ضيق الحيز السياسي.
بشير هلال: في نفس خط البراغماتية تقول في مقابلة انه يجب التكيُف - ولكن ليس كثيراً - للوصول الى السلطة. هل هذا ما يلخص جوهر فكرتك عن السياسة؟
دانييل كوهين بنديت: لقد كنتُ دائماً متحفظاً على السلطة وممارستها. وما عدا مساهمتي الضرورية والاضطرارية في بلدية مدينة ألمانية فأنا لم أمارس سلطةً ما. منذ سنوات وأنا نائب ولست ولا اريد ان اكون وزيراً. ستقول لي إن النائب أيضاً لديه سلطة ما ولكن ما اريده حقيقة هو ان يكون لي تأثيرٌ دونما سُلطة. وكنائب فلي فعلاً بعض التأثير في نقاش عددٍ من المواضيع كما في النقاش حول البناء الاوروبي وسواه، لكن لا اريد ان اكون في السلطة لأنها تنشئ نوعاً من الاختزال والابتسار المُضِرَّيْن. هذه مسألة خيارات يتبعها المرء. رأيتُ اصدقاء مثل يوشكا فيشر [وزير الخارجية الالماني الاسبق] يصبحون وزراء وهذا خيار. خيار حياة وليس الحياة. أن تكون وزيراً يعني ان تصبح أداة للسياسة وخاضعاً للمفكرة التي يدْعونها أجندة الحكم، وليس هذا مفهومي للحياة، وهو كما ترى مفهوم شخصي. وانا أتكفل بهذه الفردانية وبحريتي.
بشير هلال: لنقترب من موضوعٍ آخر يبدو شاغلاً هو التركيز من منطلقات سلبية على موضوع المهاجرين في اوروبا وبخاصة المسلمين منهم؟ هل هو يأخذ المكان المنسوب تاريخياً للعداء للسامية الذي يبدو بنظر كثيرين في مرحلة التلاشي؟
دانييل كوهين بنديت: نعم ولا. موضوع العداء للسامية لم يُسوَّ تماماً. هناك عداء للسامية في طور الكمون لكننا اليوم نجده مُتجاوَزاً - ولكن غير ميت - يتجاور مع عداء آخر أكثر حضوراً هو الاسلاموفوبيا. الظاهرتان تتواجدان معاً ولكن هناك واحدة اكثر دوياً وحِدَّة من الثانية. اعتقد اننا امام مجتمعات تائهة تفكر ان التهديد يأتي من الاسلام والمسلمين وهي لا تميز بين الاثنين، ويجب القول ان هناك بعض القوى الاسلاموية التي تسهّل مهمتها. والحال اذا حكَّيت جيداً فستجد هذيْن العداءيْن. وعلى سبيل المثال اذا سألت العائلات الفرنسية الرفيعة عن رأيها في زواج ابنائها او بناتها من يهود فجواب ستين بالمئة من أعضائها سيكون أن ذلك ليس ضرورياً. واذا كان المقصود سؤالهم عن شركاء مسلمين فسيقولون لك بنسبة 80 بالمئة ان ذلك غير ضروري. وسأعطيك مثلا بسيطا: ابني الذي ليس يهوديا لأن امه غير يهودية، ويدرب شبانا من فريق محلي في فرانكفورت، كثيراً ما يسمع في المباريات متفرجين يصرخون: ها قد اتى اليهودي القذر، كما تحضر مباريات تسمع فيها هتافات من نوع المسلمون القذرون. الذي تغيَر ربما هو درجة «النضالية» في كلٍ من العداءيْن حيث يكتسب العداء للمسلمين والاسلام مساحة سياسية -إعلامية أكبر في اوروبا والغرب. ولكن هناك دائماً قوى اليمين المتطرف، كما هناك العداء الكاثوليكي التقليدي المنطلق من رواية قتل اليهود للمسيح. لا اقول انه عداء سيتطور على ما عرفه النصف الاول من القرن الماضي لكنه موجود وممكن الاستئناف. كما ان هنالك اليوم عداء للسامية جديدا هو ذلك الذي أخذ بعض المسلمين يكنونه لليهود انطلاقاً من كراهية إسرائيل كسبب للمشكلة الفلسطينية. فمع عولمة الاعلام وازدياد التواصل دخل على وعي المسلمين - وهذا ما يمكن أن أفهمه - البعد الفلسطيني، وهو يعني لهم اسرائيل وبالتالي اليهود في عملية اختزال اوتوماتيكية.
بشير هلال: أصدرتَ قبل أسابيع مع برنار كوشنير وزير الخارجية الفرنسي السابق وآخرين بياناً يدعو اسرائيل للاعتراف بدولة فلسطينية. بماذا تفكر بعد مبادرة السلطة الفلسطينية إلى تقديم طلب بالعضوية الكاملة إلى الامم المتحدة؟
دانييل كوهين بنديت: مبادرةعباس مُحِقة وسنرى كيف ستتطور. فكل العوامل حاضرة لتأكيد حق الفلسطينيين بدولة وقدرتهم على بنائها، وهذا ما يشهد لهم به نجاحهم في بناء مؤسسات وأجهزة هذه الدولة، إدارةً وموازنة وأمناً، بشهادة صندوق النقد الدولي والديبلومسيين الغربيين. ثم ان لإسرائيل مصلحة خاصة بعد الربيع العربي في دولة فلسطينية، اذ سيأتي بفعله جيل قيادي جديد غير مثقل بالنزاع ويسهل التحدث معه. كما ان الغرب سيفقد تسامحه التقليدي مع إسرائيل التي كان يعتبرها «الديموقراطية الوحيدة» في المنطقة. ثم إن إسرائيل التي تصرف 8 بالمئة من ناتجها الداخلي الخام في الدفاع لها كل المصلحة في ان تكرس بعض هذا الانفاق لمواجهة الأزمة الاجتماعية التي تغدو بنيوية بعد تدهور تقديمات نظامها ووعوده المؤسِّسة. ونرى صحة مبادرة عباس على ضوء لجوء نتانياهو الى الاتفاق مع «حماس» بقصد اضعافه. وبمعنى ما، لا يجب ان ننسى ان اسرائيل سهّلَت سياسياً نشوء «حماس»، هذا اذا اعتبرنا انها لم تساهم في ايجادها. واعتقد انه يجب ان يكون هناك وعيٌ جديد بأن ضمان أمن اسرائيل وديمومتها سيتعلق بانشاء الدولة الفلسطينية. ولكن انبثاقه متعلق بتطورات المشهد السياسي الاسرائيلي. وهذا عليه علامات استفهام كثيرة.
بشير هلال: تحدثتَ عن الربيع العربي كمُحفز إضافي للتسوية... والأبعاد الاخرى؟
بشير هلال ايام تخرجه عام 1970
دانييل كوهين بنديت: ما اشرتُ اليه عن أثر الربيع العربي في تطلُب التسريع بإنشاء الدولة الفلسطينية لا يختصر بالطبع أبعاده الأخرى على الأصعدة الوطنية والإقليمية. لكن سأشير إلى واحد منه بخاصة وهو ما يطرحه هذا الربيع على مستوى التعددية الثقافية. فأنا أعتقد ان التعددية الثقافية كما خبرناها في أوروبا مسألة معقدة ومركبة. هي واقعٌ بمعنى أنها تستند إلى معطيات مجتمعية، ديموغرافية وثقافية واقتصادية، لا يمكن تجاهلها. ونقطة الانطلاق هي أن لا نقاربها إيديولوجياً كما لو أنها مفهوم فردوسي. فالتعددية ليست فردوساً ولا جحيماً بل واقعٌ ينبغي تدبره. كما لا ينبغي أن نقاربها بتشاؤمٍ جوهراني يميل اليمين إلى تعميمه عبر القول ان التعددية ماتت او فشلت لأن هذا الحكم لا يعني شيئا بذاته. فالمسألة لا تتعلق باستنتاج او رأي بل من السؤال حول كيفية تنظيم حياة هذا المجتمع التعددي. والربيع العربي في مختلف بلدانه مُلزمٌ بمواجهة هذا السؤال والإجابة عنه، ويُفترَض ضمناً أن يكون مُسهِّلاً لإنتاج إجماعات إيجابية عليه. هذا ينطبق على سوريا المتعددة دينيا واثنياً ولغوياً والتي يعاني شعبها وضعاً دراماتيكياً بسبب ضراوة القمع ووحشيته، وعلى مصر المتعددة دينياً، وبالطبع على العراق وبلدان اخرى.
ان قداس مستقبل الربيع العربي لم يجرِ قوله بعد في هذا الميدان كما في غيره. ومن جهتي أجد غريباً كل هذا الهجْس والتلويح بفوز الاسلاميين نتيجة هذا الربيع كما في تونس مثلاً. النهضة لا تملك اكثرية ساحقة وهي مُجبرة على التوافق مع كتل أخرى غير دينية لتحكم، وقد تعهدَّت باحترام قانون العائلة والالتزام بالنظام البرلماني وبتداول السلطة كما نجحت وفق دفتر شروط سياسي، وبالتالي فالناس سيُغيِّرون موقفهم منها إن هي شطَّت عنه جوهرياً.
هناك بعض الخطابات المقلقة أحياناً مثل خطاب مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي الليبي حول تعدد الزوجات ومنع الربا، ولكنه عاد في اليوم التالي عن اعتبار ذلك نافذاً وكان ذلك تحت ضغط انتقادات داخلية وخارجية. كما هنالك ما يمكن أن تسفر عنه انتخابات مصر ووضعها القلق. لكن كل ذلك لا يجعلني أتشاءم، فمتى لم يستلزم التقدم وتوسيع الحريات معركة دائمة. لننظر ماذا حدث منذ الثورة الفرنسية ونستخلص العبر. الأهم أن ثورات الربيع العربي أدَّت إلى تصعيب أي عودة لدولها إلى الأحادية السياسية والاستبداد التسلطي


Read more: http://www.kalamon.org/articles-details-121#ixzz3SZx4LvR9 
(Kalamon: http://www.kalamon.org) 

مصطفى صفوان: احتقار الشعب للسانه وسيلة السلطة لكسرِہ/ بشير هلال

فبراير 23, 2015 اضف تعليق
رحل الرفيق بشر هلال في باريس بعد صراع مع المرض، ننشر في الرمي بعض مقالاته التي سبق ان نشرها في المطبوعات العربية
بشير هلال

كلمن
عندما حملت أسئلتي الى الدكتور مصطفى صفوان، كنت متردداً. فالرجل مشهور بالاصغاء وبحذرٍ من النرجسية يدفعه إلى تقليل الكلام عن نفسه وحتى مجافاته، بينما همِّي ان يفيض بكلام يصدر عن خبرة وتأمل مديدين ومُتشعبَيْ الحقول وأول الحقول التحليل النفسي. كان يساورني شعور بأنها أسئلة تُضيِّق وتكبح الحديث. ومع ذلك كان لا بد منها. وربما زدت تردداً عندما كنت ألفُّ لأجد الشارع الذي تقع فيه شقته بين الطرق الضيقة التي تزدهر فيها المكتبات ودور النشر وغاليريات الفن الواقعة بين حدي بولفار سان جرمان جهة الأوديون والجسر الجديد (بون نوف) على السين. طبعاً كان مما يزيد من قلقي الصورة التي كونتها عن كاتب عميق المعرفة ورجل غربي شرقي، فرنسي مصري، تلميذ وزميل ومُواصِلٍ ومُطوِّر للمُنَظِّر والمحلل النفسي الذي كانه جاك لاكان. ثم معرفتي بأن كل ذلك يجتمع في رجل صار في التسعين لكنه ما زال، رغماً عنها، يصدر الكتاب تلو الآخر. إذ ماذا يمكن لمن يكون قليل الزاد مثلي في مضمار كمضماره ولمن قد يحتاج افتراضياً لأن يكون في موضع التحليل، لا أن يكون طارح الأسئلة، أن يقول؟.
لكن في ضيافة الدكتور مصطفى صفوان بمحيّاه الهادئ المائل الى ابتسام خفيف غير مصنوع ولم تعذبه شيخوخة كان لها ان تترك آثاراً جساماً في من هو في مثل عمره، وفي مكتبٍ - غرفة مرتب ومنضد رغم كل شيء، استعدت ثقة احتجت اليها لإتمام هذا الحديث.
نبدأ بالمسار.
ما الذي قادك إلى علم النفس وإلى البقاء في فرنسا والتحول تالياً إلى أحد أبرز ممثلي الاتجاه اللاكاني في «مدرسة» التحليل النفسي الفرويدي؟
مصطفى صفوان : أمضيت طفولة عادية، بين أبٍ متنوِّر كان يعمل في التدريس وأمّ كرست حياتها لتكون ربة بيت على تقليد تلك الأيام، لكنها لم تكن محجبَّة. وفي المدرسة كنا نتعلم الانجليزية ابتداء من السنة السادسة من العمر والفرنسية من العاشرة والعربية منذ البدء، وكان أساتذتنا في اللغات الأجنبية من جنسيات دولها. كان تعليماً جاداً أهّلني لأتقن عدة لغات.
وكانت لوالدي مجموعة من الأصدقاء يمتازون بالظِرف، كانوا يجتمعون كثيراً في بعض مقاهي الاسكندرية وقد حضرت بعض اجتماعاتهم عندما أيفعت. ولا زلتُ أذكر أول نكتة حاولتُ تفسيرها. فقد كانوا يسيرون تحت الشمس في يومٍ قائظ وإذا بأحدهم، وهو مُعَمَمٌ، يخرج مظلة بيضاء كبيرة (وقد كان هذا اللون دارجاً يومها) فيقول له الآخرون جمعاً: ضلِلنا يا حضرة الشيخ، فانفجر الباقون ضحكاً. فلم أفهم على الفور إلى أن انتبهت أنهم استخدموا اللعب على المعنى بين: إمنحنا الظل وقُدْنا في طريق الضلالة.
وكان وجود المجموعة التي ضمَّت والدي في الاسكندرية طبيعياً في جوٍ تميّز في البلد كله بنوعٍ من النهضة وبانتشار شيء من إشعاع الأنوار انعكس بنشوء شلل ومجاميع اعتمدت الظِرف طريقة في تناول المسائل التي كان يمكن لإثارتها أن تستدرج أوسع المخاطر لو تمَّت بطريقة أخرى وفي زمنٍ آخر، ومنها القدح والتجديف. وكانت أشهر تلك الشلل على ما أذكر تلك التي ضمّت الثلاثي احمد شوقي وحافظ ابراهيم وعبد العزيز البشري (الشيخ)، وكان ينضم إليهم أحياناً عبد القادر المازني. وكانوا يجتمعون في مقهى بالجيزة اسمه بالفرنسية sans souci (دون هَم). والجيزة مديرية ملتصقة بالقاهرة والبعض يعتبرها جزءاً منها. ومن طرائفهم أن جاءهم مرَّة ً زائر أحسُّوا فوراً انه فضولي ومن قماشة أخرى. ولما رآهم يسكبون شراباً (كونياك) في كؤوس ويخدمون انفسهم به ورأى على الزجاجة علامة xo (بالغ العتق) سألهم ماذا يعني ذلك، فقال له البِشري هذا ما تعنيه بالعربية لام ألف ألخ، فضجّوا بالضحك وانصرف مُتَحيِّراً.
ورُبمَّا يعود بعض اهتمامي بكل ما يتعلَّق باللغة إلى تلك الأيام والأجواء وما دفعني إلى اختيار قسم الفلسفة لدى مباشرتي دراستي الجامعية عام 1939. وشاءت الظروف أن يكون بين أساتذتي يوسف كرم، خريج فرنسا في الفلسفة اليونانية وفلسفة العصور الوسطى، وكان مُتأثراً بخاصة بالفيلسوف واللاهوتي (القديس) توما الأكويني الذي كان يَعتبر تفسيره لأرسطو قمة العقل. واحتوت هذه الفلسفة التي لا تزال بالغة التأثير على العقول نظرية اللغة الموجودة من أيام اليونان والتي كان لها دور ٌ في نشأة علم النحو عند العرب. إذ هو علمٌ تأثر بالمنطق الرسطاطاليسي الذي يتلخص بأن اللغة موجودة لتقول ما هو موجود. وكان أستاذي الثاني الدكتور مصطفي زِيوَرْ قد قدم من فرنسا غداة انفجار الحرب العالمية الثانية وكان يُدرِّسنا علم النفس، وكان الكتاب الذي يعود إليه دائماً شرحاً وتعليقاً كتاب فرويد «علم الأمراض النفسية في الحياة اليومية»،The Psychopathology of Everyday Life، وكان ميالاً إلى استخراج أمثلة عربية مطابقة للأمثلة الفرويدية. ومن تعليمه ذاك لا زلت أذكر حالة شابة التقت جمعاً من الأصدقاء وكانت عائدة للتو من رحلة شهر العسل، وإذ بها تريد أن تحكي لهم عن إجازتها تلك فلا تجد الكلمة. ثم تبيَّن أنها أمضت الإجازة في البوسنة التي كان رجالها «الترك» مشهورين بجنسانيتهم. وبمعنى آخر فللكلمة معنيان جغرافي وعشقي، ونسيانها كان دليل احتباس وكبت.
المهم أن تعليم أستاذَيَّ هذين في مسألة اللغة أثار فِيَّ حيرة حول وظيفتها. أذكر بين أساتذتي الآخرين أبو العلا عفيفي الذي تخرَّج من كامبريدج بأطروحة عن «الشيخ» محيي الدين بن عربي. وكان يريد لي أن أدرس الفلسفة والمنطق في كامبريدج، لكن إعطاء الاولوية في التسجيل بعد نهاية الحرب للمحاربين القدامى حال بيني وبين ذلك. بينما قُبِل ابتعاثي للفلسفة في فرنسا وتكونَّت لدي رغبة بذلك خاصة وأن رفيقي في الرحلة من الاسكندرية كان أستاذي مصطفى زِيوَرْ.
وصلت فرنسا في 3 يناير (كانون الثاني) 1946 بُعَيْد الحرب، وكانت قد بدأت تصدر العديد من البحوث في اللغة بعد اكتشافات دو سوسير وعلماء الإناسة الأميركيين والفرنسيين وسيرورتهم نحو البنيوية، وبخاصة منهم كلود ليفي ستراوس. وكان جاك لاكان الداعي للعودة إلى فرويد سبَّاقاً في استدخال وتبصُّر نتائجها في ميدان التحليل النفسي. وبالتالي فقد ابتعد بالتحليل عن النظر إليه من زاوية الدوافع ذات المصادر البيولوجية إلى اعتبار اللاشعور صادراً عن علاقة الانسان باللغة. وهذا ما جعلني أختار دراسة علم النفس والعمل معه. ونظراً لأن التحليل النفسي صار عملي فقد استقريت عليه منذ 1949.
عُدْتَ إلى مصر بعد ذلك وقد صارت تحت الحكم الناصري ومكثت فيها خمس سنوات عملت خلالها في التحليل النفسي، ولكنك غادرتَ في نهايتها مع قرار بعدم العودة فلماذا؟ وكيف تُقيم اليوم دور الناصرية من ضمن الانظمة العسكرية التي عطلت الحياة البرلمانية ودورها المحتمل في تعطيل العلوم الاجتماعية العربية وبخاصة على مستوى مصادر المعرفة تعميما وانتاجا؟
مصطفى صفوان : كانت آخر إقامة طويلة لي في مصر عندما عدت عام 1954 لأبقى خمس سنوات بحكم الضرورة. ذلك اني، ولم أكن على معرفة مسبقة بذلك، وجدت أنهم فرضوا تأشيرة للخروج ولم يكن تحصيلها ممكناً إلاَّ في حالاتٍ ثلاث: أن يكون لديك واسطة في الدولة تستخدمها لذلك، أو أن تثبت أنك على شفير التهلكة وأن لا علاج لك إلاّ في الخارج، أو أن تعمل في التدريس وخلافه خلال سنوات خمس يمكن أن تحصل في ختامها على إجازة بالسفر للدراسة. وقد اخترت الحل الأخير. ذلك أني عندما عدت كان عبد الناصر في معرض حسم الصراع مع اللواء محمد نجيب لصالحه. وكانت مصر قد بدأت تتغير إلى اتجاهات حصيلتها العامة سلبية.
كان الشعب ساخطاً على الملك فاروق. ليس لفساده المالي بل لما كان يشاع عن فساده الخلقي وما نسب اليه على هذا المستوى. وهذا ما كان سبباً مُعلَناً للانقلاب. لكن الضباط وأغلبهم كان، ثقافياً، في مستوى الثانوية العامة التي خرجوا منها إلى المدرسة الحربية، كانوا يميلون، وهذا ما جسَّده عبد الناصر بعد ذلك بوضوح، إلى اعتماد فلسفة سطحية مبسَطة، فلسفة تقوم على اعتبار التعدّد مصدراً للشر، والوحدة مصدراً للخير. وبالتالي قامت «فلسفة الانقلاب» عند عبد الناصر على الانتقال من التعدّد الى الوحدة، وهي وحدة وسَّع نطاقها إلى المصريين ثم إلى «كل العرب». وهذا يعادل كتابة شديدة النرجسية، خاطبت وأرضت نرجسية الجمع «الجماهيري» الذي استقبلها بحفاوة لهذا السبب.
والحال أنه في ما عدا موضوعة عدم الانحياز، وتلك بدأها نهرو وشوآن لاي وتيتو، لم أكن أجد أية إيجابية أخرى لهذا الانقلاب الذي لا ولم تنطبق عليه يوماً صفات الثورة. فمن جهة بدا في سياساته الأخرى غير مرتبط بالواقع وبإدراك ميزان القوى في كل مرحلة، ومن جهة أخرى كان انقلابه مما كان يحدث مثله كل يوم في دول أميركا اللاتينية، وقد تمظهر في مصر بوضع اليد على البلد وثرواته بكل ما تعنيه هذه العبارة من معنى. فكل مراكز المسؤولية ذهبت إلى الضبَّاط: من الوزراء والمحافظين، إلى السفراء، مروراً بإدارة الشركات والاستيراد والتصدير، وعمادة الجامعات، والمناصب الكبيرة في القضاء. وهم صادروا لأنفسهم أفضل الفلل والشقق والمساكن والشواطئ الخصوصية، ومن ذلك الاستيلاء على بلاج المنتزه العائد للملك قبل ذلك. كما تمظهر بإرساء مملكة الخوف، فبين ليلة وضحاها أجروا محاكمات صورية وأعدموا عمّالاً وأدخلوا الناس إلى السجون وخنقوا الآراء المعارضة ومنعوا الأحزاب.
يُروى ان حادثة جرت معك في الجامعة كانت هي التي دفعتك الى اتّخاذ القرار بمغادرة مصر؟
مصطفى صفوان : ليس ذلك تماماً. الذي حدث انهم عينوا كمال الدين حسين وزيراً للتربية، وهو كان ضابطاً محدود الثقافة. ومرة كنت في الاسكندرية للقاء مدير جامعتها وفوجئت به في مشهد يقوم فيه بالجري وراء سيارة الوزير ساعة وصوله ليفتح له بابها. وكان الطلبة شاهدين على ذلك. وقد آلمني الامر. فقد سقط احترام الاستاذ والتعليم في يوم وليلة. وكيف تريد أن تُدَرِّس والدبابات تحيط بالجامعات وتشغل مداخلها. وكيف تحافظ على المستوى التعليمي وقد استولى الضباط على ادارات الجامعة ودور النشر والصحف.
بأي حال، عندما حصلتُ بعد ذلك على تأشيرة الخروج كان قراري نهائياً بعدم العودة للإقامة والعمل الدائمين في مصر، واكتفيت بزيارات تكاثرت منذ ثمانينات القرن المنصرم لأعيد اكتشاف انهيار النظام والمستوى التعليميين.
قبل حكم الضباط كانت هناك «لجنة التأليف والترجمة والنشر» التي أشرف عليها الاستاذ احمد امين خلال اربعين عاماً وكان كتّابها من أصحاب الأقلام القديرة وكان مترجموها يختارون ما يقومون بترجمته عن هوى ورغبة فصدرت في ذلك الحين خيرة ذخائر التراث العربي وأفضل ترجمات ذخائر الأدب والفكر في العالم. حتى إن بعضها كان يفوق الاصل بلاغة. كان هناك محمد الصاوي الذي ترجم اناتول فرانس وحسن الزيات وعبد القادر المازني. وأتذكر ترجمة رواية «تس سليلة دوبرفيل»
Tess of the d’Urbervilles التي ترجمها فخري أبوالسعود ونشرتها لجنة التأليف والترجمة سنة 1930 وهي للشاعر والروائي البريطاني الكبير توماس هاردي. تلك الترجمات اعطت الإثبات على ان اللغة العربية قادرة على نقل التراث العالمي من كل الأصول، وهي كوّنت عقولنا منذ مراهقتنا حتى سنوات الجامعة. أما الضباط فقد اطلقوا مشروع «الألف كتاب» الذي حولّوه، عبر طرائقهم التسلطية والبيروقراطية، الى أداة لجعل الكُتاب صُنّاعاً لديهم.
ولذلك كنت أعتقد، ولا أزال، أن جيشاً كهذا لا يمكن أن يتنازل طوعاً عن الامتيازات والثروات، وهذا ربّما أثّر في ما يحصل اليوم. فقيادته ترجئ وترجئ إلغاء قانون الطوارئ، وهي عدَّلت في دستورٍ قديم بدل أن تطرح نقاشاً لدستور جديد، فيما أسرعت في تنظيم انتخابات تشريعية قبل أن تستطيع المعارضة تنظيم صفوفها والتعريف بأشخاصها وسط محاولات تجهيل الشعب بالقضايا والرهانات الأساسية. وآخذ مثلاً على ذلك ما تمَّ في الاستفتاء على التعديل الدستوري الذي استثمرت جماعات إسلامية طريقة طرحه: فقد وُزِّعت على الناس بطاقات فيها دائرتان الأولى خضراء للموافقة، وقالت هذه الجماعات أن من يضعها يكون في الإسلام الصحيح، والثانية حمراء وصفت من يضعونها بأنهم أهل الشيطان.
وفي كل هذا علامات على أن الجيش، حفاظاً على مواقعه، قرَّر استبدال «الحزب الوطني» الذي جلب لسيطرته المشاكل، بقوى الإخوان والجماعة الإسلامية على أن تكونا ممسوكتين في اضطرابهما وتنازعاتهما وعجزهما عن إحداث أي تغيير في السياسة الخارجية. من هو المجنون الذي سيقوم بحربٍ ضد إسرائيل اليوم؟
والمثقفون أين هم في ذلك ومنه؟
مصطفى صفوان : مصيبتهم هي في الهوَّة التي تفصلهم عن الشعب. ليس من 
كاتبٍ كان له يوماً أثرٌ في تاريخ مصر أو أيٍ من الدول العربية كمثل ذلك الذي كانه ولا يزال لكاتب مثل شكسبير في بريطانيا أو دانتي في إيطاليا أو فيكتور هوغو ومونتسكيو وروسو في فرنسا. وفي ما عدا بعض الأقلام العظيمة في عصر مكافحة الاستعمار كطه حسين والعقاَّد والمازني لم نرَ كثرة من الكتَّاب تعيش من كتبها. الغالبية من المثقفين كانت تعيش من فضائل السلطان. وبعد الانقلاب الناصري أصبحت هذه الوضعية رسمية ومُعتَرَفاً بها في مصر. إذ عمل الكُتَّاب في صحف ودور نشر هي ملك للدولة. وبمعنى آخر فقد أبَّد المثقفون بذلك انقطاعهم عن شعب بات، بحكم تجذر الأديان التوحيدية، لا يعرف سوى التأحيد. وإلاَّ فكيف يمكن أنه في بلدٍ كمصر يعدّ سكّانه 80 مليونا، تبيع الواحدة من صحفه من عشرين إلى مئة ألف نسخة. المشكلة لا تزال في أن المُثقفين لا يُحِسُون بهذه القطيعة مع الشعب ولا يُدرِكون دور اللغة في ذلك، وبالأحرى تغيبهم عن العامية وتغييبها في تكوين القطيعة المذكورة.
وحتى الآن ثمة من يقول لك إنّك إذا ما طالبت باللغة العامية تعليماً وتعميماً في الأدب والمعرفة، فأنت تُخرِّف. وثمة من يُضيف: أتعتقد أن الناس إذا قرأت ستتغيَّر، وهل يقرأون عندكم في الغرب؟ وهذا كلام فيه فجاجة لا أجد طائلاً في الرد عليها.
طبعاً «ثورة يناير»، التي هي بالأحرى انتفاضة وحركة تشكلَّت عبرها إجماعات جديدة واستندت إلى الوسائل التواصلية الحديثة، أحدثت رجَّة في الحكم وفي البلد لكنها غير كافية بذاتها لإنهاء قطيعة المثقفين ولغتهم مع الشعب. سمعتُ أن بعض من قاموا بالانتفاضة يتصلون بالزجَّالين والشعراء الشعبيين مثل ابن صلاح جاهين وابن فؤاد حدَّاد وحتى بعبد الرحمن الأبنودي لنظم قصائد وتسجيلها على كاسيتات وبيعها في الأرياف بأسعار زهيدة وبعشرات الآلاف من النسخ. وعندي بعض الأمل في ذلك. فالتغيير بحاجة لإعادة خلق الصلة بين المثقفين والمواطنين، إن لم يكن عن طريق تغيير فوري في لغة الكتابة، ذاك الذي يحتاج إلى تراكم تاريخي لا بد من بدئه يوماً ليغدو أفقاً واقعياً، فعن طريق وسائل التعميم الأخرى.
بعد انتفاضات «الربيع العربي» ثمة تأكيد على العودة إلى مبدأ سيادة الشعب بوصفها استقلالاً ثانياً. ومعه حديث آخر عن أن الاستقلال الثالث يجب أن يكون استقلال الفرد. فأين نحن من ذلك؟
مصطفى صفوان : استقلال الفرد هو استحالة. إنما حرية الفرد في العمل مع الآخرين موضوع ممكن وهو يتصل بتطور المجتمع المدني. والحال أننا الآن في عملية تقتضي تغيير العقليات أفراداً وجماعات، بذلك المعنى الذي كان سيُجسِّده على سبيل المثال التغيير الذي لم يحصل للمادة الثانية في الدستور المصري التي تنصّ على أن مصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية. فالكلام عن دين للدولة لغو. ولا أجد دقيقاً وصف الإسلام بأنه دين ودولة. وهذا ما سبق لعلي عبد الرازق أن بيَّن تهافته، كما بيَّنه باحث مثل خليل عبد الكريم في الحقبة الأخيرة، وحصيلته أن الدولة لم تكن دينية يوماً، وأن دينية الدولة لا سند لها في القرآن والحديث. فالعرب أنشأوا دولتهم على غرار الدولة الساسانية وهي دولة شرقية استبدادية جمعت بين السلطة السياسية وسياسة خاصة في استخدام الكتابة (المقدسة)، وهذا ما أحببت البرهنة عليه في كتابي «لماذا ليس العالم العربي حراً؟ سياسة الكتابة والإرهاب الديني» الصادر في 2008 عن دار دونويل (Denoël). الدين مسألة عقيدة تتم عبر صلة الفرد المؤمن بالله. لماذا لا يكون معقولاً القول إن الشركة الفلانية دينها الإسلام بينما يكون معقولاً القول إن دولة ما دينها الإسلام. الدولة والشركة وأمثالهما وسائل وأشكال خصوصية وفي ميادين مُحددَّة لكل منهما في التنظيم الاجتماعي.
وحتى إذا وافقنا جدلاً على أنه يمكن أن يكون للدولة دين، ففي هذه الحالة لماذا يكون دين مصر الإسلام وحده ويكون وحده مصدراً للتشريع. فالإسلام خاتم الأديان ومصر فيها أقباط وكان فيها يهود وربما كان فيها بهائيون وكان من الأفضل حينها القول إن مصدر التشريع هو «الإسلام والأديان السماوية الأخرى» حتى نكسب تغطية أوسع.
ذلك لأقول إننا بلغنا من الجمود في التفكير ومن الجهل درجة تجعل بعضاً من الجمهور يعتقد بمقولات معزولة عن أي محتوى عملي وحقيقي من نوع «الإسلام هو الحل». حسناً. فليأتوا إلى الحكم لنرى. ولكن أليس من أبسط الأشياء التفكير بأن ديناً، أياً كان، سواءً أتى قبل 1400 عام أو قبل ألفين ونيِّف أو قبل كذا ألف، يكون حلاً لمشاكل هي اليوم أكثر تعقيداً بما لا يقاس فيما لم يكن حلاً قبل ذلك.
هل يَسَعْ التحليل النفسي أن يكون وسيلة معرفية في ثقافاتنا الاجتماعية الإسلامية؟
مصطفى صفوان : التحليل النفسي ليس مُعَداً للناس جميعاً كأي سلعة أو فكرة مُعَولمَتَيْن، وإنما هو مُعَدٌ للذي يطلبه والذي لا بد أن يكون عارفاً على الأقل ببعضٍ من حقله وفائدته وأثره. أو تعتقد أن راعياً في جبال البرانس الفرنسية أو صياداً في سيبيريا سيذهب بامرأته التي أصابتها هيستيريا إلى مُحللٍ نفسي لمعالجتها؟ لا. في الحقيقة كانت للمجتمعات أدواتها في الطب النفسي والتطبيب. فتلك الضعيفة التطور كانت لبعضها، تاريخياً، تصرفات ذكية مع المصابين باختلال نفسي. حتى وقت ليس ببعيد كان الغرب يحاكم المثليين وبخاصة الذكور منهم ويحكمهم بالإعدام أحياناً (كمخترع الكومبيوتر دورينغ)، بينما كانوا في بعض المجتمعات الشرقية يتركونهم مع النساء. أمَّا الملووث فكانوا يجعلونه ساحراً أو مُنجماً أو مُشعوِذاً أحياناً. في الحقبة الصناعية التي نشأ ونما فيها التحليل النفسي كما نعرفه، من كان يطلب التحليل عادة هو مثقف إلى حدٍ ما، لديه فكرة عن العلم.
لقد عملتُ في مصر خمس سنوات 1959-1954 وأتاني أفرادٌ، بعضهم كان يعمل في الجامعة وبعضهم كان من الفنانين والرسامين ومدراء في شركات سياحية ورجال أعمال، وكل هؤلاء لديهم حدٌ من الثقافة وفكرة ما عن التحليل النفسي وعن فرويد. ولم يختلف عملي معهم عنه في أي مجتمع. وأي مجتمع فيه عائلة أبوية يصح فيه التحليل. واتجاه الأخيرة إلى التلاشي في المجتمعات ما بعد الصناعية في الغرب واضح. فالأسرة في هذه المجتمعات تميل إلى تكثير الثنائية والمثلية وانحصار الأسرة العادية عندما توجد بثلاثي الأب والأم والطفل. وفي مصر نجد اليوم الحالات الفرويدية الكلاسيكية أكثر مما نجدها في أوروبا: الهيستيريا والفوبيات والوسواسيات. في أوروبا يُطلب التحليل اليوم لعلاج الإدمان والانهيار العصبي، وهما صورتا تبلوُر العُصاب في وقتنا الحاضر. ولذلك بِتُ أعتقد أن زمن التحليل النفسي، بالصورة الفرويدية التي عرفناها، محدود. أمّا في مجتمعات كمصر فمشكلة التحليل لا تأتي من قلة الحالات بل من ضيق الطبقة القابلة بالتوجه إليه احتمالياً. فهي منحصرة بمثقفي المدن. أي ما يقارب 5 بالمئة تقريباً من سكان البلد. وهذا يعني وجود عدد كاف للقلة من المحللين الجادِّين الذين تضمهم مصر لكنه غير كافٍ لإحداث تأثير في الثقافة الاجتماعية. وفي هذا السياق كان للتحليل أن يساهم في توضيح كنه العلاقة بين مُسمّيات مثل القانون والقانون الوضعي والقانون السماوي والشريعة، حيث التمييز بينها بالعربية ليس دقيقاً. ومثل ذلك بين مُسميات ومفاهيم مثل الـauthority التي اعتدنا تسميتها «سلطة» وsovereignty «سيادة» ألخ...، إذ إن الكلمة في لغة لا تُترجم بمفردها لأنها في لغة الأصل جزء من كل يحكم الميدان الذي تتحدَّث عنه.
عُرفت عنك علاقة مميّزة بالأدب إلى جانب التحليل النفسيّ. هل يستطيع الأدب العربيّ، في رأيك، أن يقدّم مادّة للتحليل النفسيّ شبيهاً بما قدّمته الآداب الغربيّة، لا سيّما في ظلّ ضعف الميثولوجيا في تقاليدنا الثقافيّة؟
مصطفى صفوان : أولاً لا نستطيع القول ان الادب في الغرب قدّم مادة للتحليل النفسي، بل ان الأخير استخدم هذه المادة وهذا أمر مختلف. ربما كان متوجباً قلب السؤال بحيث يصبح: هل هناك أدب عربي يمكن للتحليل النفسي استخدامه كمادة له؟ اعتقد ان الجواب هو بالايجاب رغم محدودية قراءاتي للأدب العربي بسبب بعدي وصعوبة الحصول على الاعمال الأدبية. اذكر في هذا السياق ثلاثية رضوى عاشور «غرناطة» عن آخر أيام العرب في الاندلس وهجرتهم منها. وهي قوية بدسامة الثقافة المستندة اليها وقدرتها على احياء عصر بأسره، فكأنك تعيش في شوارع غرناطة، والطاقة المبذولة في تخيل مأساويات أشخاص الثلاثية عميقة. وربما لو لم تكن الرواية باللغة العربية لحازت على ترجمات أكثر ورواج أكبر. وفي مجال مختلف اتذكر صنع الله ابراهيم وجمال الغيطاني وملحمة «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف. في هذه الآثار الكثير مما يمكن للتحليل النفسي استخدامه. مشكلة الادب العربي تقع في مكان آخر، فهي ترجيحاً قائمة في سوء الشروط والظروف التي تحيط بالأدباء العرب والتي لا تشجّع على الانتاج الحقيقي. لو اخذنا مصر مثالاً، نجد أنّ الكتاب ينتمون الى طبقة الخاصة، والقراء كذلك. فكأنهم يقرأون بين بعضهم البعض. ثم ان هناك فارقاً بين ان يعرف الأديب انه يكتب لأمة ولشعب وبين أن يكتب للخاصة.
وهذا لا يعود الى رغبة الكتّاب الذين يفضلون بلا ريب ان يكون عدد قارئيهم مضاعفاً عشرات المرات، بقدر ما يعود الى إشكاليات النظام التعليمي من اساسه، ذاك الذي يحاصرهم بالكتابة لطبقة متوسطة وبالأحرى لقسم منها لأن غالبها يفضل القراءات السهلة لما يمكن تشبيهه بالـ «بست سيلرز» (الأكثر مبيعاً). وهذا حال بعض الروايات التي لقيت رواجاً كروايات علاء الاسواني ورواية خالد الخميسي «تاكسي»، وهي روايات مسلية لكنها لا تحمل شحنات قوية من الإبداع. والحال ان اللغة العربية تسمح بخلق أدب لا يقلّ قوة عن الآداب بأية لغة، ولكنه محكوم بالقطيعة بين الفكر والثقافة وبين الغالبية العظمى من الناس بسبب التعليم بلغة لا يتكلمها الناس في حياتهم اليومية، بخلاف اللغات
العالمية الاخرى
.
نعود إذن الى موضوع اللغة العامية، لقد ترجمت «عطيل» شكسبير الى العامية. فكيف تفكر بهذه التجربة اليوم؟
مصطفى صفوان : صحيح أني ترجمت «عطيل» ولكن هناك عدة نقاط اود الاشارة اليها. فقد طلب مني صديقي الدكتور حسين عبد القادر نشرها وهو قام بذلك لدى مكتبة الانغلو، فانتهت الى ما تنتهي اليه الكتب. فكونها مكتوبة بالعامية لا يعني انها ستباع عند البقالين. عندنا في مصر الكتاب غير مخدوم لا لدى الناشر الذي لا ينظم عقداً للكاتب او المترجم، ولا في التوزيع كي يوصله الى شبكة أعرض. وبأي حال فترجمة كتاب وكتابين وعشرة لن تحلّ المشكلة. الحلّ يحتاج الى حقبة طويلة يجري فيها تعليم اللغة العامية ونحوها والكتابة بها. فالناس حتى الآن تحتقر لسانها ولا تعرف ان فيه نحواً وفيه قواعد. وهي في ذلك مثل مسيو جوردان الذي لا يعرف انه يقول نثراً.
لكن احتقار الشعب للسانه هو اداة من ادوات السلطة لكسره. وهذا ليس له مثيل في العالم. ففي فرنسا مثلاً قواعد اللغة الفرنسية هي قواعد تلك اللغة التي يتكلمها الناس في الشارع، وهي استمرار وتبلور لانفصال العاميات في لغات تفرعت عن اللاتينية. يعني هل كنت تتصور علماً طبيعياً كالذي انشأه غاليلو الذي هو اصل العلم الرياضي الحديث من دون ان تكون فيه المسافة والحركة والسرعة. ألا يستخدم التحليل النفسي الكلام لصياغة تصوراته الاولى وهو الكلام الذي تعطيه لك اللغة، وبعد ذلك فقط تقوم بالصياغة وتكتشف علاقات لا تظهر للمتكلم مثل العلاقة بين السرعة والمسافة والزمن التي يُعتبَر مفهومها تجريداً، لكنه تجريد ينطلق من الاشياء التي تقدمها لك اللغة وليس من الفراغ. وكما التصورات العلمية تبدأ من هنا، كذلك الادب يخرج من هنا، وإن في عملية لها
طبيعة اخرى.
ولذلك أعتقد أنه دون تعليم اللغة العامية ستبقى الهوة بين الثقافة والشعب قائمة وستبقى عملية الخلق الادبي شوهاء. إذ اللغة الأدبية مختلفة ولكنها ليست لغة ثانية، فهي خلق لكنْ خلق باللغة التي تعلم الشعب قواعدها.