فواز طرابلسي... جوزيف سماحة: التوأم!

يناير 31, 2015 اضف تعليق

لست أستغرب عندما يتحدث زهير رحال عني او معي ويسمّيني «جوزيف». ولا انا أستنكر عندما تعبّر لي جنى نصرالله عن عميق صدمتها والحزن على وفاة «فواز». فقد اعتدت، كما اعتاد جوزيف، مثل هذا الخلط بيننا. فبيني وبين جوزيف سماحة شَبَه توأمة لا فكاك منها، تحمل من خصائص التوأمة الشيء الكثير: تعلّق التوأم الشديد بالآخر، مقداراً من المنافسة والغيرة بينهما ومقادير من تطلّب الواحد ان يكون الآخر مثله. ولعلني كنت الاكثر تطلبا والاقل تسامحا. وجوزيف الاكثر باطنية.
تعرفت الى جوزيف سماحة عام ١٩٧٢ من ضمن مجموعة شباب دخلت في حوار مع منظمة العمل الشيوعي قصد الانضمام وكنت مكلفا بالمتابعة معهم. ضمت المجموعة حازم صاغية ووليد نويهض وغانم ابو غانم وآخرين. جوزيف وحازم قادمان من علاقة بحزب العمال الثوري العربي الذي اسسه ياسين الحافظ وقد إختلفا مع ياسين على الموقف من المقاومة الفلسطينية. اما وليد وغانم فمن شباب الحزب السوري القومي الاجتماعي الذين كانوا يثيرون قضايا الديمقراطية الداخلية في الحزب ويطالبون بموقف عملي مشارك تجاه المقاومة الفلسطينية وبالانحياز يسارا في العقيدة الاقتصادية والاجتماعية.
إذ قررت المجموعة الانضمام الى المنظمة التحق جوزيف ووليد باسرة تحرير مجلة «الحرية» الاسبوعية. كان جوزيف آنذاك طالبا في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية. قليلون يعرفون ان الطالب المتفوّق في الفلسفة نال منحة لاكمال دراسته الجامعية في باريس الا انه تنازل عنها وقرر البقاء في لبنان ملبّيا نداء واجب نضالي كان يلحّ عليه الحاحا.
مطلع الصداقة السريعة والحميمة التي نشأت بيننا اختياري لجوزيف شاهدا على زواجي وقرارنا السكن في طبقتين متجاوزتين في بناية واحدة مع نشوب الاقتتال الاهلي وعجز كلينا على البقاء في مسكنه هو في عمق الاشرفية وانا على خطوط التماس في زقاق البلاط.
وفي «الحرية» ايضا مارس جوزيف اول تجربة له في رئاسة تحرير مطبوعة صحفية. في خريف العام ١٩٧٦، عندما طلبتْ مني قيادة المنظمة ان أغادر الى باريس، لدواعٍ قيل لي وقتها انها أمنية، تسلّم جوزيف مسؤولية الاشراف على لجنة الاعلام التي استدرجت مشاركة كوكبة من الشباب المندفع والموهوب، شكل الفوج الثاني من مثقفي المنظمة واعلامييها، ومن اسف انهم ما لبثوا ان تفرّقوا ايدي سبأ. اني اتحدث عن: زهير هواري، سعد محيو، جورج ناصيف، نصير الاسعد، نهلة الشهال، سليمان تقي الدين، عبدالله اسكندر، نجاة طاهر، شربل داغر، رودولف القارح، وليد نويهض، احمد قعبور، زينب شرف الدين، سعدى العبدالله، حسن ضاهر، وفي الاخراج السينمائي، مارون بغدادي ورندة الشهال، وفي التصوير الصحفي، رمزي حيدر وبلال قبلان، غيرهم.
خلال الفترة القصيرة التي تولى فيها جوزيف تلك المسؤولية، وقد كان يعمل منذ مدة في «السفير»، اسهم في «تهوية» المجلة وتغليب الطابع المهني الصحفي عليها وفتح ابوابها على مساهمات من خارج دائرة المنظمة، قبل ان ينتقل لرئاسة تحرير جريدة «الوطن» الناطقة بلسان الحركة الوطنية اللبنانية.
في «الوطن»، اندفع جوزيف في مشروع الحركة الوطنية حتى النهاية، وبالحدة السجالية المستوحاة آنذاك من المناخ الحربي الذي كنا نعيش فيه. فاستثار عداء جهاز المخابرات الذي يرأسه جوني عبده. فتلقى جوزيف تهديدات عديدة اضطرتنا الى اتخاذ اجراءات حماية مشددة، فأسكنّاه في مكاتب المجلة في حيّ الفاكهاني. وللتسلية والترويح على النفس كان علينا ان نزوّد جوزيف بطاولة كرة الطاولة، رياضته الداخلية الاثيرة بعد البليار. وكان من دواعي سروري ان ازوره لالاعبه واخسر دوما امامه في كرة الطاولة كما كنت اخسر في البليار.
غادر جوزيف منظمة العمل الشيوعي في ظروف لا تشرّف المنظمة ولا قيادتها. عند انهيار مشروع الحركة الوطنية، وتخلي يسارها عن برنامجع الديمقراطي الجذري والعلماني، كان لسان حال جوزيف: اذا لا تغيير، فالمصالحة بين الفرقاء النزاع اجدى والعمل في سبيل استعادة وحدة لبنان. كتب جوزيف سلسلة مقالات انتقد فيها تخلي الحركة الوطنية عن العلمانية، وتماهيها مع الاسلام السياسي، فصدر قرار تنظيمي بفصله. ولكن من أسف ان جوزيف عبّر عن مراجعته تلك باتخاذه موقفا ملتبسا من حكم امين الجميّل والمفاوضات الاسرائيلية-اللبنانية التي افضت الى إتفاق ١٧ ايار.
اتذكر ذلك الانقلاب عند جوزيف وانا اتفكّر في الاسابيع الاخيرة من حياته. في «الاخبار» ايضا ذهب جوزيف الى النهاية فيما اعتقده مشروع تغيير في لبنان يحسم الصراع بين خط «اميركي» وخط «وطني قومي مقاوِم». فوضع كل ما اوتي من موهبة وقدرة جدلية دعما لمشروع المعارضة حسم المعركة باسقاط الحكومة في الشارع. ولكن جوزيف كان قد تعلّم من الدرس الاليم لحروب ١٩٧٥-١٩٩٠. فتوقف عند «الخط الاحمر »: الاقتتال الاهلي، وقد لاحت بوادره في كانون الاول الماضي. فقال: كفى.
هذه «الكفى» هي في اعتقادي وصية جوزيف، بل صيحته، في وجه المعسكرين المفلِسين في لبنان.
غادر جوزيف منظمة العمل الشيوعي وفي نفسه توق لم يفتر للعمل الحزبي الجماهيري رافقه حتى ايامه الاخيرة. ولكن الخيط الناظم لفكره ظل موسوما باشكاليات النشأة الفكرية التي طرحتها المنظمة اول عهدها. فكانت محاولاته المتكررة للجمع بين نزعة قومية عربية وبين استلهام ماركسية غير تقليدية وعقلانية. تتنازعه دوما رغبتان: رغبة عارمة في التغيير الجذري لما كان يسميه، بعد ياسين الحافظ، «عمارة المجتمع العربي » من جهة ومن جهة اخرى حماسة لا تقل عنها زخما للدفع في النضال على جبهة المسألتين الوطنية والقومية. الا ان جوزيف ما لبث ان جنح في السنوات الاخيرة الى تغليب الثانية على الاولى، وايلاء الاولوية لما اعتبره معارك فاصلة في ساحة صراع بين معسكرين - معسكر «الهجمة امبريالية » في مواجهة معسكر المقاومات الاسلامية تسندها وتقودها «انظمة الممانعة ». ذهبتْ في جريرة تلك الاولوية امور عدة في المسألتين الوطنية والقومية ذاتها: الاستيعاب الجاد لأبعاد مسيرة الحلول الثنائية، والقياس الفعلي لمدى التعارض بين «انظمة الممانعة » وبين الولايات المتحدة الاميركية، وحدود المقاومتين الاسلاميتين في لبنان وفلسطين، إن من حيث التصدي لامبريالية عصر العولمة او من حيث مشروعهما المجتمعي ناهيك عن محدودية دورهما العسكري في اطار الحلول الثنائية للنزاع العربي الاسرائيلي. وقد تمت تلك الاولويات ايضا على حساب نقد الانظمة العربية (ناهيك عن النظام الايراني ) وعلى حساب اعطاء التحويل الديمقراطي الداخلي ما يستحقه من الاهمية بما هو مسار داخلي يلبّي حاجات شعبية عربية حقيقية، ناهيك عن استخفاف جوزيف الشديد بمسألة الاقليات في العالم العربي.
ولكن فيما يتجاوز هذا كله، لم يكف جوزيف مرة عن الحلم بتجديد وتفعيل اليسار في لبنان والعالم العربي، ولم يتخلف مرة عن اية محاولة من المحاولات التي بذلت من اجل ذلك، حضورا او كتابة او مشاركة. وكم سوف يسرّ جوزيف لو علم ان رفاقه لفّوا نعشه بالعلم الاحمر الى جانب علم لبنان.
جوزيف الصحفي.
لن اطيل عن دور جوزيف في اسر التحرير. سواي اقدر على الكلام في الموضوع مني. يكفيني التشديد على تقديسه العمل الجماعي، وإن يكن يأخذ دوما على نفسه من العمل ما هو قاتل، ودأبه على مساعدة زملائه او المبتدئين على حد سواء، وقسوته على الذات في المراجعة والنقد الذاتي، وقدرته المذهلة على تخيّل المواضيع واقتراح زوايا جديدة للنظر الى كل عنوان من عناوين الصحيفة وكل قسم من اقسامها، وهو الذي يملك حدسا مدهشا لالتقاط الظواهر الجديدة من الشرق اوسطية الى العولمة مرورا بظاهرة الحركات الاسلامية والظاهرة الحريرية.
تقلّب جوزيف في مطبوعات عدة تتراوح بين اقصى اليسار واليمين النفطي المحافظ. مرورا بـ «اليوم السابع »، المؤيدة لمنظمة التحرير الفلسطينية و «السفير» حيث امضى جوزيف اطول تجربة صحفية له. في كل هذه، كان جوزيف مدركا كليا لأن العمل الصحفي مهنة لتحصيل لقمة العيش. والمعاش عنده لسداد الديون بالدرجة الاولى. وهنا ايضا يذهب في التجربة الى نهاياتها، يلاعب اصحاب المطبوعة حول الحدود والالتزامات، يمطّ ما استطاع اليه سبيلا من الممكن وغير الممكن ومن النقد والمواقف، ثم يكتم، ويبطن، الى ان يكتشف ان التجربة استنفدت اغراضها، او يبلغ عنده السيل زباه، فينفجر ويغادر. هكذا كان جوزيف يمارس اقدس قيمة نذر نفسه لها: حرية الرأي. بل قُلْ الحرية فقط.
اما صحيفته المثالية ففي مكان آخر. حلمنا معا في المنفى الباريسي بصحافة من نوع جديد. فكانت تجربة «زوايا». تعطي اهمية خاصة للجمالية في الاخراج (تولاها اميل منعم الدي رافق جوزيف في «الاخبار»)؛ وتفتح زاوية خاصة لنقد «الاستغراب»، اي كيف ينظر شرقيون الى الغرب، بديلا من استمرار النقيق في نقد الاستشراق. وتطرح موضوع الديمقراطية بما هي ثورة وعملية تحويل جذرية داخلية وبقوى داخلية. وتفرد زاويا خاصة للمرأة ولفن التصوير وثقافة العين، والثقافة الشعبية. سعت «زوايا» ان تكون مستقلة التمويل على امل ان يمدها بعض متمولي اليسار باكلاف طباعة وتوزيع لا اكثر. فلفظت انفسها وهي على اهبة ولادة عددها الرابع المخصص لقضايا المرأة العربية. حمل جوزيف الحلم ذاته الحلم الى «الاخبار». ولكن جوزيف غادر و «الاخبار » تحبو وإن تكن بصماته الصحافية فيها تبعث على الامل.
على امتداد لا اقل من عقد من الزمن، ارتبط اسم جوزيف سماحة بافتتاحيات انيقة، ليست تخلو الواحدة منها من «لمعة» من اللمعات المميزة لاسلوبه، تتقطّر منها كثافة ثقافية وفكرية تهتدي بمتابعة جلودة، وبحساسية مفرطة للخبر وتحليله وتقليبه على غير وجه. هي افتتاحيات يستحيل ان تترك القاريء في اللامبالاة، تصدم او تثير النقاش او تدفع الى المعارضة او تستفز الى الفعل. وليس سرّا ان جوزيف تخيّل كتابته الصحفية رسالة ذات مؤدى عملي. يحدوه ايمانٌ عميق بدور الكلمة ودور المثقفين في إرشاد وعقلنة وتوجيه الفعل السياسي. من هنا انه رأى الى كتابته الصحفية بما هي فعل سياسي بامتياز، والسياسة هَوَسه الاكبر. ولم يكن يتردد في شخصنة ذلك الدور إذ يتصوّر نفسه يلعب دور المثقف الذي يرشد «الامير»، وقد لعب ذلك الدور فعلا، الى هذا الحد او ذاك، وبهدا القدر او ذاك من النجاح، تجاه الحركة الوطنية اللبنانية، في اواخر ايامها، او تجاه منظمة التحرير الفلسطينية (خلال عمله في «اليوم السابع » و «السفير»)، او تجاه التيار القومي العربي بعامة واخيرا ليس آخرا تجاه المقاومة الوطنية والاسلامية في لبنان.
لكن هذا الصحفي من طراز جديد لم يكن بدون مفاجأت. في الجدل والمحاججة، يبزّ جوزيف نفسه. يوظف كل تربيته الفلسفية لممارسة لعبته الاثيرة في ان يقنعك بوجهة نظر ثم يقنعك بنقيضها، على غرار احمد فارس الشدياق ينظم قصيدتين متوازيتين ومتعارضتين على نفس الوزن والقافية، واحدة في مدح باريس وثانية في ذم باريس! أجاد جوزيف تلك لعبة، احيانا لضرورات التماشي مع خط المطبوعة، او لتبرير تيار سياسي يدعمه، ولكن لعبته الجدلية هذه كانت ايضا، واكاد ان اقول كانت بالدرجة الاولى، بمثابة انتقام جوزيف السرّي من السفسطة والتقّعر العقائدي والسطحية والاستسهال والفهلوة. اراه يطأطيء برأسه تعليقا على هذا التحليل تعلو وجهه ابتسامة خبيثة.
جوزيف الانسان.
قال لي مرة انه مقصّر في تعداد ايجابياتي، فأجبته: انا المقصِّر في مديح سلبياتك. يملك هذا الرجل اجمل السلبيات في الدنيا، خصوصا تجاه من هم اقرب الناس واحبّهم اليه. يسيء اليك بقول او فعل، ثم لا يعود يعرف كيف يتراجع او يعتذر، وقد يستغرق الجفاء اشهرا طويلة. ثم يعود اليك إبن سيسيليا المدلّل بشبح ابتسامة، فينتهي كل شيء فتستأنفان الجلسة وكأنكما تواصلان حديثا من ليل امس. ولن ازيد.
رجل عابس، جوزيف سماحة؟ العبوس إن هو الا قناع جوزيف آخر. لن اقول جوزيف الضاحك. فالامر ارقى من الضحك بكثير. ولن اقول عنه انه «يحب الحياة»، حتى لا أهين جوزيف ولا أهين الحياة.
جوزيف سماحة امير من كبار امراء الفرح.
اني اشاهد جوزيف يمتشق فجأة عصا في احدى السهرات ويأخذ يلاعبها في رقصة منفردة على الطريقة المصرية.
واني اراه ممسكا برأس حلقة دبكة، لم يعد يجاريه فيها الا زهير رحال، يسنده فيما جوزيف يلف ويدور. يفاجئك بقفزة غير متوقعة او يروّعك إذ يخرّ راكعا. ويذهلك عندما يلامس الارض مسّاً كأنه يعتذر منها ثم يرعبك عندما يدبك دبكة رِجلٍ مجنونة. ان كل جوزيف سماحة الفنّان يتلّخص في رقصه الدبكة. كم اجاد احمد بيضون إذ قال فيه انه يكتب إفتتاحياته كمن يرقص. نسي احمد ان يضيف ان جوزيف يكتب كمن يرقص الدبكة تحديدا. فلست تدري الى اين هو آخذك في محاججته الى ان يوصلك الى خلاصة لم تكن تتوقع ان تتلقى فيها الخبطة التي أعدّها لك.
اخيرا، أرانا نتهالك معاً على احد المقاعد، بعيد الثالثة فجرا، يتعتعنا السكر، نستمع في هناءة قدسية الى فيروز في أغاني الجمعة الحزينة، او نرتّل معا، بأصوات منكَرَة كاصوات مَن تعرفون، «يا مريم البِكر/فُقْتً الشمسَ والقمرا »، عندما الحزن في كيميائه ينقلب شحنات مخبّلة من النشوة والفرح.
وبعد، يا جوزيف، وهذا بعض من كل، مَن سمح لك أنْ تأخذ نصفي وتغادر؟

(عن فايسبوك فواز طرابلس)

حين سقطت أمّ كلثوم على خشبة المسرح... رامي زيدان

يناير 29, 2015 اضف تعليق
  




15 شباط 2014

يسع المرء أن يلاحظ أن "الست" أم كلثوم لم تكن على سمت واحد في صورها، ولم تبق داخل إطار صورة المغنية السلطانية الجامدة و"الأيقونية" الواقفة على المسرح بغنائها المتعالي الجبار كأنها فرعون الصوت الذي ينصاع له الجسد والروح. ثمة الكثير من صورها "النادرة" (انتيكا) التي تكسر الإطار السائد وتفككه. صور نادرة مع أن الندرة أصبحت ممجوجة في زمن الـ"فايسبوك" وطوفان الانترنت. صور بين "الباباراتزي" والشعبوي والإجتماعي والحيوي والمرح. كل صورة لها حكايتها أو ذاكراتها الخاصة. إنها صور فاطمة إبرهيم البلتاجي، ابنة قرية طماي الزهراية المصرية الفقيرة، التي أصبحت سيّدة الغناء العربي وكوكبه، وانحفر صوتها في ذاكرة الشعب العربي ووجدانه.

ثمة الكثير من الصور اللافتة والمثيرة التي انتشرت أخيراً لأمّ كلثوم، تبيّن جوانب من حياتها الخاصة التي لم نألفها ولم نعهدها لها. في صورها هذه التي تسمّى "نادرة"، تبدو خارج دائرة الأيقونة التي كرّسها صوتها وعلاقتها بالنظام الناصري وجمهور الراديو والحفلات، وازداد وقع ايقونيتها مع جموح الفنانين التشكيليين في رسمها، والكتاب والكاتبات في تدوين سيرتها ومسارها، إذ جعلوها امرأة وفنانة "اسطورية" تغلب عليها "الخوارق" و"المعجزات" وصار صوتها يوازي "صوت مصر"، بحسب ما ذكرت الاميركية فيرجينيا لويس دانييلسن في كتابها عنها.
صور أم كلثوم خارج الكادر المعروف، تجعلنا نتوقف هنيهات في تأملها، كأننا أمام كائن "مقدس" يكسر التابوات من خلال بعض اللقطات المدججة بالمعاني. صورها هذه تزيد من وهجها وروحية صوتها، على عكس ما يتوهم البعض انها تؤثر سلباً في سلطانها. تبين الصور أن "ثومة" لم تكن مجرد مطربة جامدة لا تقبل المرح. واحدة تظهرها وهي تتراقص وسط مجموعة من السيدات يحملن الدف بسعادة وفرح لمشاركتها لهن الرقص. الصورة الأكثر تعبيراً التي وصفت بـ"الشقاوة"، هي التي يحملها فيها شاب وسيم هو ابن شقيقتها على شاطئ البحر، وقد حصدت الكثير من الإعجاب كونها تظهر جانباً مرحاً من حياة "كوكب الشرق". نراها أيضاً تحمل "نربيش" المياه (خرطوم) وتسقي حديقة منزلها، وفي صورة اخرى نراها مع طفلة ترقص أمامها وتنظر إليها بإعجاب وقد أصبحت الطفلة في ما بعد الفنانة شريهان. احتفلت شريهان بنشر هذه الصورة على طريقتها الخاصة، وهي التقطت أثناء رقصها في حفل زفاف شقيقها الفنان الراحل عمر خورشيد. كتبت تعليقاً على الصورة، قائلة: "كوكب الشرق" سيدة الغناء في مصر والعالم العربي، أم كلثوم تنظر بسعادة للأخت الصغرى لعمر خورشيد ‫شريهان‬‬‬‬، وهي تتراقص على لحن للموسيقار المبدع بليغ حمدي، بناءً على رغبتها. وكانت أم كلثوم أعطت شالها الحرير لشريهان، لتستعين به على الرقص في حفل زفاف شقيقها عمر خرشيد إلى السيدة أمينة السبكي. ختمت شريهان تعليقها بالقول: "يا لها من أيام وذكريات ولحظات مصيرية في عمري، لم أقصدها ولكنها نحتت شريهان".
ثمة لقطات أخرى "نادرة" كثيرة جمعت أم كلثوم بسياسيين في قامة جمال عبد الناصر وأنور السادات والشيخ زايد الذي قدم إليها هدية ثمينة، وأدباء أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، وفنانين مثل محمد عبد الوهاب وفيروز وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ والقصبجي، كانت هي على قائمتهم، وفي كل الصور تبدو السلطانة ومحور الجالسين أو الواقفين والمحيطين بها.
ثمة صور لإعلانات ترويجية خاصة بحفلاتها وفي بروفات أغنياتها، أو وهي على المسرح تؤدي أدوارها، وصورة تظهر فيها وهي ترتدي البنطلون والجاكيت والكاب، في رحلة إلى مدينة الأقصر عام 1924، وصور أخرى مع أحد الأطفال وهو يُشربها بيديه المياه الغازية، وصورة وهي طفلة في الثالثة من عمرها، وصورة مع طفل سوداني. زارت أم كلثوم ومعها فرقتها مدينة حلب عام 1931، وأقامت فيها ثلاث حفلات، ونزلت في فندق بارون وغنت في مسرح الشهبندر الجديد. التُقطت لها صورة نادرة في محلات "شاهين" في حلب، وكيل شركة "أوديون" للأسطوانات الموسيقية التي كانت تسجل أم كلثوم عليها أغانيها. في تلك المرحلة كتب أحمد الأوبري مقالاً في مجلة "الحديث" الحلبية يقول فيه، عقب استماعي إلى مطربة المشرق أم كلثوم، التي قدمت إلى حلب وأحيت فيها ثلاث حفلات كانت تسترعي انتباهي الأحاديث والأقوال التي كانت تدور على ألسنة الناس قبل قدومها ولا شك في أنك كنت تسمع بعضهم يقول: إن أم كلثوم خارقة من خوارق الطبيعة. وآخرين يدعون: أن غناء أم كلثوم شيء لا يستطيع الإنسان وصفه. وغيرهم يؤكد: أن من يستمع إلى أم كلثوم يظل مختلجاً سكران "مسطول" يحلم طوال ليله ولا يفارقه الحلم حتى صباح اليوم الثاني. سواهم يحكم: بأن أم كلثوم في الاسطوانة غيرها فوق التخت فمن سمع الاسطوانة لم يسمع أم كلثوم. لا قياس. لا تشبيه. وغير ذلك من الأقوال.
هناك مجموعة صور قد نراها للمرة الاولى وفيها تظهر أم كلثوم بالألوان، ملامحها وتعابير وجهها واضحة وجلية أكثر مما كانت تظهره الصور القديمة بالابيض والأسود. هذه الصور الملونة تكسر نمطية الحنين والانتيكا في الصور السائدة لأم كلثوم.
هناك صور تظهر البعد الإنساني لا الأسطوري لأم كلثوم. القصة ليست في الصور بل في حكاية بعضها. لهذه الاسباب تداول هواة الانترنت بعض الصور أكثر من غيرها، كأنهم يتداولون نكتة أو نهفة أو طرفة أو "كوميديا سوداء". الهواة يحوّرون الصور عن مسارها وطبيعتها، "وعظمة" أم كلثوم الغنائية وجديتها في الغناء، تجعل صورها "غير المألوفة" قابلة لتكون أداة للمرح أو اللعب، منها صورتها عندما سقطت على مسرح الأولمبياد في باريس. تقول الرواية المرافقة للصورة إن أم كلثوم ذهبت لتغني في باريس عام 1968، بعد هزيمة عام 1967، لتؤكد قدرة مصر على النهوض والوقوف على رغم الهزيمة. وقد سقطت وهي تغني "الأطلال"، وعندما انطلق صوتها الصداح بهذا البيت:
"هل رأى الحب سكارى مثلنا كم بنينا من خيال حولنا".
في تلك اللحظة، استبد الطرب بأحد الشبان المخمورين من الجمهور، فانطلق مسرعاً وصعد إلى خشبة المسرح، وركع أمام أم كلثوم على ركبتيه وأمسك قدمها اليمنى بكلتا يديه، عازماً وبإصرار على تقبيلها، ورفضت هي، وحاولت تخليص قدمها من بين يديه، فشدّتها إلى الوراء، وبين شدّها وتشبث يدي الشاب بها، تهاوى جسدها، وسقطت على خشبة المسرح. ولا شك أن سقوط أم كلثوم كان مؤلماً وموجعاً جداً لها، لكن المهم أن الحادث كله من لحظة سقوطها إلى وقوفها وعودتها إلى الغناء لم يستغرق أكثر من ثلاث دقائق، فصبرت على الألم، ونهضت لتواصل غناء "الأطلال" وحولت أم كلثوم الحادث المثير، إلى نكتة، لتخرج الجمهور من حالة الارتباك. بمجرد وقوفها عادت سريعاً لتغني "هل رأى الحب سكارى مثلنا"، في حين أن الشاب في أيدي رجال الأمن يقودونه إلى خارج المسرح، وغنّت صدر البيت على هذا النحو "هل رأى الحب سكارى بيننا" وهي تشير بيدها إلى الشاب، فضحك الجمهور وانطلق يصفق ويهتف لها بحرارة أشد انبهاراً بمقدرتها على تجاوز الحادث بسرعة.
صورة أخرى لأم كلثوم مع معجبة تقبلها بطريقة خاطفة على فمها، كانت أشدّ وقعاً لدى جمهور مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت، إذ بدت أم كلثوم ممتعضة وتحاول أبعادها عنها. لكن الكاميرات استطاعت التقاط هذه اللحظة الغريبة التي تظهر جنون بعض الأشخاص وهوسهم بأم كلثوم، ولم يلتقط مصور تلك الصورة تكملة ما حصل وماذا جرى بعد تلك القبلة. فماذا حصل بين أم كلثوم والمعجبة، هل كانت قبلة عابرة أم كانت بداية لإشكال؟ أيا يكن التخمين حول ما جرى، يمكن القول إن قبلة المعجبة لم تكن مجرد قبلة. فقد فاجأت الجمهور الذي سرحت مخيلته في توهمات كثيرة. نشرت صورة نادرة لأم كلثوم وهي تتناول غداءها من الطنجرة (او القدر) مع عازف القانون محمد صالح أثناء جلسة عمل (بروفة) لإحدى أغنياتها. ظهر في الصورة محمد عبد الوهاب. بدت "كوكب الشرق" وهي تأكل بملعقة مباشرة من الطنجرة من دون استعمال صحن خاص في حين أنّ عبد الوهاب كان ينظر إليها مستهجناً كأنه يشتمها وهو المتأنف الاريستوقراطي. أم كلثوم تأكل بطريقتها الريفية البدائية كأنها تنتهك اريستوقراطية الموسيقي وتعرّيها. نظرة "الموسيقار" إلى "ثومة" كانت غريبة، كأنها امتحان للعلاقة بينهما، أو امتحان للمطربة الكبيرة الآتية من الريف الفقير مع الاريستوقراطي البرستيجي الذي ينظر الى كل شي من رأس منخاره، ويعود ذلك لهوسه بالنظافة، هو الذي كان يغسل الصابون قبل استعماله ويغسل يديه قبل الأكل وبعده. وكان يضع منديلاً على أنفه، حتى لا يشم رائحة كريهة قد يكون مصدرها أي انسان.
نالت الصورة الكثير من التعليقات التي أشادت بعفوية المطربة الراحلة وبساطتها. فهي على رغم مكانتها الفنية، كانت تأكل من الطنجرة وليس بالشوكة والسكين، وتوقّف البعض عند عبد الوهاب وعلّق أحدهم بأنّه حين شاهد أم كلثوم تأكل بهذه الطريقة، قال: "والله العظيم ما حلحّن لك حاجه!".
أم كلثوم القوية وصاحبة "الصوت الصوت"، والجبارة المسيطرة على الحياة الفنية مدى عقود، كانت ايضاً تعيش القلق والتوجس، كأن السميعة سلطة من نوع آخر لا تقل أهمية عن سلطة الصوت أو مصدر متعة الاصغاء، أو كأن "الست" لا تشعر باعتزاز إلا اذا امتلأت الكراسي وحبس الجمهور أنفاسه وهو يسمع صوتها، هي المطربة الزعيمة كان لها طقوسها الخاصة التي لا تحيد عنها قبل صعودها على خشبة المسرح ومقابلة جمهورها. فهي تطمئن الى كل كبيرة وصغيرة من عازفين. ترتيب جلوسهم. تحرص أيضاً على أن يظهروا بشكل منسق متناغم، وهي اذ تقف على المسرح وتغني يبدو الجمهور كأنهم نسخة واحدة، أو جمهور متحد بنسخة واحدة من خلال الإصغاء. في صورتها النادرة تتلصص على جمهورها من خلف الستار قبل أن تظهر على خشبة المسرح. كأن سلطانها لا يسمح لها إلا بالفوز. هي لعبة الاحتراف طبعاَ، تلك اللعبة التي اجادتها مطربة اللوعة والغياب، وربما نجحت في هذا المجال بقوة الصوت قبل كل شيء، وبقوة الزمن.

سيدة «الحب كله»... بقلم شتيفاني جزيل

يناير 29, 2015 اضف تعليق

تقديم وترجمة : نيفين فائق -برلين 

  


في عام 1998 نشرت في ألمانيا الطبعة الأولى من كتاب «أم كلثوم - شخصية المغنية المصرية وفتنتها»، الذي أعيد طبعه نظراً لقدرته على تقديم أم كلثوم لمواطني الثقافة الألمانية الذين وعلى عكس الفرنسيين والبريطانيين كانوا يكتشفون أم كلثوم للمرة الأولى. 


الكتاب يمكن تصنيفه ضمن دراسات النقد الثقافي، وهو من تأليف شتيفاني جزيل، وهي باحثة ألمانية من مواليد 1968، درست العربية في قسم الدراسات الإسلامية بجامعة كولون، وعاشت فترة في القاهرة وتمكنت من جمع مادة فريدة من عدة أرشيفات موثقة وشفاهية رسمت من خلالها صورة لـ «كوكب الشرق» إذ يتناول الكتاب تجربة أم كلثوم في السياق الاجتماعي والسياسي الذي مر به المجتمع المصري في القرن العشرين ورحلة صعودها، لتصبح أهم مغنية عربية على الإطلاق يكاد حضورها يقارب الأسطورة.


يركز هذا المقال على ترجمة بعض ما جاء في الفصل الثالث من كتاب شتيفاني جزيل الذي يتناول اللغة بوصفها عنصراً أساسياً من عناصر الثقافة العربية، وكيفية تعامل أم كلثوم معها وتقديرها لقيمتها، وهو ما كان بالنسبة للعرب أحد أبرز سمات نجاحاتها، لذلك اهتم الباحثون العرب والأجانب بدراسة العناصر اللغوية التي تضمنتها أغنياتها، وقد ركزنا هنا على ما تعرضه الكاتبة من أفكار حول أهم الدراسات النقدية التي تناولت هذا الموضوع من جوانب متعددة.


في قلب حركة الإحياء


طالت حركة البعث والإحياء الأدبية التي بدأت منذ القرن التاسع عشر الغناء العربي أيضاً، لكونه وثيق الصلة بالشعر، وكان الشيخ أبو العلا محمد المعلم الأول لأم كلثوم أحد رواد الموسيقى العربية خلال تلك الفترة وكانت وريثته «ثومة» فخورة بالأصول التقليدية لفنها، وقد اعتبرت القرآن معلمها الأول.


لقد كانت تلاوة القرآن في الكتّاب وحفظ القصائد والتواشيح الدينية في سنوات طفولتها وقت أن بدأت في دلتا مصر تدريباً جيداً جداً ميزها عن غيرها من المغنيات. في وقت كانت تلاوة القرآن فيه أمراً ضرورياً لتحسين مخارج الألفاظ والقدرة على التعبير، وكلاهما أساسيان لغناء القصيدة الذي لا يكفي لإجادته الصوت الجميل وحده.


يشار إلى فن إجادة تلاوة القرآن ومعرفة أنماط التلاوة التقليدية بعملية «تصوير المعنى» بقصد التركيز على المعنى من خلال الأداء الصوتي، ومن المثير للانتباه عند قراءة آراء الجمهور الأولى المتاحة لنا أن نعرف أن أم كلثوم أتت في المرتبة الثالثة، مع أنها جاءت في الثانية من حيث جودة الصوت.


كما نعرف أن «كوكب الشرق» كما توصف في أدبيات ثقافتها، بدأت مشوارها الفني في القاهرة بالقصائد التقليدية، لاسيما الأعمال التي أنجزها الشيخ أبو العلا، ورغم تطور برنامجها الغنائي بحيث إنه سرعان ما واكب القوالب الغنائية الحديثة فقد حرصت كذلك على أن تغني قصيدة في العام الواحد على الأقل، وكانت تقول إنها فخورة بغناء القصائد - خاصة الدينية وتعتبرها من أسس الغناء العربي.


عندما غنت أم كلثوم في حفل أقامه الشاعر أحمد شوقي وجمع بعض الكتاب والموسيقيين، بحث عنها أمير الشعراء في اليوم التالي وأهداها قصيدته الدينية «سلوا كؤوس الطلا» لتغنيها، موضحاً أن أم كلثوم كانت مصدر إلهام له، حدث ذلك في وقت كان شعر شوقي في حياته مفهوماً فقط للنخبة المتعلمة، بينما استطاعت هي بأدائها الغنائي أن تصل بهذه القصائد لجموع الشعب. فصار - ما كان بالنسبة لهم أشبه بطلاسم السحرة واضحاً وجلياً حين استطاعت بغنائها تصوير معانيه، ومن ثم ينسب لها الفضل الأكبر لإحياء القصيدة العربية بطابعها التقليدي الأصيل واستعادة علاقتها بالموسيقى الشرقية.


في العام 1926 كتبت مجلة المسرح: «أم كلثوم تبدأ حيث ينتهي آخرون، حيث يتجلى تفوقها في قوة صوتها ووضوح تعبيرها وصفائه، فضلاً عن جمال أدائها، وشدة حساسيتها تجاه ما تغنيه، فهي شخصية استثنائية كما يتجلي في اختيارها المميز للقصائد القديمة والحديثة التي تخلق بجمال أسلوبها حالة من الإبهار. يقول أحمد رامي إن أم كلثوم أخذته من الشعر إلى الزجل، حيث طلبت منه أن يكتب لها شعراً عامياً حديثاً ذا مستوى فني رفيع، لأن نصوص قصائدها القديمة المكتوبة بالفصحى يصعب على قطاع من الجمهور فهمها، ولأن نصوص «الطقاطيق» التي تؤثر على مبيعات الأسطوانات غالباً ما تتسم بالتفاهة. فقد وحد رامي الشعر مع الزجل في نسيج متفرد وبدأ مع أم كلثوم مرحلة فن «المونولوج» الذي كان يقدم من قبل أساساً في الأعمال المسرحية. ومن ثم جاءت مونولوجاته التي كتبها لأم كلثوم على شكل تعبير فردي مطول عن أفكار ومشاعر ذاتية واتسمت بتصوير شعري مبدع قدم باللغة العامية، وكانت مفردات نصوصه مألوفة، وإن كانت أرقى من لغة الشارع الصرفة، إلا أن بنيتها كانت أقرب إلى الشاعرية الرومانسية منها إلى اللغة اليومية، كما كانت صورها البلاغية أقرب إلى الشعرية أيضاً. وعلى عكس القصيدة التقليدية التي يشكل كل بيت فيها وحدة عضوية مستقلة، جاءت أبيات المونولوج في معانيها أكثر ارتباطاً ببعضها البعض. وقد قابل زجل الرومانسي رامي في الثلاثينيات زجل بيرم التونسي (1893 - 1961)، الذي كتب لأم كلثوم منذ بداية الأربعينيات شعراً عامياً خالصاً يخاطب ذوق جماهير الطبقات الوسطى والدنيا، وقد عبر شعره عن الهموم اليومية لكثير من المصريين البسطاء. وكان هذا التنوع في برنامج أم كلثوم الغنائي أحد مظاهر التحول الذي شهده المجتمع المصري بشكل عام. فمنذ عام 1939 تعرض المصريون لما يعتبره الكثيرون حرباً أوروبية، (الحرب العالمية الثانية) لذلك رحب الشعب الذي عانى من أثر تلك الحرب بالموضوعات الجديدة التي غنتها وكانت تمس الواقع بحيث كادت الموضوعات الرومانسية التي انتشرت في الثلاثينيات أن تختفي عن المشهد. 


سيدة الغناء ضد الركود


وسوف نقدم عرضاً موجزاً لمختلف الأنواع الموسيقية لاسيما التي ارتبطت بأم كلثوم، فغالباً ما اتخذت هذه الأنواع لنفسها نفس الأسماء الفنية التي أطلقت على النصوص الأدبية التي كتبت بها، منها مثلاً القصيدة والمونولوج، كما غنت أم كلثوم أيضاً الأدوار التي اعتمدت على الشعر العاطفي غالباً باللهجة العامية. ويتكون الدور أساساً من مقطعين ومذهب تسبقها افتتاحية غنائية من الكورال ومقطع فردي من المطرب، وقد ساد هذا النوع الغنائي- الذي كان يتميز أساساً ببساطة موسيقاه - في القرن التاسع عشر حين طوره بعض المغنين المعروفين آنذاك، فقاموا بتقديمه بأساليب غنائية غاية في البراعة. وظلت أم كلثوم تقدم الأدوار حتى نهاية الثلاثينيات، ثم قدمت في الأربعينيات الطقاطيق، وهي نوع غنائي نشأ في القرن العشرين في مقابل الأدوار التي سبقته منذ بدايات القرن التاسع عشر. وكانت الطقطوقة تقسم إلى مذهب وأغصان، ويكون مضمونها عادة عاطفياً بسيطاً مباشراً من حيث الموسيقى والمعاني. كان حوالي ثلث ماغنته أم كلثوم في الثلاثينيات من نوع المونولوج أو الطقطوقة التي تميزت بقصرها فكانت هي الشكل الأنسب لتسجيلها على أسطوانات. أما أفلام أم كلثوم الغنائية فقد أسست لنوع فني جديد، ألا وهو فن الأغنيات، التي اختلفت بنيتها عن الأنواع الأخرى حيث تميزت بالمذهب أو وحدات تكرار أخرى وقدمت عناصر جديدة لنماذج التأليف الموسيقي العربي، وصارت الأغنية هي التوجه الرئيسي في برنامج أم كلثوم الغنائي، وفي الخمسينيات تنوع إنتاج أم كلثوم بين القصيدة والأغنية والأناشيد، إلا أن القصائد والأغنيات نادراً ما تضمنت مضامين وطنية بينما استخدمت الأناشيد لذلك الغرض بلا استثناء تقريباً.


واهتمت أم كلثوم دائماً بالبحث عن نصوص جديدة لأغانيها، فقرأت كل ما عهد به إليها الشعراء، وكانت كثيراً ما تتطلب بعض التعديلات على النص الذي يعجبها لأغراض تتعلق بالمضمون الجمالي أو الأداء الغنائي أو بذوق الجمهور. ثم كانت تعطي النص للملحن الذي تراه مناسباً للنص من وجهة نظرها.


اتخذ الباحث الفرنسي فريدريك لاجرانج (اللغة نقطة ارتكاز لبحثه: «العامية المصرية في أغاني أم كلثوم»، وفي نهاية البحث يشير إلى ملاحظة هامة وهي نشوء منظومة كاملة من المفردات التي تتكرر في أغاني أم كلثوم العاطفية، وهي التي تشكل النسبة الأعلى في رصيدها الغنائي، ويشرح لاجرانج أن حالة الركود التي يعاني منها الغناء المصري اليوم قد تسببت في أن جزءاً كبيراً من الأغاني المصرية المعاصرة ليس سوى إعادة إنتاج لتلك المنظومة، وقد بدأ هذا الركود في الظهور حتى في بعض أغاني أم كلثوم الأخيرة، فقد تتضح بعض ملامح التنميط ليس فقط في مفردات الأغاني وإنما كذلك في بنائها، ويشير إلى الأسلوبين البلاغيين الأكثر شيوعاً في تطور الأغاني وهما الجناس والتضاد، مثل: «أصالح - أخاصم». 


ويقسم لاجرانج الكلمات المتكررة إلى أربع مجموعات:


1. تعبيرات سلبية: وهي التي تعكس المعاناة والوحدة والفقد والقسوة 2. تعبيرات إيجابية: وهي التي تعرض موضوعات الحب والحنان والقرب.


3. تعبيرات تشير بطريقة غير مباشرة إلى الـ «أنا» والـ «أنت» مثل «قلب» و«روح». 


4. كلمات يمكن وصفها كأدوات لخلق «كليشيهات» ومنها «كأس» أو «شموع».


الصلاة من أجل مصر


أرادت أم كلثوم أن تحدث الغناء العربي بأن تنحاز لـ «الكلمة الحلوة» وأن تتحدى السائد بأداء غنائي لا يعتمد على الحركات الأنثوية الراقصة بل على اختيار الألحان الغنية، وقد أدركت أن عليها أن تتماشى مع روح العصر، لكنها وضعت دائماً نصب أعينها عند اختيار أغنياتها ذوقها الخاص في مقابل ذوق الجمهور، فكانت تراعي دائماً نوعية الجمهور التي تتوجه إليها بالغناء، بالتالي أخذت في الاعتبار تعديل برنامجها الغنائي ليتناسب مع طبيعة الجمهور الجديد الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تكون من طبقات اجتماعية أدنى اغتنت بسبب التجارة والاستيراد أثناء الحرب، فاعتمدت في اختيار أغانيها على كلمات أكثر شعبوية أقرب إلى اللغة العامية كما استخدمها بيرم التونسي، كما أحجمت عن الأغنيات القصيرة لأنه في ثلاث إلى خمس دقائق لا يمكن للمؤلف أن يهب النص مضموناً دالاً ولا للملحن أن يخلق جملة موسيقية متكاملة.


ومن ناحية أخرى كانت أم كلثوم تحب الأغنيات الدينية والوطنية، وتغني الأخيرة كأنها تصلي من أجل مصر، ومنها: «طوف وشوف» و«مصر التي في خاطري وفي فمي» وغيرهما. ومن خلال الغناء الوطني والديني اكتسبت أم كلثوم دوراً آخر إضافة إلى دورها كمغنية.


وفي أواخر الستينيات غنت «ثومة» أيضاً الكثير من كلمات مؤلفين غير مصريين، رغم تنوع رصيدها الغنائي الهائل - لإجادتها معظم ألوان فنون الغناء العربي - إلا أن انطباعاً بالتماثل بين أغنياتها يتكون أحياناً عند الاستماع إليها، وهو ما قد يرجع إلى نبرة صوتها المميزة أو استخدامها تقنيات صوتية خاصة تتكرر في أدائها الغنائي بشكل ملحوظ، ولكن الأرجح أن ذلك راجع بالأساس لشخصية أم كلثوم التي طغت بحضورها - مثلاً عن طريق حرصها على التزام الوقار مع البساطة في اختيار نصوص أغانيها - وذلك خلال كل مراحل خلق الأغنية.


ويمكن تقسيم موضوعات أغانيها إلى ثلاثة موضوعات رئيسية وهي: الأغاني العاطفية، والدينية، والوطنية، بينما يربط الحب كل الموضوعات الثلاثة، فبينما هو العنصر الرئيسي لمضمون الأغاني العاطفية، إلا أن المحبة للوطن أو للرئيس جمال عبد الناصر هي أيضاً محور نصوص أغانيها الوطنية، كما أن المحبة لله ورسوله هي موضوع أغانيها الدينية.


الأغاني العاطفية


تدور النسبة الأكبر من الأغاني التي قدمتها أم كلثوم خلال مشوارها الفني حتى نهايته حول موضوع العاطفة الإنسانية، ويذكر سليم نصيب على لسان أحمد رامي قوله: «إن قصة حبٍ تكونت وامتدت في أنحاء البلاد من خلال كلماتي وصوتها» ما هي قصة هذا الحب؟


تتناول الباحثة الفرنسية ميريي تييش - لوبيه «الحب في أغاني أم كلثوم»، وتشير إلى أن موضوع الفراق و«بكاء الأطلال» - الذي تعود جذوره إلى تقاليد الشعر الجاهلي - كان بمثابة مكون رئيسي تعمق واتسع استخدامه في أغاني أم كلثوم، وتعتقد تييش - لوبيه أن النسيب (النَّسِـيبُ هو: رَقيقُ الشِّعْر في النساءِ) الذي انعزل عن القصيدة وتراجع لحساب التعبير عن ألم الفراق قد ولّـد ما يمكن أن نسميه «أغنية المعاناة».معتبرة أن ما قدمته أم كلثوم في قصائدها المغناة ليس مجرد إعادة إنتاج لذلك الإرث التقليدي، بل هو بمثابة صياغة جديدة لتلك القوالب الجامدة لتقديمها بأسلوب أكثر مرونة.


تمثل أغاني أم كلثوم العاطفية حوالي 78 % من رصيدها الغنائي، من بينها 80 أغنية تدور حول موضوع فراق الأحبة و«بكاء الأطلال» (بمعنى آخر 35.5 % من مجمل الأغاني العاطفية) و46 منها هي محور دراسة تييش - لوبيه. برغم تعددية موضوعات أعمال أم كلثوم إلا أن تييش - لوبيه تشير إلى اتجاهين غالبين على موضوع الفراق في مجمل أعمالها، بل وفي تاريخ الغناء المصري عموما: فراق يشوبه اليأس والاستسلام لمحبوب قاس ظالم يخضع له المحب في ذل وألم، فتكون «ثومة» هنا هي «الضحية». وفراق يصحبه شعور بالسلوان أو التمرد، وفيه يكون على المحبوب ذي القلب القاسي أن يدرك ويلات الفراق، وهنا تكون أم كلثوم «الثورية».


يعد الاتجاه الأول هو الغالب على معظم أغاني «سيدة الغناء العربي» (31 من 46 قصيدة) وهو واضح في مشوارها الفني منذ الثلاثينيات حتى الستينيات. أما الاتجاه الثاني فيغلب على موضوعات 15 من القصائد الأخرى موضوع البحث، ست منها في الستينيات والسبعينيات. كتب رامي من بينها ست قصائد، وبيرم التونسي اثنتين، أما البقية فهي موزعة بين شعراء الجيل التالي.


حين صرخ رامي «يا ظالمني»


أما شعر رامي الذي تناول لوعة الحب والفراق فيتميز بالسلبية والمعاناة المختارة،بل المحبذة وكانت مثالاً احتذى به الكثير من شعراء الجيل التالي. كما كان من خصائصه أيضاً المثالية والتجريد في وصف الحبيب. وجاء شعر بيرم التونسي في مقابل شعر رامي أقرب إلى تأملات عامة حول موضوع الحب، فاتسم المحبوب في شعره بصفات أقرب للصفات البشرية تفتح أفقاً أكثر رحابة لتحقق السعادة في الحب. أما الجيل التالي من الشعراء فقد تجنبوا روح الخضوع والسلبية في قصائدهم، فمنظور السعادة لم يكن ضيقاً عندهم، بل مثلوا حباً أكثر حداثة وواقعية.


وهناك العديد من الموتيفات التي تتكرر ومنها موضوعات الحنان أو الشفقة، والسهر الذي كان موضوعاً تكرر أيضاً بكثافة في الشعر العربي القديم، كما هو الحال أيضاً بالنسبة لموضوع الفراق وقسوة الحبيب وبكاء الأطلال والأمل الذي يتولد من خلال السؤال عن حال المحبوب. ويظهر تصور مشاعر «اللوعة في الحب» لاسيما في سياق الشعر الحديث وذلك عندما تتماهى مشاعر الحب والألم، وتأتي السلوى في صور الطبيعة مثل العصفور الذي يشهد على المحبين، وتبادل الرسائل، وذكريات الأوقات السعيدة، والصبر، والأمل في اللقاء، والخيالات أو أنواع أخرى من الهذيان. يمكن أيضاً رصد عناصر متغيرة أخرى منها «الدمع» الذي قد يعبر عن المرارة أو العزاء، والمحيط أو «الآخرون» فمنهم العذال ومنهم المتعاطفون، وهناك «الفراق» الذي قد يكون سبب اللوعة من جهة أو يكون هو نفسه مصدر التحرر.


ومن الملاحظات الأكثر إثارة في بحث تييش- لوبيه التركيز على العذاب في الحب وقوة التعبير عنه بشكل غير مسبوق في تقاليد الشعر العربي، فإن تحليل مشاعر العاشق الذي يعاني من الهجر ونفسية المتألم في الحب قد أضفت على كلمات أغاني أم كلثوم عمقاً عاطفياً يضعها ضمن الشعر الحديث المولع باستبطان المشاعر وصياغتها والذي يندمج بذلك في حراك أعمق مع تطور العواطف الإنسانية، فإن الإضافة الحقيقية للشعراء المحدثين إنما هي ذلك الوصف للفراق باعتباره نقطة تحول، وهو تصور أكثر واقعية، فهذا تصور لم يعرفه الشعر العربي التقليدي، وحتى أم كلثوم نفسها لم تعره اهتماما كبيراً مثلما فعلت مع الاتجاه الأول في تناول موضوع الفراق، ويتضح ذلك في ظهور هذا الاتجاه في مرحلة متأخرة من مشوارها الفني، وبالتالي يمكن تفسير هذا الاتجاه في أغانيها بأنه ميل للتجديد، إلا أن ذلك لا يمنعنا من ملاحظة بعض الكليشيهات الشاعرية العاطفية في مفردات مثل النار، والقمر، والكأس، والفؤاد، والروح، والعين.. وغيرها.


الغناء بصيغة المذكر


إن نصوص الأغاني التي غنتها أم كلثوم باللغة العربية الفصحى جاءت على شاكلة القصائد التقليدية متحدثة بصيغة المذكر، فالـ «أنا» و«الحبيب» كلاهما مذكر، وينطبق ذلك على الأشكال الغنائية الأخرى باستثناء الطقاطيق التي غنتها أم كلثوم حتى عام 1932 وفيها يخاطب «الأنا» المذكر محبوبة أنثى، وإن أمكن أحياناً يتم تفادي هذا بتحييد «الأنا» بأن يتم التعبير عن المحب الحزين مثلاً بأن «القلب حزين». وحتى اليوم يرتبط الغناء للمؤنث بشيء من الخلاعة أميل إلى إثارة الجمهور بشكل غير لائق. لذلك غنت أم كلثوم كأن رجلاً يحب رجلاً، وبما أن المقصود هنا ليس المثلية الجنسية بالتأكيد، يمكن الاتفاق على صيغة الشخص «المحايد» الذي يحب «محايداً» بذلك يمكن تصور مختلف تنويعات الأزواج المحبة في الكلثوميات العاطفية، أي أن معاني الشوق والعذاب في أغانيها ليست أشواق رجل أو عذابات امرأة إنما هي نموذج مجرد لتلك المشاعر الإنسانية التي قد يشعر بها المرء أياً كان جنسه. وفي كتابه (الهوى دون أهله)، دار الجديد/ بيروت 1990 يتحدث الكاتب السياسي حازم «صاغية» عن مفردات في أغاني أم كلثوم لا مذكرة ولا مؤنثة أو تحمل سماتهما معاً بأن تحمل معاني الحب بين الجنسين دون تحديد لخصائص جنس الحبيب أو المحبوب.


وتتكرر في عموم أغانيها الشكوى من حالة آنية وبخاصة في أغاني رامي التي عادة ما تختلط بتمجيد الماضي، والرغبة في العودة إلى زمن قد يعطي انطباعاً أنه لم يكن أبداً: فكأن السعادة في الحب لا توجد إلا في زمن مضى أما الحاضر فهو مليء بالأسى على الحب الضائع وبكاء أطلاله. ويذكر لاجرانج أن أغاني رامي أقرب إلى نداء لحمامة أو لشخص لن ولم يكن. 


تشير شتيفاني جزيل في هذا الفصل من كتابها أيضاً إلى بعض النقد اللاذع الموجه لأم كلثوم مثل ما كتبه اللبناني حازم صاغية عن غياب الواقعية تقريباً في كل أغنيات أم كلثوم، فبغض النظر عن المكان والزمان، فالرسائل التي تحملها أغانيها تكاد صياغتها تكون إلهية، خارج التاريخ، مطلقة وسحرية، دون أي تأثير واقعي، فلم يغب الغموض عن كثير من قصائدها، كما أن صورها السحرية تستمد حركتها من خلال أسلوب المقابلة وتبديل الكلمات، فمثلاً في قصيدة «أغداً ألقاك»: هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفكر.. هذه الدنيا عيون أنت فيها النظر! في هذه الكلمات لا يوجد ذكر لا لزمان ولا لمكان ولا لأي إشارة للعلاقة مع الواقع. وقد ذهب أحد الباحثين - وهو مصطفى شلبي - إلى حد اتهام أغاني أم كلثوم بالفقر الثقافي، حيث قال إنه بينما تتميز أبيات قصائدها غالباً بشدة الجمال إلا أنها لا تنطوي في مضمونها على أي إضافة فيزيقية أو ميتافيزيقية حقيقية، بل اتهم أم كلثوم نفسها بالمساهمة في إفقار المشهد الشعري والعجيب - في


رأيه - أن ذلك ربما يكون قد أسهم في تزايد نجاحاتها.

الآنسة أم كلثوم... بقلم فادي العبد الله

يناير 29, 2015 اضف تعليق


نشرت في ملحق النهار الثقافي، 18 شباط 2007، واستعادتها أخبار الأدب المصرية في زاوية "جسر الحنين" في 4 آذار 2007

كيف نقرأ "الآنسة أم كلثوم" اليوم؟



ما بين "التعبير" و "التطريب" و "الغناء الطربيّ" و "الغناء" في صورة عامة، نلاحظ اختلاطاً في المفاهيم و قلقاً في المنظور الذي يسعنا منه تقييم حال الغناء و الموسيقى في أيامنا هذه. من أجل التمييز بين المعايير المختلفة لا بد من وضعها في سياقها الفني و التاريخي واستقراء ولاداتها و تشكّلاتها الأول، و هذا ما تسعى إليه هذه المقالة، متخذةً لها بؤرةً بحثيةً من فترة بدايات أم كلثوم، التي نحيي في هذه الأيام الذكرى

الثانية والثلاثين لغيابها (في 3 شباط 1975). نهدف إذا إلى التدقيق في دورها البارز، والملتبس و المنسي، في صياغة وبلورة هذه العوامل على الوجه الذي نعرفه اليوم. في هذا المعنى فإن مساءلة وضع الموسيقى اليوم لا تنفصل عن مساءلة نظرتنا إليها و تاريخ تشكّل هذه النظرة، لذا فإن المساءلة تبدأ لا مناص من التدقيق في طبيعة قراءتنا لمن هي المطربة الأبرز في موسيقانا الغنائية: كيف نستمع أو، للدقة، نقرأ اليوم أم كلثوم؟

ثمة من يقرأ اليوم، كما بالأمس، أم كلثوم اكتمالاً ما بعده كمال، وطرباً لا يجاوزه آخر، وابتداعاً لم يسبقه أحد إلى مناهله. هكذا تعلو أم كلثوم عن النقد و عن التحليل معاً، فلا يطالها سوى التسبيح المرفوع إليها. و هكذا أيضاً تخلد أم كلثوم أيقونةً بلا وظيفة، لا نستعيدها إلا لماماً وفي صورها الأكثر شيوعاً و الأقل تطلباً لأي جهد منا، فتخلد صورةً وتمحى شيئاً فشيئاُ صوتاً ومشروعاً وجهداً وتاريخاً معاشاً لا أسطورياً. اللهم إلا أن تكون وظيفتها تحديداً التنزه عن كل عيب و شائبة. وإذ ذاك نفهم تشابه مفارقة الخلود والامحاء المشار إليها مع مفارقات العروبة و الوطنية و القومية و الإسلامية حيث أيضاً نرى ماضياً تُمَجَّد صورته و يمنع كل بحث في تفهم حقيقته و جهوده ومعاشه. مثل هذه القراءة، التي يصمها حازم صاغية عن حقٍ بالنرجسية، تنطلق من المماهاة بين صورة أم كلثوم و صورة الذات عن نفسها (سواء كانت هذه الذات مصرية أم عروبية أم مزيجاً من الإثنين)، فتتنزه أم كلثوم عن كل عيب كتنزه العروبة من كل شائبة أو وضر، و تزهو مصر بصوتها كالنتاج الأتم و الأكمل للمصرية الصميمة…الخ.


في مقابل التهويم النرجسي هذا يقدم حازم صاغية في "الهوى دون أهله" قراءة تسعى إلى نقض الأولى وفضحها، في "النص" الكلثومي ذاته، فيبحث صاغية فيه عن عناصر التطابق، العظامي والجنوني، بين المطربة والذات العربية، ساعياً من وراء ذلك إلى إثبات العلاقة بين الطرب عموماً وبين الصوفية، بين أم كلثوم والناصرية، وبين الكلثومية وتريّف الحياة العربية وانطواء عهد المدينة الكوزموبوليتية. في سبيل ذلك، يعتمد صاغية اعتماداً هائلاً على مضمون "بعض" النصوص التي أدتها أم كلثوم ( فيسقط مثلاً كل الأغاني الوطنية وكل أغاني المناسبات). ولكي يجيز لنفسه مثل هذا الاعتماد فإنه يفترض تقدم الكلام على اللحن في فن الطرب، و تماهي المطرب مع الكلمة، ثم تماهي المستمع في وحدةٍ حلولية مع المطرب، حيث أن الطرب "التكراري" بحسبه لا يترك للمستمع مسافة و استقلالاً عن الغناء تسمح له بالإعجاب الواعي والمقدّر، على خلاف ما يفترضه في الغناء الغربي. في مثل هذا الإطار يغدو من السهل إذن القول بغياب الدلالات وشيوع الكلام الإلهي واللا تاريخي في النص الكلثومي، و غياب السيرة الحقيقية لها، بالمقارنة مع بياف وبيلي هالليداي، و نصوصهما.


لكن أليس ما يفعله صاغية هو عين ما ينتقده؟ أي المماهاة بين أم كلثوم و صورة معينة سابقة التشكل عن الذات، بحيث لا يتم في ما بعد سوى اسقاط نقد الصورة في حالته (أو لا نقدها في حالة النرجسيين) على أم كلثوم نفسها.


هكذا يرى اكتمال الكلثومية في العهد الناصري في حين أنه هو نفسه يرصد تفكك النموذج الكلثومي في الفترة نفسها، و يحسب أن نظام توحيد الأذواق الناصري أيضاً ألغى إمكانية منافسة أم كلثوم، في حين أن ذلك قد تم في الواقع قبل عشرين عاماً على الأقل، منذ بدء الحفلات الشهرية في 1935 وحتى قبل ذلك بالنسبة الى "السمّيعة". و يستشهد بمقطع من "أهل الهوى" دليلاً على الليل الكلثومي، الليل الزمني و الدنيوي في مقابل الدين الصارم في النهار، ليل غياب الحبيب و حضور الحياة الحسية في مقابل خواء اللقاء معه، في حين أن المقطع التالي من الأغنية عينها ينقض مقولته. هكذا أيضاً يجري مقارنة مع مغنيات غربيات من خارج السياق الاجتماعي والفني المختلف. أما الإسقاط، غير المشروع، الأبرز فهو أن يرى في نجاح أم كلثوم دليلاً على انتصار الريف على المدينة الكوزموبوليتية، وهو ما يراه في المشروع الناصري و في الحياة العربية عموماً، في حين أن أم كلثوم باتت منذ منتصف الأربعينات على الأقل وحيدةً معزولةً في مشروعها، في ظلّ نهم عبد الوهاب و فريد الأطرش، وحتى السنباطي في غير كلثومياته، ثم عبد الحليم و ملحنيه لاحقاً ، للسامبا و الرومبا و الايقاعات و الآلات الغربية، وصولاً إلى أيامنا التي تضع أم كلثوم في خانة الذكريات المجيدة في حين تستمع إلى آخر المنقولات عن الفلامنكو و الآر أن بي معرّبةً! فلم لا يرى في ذلك انتصاراً لعبد الوهاب القاهري و للمدينة على الريف الذي لم تبقَ منه سوى امرأة وحيدة مهما بلغت قوتها في ساحة الغناء؟


والحق أننا لا نجادل في مدى دقة توصيف صاغية للسياق التاريخي العربي السياسي والاجتماعي في القرن العشرين، لكننا نرى أن قراءته ذلك في "النص" الكلثومي قراءة مغلوطة و مفخخة من الداخل بالعديد من التناقضات كما رأينا. ففيما عدا نقد كتاب سيرة أم كلثوم، و هم أغلبهم بلا شك مداحون أكثر منهم كتاباً مدققين، لا يسمح "الهوى دون أهله" بنقد الفن الكلثومي نفسه. نظن أن أساس التناقض في كتاب صاغية هو في اتخاذ "النص" دليلاً، و في قراءة عمل أم كلثوم انطلاقاً منه، بمعزل عن اللحن و عن سائر العوامل المتداخلة في انتاج الأغنية الكلثومية. في هذا المنظور، لا سيما افتراض المماهاة بين المغني و النص، و افتراض غياب المسافة الواعية بين المستمع وغناء الطرب "التكراري"، نلمح فكرة عن الطرب هي فكرتنا اليوم عنه، أي الطرب ما بعد أم كلثوم وعبد الوهاب، وهي فكرة تخلط أيضاً ما بين الطرب كنوع من أنواع الغناء وبين الغناء ككلّ كما ورثنا نموذجه (الذي بات اليوم شبه أوحد) من الفترة الحليمية و النجاتية والفيروزية. مثل هذا الاختلاط في النظرة لا بد أن يخلق اشكالاتٍ كثيرة في الرؤية إلى أم كلثوم و في محاولة قراءة جهدها و مشروعها، لا سيما جهد البدايات الذي لا يجوز إسقاط رؤية اليوم عليه دونما تدقيق، بل ينبغي أن نحاول وضعه في سياقه الأصلي. لذا نجد أن لا مناص من التفكر في مفهوم الطرب و أحوال أهل الغناء ما قبل أم كلثوم، تمهيداً لمحاولة تحليل بعض عناصر مشروعها و بداياته.


الطرب، و أهله


الطرب في لسان العرب و في الصحاح وفي مقاييس اللغة خفة تعتري المرء من سرور أو حزن. أما الطرب في الموسيقى العربية فهو في الحقيقة الخفة نفسها. خفة العازف أو المغني وخفة المستمع. لذا كان التطريب لغةً هو مدّ الصوت وتزيينه و كان الطرب بالتالي الإعجاب بهذا التزيين. يخطئ كثيراً من يظن أن الطرب "التكراري" يعمل وفق نفس نظام الزار أو الهارد روك، أو لطم عاشوراء، أي التكرار الإيقاعي العنيف الذي يسري في نفس المشارك فيه حتى الذهول و الغيبوبة عن النفس. مثل هذا الافتراض لا يشبه في شيء حقيقة الطرب. ففي نماذج الموشحات، وهي من أبدع إنجازات الموسيقى و أكثرها تطريباً، نجد إيقاعات بالغة الطول بحيث يعجز عن فهمها من لم يتخصص بها، مثل هذا الطول كفيل بأن يخلق تفاوتاً داخلياً في الإيقاع بحيث لا يسري، ظاهرياً، على الأقل، في شكل رتيبٍ متكرر، وهذا الطول يمنع التأثير البيولوجي لتكرار الإيقاع العنيف، ثم ماذا نقول عن طرب الموال حيث لا إيقاع مصاحباً أبداً؟ كما يخطئ من يحسب أن الطرب ينبع من تماهي المطرب مع نصه و من تماهي المستمع مع الإثنين. فنصوص الموشحات تكاد تكون أحياناً مستغلقة الفهم لغةً، و نصوص الأدوار القديمة بالغة السطحية إلى حد أن التماهي معها لا يغني المرء شيئاً ولا طرباً. ثم إن من المعروف المشهور أن من الآلات من هو كالعود سلطان الطرب، و الطرب للعازفين كثيراً ما يفوق الطرب للمغنين. بل إن سطوة اللغة في العربية هي تحديداً أحد أسباب تحريم الموسيقى و الغناء، و ضعف الموسيقى البحتة طويلاً و أحد أسباب غياب القصائد الكبرى عن الغناء، ذلك أن الموسيقى و اللحن بالغا القوة إلى حد أن كل كلام سيكون لهما تابعاً و مسحوقاً أمام مضاء الجملة اللحنية و تقطيعاتها، و كثيرة هي نماذج تقطيع الكلمة و تكرار أحرف أو مقاطع منها في الغناء القديم.


الطرب هو خفة اللحظة لا ثقل كثافة الفكرة. الطرب هو إعجاب المستمع بقدرة العازف أو المغني على تطويع آلته، وعلى قدرتهما على اللعب مع الإيقاع والزمن والتحايل عليه والإلتفاف على صرامته، وعلى قدرتهما على مفاجأته في الإنعطافات المقامية (التي تحدسها الأذن حتى غير المتخصصة) وما تستتبعه من اختلاف مفاجئ في "نكهة" الصوت أو النوتة، و هو أخيراً الإعجاب بالقدرة على الزخرفة و التنويع (لذا كان التكرار مطلوباً في البداية لترسيخ الهيكل الأساسي الذي سيتم التنويع عليه). في مطلق الأحوال، الطرب يتطلب انتباهاً عالياً، لا "ذوباناً و غياباً"، و استقلالية ناقدة للمستمع، و هو بهذا يتنافى كلياً مع التماهي مع المغني، إذ يتطلب من المغني أن يدهش سامعه في اللحظة، ومن هنا ارتباطه بالمسرح، لا أن يهدهده. الطرب دعوة مستمرة من المؤدي ومن المستمع ـ الذي ليس أبداً متلقياً سلبياً ـ إلى لعب ممتد إلى ما لا نهاية كالخطوط الهندسية المجردة للزخرفات العربية.


ذلك لا يعني أن التعبير لم يدخل من بعد كقيمة في الموسيقى العربية لكنه دخل كقيمة مختلفة عن الطرب، قد تضاف إليه أحياناً (في أدوار سيد درويش مثلاً) و قد تستقل عنه (في الكثير من أعمال القصبجي مثلاً)، إلا أنها ليست جزءً من عناصره الأصلية. ومن الملاحظ في هذا الإطار أن المشايخ من أهل الغناء، بحكم نشأتهم في تجويد القرآن وتصوير معانيه، كما حلم بذلك مثلاً الشيخ سيد درويش، أكثر اهتماماً بالكلمة و تعبيرها من المطربين ممن لم يتمشيخوا، و هذا بادٍ مثلاً بالمقارنة بين ألحان المشايخ، وألحان عبده الحمولي ومحمد عثمان وداود حسني مثلاً. كما أن هذا الإختلاف يتضاعف في حالة المطربات ما قبل أم كلثوم، العوالم، اللواتي كونّ ذوقاً خاصاً يعتمد على خفة الطقطوقة وإيحاءاتها، وابتعدن غالباً، لضعف ثقافتهن اللغوية و الموسيقية، عن الأدوار والموشحات، باستثناء قلائل مثل منيرة المهدية التي سجلت بضعة أدوار، و التي يروى أنها كانت تغني الطقطوقة فحسب في "الحريم"، و تغني الطقطوقة و الدور أمام الرجال. في هذا السياق شكل سيد درويش جسر انتقال فعلي من قرن الحمولي و عثمان إلى القرن العشرين. ليس هنا بالطبع المجال لتفصيل الجوانب الثرية في عمل وثورة سيد درويش، لكن تنبغي الإشارة بإيجاز إلى ثورته في مجالي الأغنية الوطنية و الأغنية المسرحية، في حين أن المسرح الغنائي قبله كان أغنيات منفصلة تقريباً تغنى أثناء عرض المسرحية. وفي المجالين كان التركيز على الكلمة و تعبيرها أساسياً، أياً يكن القالب المعتمد، و كذلك التعبير عن جو المشهد و طبيعة الشخصيات و انتماءاتهم و لهجاتهم. بالطبع أغلب كلمات أغاني سيد درويش المرتبطة بهذا اللهجات غير مفهومة للمستمع العادي اليوم، كما أن الجانب الإجتماعي من مشروعه انتهى تماماً مع موته، غير أن رشاقة الجملة التي فرضها و قيامها بذاتها منذ تلحينها و بمعزل عن الصوت الفردي ـ وهذا أيضاً أثر من ضرورات المسرح ـ وتخففها من ضرورة اللجوء إلى الزخرفة لملئها، كل ذلك عوامل أصبحت مؤسسة لطريقة التلحين مذذاك، مثلها مثل الاستدخال الواسع للتعبير، والرغبة في التفاعل مع الموسيقى الغربية وليس تجاهلها. في هذا الإطار الذي رسمناه سريعاً يمكن فهم الخصوصية الكلثومية التي سمحت لها بفرض مشروعٍ مغاير عن السابق على الغناء، منذ بدايتها و صعودها القاهري السريع.


الشيخة أم كلثوم


كنا فكرنا في "الآنسة أم كلثوم" عنواناً لهذا اللقاء، تدليلاً على رغبتنا في البحث في بدايات أم كلثوم. ثم لاحظنا أن عدداً من التسجيلات القديمة يبدأ بتعريف "الست أم كلثوم" التي لم تكن تبلغ الخامسة و العشرين. يروى أن سبب هذه الغرابة هو رغبة منيرة المهدية بالإنفراد بلقب "الأسطى" و بحرمان أم كلثوم منه مما جعل الشركة تسعى إلى لقبٍ آخر. ثم بالتنقيب أكثر عثرنا في كتاب نعمات فؤاد على لقبين أقدم بعد، يعودان للفترة التي كانت أم كلثوم فيها لا تزال في قريتها طماي الزهايرة، و هما بارزان خطياً في مراسلاتها: "مقرئة السيرة النبوية الشريفة"، و قبله "الشيخة أم كلثوم".


الشيخة أم كلثوم ابنة الشيخ ابرهيم البلتاجي، منشد المدائح النبوية، مغايرة إذن تكويناً ونشأةً عن العوالم، إذ أنها بدأت على غرار المشايخ، الذكور حصرياً، في حضن القراءة القرآنية و الغناء الفصيح الذكوري، قبل أن تتم مع أبو العلا محمد ثم صبري النجريدي والقصبجي تمرسها في الغناء الدنيوي من أدوار و طقاطيق وقصائد. فسبق وصول أم كلثوم إلى القاهرة حصولها على تنشئة و ثقافة لم تكن متاحة لمنافساتها من الإناث، مما جعلها تصبح، وبسرعة فائقة، الصوت الذي يحمل مشاريع الفنانين الطموحين في حين اكتفت الأخريات بتكرار ما يعرفونه، من الطقاطيق خصوصاً.


هكذا كانت الشيخة أم كلثوم تغني في البداية أغاني الذكور، الأصعب و الأكثر تطلباُ، وكان هذا متناسباً مع حضور عائلتها حولها و طبيعة جمهورها الرئيسي آنذاك، أي شبكة الوجهاء الريفيين و أذواقهم المتقشفة نسبة إلى "الخلاعة و الدلاعة" القاهرية (وهذا عنوان أغنية غنتها أم كلثوم و لاقت سخط مستمعيها). من المفيد بالطبع الإشارة إلى أن هؤلاء الوجهاء المحليين هم أنفسهم من سيشكل حلقة الإتصال التي ستؤمن لأم كلثوم علاقة بالأرستقراطية القاهرية، إلا أنها على خلاف عبد الوهاب القاهري ستتصل بالأرستقراطية ذات الجذور والإرتباطات الريفية القوية، لا سيما آل عبد الرازق، و من الطبيعي القول بأن هذه الجذور وهذه الإرتباطات تركت أثراً واضحاً على ذوق هذه الشريحة، التي شكلت دعامة رئيسية لحضور أم كلثوم في القاهرة، فتشكل هذا الذوق من رغبة في التحديث والتطوير تحدياً للمحتل، و على ترسيخ معطيات التراث المحلي تحدياً له أيضاً، و على تقشفٍ و تعففٍ و رصانةٍ بالغة الأهمية لدى أناس مثل علي عبد الرازق و إخوته. هذه العلاقات مع نمطٍ معين من الأرستقراطية شكلت عامل تطور أيضاً في ذوق أم كلثوم وحضورها في المسرح و في الحياة العامة، كمثل دور شوقي في تكوين عبد الوهاب. وهذا ما سمح لها بعد سنتين فقط من وصولها إلى القاهرة بأن تمتلك جمهورها و بلاطها، و حضوراً طاغياً في الحفلات الحية، ونوعاً من أناقةٍ محافظة لم تتخل عنها يوماً.


السنوات القاهرية الأولى


السؤال الذي تطرحه، بدقة، فيرجينيا دانيلسون في "صوت مصر" هو عن كيفية تقاطع ثقافة نخبة مع الغناء الريفي الكلثومي في بداياته. إلا أن ذلك يتوضح بالتأكيد متى انتبهنا إلى اشتراك الاثنين في ثقافة موسيقية دينية واحدة، من القرآن و المدائح. حتى بإزاء العامة، ورغم بعض المساومات و التنازلات التي قدمتها تحت ضغط شريحة من الجمهور، إلا أن أم كلثوم في النهاية نجحت أيضاً في استغلال هذه القاعدة الثقافية واللغوية المشتركة مع العامة أيضاً في سبيل إنجاح غناء القصائد، لا سيما الدينية. من بين هذه التسويات بالطبع غناء أم كلثوم لآخرين أكثر شهرة منها آنذاك، إلا أن ذلك سمح لها أيضاً، لمحاسن الصدف، بِلِقاء من سيصنعان لها وفي فترة قصيرة صاعقة الانقلاب الأخطر في غناءها و في أسس الغناء كما نعرفه اليوم، أي أحمد رامي الذي قابلها بعد أن غنت قصيدته من ألحان أبو العلا محمد "الصب تفضحه عيونه"، ومحمد القصبجي الذي قابلها بعد أن غنت، دون إذنه، لحنه لنعيمة المصرية "قال ايه حلف ما يكلمنيش".


في 1926 على ما يروى كان التغيير الكبير في غناء أم كلثوم بمصاحبة التخت بدل الإنشاد بمصاحبة عائلتها وهو ما كان تسبب لها في انتقادات كثيرة، وصاحب ذلك تغيير في المظهر و في العناية بالحضور على المسرح، وفي التفكير الموسيقي الذي بدأ محمد القصبجي يخطط له مستفيداً من رومنطيقية رامي وموضوعاته. في تلك الفترة أيضاً بدأت أم كلثوم تقوّي علاقتها بأصحاب النفوذ والمشاريع، وتفرض شروطها على الشركات المنتجة للأسطوانات وعلى متعهدي الحفلات وكانت أم كلثوم في تلك الفترة أيضاً حريصة على أن تنال أعلى الأجور عن أسطواناتها مقارنة بمنافساتها ومنافسيها، منيرة المهدية وفتحية أحمد وعبد الوهاب، معتبرة ذلك دليلاً على كونها الأولى بينهم ما دامت الأولى في الأجر.


والحق إن انتشار أم كلثوم و نجاح اسطواناتها يعود لأسباب متعددة، منها إنشاؤها لشبكة ريفية من المستمعين الذين غنت في مناسباتهم و أفراحهم والمتباهين بأسطوانة تخرج للفتاة التي غنت صغيرة في دارهم، ومنها الأسعار المخفضة التي بيعت بها أسطواناتها الأولى كي تتمكن من المنافسة، ومنها ابتداء انخفاض أسعار الغرامافونات في تلك الفترة بعد أن كانت حكراً فقط على الوجهاء. بالإضافة بالطبع إلى صوت أم كلثوم و جديدها المتناسب مع حاجة ذلك الزمن إلى جديدٍ يجمع ما يعتبر أصيلاً أو صميماً مع التطوير والانضباط الضروري في التحديث. وفي الواقع فإن انهيار المسرح في أواخر العشرينات، وتلازم ذلك مع الأزمة الاقتصادية، أنهى هيمنة منيرة المهدية على الغناء الأنثوي، بعد منافسة قاسيةٍ مع أم كلثوم، التي لم تعمل في المسرح الغنائي أبداً، أما فتحية أحمد فقد انحصرت في لونها مفتخرة بالتأثيرات الشامية والتركية في غناءها مما حد من قدرتها على الانتشار وإن حفظ لها معجبيها. هكذا باتت أم كلثوم بلا منازع تقريباً منذ مطلع الثلاثينات، وهي الفترة التي بطل فيها ظهور منافسات لأم كلثوم، سوى المرور الخاطف لأسمهان، وبدأ فيها ظهور ما يسميه كمال النجمي بأمهات كلثوم، أي المتشبهات بها أو بجزءٍ من تكوينها وسماتها، وتكرست أم كلثوم مذذاك مدرسةً في الغناء لا مناص لكل مطربة من بعدها أن تتهذب بذوقها و تتمرس بتقنياتها كي تعد من المطربات. شيئاً فشيئاً اختزلت أم كلثوم الطرب إلى مدرستها حتى تنبأ عبد الوهاب بانقراضه بعدها وهو ما لم يبخل الزمان بإثبات صحته.


أم كلثوم و أسس الغناء كما نعرفه اليوم


ثمة افتراض بالغ الشيوع والخطأ في القول بأن أبو العلا و سيد درويش ثم القصبجي خلصوا الغناء العربي من عجمته في حين أنهم في الواقع تفاعلوا مع زمنهم وتأثيراته (كالحضور الكبير للموسيقى الكلاسيكية و للأوبرا في القاهرة آنذاك) و قدموا جديداً نحسبه اليوم جوهراً. ليس من عودة إلى الخلف إذن، إلى نقاء مفترض، بل إضافة وتأسيس جديد. في هذا، يشكل عمل الشيخ أبو العلا محمد، أستاذ أم كلثوم، الخطوة الأولى في تطوير القصيدة. فرغم إلقائه كل بيت منفرداً، إلا أنه كان حريصاً على متانة البنيان العام و على وحدة المناخ الموسيقي في العمل، وكما أشرنا من قبل فإن تكوينه المشايخي يجعله يستدخل عنصر تصوير المعنى أو جوه في اللحن. وإن كان الدكتور صبري النجريدي، ملحن أم كلثوم الخاص الأول، مجرد مقلدٍ بارع في القصائد، إلا أن عمله في المونولوجات (الحب كان) و الطقاطيق (الفل و الياسمين و الورد) كان أيضاً أساسياً في شهرة أم كلثوم في البداية. هذه الخطوة الأولى في القصائد ستشكل الأساس الذي سيبني عليه السنباطي، الذي كان شغوفاً (كما يبدو من مقالٍ لخيري بشارة عنه) بمقارنة اللحن بالبنيان و العمارة، قصائده اللاحقة، بعد نحو عشرين عاماً على وفاة أبي العلا، في عودة نحو ضرب من الرصانة والإيقاعات العريضة والجمل الدرامية، بعدما كان عبد الوهاب قد انتقل بين 1928 و 1933 في سنواتٍ تعد على أصابع اليد الواحدة من "يا جارة الوادي" إلى "جفنه علّم الغزل".


بموازاة تطوير عبد الوهاب لقالب الموال الذي لم تغنه أم كلثوم (باستثناء نموذجين لا يشيع فيهما جو الموال فعلاً)، ساهمت أم كلثوم في تطوير القصبجي لقالب المونولوج المعروف قبله، ولكن الذي لم يكتسب خصوصيته إلا معه. فالمونولوج الكلثومي، مستوحى من الآريا الأوبرالية، دون التخلي عن نمط الغناء العربي المثقل بالزخرفة الصوتية المتوالية. وقد أضاف القصبجي، المتضلع من الموسيقى الشرقية و المطلع على الغربية، نفحةً دراميةً تنسجم مع رومنطيقية رامي الموروثة من فرنسا القرن التاسع عشر. هذا المزيج سمح للمونولوج بأن يحقق نجاحاتٍ خيالية (إن كنت أسامح) لكن إجهاده المتواصل للمطرب و للمستمع، ثمّ تغير نمط ووسائط غناء أم كلثوم لاحقاً أنهى هذا القالب تقريباً الذي كان قد تمكّن قبل ذلك من إنهاء هيمنة الدور كالشكل الأكثر تطوراً و علماً (كما يقال الموسيقى العالمة)، على الرغم أن أم كلثوم كانت غنت ما بين 1930 إلى 1932 عشرة أدوار لداود حسني وأن أدوارها الجميلة مع زكريا أحمد لاقت نجاحاً إلا أن هذه الأدوار التسع تناثرت على سنواتٍ تسع أيضاً ما بين 1931 و 1939.


لزكريا أحمد أيضاً كان الفضل في تطوير قالب الطقطوقة، بالتنويع في الألحان والإيقاعات، بدل التكرار الرتيب للأغصان.كما كان لزكريا أيضاً الفضل في الحفاظ على نوعٍ من الأغنية الجماعية، والحوارية المرحة، المأخوذة من المسرح الدرويشي، وفي تطعيم السينما الكلثومية منذ أواسط الثلاثينات بها وبمرحها وإيقاعاتها العربية وجملها الخفيفة، بالتوازي مع جهود االقصبجي، وتلميذه آنذاك، و إن على سلاسة أكبر بلا منازع، السنباطي، في الأغنية السينمائية الأوبرالية وفي تطوير التخت إلى فرقة أوركسترالية بالتعاون مع الموزع، والمؤلف الموسيقي العائد من أوروبا، ابرهيم حجاج. يتساءل المرء لماذا تأخر تعاون أم كلثوم مع زكريا أحمد، إلى العام 1931، في حين أنه يعرفها منذ 1919 وكان صاحب اسهام كبير في التحضير لانتقالها إلى القاهرة، ويبدو لبعض المؤرخين أن السبب هو انغماس زكريا في المسرح الغنائي، مستكملاً إرث سيد درويش. فيكون انهيار المسرح مع الأزمة الاقتصادية وصعود الكباريه كصالةٍ تقدم عروضاً متنوعة لفنانين كثر في السهرة الواحدة، هو ما أتى بزكريا نحو أم كلثوم التي ستقدم معه أعمالاً هي من أجمل ما قدمت و أمتعه، و لكن هذا الانهيار هو أيضاً ما سيمحو كل أنواع الغناء سوى الغناء الفردي العاطفي، سيقطع من الإرث الدرويشي جانبه المصور للفئات الاجتماعية، ويأسر الغناء العربي في الأغنية الفردية، العاطفية غالباً.


في الفترة عينها كان للانتشار الكبير للأسطوانة، التي لم تكن مدتها تتجاوز دقائق معدودة، أثر كبير في تقنين الحرية الارتجالية للمطرب و للتخت، وفي دفع الأغنية القصيرة إلى البروز كالشكل الأهم في صناعة الموسيقى و اقتصادها، إلى حين تنبه أم كلثوم، بعد عشر سنوات من الغناء الحي المنقول على الإذاعة، إلى إمكانيات الإذاعة في التسجيل غير المحدود زمناً للأغنية، وتنبهها إلى طبيعة الحضور الكلثومي على المسرح و صورتها، في الأربعينات، كالمطربة الأفضل في التنويع و الزخرفة و الإعادة في مقاطع الأغنية، مما جعلها تتجه مع السنباطي و زكريا إلى الأغنية الطويلة. وهذا ما يجعل تطريبها مرتبطاً جداً بوقوفها على المسرح وعلاقتها بجمهورها. ويشير البعض هنا إلى أن توجه أم كلثوم نحو السنباطي وزكريا مرتبط بتغيير في الذوق العام ناتج عن الخيبة من آمال التطوير والعودة نحو هويةٍ انغلاقية مضادة للمستعمر وفنونه، وذلك منذ بداية الأربعينات إلا أن هذا القول في نظرنا لا يصمد للتدقيق، إذ أن أم كلثوم واصلت التعاون مع القصبجي، خلافاً للشائع، بعد "رق الحبيب" في أغاني الأفلام (فاطمة)، كما أن عبد الوهاب و فريد الأطرش كانا يحققان نجاحاتٍ كبيرة مستعملين إيقاعاتٍ و آلاتٍ غربية ومتنافسين في ادعاء السبق إليها، ومثل ذلك كان أيضاً في أساس نجاح عبد الحليم في الخمسينات. حتى ليلوح أن أم كلثوم في توجهها الجديد نحو زكريا والسنباطي كانت تبتعد عن الجو العام آنذاك لا بل تسير عكسه. النموذج الكلثومي هنا ليس المؤشر الأفضل إلى حراك المجتمع، وإن كان تمسك الناس وتمثلهم به دليلاً على صورة هذا المجتمع في عيون نفسه، لا على واقعه. لذا يلوح لنا أن سبب التوجه الكلثومي هذا يعود إلى أسبابٍ فنية في الأصل، هي سعي أم كلثوم إلى التفرد بلون لا يشبه الآخرين، وإلى التخفف من إجهاد تلحين القصبجي لها وللمستمع ومن ضبطه الصارم لها في أسر الشبكة اللحنية و التوزيع الأوركسترالي، ثم إلى رغبتها بالخروج من طراز أحمد رامي في الكلمات، وذلك في اتجاهين، الكلام المباشر والشعبي دون أن يكون شعبوياً مع بيرم التونسي، والشعر الفصيح قديماً و حديثاً ولكن بشروط قدرته على التأقلم مع غنائها على المسرح، أي أن تكون قادرة على التكرار والتقطيع والإعادة فيه، وهذه هي الشروط التي يبرر فيها صلاح جاهين أسباب ابتعاد أم كلثوم عن القصائد بالعامية لـ"والد الشعراء" فؤاد حداد. ويمكن القول، بعد أن كانت الأسطوانة قد أنهت مفهوم الوصلة المتتالية المقاطع (مقدمة آلية من المأثور و تقاسيم و ليالي و موشح ثم دور أو قصيدة) وفككته، أن الأغنية الطويلة شكلت عودة إلى وصلةٍ من طرازٍ جديد.


صاحب كل هذه الجهود، جهد مماثل في تهذيب الغناء، على طريقة أم كلثوم وبحسب ذوقها وأناقتها وحبها للقفلة، وفي تهذيب العزف. فبدل التمهيد الموسيقي بالدواليب والتقاسيم والسماعيات، أنجز القصبجي ورفاقه بدايات إدخال الموسيقى البحتة في نسيج الأغنية، سواءً في المقدمات، القصيرة في البدء قبل أن تطول في الأغاني المصنوعة للأمسية الكلثومية، وفي اللوازم الموسيقية بين الكلمات أو بين المقاطع المغناة. هذا التطوير، وضرورة ضبط زمن الأغنية في الأسطوانة القصيرة وكذلك عمل القصبجي وتفكيره في الانتقال بالتخت إلى الفرقة الأوركسترالية ومحاولاته الهارمونية والبوليفونية البارزة، أدى كل ذلك إلى تغيير في طريقة العزف نحو انضباط كبير و تضييق هامش الحرية الارتجالية للعازف وحصر، إن لم يكن انهاء، الرنين الهيتيروفوني الناتج عن هذه الحريات، ونحو توحيدٍ لأساليب العزف. كما كان لكل ذلك أيضاً أثر، يضاف إلى أثر الإعداد في المعاهد و حضور الموسيقى الغربية في القاهرة، في تغيير أبعاد بعض السلالم العربية البالغة الدقة وفي انقراض الكثير منها.


الطرب و الغناء بعد أم كلثوم و عبد الوهاب


ختاماً، نحسب أن الدلالات لا تُقْرأ إذن في "النص" المغنى، بخاصةٍ في ثقافةٍ مجبولة بالدين لطالما خافت من غياب النص في الموسيقى أو انسحاقه في مواجهتها، بل تقرأ في تطور العلاقات بين العوامل المختلفة، العلاقات بين الكلمة و اللحن، العلاقات الاقتصادية مع الشركات و الوكلاء، العلاقة مع التطور التقني واختلاف الوسائط الناقلة للعمل الفني... الخ. وهذا ما حاولنا بإيجاز الإشارة إليه في معرض هذا التفكر في الأعمال الأولى، التأسيسية، لأم كلثوم.


على الصعيد الفني، ربما يجوز الافتراض مع عبد الوهاب أن الطرب انتهى بعد أم كلثوم. ولكن للدقة فإن ما انتهى معها هو نمطٌ معين من الغناء (طرب بطيء، جمل و إيقاعات عريضة، تأتي هي لتصوغها، وذلك بالمقارنة مع الطرب الأسبق عليها حيث الزخرفة المتواصلة، و ضعف الجملة اللحنية مجردة من الصوت، وسيطرة الهنك و الرنك أي الترديد و الترجيع في الحوار مع الكورس... الخ)، ساهمت هي و ملحنوها في شكل رئيسي في تشكيله وفي احتلاله مكان الطرب القديم الذي كان صالح عبد الحي آخر المدافعين عن استمراره، والذي أصبح اليوم نوعاً من الفن المتحفي الذي تقدم فرق التراث أو بعض المطربين النادرين نسخة معدلة بالتأكيد عن صورته الأصلية. وبدوره انتهى الطرب الكلثومي أيضاً إلى نسخٍ معدلة و معدة للاستهلاك السريع في خواتيم الحفلات الراقصة، أو للتباهي في بعض المهرجانات. في مقابل ذلك لا يزال خصوصاً في الموسيقى البحتة وعازفيها، من يطرح صوراً متعددةً و متجددةً و حيةً نضيرةً للطرب والتطريب كالجزائري علا (بتشديد اللام) والمغربي سعيد الشرايبي والمصري عبده داغر، أمد الله في أعمارهم. لا يعني ذلك أن أحداً لا يحاول أن يغني الطرب الكلثومي بحسب قواعده، و لكنهم يكتفون بتكراره و لا يتكفلون باستمراره حياً أي فناً قابلاً بموارده على التجدد. هكذا بدا و كأن أم كلثوم كانت خاتمة المطربين بعد أن استجمعت ذوقاً وقدراتٍ كل موارد هذا الفن العظيم. أما النموذج الوهابي المعتمد على أناقة الجملة ورشاقتها فقد تطور في اكتماله الحليمي والنجاتي والفيروزي إلى ما نسميه اليوم التماهي وإلغاء المسافة بين الشاعر والمغني والمستمع، وهو ما يجد آخر معاقله في تشبث المطربين الذكور به وبرومانسيته في مقابل موجة عارضات الأزياء القادمات إلى غناء (أشبه بالصامت من شدة جهد مهندسي الصوت في إخفائه) بجمالٍ لا يوازيه في الإدهاش إلا قراءاتنا حول تطور الطب التجميلي ونجاحاته!


محمد رشو... "كولين"

يناير 28, 2015 اضف تعليق
خاص: الرومي


من يدعى گولين لا بد أن يكون نحيفا وطويلا بشعر منكوش، رعى الماعز في الجبال وهو فتى، عزف على الطنبور أو عمل مدرسا وكيلا في الريف قبل أن يودع السجن لستة أشهر دون تحقيق، وربما كان عامل بناء، ومدمن شعر يرتدي نظارات طبية، أنيقا ومهوسا بورق اللعب: الحياة هنا، أكثر من الهاء زوجة داهية كيلا ينتف الأمير ذقنه، الإسكامبيل حياة، أنظر،
♥الكنيسة،
♠الجيش،
♣الزراعة،
♦التجار،
وكانوا ينادونه: كابجي أي المقامر، وذات مرة كان في مقهى الفرسان قرب جامع الشيخ طه وظل يخسر، وحينما راهن على آخر مئة ليرة معه، رفع أوراق اللعب العشرة، ووجد، يا إله الحظ، ست منها مصفوفة وراء بعضها، ثلاث بنات، ثلاثة عجائز مع الجوكرين وورقتين مختلفتين، لكنه ظل يسحب الورقة تلو الأخرى دون أمل حتى كاد الورق أن ينتهي من على الطاولة وليصف الخصم أوراقه قبله كاملة ويغلبه، ومنذ ذلك اليوم لم يعد گولين الذي يعرفه من حوله، اكتفى ببنطال جينز ومعطف طويل في الصيف والشتاء، كان يحمل معه ورقاته العشر ويدور في المقاهي ليستوقف من يصادفه:
إذا هادا الإيد معك، تفتح ولأ لا !
وحين أصبحنا صديقين كان قد عاد متأنقا وكان قد قضى سنتين عند طبيب الأمراض النفسية والعصبية عبد الخالق سلطان في شارع بارون، وسنتين في بيروت ثم أستقر فيها خمس سنوات أخرى، جلس فيها على البارات وخالط الكتاب وتعلم الفرنسية، ليعود بعدها بعرج خفيف في القدم اليسرى جالبا معه ديوان (كيمه أز) لجيگرخوين و(الشعر الفرنسي الحديث) بترجمة پول شاؤول وذكريات جورجيت التى كانت ترتاد معه ملهى في الغربية، وترقص له وهو يغني: سينغيه سبي بدرجو، ريه ناديه هرمه حجو، ( الصدر الأبيض ذو الدرج، لا يفسح لي الطريق لأحج ) ولكنه كان ما يزال عازبا، وينتكس كل عام شهرين إلى حالته، يصبح شهوانيا وعنيفا، يقول بأنه يستطيع أن ينيك العنزة، ويثرثر ويدعي أنه تطوع في معسكرات البقاع، وأنه قاتل في جبال آگري قبل أن يعمل سائقا لدى عبد الله أوجلان، وأنه رافقه ذات يوم إلى كافيتريا على طريق البحر وشرب معه الويسكي، وثم يقول: الشعر عنا صف حكي، الشعر لازم يكون حياة، ولا يفسر أو لا يستطيع، وثم ينشد لجاك بريڤير، جان فولان وأوجين غليفك، وكان يكتب بالكردية والعربية ما أكاد أقول أنه بالغ السوء لولا أنه كان يبقيه سرا، ثم أخذت فترات جنونه تطول، فيدعي أن جورجيت كانت تخونه مع فلسطيني وأنه كان يخونها مع فلبنية، وأنه ما يزال يحلم برجل قتله قبل أن يعبر الحدود، لم يكن عدوا حتى، يكوم قبضة يده اليمنى ويهوي بها على رقبته ويقول: هكذا، بحجرة على البصلة، وأن الميت ينهض بجمجمته المطعوجة وعينيه البيضاوين ويضحك له في الليل، كان في الأربعين وكنت ما أزال في الثامنة عشرة، رافقته ثلاثة شهور قبل أن يصطحبني يومها إلى اجتماع سري كان يعقد في واحد من تلك المنازل البلوك وغرفتين ومطبخ في آخر حارة جبل السيدة، تكلموا فيها عن اللغة، عن جلادت بدرخان، عن كوردستان الكبرى، وصف من كان يحاضر بأنه عميل، ومن كان يجلس بأن منهم من هو لص ومنهم من هو قديس، ثم عرضوا مسرحية عن مم وزين، كان مسرحا فقيرا على الأرض، وكان الممثلون هواة، ولا حبكة فيها سوى الصدفة، لكنه ظل يلف ركبتيه بذراعيه المتشابكتين، ويحدق في الممثلة وكأنها تخاطبه هو ولا أحد غيره، وحين تمددت لتموت مع حبيبها رأيت أنه كان يخفي وجهه بكفه اليمنى ويبكي، واستقلنا الباص متأخرا وهبطنا، نزلنا في ساحة سعد الله الجابري، كنت سأموت من الشاي الذي بقيت أشربه، وكان ساكتا حتى ذلك الوقت، كنت سأتبول في ثيابي، استأذنته لكنه أمسك يدي وقال: انتظر، ثم مد يده إلى جيب داخلي وأخرج عشرة ورقات، ثلاث بنات، ثلاثة عجائز والجوكرين وورقتين أخريتين وقال:
إذا كان معك هادا الإيد بتفتح ولأ لا،
وتركت يده في الهواء، ونزلت، كان البرد خفيفا قرب مبنى الأزبكية ودرج القبو معتما والتواليت مغلقا، دون أن أنظر حولي، فتحت السحاب، أخرجت الرأس، شهقت وزفرت حتى شعرت أن البحر ينزلق على الحجر ليصل الزبد تحت قدمي فصعدت، لم يكن ليلا ولم يكن فجرا، لا سلما ولا حربا، كان رائقا وأزرق، مشيت ولم أراه حيث تركته، وبقيت أمشي حتى لم أعد أراه أبدا.

رنا حاف... جميل

يناير 27, 2015 اضف تعليق

جميل 

لا أعتقد أني أبالغ إن قلت أن البدايات لم تكن سهلة، أو على الأقل لم تكن عادية.
في السنتين والنصف الأول، لم تكن الألعاب تلفت نظر جميل. صرت أختار أشياء مميزة، من ماركات معروفة، أراعي العمر المكتوب على العلبة، وأستشير البائعة في المحل علني أفلح بخيار يرضي ذوق جميل، لكن جميل ظل لا يلتفت للألعاب، ثم لم أعد أشتري ألعاب، سئمت.... إلى أن عرفت أن جميل متوحد، وأن هذا سبب عدم اهتمامه بالألعاب.
لا يبادر المتوحدون باللعب بلعبة، وإن فعلوا، هم بستخدموها بغير الهدف المتشود منها، فمعروف عنهم مثلا أنهم يحبون رصف الأشياء جنبا إلى جنب ، قد يرصفون قطع الليغو مثلا في صف واحد بدل تركيبها فوق بعضها، أو قد يمسكون السيارة بالمقلوب ويبرمون دولابها لوقت طويل بدل تكريجها على الأرض.
لكن المتوحدون قادرون أيضا أن يحبوا اللعبة ويستخدموها بالشكل الصحيح بالتحفيز والتدريب، والإثنان مهمان جدا، وهما قد يساعدان حتى بالكشف عن مواهب كامنة لديهم.
قبل الدخول للمدرسة، تحضر جميل في البيت مع أشخاص مختصين. بدأت الألعاب تدخل حياة حياته بالتدرج إلى أن صارت جزء منها.
أحب جميل البازلز كثيرا. هي المفضلة لديه. وصرت أكثر منها، وأنوعها، خاصة الخشبية منها، أشتريها بكميات كبيرة من المحلات الصينية الرخيصة.
في البداية، كان جميل لا يعرف حتى تحريك أصابعه لرفع قطعة البازل عن الطاولة، بل كان يجهل ماهية البازل والهدف منها. لكن مع التمربن اليومي والتشجيع عندما يصيب، والتصويب عندما يخطئ تقدم جميل ونجح.
اليوم قضينا بداية النهار في المنزل. سررت بجميل لأنه كان يبادر لطلب البازلز حتى يتسلى. يفكها، ثم يركبها، ثم يطلب أخرى... صارت البازلز إذن مصدر متعة لديه، بعد أن كانت لا تعنيه، وبين المرحلتين كانت البازلز مصدر تعلم لأنها غالبا ما تأتي وفق موضوعات محددة.
هنا، في صورة جميل، جالس وحده على أرض المطبخ يركب بازل لأشكال هندسية، وفي صورة أخرى، جميل أيضا وحده، مستلق على بطنه في غرفة نومه، يركب بازل عن وسائل النقل.

 ـــــــــــــــ

أشعر دائما أني طفلة.
كأني طفلة أكبر في العمر الذهني من أترابها، لا إمرأة أقل نضوحا من النساء الأخريات.ألبس كعشرينية، أحب أدب الأطفال، والألعاب، والغاتو والبونبون والشوكولا، وعندما يعود التلاميذ الصغار جدا من المدرسة وتكون الكهرباء مقطوعة، فيبدؤون بالنق لأن عليهم أن يصعدوا الدرج، أتضامن في داخلي معهم بقوة، وينتابني دافع لأفعل ما يفعلون.
جعلتني الهوة بين عمري النفسي وعمري البيولوجي أن أختار مهنة التعليم. إعتقدت أن فضائي المدرسة لأني لا أعرف أن أعيش بين الكبار، ولا تثرني إهتمامتهم، أراها معقدة ومفتعلة. ثم تركت التعليم، عرفت بعد ممارسته بسنوات قليلة أنه مهنة للكبار... لكن جميع المهن هي للكبار، الصغار لا يعملون، يلعبون أنهم يعملون، لكنهم لا يعملون
 هذه الهوة نفسها بين عمري الإثنين، ساعدتني كثيرا على فهم جوجو: كيف يفكر? ما الذي يحبطه وما الذي يشجعه? ما الذي يحزنه وما الذي يفرحه?
سعيدة جدا بعمري النفسي، أما عمري البيولوجي فلا يعنيني حقا، كأنه شأن شخص آخر.
سعيدة أيضا بطفلي المنتظر، سيتسع بقدومه عالمي الذي صنعته على قياس حجمي الذهني، والذي باقي له الكثير الكثير ليبلغ ال34 عاما.


جورجينا رزق

يناير 27, 2015 اضف تعليق
محمد حجيري(*)
كاتب لبناني
حتى الآن، برغم مرور أكثر من أربعة عقود على فوز اللبنانية جورجينا رزق بلقب ملكة جمال الكون (1971)، ما زالت "مضرب مثل" في الجمال. "مفكرني جورجينا رزق"، تنقل امرأة عن شخص يحبّها، كأن الحب يجعل المحبوب في مرتبة الملكات، "ربما احقق ما حققته جورجينا رزق"، تقول احدى الفائزات بلقب ملكة جمال لبنان، كأن الهدف أو الحلم الأسمى لفتيات الجمال في لبنان هو تجاوز لقب جورجينا التي وصلت الى الذروة.
جورجينا "الأمثولة" الجمالية - المديائية، التي كرمتها الجمهورية اللبنانية ذات يوم بطابع بريدي فلكلوري، يصف سمير قصير لحظات فوزها بلقبها العالمي في كتاب "تاريخ بيروت" قائلا: "تابعت بيروت عبر التلفزيون تتويج ملكتها (على عرش الجمال). في ذلك المساء، وعلى بعد ألوف الكيلومترات من ضفاف المتوسط، كانت ميامي تنصّب اللبنانية جورجينا رزق ملكة جمال الكون لعام 1971. في بلدان اخرى أيضا، كان لحدث مماثل ان يحتل صدارة الصفحات الأولى لكن سرعان ما كان انتقل الاهتمام الى أمور اخرى. أما هنا، فان التعطش للاعتراف، الذي كان يضخّم من أي انجاز يحرزه لبناني خارج الوطن، جعل من تلك السهرة أكثر من لحظة نشوة، حتى بدت تجسيداً لحلم في العالمية، وإن يكن محصوراً في دائرة الخفّة المنظمة. وكأن تتويج فتاة من بيروت جاء يكافئ، في أعين مواطنيها، هذا الجهد المديد الذي حدا بهم لعقود خلت إلى العيش على إيقاع الغرب في مختلف الميادين، من أكثرها جدية الى أسخفها". لحظة النشوة ما زلت ماثلة بقوة في كل شيء في لبنان، تظهر في كل شيء، والتعطش للاعتراف ما زال الهدف الأبرز والملتبس للبنانيين، خصوصاً في مرحلة الفايسبوك. 




عادت جورجينا الى لبنان منتصرة ومبتسمة. استقبلها موكب من سيارات الحكومة اللبنانية. شبه أحد المراقبين فوزها 

بالنسبة إلى العرب كعودتهم الى "بوابات فيينا". يقال أن فندق السان جورج الشهير في بيروت خصص لها غرفة بمواصفات خيالية، اذ طليت مقابض أبوابها وحنفياتها بالذهب الخالص كما حمل باب الغرفة الرئيسي الحرفين الأولين من اسمها اللذين كتبا أيضا بأحرف ذهبية. كان الجميع يريد التعرف إلى الفتاة ذات الشعر الأسود الطويل والعينين الخضراوين والفم الكبير والجسد "الأسطوري". حتى جيمي كارتر، حاكم ولاية جورجيا قبل أن يصبح رئيساً. تحققت أمنيته وظهرت صورة له مع الملكة بفستان سهرة اسود عاري الكتفين.


كثرت الشائعات المرافقة لهذا الفوز، ذهب بعضهم الى التلميح بأن فوزها كان نتيجة تنسيق وتنظيم من وكالة الاستخبارات الاميركية او وكالات اخرى بغية استرضاء سياسي للعرب. يكتب احدهم "في سنوات انحسار المد القومي وبدء المد الإسلامي وبعيد النكسة (1967) بقليل توجت جورجينا رزق بلقب ملكة جمال الكون". بينما يروي الكاتب فؤاد الهاشم: "كنت في سن الثامنة عشرة حين فازت الحسناء اللذيذة جورجينا رزق بلقب ملكة جمال الكون فانتشرت صورها على أغلفة كل مجلات العالم وصحفها، واصبحت مجلة "الشبكة" توزع أكثر من الجرائد الخليجية في دول الخليج! 




جورجينا كانت شغفنا في الطفولة. ان نتأمل جورجينا في افلامها "السياحية" - التجارية الرديئة، أو أفلام البحر والمايوه، كانت فسحة "أمل" للكثير للبصبصة الشبابية، وفسحة شاعرية للتعويض عن الكبت في مراحل ما قبل ظهور الفضائيات. جورجينا الجميلة كانت جديرة بأن تكون نجمة لمجتمع الفرجة، استغل "جهابذة" الانتاج السينمائي شهرتها، ومنحوها البطولة في بعض الأعمال، منها فيلم "غيتار الحب" مع صباح وعمر خورشيد، حيث جسدت في هذا الفيلم دوراً جريئاً، وأثار الفيلم ضجة شديدة بسبب احتوائه على عدد من المشاهد يقال إنها "جريئة"، لم تكن السينما تريد نجومية جورجينا فحسب، بل تريدها بثياب البحر، كانت مشاهد عريها كافية للتغطية على فشلها في التمثيل، ولجذب أكبر عدد من الجمهور في مرحلة كانت السينما الشباك تعتاش على شهرة نجمة جميلة أو راقصة ساحرة. مثلت جورجينا مع المخرج عاطف سالم في فيلمين هما "باي باي يا حلوة" مع رشدي أباظة ومحمد عوض، ثم فيلمها الأشهر "الملكة وأنا " مع محرم فؤاد. وعلى الرغم من قيامها بأدوار البطولة في الأعمال التي شاركت فيها، إلا أنها لم تستطع أن تثبت نفسها سينمائيا، لم تعد صورتها اكثر من نوستالجيا جميلة من دون اغواء.



جمال جورجينا كان يغوي السياسيين والعسكر، فعدا عن اعجاب جيمي كارتر بها، كتب عنها وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس كتاب شعر سماه "تراتيل" قائلاً: "الى قيصرة الجمال في القرن العشرين جورجينا رزق أرفع هذه التراتيل". وكان طلاس استقبلها في تشرين 1982 في مكتبه في حين كان العالم منشغلاً بتداعيات الاجتياح الاسرائيلي للبنان، كأن وهج صاحب الجسد الأسطوري أقوى من النكسات والهزائم. قبل ذلك أصبحت جورجينا مأخذاً على بعض "الثوريين" فقد تزوجت ابو علي حسن سلامة "الأمير الأحمر" مسؤول أمن ياسر عرفات، صاحب الجسد الرياضي الذي كان معشوق النساء في بيروت، بصيته واسمه، وقد اغتالته اسرائيل عام  1979. أما الاعلامي المصري مفيد فوزي فكان له نظرة اخرى الى جورجينا والجميلات قائلا "لا توجد امرأة قبيحة، فكل امرأة تنطوى على نسبة ما من الجمال وتحتاج لإبرازها ولن يتأتى هذا إلا بوجود الذكاء. إن الذكاء كفيل بإضافة جمال غير منظور للمرأة. وإن خالفني فى هذا المنطق بطرس غالي الكبير لأنه يرى أن الجميلة الغبية، يغفر جمالها هذا الغباء المستوطن، وقد فتنت يوما بجورجينا رزق ملكة الكون وقابلتها فى لبنان ورحت أسألها أسئلة عامة وأحزنتني إجاباتها حينئذ. وقلت لنفسي سرا: كيف هذا الجمال الأسطوري يخاصم الذكاء؟! وقد غضبت يومئذ جورجينا رزق وقالت "فاكرني سعيد عقل؟". أنا لم أسأل جورجينا عن أصل الكون ولكني سألتها عن أصل "شجرة الأرز" عنوان لبنان. أحسب أن كلام فوزي فيه نوع من التنميط، الشعبوي والثقافوي الركيك، فليس بالضرورة ان يرتبط الجمال بالذكاء او العكس، وليس بالضرورة محاكمة الآخرين من منظور ثقافوي...



جورجينا الحسناء شاهدة على مرحلة الخراب في السبعينات. مرحلة الاحلام الوردية وتحطمها في لبنان، هي صاحبة الجمال الأسطوري ولم تكن نجمة اغراء برغم ظهورها بالمايوه، لم تصل الى مستوى هند رستم أو سعاد حسني، ربما كانت تحتاج مخرجاً يعرف كيف يبرز مكامن الاغراء فيها لا العري والمايوه، بقيت جسداً بجمال خالص، ربما يندر أن نجده اليوم، او يندر أن يكرره الزمن، أو هي جميلة "أيام زمان" بحسب التعبير الممجوج، وربما تكون مجرد نموذج جمالي في بلد يتعطش للنوادر. 





*

- See more at: http://www.almodon.com/culture/aa7986d8-ce4c-4089-9b11-1636d5cac8cc#sthash.8qKiVf3e.dpuf

"أبو نؤاس واختلاط الشعر والرغبة».

يناير 27, 2015 اضف تعليق
وضاح شرارة (*)
كاتب لبناني
لوحة لجبر علوان

يقول أبو نؤاس في ساق من سقاته: إنه «يزوّج الخمر من الماء». ومثل هذا التزويج سائر مشهور حتى الابتذال. فليس هو ما يستوقف ويدعو إلى النظر أو إلى المسألة عن موضع الحرام من أشعار النؤاسي وعن علله. والحق أن أبو نؤاس ونحمل الإسم على الوحدة وعلى المنع من الصرف لا يحمل هذا التزويج بعينه، لا على الإتيان بجديد لم يأتِ غيره بمثله، ولا على غير المسبوق. فهو يجريه على معهود المعاني والقريب المتناول منها. والتزويج، أو المزاج، يقوم من شعره مقام الرسم أو المثال الذي تحتذي «المعاني»، وهي ما نسميه اليوم الصور، عليه. فتوليد المعاني إنما مثاله، النؤاسي، هو التزويج. ورأس التزويج، إذا جازت العبارة، هو تزويج الشعر من أحكام العمل أو المعاني التي تحكّم في ما هو مأمور به أو منهي عنه. وعلى نحو ما أن تزويج الخمر من الماء هو حال من أحوال الخمر، وليس أبداً من أحوال الماء، فتزويج الشعر من أحكام العمل، أي من «ثقافة» الناس في الثلث الأخير من القرن الثاني للهجرة وأوائل القرن الثالث، هو من أحوال الشعر النؤاسي، بل من أحوال الشعر عامة ومن غير تخصيص.


فإذا «تجاوز» أبو نؤاس «الحد»، على ما يقول التقديم الخاطف، ينبغي حمل «تجاوزه» على هذا: أي على مبالغته في إدخال غير الشعر تحت الشعر وفي حد الشعر. فهوي سعى في صوغ الدين والخلق والذوق والعصبية والحرب أو المُلك (أو السياسة) صوغاً شعرياً، وذلك من طريق حملها جميعها على الشعر وعرضها على أحكامه ومعياره. فالشعر، على هذا، معيار عام. وعمومه، على زعم أبو نؤاس، يضاهي عموم الدين، أي الإسلام. فلا معنى من المعاني التي تنتهي إلى علم الناس، وينظرون فيها ويقضون بقضائهم، إلا وللشعر فيها مذهب ونحلة ورأي. فالشعر حاسة من حواس الإنس، وميزان يزِنون به الأشياء كافة. ففي وسع الناس، بل من فرضهم، على زعم الحسن بن هانئ، وأوجب فروضهم، أن يؤوّلوا العالم على وجه الشعر، وأن ينشئوه ويجددوا إنشاءه على مباني الشعر.


[ أشعار ماجنة


إلا أن هذا المذهب يفترض أن يقوم الشعر بمثل الزعم الذي يزعمه أو يُزعم له، وأن ينهض به. وهو يفترض حداً (تعريفاً) للشعر يقوم بزعمه العموم ويحقق هذا القيام. والتماس هذا الحد في أشعار النؤاسي الماجنة، أو «المحرّمة» على صفة دار النشر (وهي صفة غير دقيقة على ما نرى من بعد)، هذا الالتماس لا يصح أن يكون على نحو التماس المفهوم المجرد أو النظري في كتاب موضوع على النقد أو على الجماليات. فأبو نؤاس ليس ناقداً، بديهة، بل هو شاعر محض. وهو يُعمل في قصائده وأبياته «فكراً شعرياً» (سبق مؤرخ تصوير القرن الخامس عشر الإيطالي، الفرنسي بيار فرانكاستيل، إلى الكلام على «فكر تصويري»)، أي مباني شعرية يجوز حملها، بعد تخليصها من أشعاره وقصائده وأبياته، على حد للشعر أو تعريف له. وهذا من غير شك عمل الناقد أو الكاتب في فن الشعر. وهو عمل متأخر عن الأشعار نفسها، ولا يزعم تفسيرها، ولا يطمع في القيام منها مقام الشاعر، صاحبها. فمثل هذا العمل إذا انتهى إلى غايته أو قدّر له أن ينتهي إليها أو إلى بعضها، قصاراه ان يقتص أثر الإنشاء الذي يسميه شعرياً، غير متنكب الهيهية أو إضافة الشيء إلى نفسه من غير وسيط يوسّع مُدركه ومفهومه، وقصاراه اقتصاص أثر الإنشاء في القصائد والأبيات التامة والناجزة.


ويتحقق اقتصاص أثر الإنشاء، ومثالاته في الجواب عن السؤال: على أي وجه، أو وجوه (الجمع أصح)، تتناول أشعار أبو نؤاس ما تتناوله، وتدل عليه بدلالتها هي؟ وعلى أي وجوه تصوغه فإذا به يُدرك على الصور التي تصوغه عليها وكأن هذه الصور، حقيقة، صور موادها وقوة هذه المواد وسلطانها؟


ولا يشك أبو نؤاس في أن الشعر «من عقد السحر»، مصدقاً قول التنزيل في البيان وفي السحر والشعر جميعاً. والقرينة النؤاسية على سحر الشعر تمكينه (تمكين الشعر) الشاعرَ من «تليين» الكاعب «ناهدة الثديين من هدم القصر»، إلى أن أجابت وصاله وزارته «مع العصر». ولا يصح «التليين»، شأن السحر، إلا من كائنات مختلطة ومتشابهة، وهي بخلاف الكائنات المحكمة التركيب والتنضيد، في كائنات تشبهها اختلاطاً وتلبيساً، وليس التباساً وحسب. والاشتباه هو صفة الكاعب البرمكية، في القصيدة نفسها. فهي «غلامية»، أي على الصفة التي تختصر فتنة من يفتتن أو نؤاس بهم وبهن، و»مطمومة الشعر» أو مقصوصته. أما هو فليس «حب الكواعب من أمرِ(هِ)» ولا من عادته وسنته. ولا يقبل على وصالها إلا «مع الخمر»؛ فيخلط «الجويرية البكر»، وهي خليط من أمرد ومن بنت، بالخمر، «المبرّدة بريح الشمال» («المشمولة» على ما يقول الشاعر) والصفاء «كالورس أو شعل الجمر»، ليستسيغ وصالها.


وتدوم القصيدة شعراً ورواية و»فيزياء»، ما دام الاشتباه أو التزويج، وما استمر. فإذا تواصلا وتجامعا فارتد هو رجلاً ذكراً، «غازياً» على ما يقول في البيت الأخير من القصيدة، وصارت هي إلى صفتها الأنثوية واستقرت عليها، فإذا بها «لجة من لجج البحر» و»غمر» و»قعر» تبدد المزاج والتشابه، ورجع كل جوهر إلى ماهيته الثابتة والمحكمة: فسكت الشعر، وانفض الخبر وروايته، وتمت القصيدة. فكأن مبنى الشعر وصفته الشعرية، ومبنى الخبر وروايته و»ميقاته» (أو زمنه)، واحدٌ لا ينفصل ولا يتجزأ. والاثنان، والقصيدة صورتهما، مبناهما على الاشتباه، أي على احتمال معان كثيرة ومختلطة. فإذا غلب عليها معنى واحد بطل الاشتباه، وتبدد، وحل المحكم، ونثره ويقظته، محل الاشتباه.


ويتصور الإبطال، في القصيدة، في تبديد حل الشبهات وانتفاء الكثرة من الدلالات: فلا اثر بقي لنهود الثديين، وتزويق الأصداغ، وطمّ الشعر، والخنث الغلامي، وغيّبته المناطق (ما تشد به المرأة وسطها) من لطف الخصر، وحسن الوجه، وقبول التليين، والسحر بالشعر، والإجابة، والإقبال على غير ميعاد... فهذه كلها، وهي سياقة القصيدة، تخصّص البرمكية كنحو ما تخصص الشاعر «الكلِف» بها زمناً. فيخرج الاثنان، الشاعر ومن يهوى، من العموم إلى الخصوص، ومن التسمية إلى الهوية الخبرية، من طريق التشابه ومن طريق ما يتفرع عليه من شبهاته وكثرة دلالاته. فإذا كُشف التشابه، وانجلى عن معان واضحة، آذن الشعر بالانصرام، ووقعت الرواية، ومعها استعاراتها ومجازاتها، في الكنايات التي لا تحتمل التأويل لأنها من باب التشبيه البسيط والمباشر. يقول أبو نؤاس:


فصحتُ أغثني يا غلام فجاءني


وقد زلقت رجلي ولجّجت في الغمر


فلولا صياحي بالغلام وأنه


تداركني بالحبل صرت إلى القعر


فيكتب المحقق في الهامش: «الحبل: كناية عن عضو الغلام». وجواز مثل هذا الشرح المعجمي للكنايات إنما تبعته على الشاعر، فهو من يحمل عليه ويستدرج إليه.


[ هجاء وأشباهه


والتخصيص من طريق التشابه أصلٌ في شعر أبو نؤاس وركن. والحق أنه أصل شعري، تولّد المعاني عليه، وأصل حقيقي يسم بميسمه الكائنات والحوادث التي يقع عليها الشعر ويتناولها.


فقارئ «نقائض» جرير والفرزدق، على وجه التمثيل، وهي من أبذأ شعر التهاجي والتعريض بالأمهات والآباء، لا يقع إلا على «العلجان» وقذارتها وضخامتها ويسر مباشرتها لمن أراد، إلخ. وأبو نؤاس لا يعفّ عن مثل هذه البذاءة، ولا يرتفع عن مثل هذا الإسفاف. فهذا فن، أو باب، من فنون القول وأبوابه. لكن النؤاسي لا يقتصر على مطالب الباب المعروفة والمكررة، وإن مرّ بها وتعرّض لها. فيقول في هجاء زنبور، ناسباً إلى نفسه مجامعة أمه، إن أم زنبور بعد الجماع تمسح ذكره «كأنه أصغر أولادها». ويقول في هجاء، مزعوم، لكاتب يلوط به إنه يمسح ذكره «كأنما يمسح رأس اليتيم». ونسبة مثل هذه الابيات إلى «الهجاء» على نحو ما تنسب «النقائض» إياها، قرينة على ضيق الأبواب المعروفة والسائرة عن الاتساع لمناسبة مثل هذا الشعر، وقرينة على نبوها عنه. فهو، أي هذا الشعر، يخرج عن المطالب الشعرية البسيطة، ولا يفترض شأنها مثالات عامة وواحدة لا يحيد عنها الشعر إذ يطرق هذا الباب. وليس اضطراب الإدخال تحت باب الهجاء، في المعرض الذي نتعرض إليه، إلا أمارة على تناول أبو نؤاس المثال المعروف على وجه يخالف المتعارَف والمألوف. فسمحُ المرأة الذكر بعد الجماع مسحَها أصغر أولادها ينم بانقلابها من اغتلام الشهوة وتغييبها الذكر في رحمها وأحشائها إلى برد الأمومة وسلامها وانفصالها؛ والاغتلام والبرد موضوعان على شيء واحد (وهي صفة التشابه). فإذا تناول أبو نؤاس الرجل عوض المرأة جعل رأس اليتيم محل المسح، وقلب قصور من يُلتاط به، ديناً وتكليفاً، إلى تمام شرائط التكليف في الوصي على الأيامى والقاصرين. وهذا ليس من «الهجاء» ولا من بابه ومطلبه، في شيء.


والتمثيل على التخصيص الشعري من طريق التشابه بأبيات مأخوذة من الثلث الأول من مجموعة الأشعار هذه والثلث الأول، إلى حوالى الصفحة الخامسة والخمسين، معظم أبياته و»قصائده» (أو مقطوعاته) قريب إلى فن القول التقليدي والسائر، وهو من سقط الشعر النؤاسي مثل هذا التمثيل لا يستوفي ما يمثل عليه.


ففي موضع آخر يتعقب أبو النواس استعارة الظبي للولد «الخماسي»، وهو الولد الذي شبّ ولم يبلغ، فيبدو له الولد، شأن الظبي، رأس الاستعارة، «سانحاً». فيجاري «الظبي السانح» مثال الاستعارة ويجري على عمودها المعروف. وهذا هو الوجه «الجميل« من الاستعارة، إذا جاز القول، والمراد أنه الوجه «الجميل» من تحقيق الاستعارة أو صرفها إلى الحقيقة. وهو ما يقف عنده قوالة الشعر والمتقيدون بمطالب أبوابه. وأما أبو نؤاس فيتجاوز المطلب، أو وجهه المطمئن، إلى تمام الاستعارة، أي إلى اختلاطها واثنينيتها المقلقة. فالظبي، الولد، أمكن الشاعر طوعاً «عنان قياده»، وعوض أن يؤدي التمكين والطوع إلى المتعة خال الشاعر الولد «ظبياً واقفاً ليس يبرحُ». ومثل هذه الوقفة من الظبي، الذي كان للتو «سانحاً» ومبادراً إلى التمكين من قياده، يسري فيها انسلاخ ناظر الموت من نفسه، وتسري رهبة فاقد ركن من كيانه، فكأن الفلاة، مرتع الظبي، ضمرت بعدما أخرجها «الوقوف» من مقدور الظبي ومن رغبته، فبقي هذا حبيس نظره الموت، وحبيس الخوف وطغيان الذكر «الغازي».


[ شهوة العين


فالمتعة الحق التي ينشدها عاشق المرد والغلاميات والخنث من المراهقين والأولاد والجويريات، وهي المتعة المناسبة غاية هذا العاشق حقيقة، هي متعة النظر إلى الشعر و»التليين» به وقوله. فالنظر، وليس عمل «النكاح« ولو وقعت عليه حيعلة، هو مستودع التشابه والتلبيس، وهو حافظهما وابو النواس إذ يطنب في الكلام على متعته وعلى حر البنات والأمهات. أو على فقحات الأولاد والغلمان، يقتصر «شعره» في هذه، اي في الحر والفقحة والحلقة، على فعل أو فعلين، وعلى اسم أو اسمين. وبديهة، ليس مبنى الشعر، ولا مبنى ما ينحو نحوه ويذهب مذهبه، على الفعل أو الفعلين ولا على الاسم أو الاسمين؛ فالفعل أو الاسم، بهذه الحال وفي هذا المعرض، يقومان بنفسهما ويكادان يتحرجان من العبارة أو الجملة التي يساقان فيها وينتحيان منها ناحية، فكأنهما الدال والمدلول جميعاً، وكأن دلالتهما اجتمعت فيهما فلا تدين الدلالة هذه بدلالتها ووقعها واقيستها إلا للكلمة نفسها (فعلاً أو اسماً). لذلك قلما حمل الشاعر على الافعال والأسماء هذه غير خواتم اشعاره وغير «شعاراته» و»حكمه»، ومعظمها محاكاة مقلوبة ومعكوسة لشعارات القوم وحكمهم. والكلام على مجون الحسن بن هاني أو على خلاعته وبذاءته، انما يقصد به مثل هذه الابيات والأشعار. وهي بلا ريب أكثر اشعاره شهرة وتداولاً على ألسنة الناس، ولعل بعض السبب في ذلك تعمد ابو نؤاس نظمها على بحور مشهورة ومتداولة «صبت» فيها معاني مخالفة هي المعاني السائرة والمقبولة من القوم على الملأ وجهاراً.


وعلى خلاف زعم «الحكمة» التخفّف من الوقت والمكان، وهما عمدة الحس والمحسوس، وأطراقهما، يقبل الشعر عليهما وينيط بهما عمله وشغله، والنظر، من بين الحواس، مبنى التلبيس والاحتمال، واستعاراته من أقوى الاستعارات تشابهاً وغموضاً. ويبعث النظر، أو شهوة العين، الشعر على مواضع وأمكنة لا يتردد اليها شعر المطالب المعروفة، أو الشعر الذي يدعو إليه «المسلطون». ومن هذه الأمكنة والمواضع الحمامات:


وفي الحمام يبدو كل مكنون السراويل


فقم مجتلياً فانظر بعيني غير مشغول


تر ردفاً يغطي الظهر من أهيف مجدول


فالحمام، على هذا، «مصوغ» من تمتع النظر أو كأنه هذه المتعة «صبت: فيه «من قرن إلى قدم»، على قول النؤاسي في شعر مثال أشعار على شاكلته، فالنظر موضوع على باد ظاهر، من وجه، وعلى مكنون مستتر، من وجه آخر. وقسمته هذه مبعث قيام وسعي فاجتلاء فنظر بالعينين. وشرط حسن المآل، إثبات النظر ما ينظره، هو الخروج من الانشغال. فالنظر ان لم يكن «غير مشغول» صرفه شغله او انشغاله الى معاملة الشيء كلاً وعملاً وأداء. والنظر «المشغول» بالشيء يقدم الشيء على النظر، فيما الشيء النظر، وهذا من معاني «الشغل». وأما الارتفاع عن الشغل والانشغال فصفة الشعر (والفن عامة)، وصفة النظر على وجه الشعر. ومثل هذا النظر، على هذا الوجه، يحضر ما ينظره ويرى اليه وهو لا شيء غير نفسه. فالردف المغطي الظهر ـ وهو لا يغطيه الا اذا رئي الاثنان من جهة مستوية هي جهة الردف ومستواه ـ مخطط منظر. وهو لا يتماسك الا بحركة خاطفة لا تستبقي من الحركة الا فكرتها المحض أو مجرد هذه الفكرة: فالأهيف مختصر المستدق والنازع طولاً، والمجدول يقتصر على العلائق ويطرح مادة يجدلها ويغلب عليها.


ومثل هذا التجزيء للمنظر يسلمه الى لذة ضربها من غير ضرب اللذات التي يستنفدها الباه و»شغله» و»فراغه». ولا يقصد بهذا حمل النؤاسي تعسفاً على ما لم يحمل هو شعره أو نفسه عليه. فهو من غير ريب، مدح «الفراغ على بيض غلام مرجرج الكفل»، ومدح «الجمع»، و»حلّ السراويل»، و»اللعاب» يسيل من الذكر عند البصر بالوجه الحسن، وتغريق «رمح البطن جوف الراح»، و»بعج» الفقحة، والصفان على أربع، والكتابة في الميم باللام.. لكن هذه المطالب والمعاني لا تستوفي كل المطالب والمعاني الشعرية النؤاسية، وليست الألزم بشعر الشاعر والأخص به، ولا تستقيم و»طريقته»، إذا صح ان للنؤاسي طريقة يجتمع عليها أخص شعره وأقواه نسبة اليه.


[ جنس ثالث


وعلى هذا فالعشق الغلامي، على النحو الذي يصوغه الشاعر شعراً مثال عملي وحياتي (وجودي، على المعنى الثقافي والعربي المتعارف) ومثال شعري وجمالي، جميعاً. وما يبعث الحسن ابن هانئ على الانتخاب والاشتهاء والعشق هو عينه ما يبعثه قول شعر نؤاسي يخصه وحده ولا يشاركه فيه أحد من الشعراء.


فالغلمان المرد المحتلمون أو يكادون والخماسيون، المراهقون الخنث من ظباء الدواوين وغزلانها و»نشيها» (منشئيها) وفرسها ونصرانييها ويهودها، والغلاميات المحيرات اللواتي يسألن: (فأبن لي أكعاب/انت أم انت غلام)، هؤلاء وأمثالهم وأولئك وأمثالهن، انما هم ملتبسون وملبّسون ومتشابهون؛ والالتباس والتلبيس والتزويج والتشابه والتجزئة حال من أحوال الكون، ووجوه يدرك الكون (والكائنات أو الأكوان) ويقال عليها، ومن جهتها وقبلها. فأبو نؤاس إذ يقدم أحوال الكون ووجوهها هذه على غيرها ينسب اليها قوة على الشعر ينفيها عن غيرها وينفي غيرها منها. وهو يعارض معارضة كثيرة الأنحاء والصيغ بين مرده وغلامياته وبين «الطمثات» كل شهر والنابح جروهن في كل عام، على ما يقول في النساء ـ وهو يطعن عليهن «جحرهن» البعيد القعر و»صدعهن» و»لجتهن» وأنداءهن.


فكأن التخصيص والإفراد لا يؤاتيان الا المراهقين والغلاميات، ولا يصح المدح بالفرادة الا فيهم وفيهن (وابو النواس يؤلف من الذكورة والأنوثة «جنساً» ثالثاً). فيمدح ابن خرداد فيقول فيه: (... أوحديّ الجلوس فرد القيام)، جامعاً بين الجمال وبين الفرادة وموحداً بينهما. ولا يتأتى مثل هذا الجمع ولا يصح الا على مذهب يرسي الافراد، الجواهر الفرد، على نفسها وينشئ منها معيارها وميزانها وليس من الصور الجامعة أو من المثالات المفارقة.


فالجميل، على هذا، هو البعيد من المثال والاشتراك، وهو البعيد من السوية والقياس. فـ»يمدح» ابو نؤاس من يعشقه بأنه:


ظبي أعار الزمان مقلته


كأنه في جماله وثن


والوثنية هي حمل الشيء على نفسه من غير وسيط. ويبالغ النؤاسي في مذهبه هذا فيوكل الى حبه، الظبي، وهو فرد، إعارة الزمان، وهو مدرك و»مقولة» وباب الى الكون وعقله وقوله، «مقلته» ـ والمقلة هذه تعاقبت اوصافها على شعر النؤاسي، فهي تارة قاتلة وتارة زانية وتارة ثالثة ماجنة وغوية. أما الوثن، على النحو الذي يعرض عليه في البيت، فلا ينعت الا بنفسه. وعلى خلاف الأطلال لا يسند الوثن الجميل الى الزمان وتقضيه، ولا الى التذكر، فسنده هو الآن المخيم والحاضر الغامر. فما لا علة له من غيره، ولا ميزان له الا من نفسه، هو الزمن الحاضر والماثل وقته ومملكته. وصدارة الحاضر والآن الزمن، موضوعة على النظر وعلى المحسوس عامة.


ويصف البعد من المثال الجمال كنحو ما يصف النفس، ويصح في المعاني صحته وصدقه في المحسوس. فيقول أبو النواس ان له «ماجناً غوياً»:


مموه الدين عسكرياً


يعرف بالفسق والنفاق


أما «الأترجة»، وهو الاسم الذي ينادي به محبوباً لا يعرف ما جنسه، فيصفها بالأستاذية في الرهز. والرهز في غير بيت من ابياته من صفات المرد، قبل ان يصفها بـ»سراقه»، وهي من صفات الجواري والنساء. وتشابهها جنساً علم على صفاتها المعنوية التي لا تقل شأناً عن الفسق والنفاق:


ويا خلابة خداعة للقلب سراقه


«ورخيم الدل» المعشوق «مجنوح الكلام»، أو مستعجمه ومختلطه، على ما يليق بالظباء والغلاميات والبرامكة ومن حسنهم حسن «الجن» أو كأنهم:


مجونٌ صب في صنم


مصوغ الطرف من سقم


على ما تقدم (الحاشية الخامسة عشرة)


[ ضد الخطابة


ويضطرب «قوم» الحسن بن هانئ هؤلاء ـ وهم «قوم» جمعهم الشاعر من تقطيع الأواصر والعرى ومن العدوان على المعايير «القومية»، العربية والإسلامية، والازراء بها ـ يضطربون على حدود العمر والجنس والدين واللغة والعبارة واللباس، فيحاكون اضدادهم وخلافهم على تلبيس مقيم؛ ولا يبدد هذا الالتباس الا الامتحان الأخير أو «العمل»، على قول الشاعر، وهو خارج الشعر وخارج الرواية والقصص، على ما مر وتقدم. ويتطاول الاضطراب، وهو اسم آخر للتشابه، الى الخلق نفسه ومادته: فـ»الغزال» النؤاسي ليس مخلوقاً «كخلق الناس من طين»:


ولكن صيغ من مسك


وأنواع الرياحين


ربما في جنة الخلد


مع الحور، بها، العين


ولا يعف الشاعر عن قسمة الليل والنهار، والحلم واليقظة، وقسمة التذكر والبصر، وإبليس والملك، والجميل والحق، والتخييل والادراك. فيحمل ابو النواس وجوه القسمة هذه كلها على الاصطناع والتعسف اللذين اثبتا الانسي ذكراً وأنثى وأخرجاه من الاحتمال والتشابه الى الأحكام. فأحد صبيانه يزني الناس به بعيونهم، ومقلتا الظباء والجواري الزنا بعض فضائلهما، وهو (الصبي) لو مر بالناس «نائمين لاحتلموا». فالصبي يتنقل بين النوم وبين اليقظة من غير حرج ولا احالة، شأن الناس، ولا شرط لجواز التنقل الا الاشتراك في معدن الاستهامة والشهوة والشعر. وعلى ذمة هذا الاشتراك يقول الشاعر لاحدى غلامياته (../فجودي في المنام لمستهام)، فلا يحجز بين المنام وبين اليقظة حاجز تعتد به الاستهامة ويعتد به الهائمون. ولعل امتياز الخمرة، موضوعاً عليه النؤاسي الشعر شأن امتياز المرد والغلاميات، مصدره خلط شاربيها الليل بالنهار، وخلطها هي في عقولهم وحسهم اليقظة بالمنام، والذكورة بالأنوثة..


وعلى هذا، فالمجانسة الشعرية مبناها على الحقيقة وكيفياتها. وليس على الشعر النؤاسي، وهذا هو السبب في نسبته النؤاسية وفي تخصيصه بها، الا تجنيس المتجانس حقيقة وخلقاً، أو قوله. فتنشأ عن هذا بديهة شعرية يقوم في مقابلتها، ونظيرها، ما تسميه رطانة اليوم «عالماً» شعرياً يسوي أشياءه وافراده، من كنايات ومجازات واستعارات و»صور» ومفردات وروايات وبحور، على شاكلة يختص بها هذا «العالم» ويبنى من غيره وسواه. فتتناول البديهة النؤاسية ما تتناوله على وجه الجناس (أو المجانسة) فكأن الجناس صفة الشيء في نفسه أو كأن المخلوقات سوية على اضطراب.


وبيض من زجاج الشا


م لا بيض الصفاح


وبسمر من ملاء


المسك لا سمر الرماح


فالعودة من الخطابة العربية، وتحجرها على استعارات بعينها حربية أو دينية (مثل: بيض الصفاح وسمر الرماح وغض الطرف عن الجارة وكؤوس المنايا وظبى المشرفيات والمناظرة في تفضيل عثمان او علي..)، هذه العودة تفك الاستعارات من عمودها ومثالاتها الثابتة. فالأبيض ليس اضطراراً لون الصفاح ولا السمرة لون الرماح، والمقلة لا يعيرها الولد للغزال والظبي وليست وقفاً عليهما فربما للزمان مقلة، والتصاوير للمنطقات من الجامات، وليست للطلول وبقايا الدار المقوية، والدر من الكلام قد يكون نثراً غير فصيح أو «مجنوحاً»، اما المشعر والركن والحرم فأسماؤها غير اسماء التنزيل والسنن والآثار، والديار ليست في شيء ديار دارم وبكر وتميم ولا البلدان بلدانها..


فاذا حمل ابو نؤاس الأعمال والكلام والاعتقاد والأخبار والاشياء والناس على التمويه والتزويج، اي على وجوه التشابه، أخرجها من حد السلطان، وهو حد العصبية والحرب والدين والتناسل وعمود الشعر الى حد «العيد» و»المنية» و»الأوحدية». وإخراج الأعمال والكلام من حد إلى حد، في أواخر القرن الثاني للهجرة وعشية الحرب الأهلية العباسية الاولى، ثورة عامة على أركان حضارة عربية إسلامية كانت بعيدة من التمكن يومها. فتقديم الأمين على المأمون تعلل بنسب الأمين العربي والقرشي، اباً وأماً، على حين كان المأمون لأم ولد. وكان إسلام الفقهاء يشحذ اركانه السنية واعتقاده قبيل اغلاق باب الاجتهاد. واذا صح وصف عمل ابو نؤاس، اليوم بـ «الحداثة»، وهو صحيح على زعمي، فالسبب فيه هو رفع التهجين الى مرتبة مدرك من مدركات العقل الكثير الأوجه وطرق العمل والموضوعات.


(*) فصل من كتاب "ترجمة النساء" صدر عن رياص الريس