728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الثلاثاء، 16 ديسمبر 2014

    هل يتوافق الإسلام مع الحداثة؟ ـ حوار بين مالك شبل و جون بول شارناي .


    ـ ترجمة: سامي الرياحي
    جهاد، نساء محجّبات،
    أزمة رسوم ساخرة، رفض للاختلاط ... شيئا فشيئا يتزايد عدد الغربيّين الذين يشكّكون في قدرة الإسلام على التوافق مع قيمنا الدّيمقراطيّة. فهل ستكون الكلمة الفصل للأصوليين الذين ينكرون في الدّين كلّ إمكانيّة للتطوّر؟ يرفض مالك شبل هذا المصير. ففي كتابه "الإسلام والعقل"( Perrinبرين) ُيبيّن المحلّل النّفسي وعالم الانتروبولوجيا المسلم كيف يبرهن الإسلام عبر الماضي على قدرته للتزاوج مع أفكار الحداثة. وبفضل هذا الإرث فإنّ المولود الأخير من الدّيانات التوحيديّة الثلاث يستطيع أن يتحمّل الإصلاح من وسط الجسم و دون إدّعاء واهم كما يؤكّد ذلك مالك شبل. لكن هل هذا المسار الحرج ممكن؟ أيظلّ الإسلام "الذي وقع تحديثه" إسلاما؟ هنا مكمن الصعوبة كما يردّ جون بول شارناي (Jean Paul Charnay) رئيس مركز فلسفة الإستراتيجيّا في السربون. يذكّر مؤلّف كتاب "الشريعة والغرب" وهو باحث في الإسلاميّات من الدرجة العاليّة كيف يشكّل التشريع القرآني ولا يزال المجتمعات الإسلاميّة ومخيالها. إنّه لقاء ودّي بين مفكّريْن حيث يدلّ الإسلام على حقيقتيّن مختلفتيْن تماما. فلماذا يبدو الإسلام عصيّا على"الانصهار" في الحداثة الديمقراطيّة؟ 

    ـ جون بول شارناي: أنت تطرح القضيّة من وجهة نظر غربيّة. والمشكل يتعلّق بالقيمة التي يمنحها المسلمون لعقائدهم، فلدى قطاع واسع منهم في أوروبا و خارجها يعتبر القرآن كلام اللّه ذاته الموحى به إلى النّاس من أجل الخلاص. و خلافا للتوراة التي كتبها البشر فإنّ القرآن غير قابل للتحوير ولا النّسخ ولا يمكن البتّة أن يكون خلاف ذلك. إنّ الرّأي الذي يمكن له دحض هذا الاعتقاد يبدو غير قابل للفهم من طرف السواد الأعظم من المسلمين الذين رسخت عقيدتهم في علم اللّاهوت الكلاسيكي الناشئ من القرآن والسنّة والفقه إثر الوحي.

    مالك شبل: أنا على قناعة بأنّ الإسلام يمكن أن يتوافق مع الحداثة إذا تخفّف. صحيح أنّ بعض الآيات تطرح إشكالا.انطلاقا من تلك التي تجلّ العقوبات الجسديّة و تلك التي تدعم المنزلة الدّونيّة للمرأة .فوفقا للشريعة ـ الشرع القرآني ـ فإنّ نصيب المرأة من الميراث أقلّ من الرّجل وهو أمر غير مسموح به اليوم.وعلى المسلمين التّخلّي أيضا عن تعدّد الزّوجات (وهو ما نذره القرآن في سورة "النساء" الآية الثالثة) وأن يعلنوا صراحة بأنّ الجهاد الذي يخاض نيابة عن اللّه لم يعد واجبا في الإسلام و التأكيد على أن لا اليهود و لا المسيحيين هم الأعداء. إن هذا السؤال مهمّ لأنّه يدلّ المسلمين على إدراك إمكانيّة عبادة اللّه بطرق متعدّدة.

    ج. ب. ش: إنّك تقترح إسلاما حسب الطّلب، ولكن هل يظلّ حينها إسلاما؟فالآيات التي نتحدّث عنها لا تمثّل طبعا سوى 3% من القرآن ولكنّها تشكّل العمّود الفقري الأخلاقي .فالشريعة تحدّد النواة الأسريّة وإرثها تماما مثلما تحدّد الأخلاق الاجتماعيّة وتوزيع الحقوق و الواجبات بين الأفراد. فهي تقترح "أسلمة" لا تتفق مع ما نسمّيه نحن بالحداثة. و بوضع هذا الهيكل القانوني محلّ جدل نضعف الإسلام في خصوصيّته على المستوى التشريعي و الفلسفي والرّوحي.

    م.ش: لا أتفق معك. أوّلا، أنا لا أريد إسلاما حسب الطّلب. ولكن أريد إسلاما قادرا على منح أهميّة للجوانب المشرقة فيه أكثر من الجوانب الأخرى.خصوصا وأنّ هذا الدّين ليس غارقا دوْما في التحجّر الذي نشجبه اليوم. إنهم علماء اللّاهوت الأرثوذكسيون حين كان على النّسوة حمل الرّداء الثقيل، أولئك الذين حنّطوا الفكر الإسلامي في القرن التّاسع وقنّنوا الشّريعة وأوقفوا كلّ مجهود للتجديد.

    ج.ب. ش: لقد نسيت أنّ الشريعة مثّلت أيضا رحم الهوّية الذاتيّة الذي ارتكزت عليه الشعوب الإسلاميّة طيلة فترات الغزو الاستعماري. ففي الجزائر الفرنسيّة حافظ المسلمون الذين تحوّلوا إلى مواطنين فرنسيّين على وضعهم الشّخصي ـ والعائلي وميراثهم ـ كما نصّت عليه الشّريعة.

    م .ش: ومع ذلك فإنّي مازلت أزعم أنّ هذا الخط السلفي المتطرّف ليس هو الغالب اليوم. أنظر إلى كندا: ففي الآونة الأخيرة أراد المتطرّفون فرض الشريعة مثالا اجتماعيّا إلاّ أنّ غالبيّة مسلمي البلد رفضوا ذلك، كما صدّت الجزائر التطرّف الدّيني، إلخ.

    ج.ب.ش: ورغم ذلك فإنّ المجتمعات العربيّة تشهد عودة للإسلام في نفس الوقت.فكيف تفسّر هذا التناقض؟

    م.ش: إنّ الشباب هناك على نفس الموجة: الإصلاح فقط. غير أنّ الحكومات لا تسمح لهم بالتعبير عن أنفسهم وتعمد إلى التضليل. لنأخذ مثلا قضيّة الحجاب ,فقبل الثورة الإيرانيّة عام 1979 لم يكن أحد يتحدّث عن ذلك. وانطلاقا من عام 2001 أصبحت المسألة شأنا من شؤون الدّولة فالأنظمة السيّاسيّة العربيّة التي يعاني أغلبها الفساد متواطئة مع الأصوليين,فهم يعرفون أنّ أقلّ نفس ديمقراطي قد يزيلها. وفي ما يخصّ قضيّة الرّسوم السّاخرة من محمّد فإن البلدان التي تكون فيها الاضطرابات أقوى كسوريا وفلسطين وإيران و باكستان هي تلك التي تحتاج فيها السلطات إلى التّعامل مع المشاعر الشعبيّة لكي تظلّ في مكانها. وفي أوروبّا ذاتها هناك "إسلام سوسيولوجي" بصدد النّشوء.فكم من شخص يرتاد المساجد فعلا ويصوم رمضان و يصلّي كل يوم؟ الجواب هو مابين 10% و 20%. وما يُقال عنهم له أهميّة أكثر من العقيدة عند نصف المسلمين الذين يؤدّون شعيرة الصّوم.

    ج.ب.ش: ولكن ما الذي سيبقى من الدّين عندما يتقلّص إلى سلسلة من الاحتفالات وإلى شكل من أشكال الأخلاق العامّة حيث يمكننا التوحّد به؟ فسوف يتبخّر الإسلام سريعا مثلما وقع للمسيحيّة .إنّني أتذكّر جملة لفرانسوا مورياك في دفتر ملاحظاته ذات 24 ديسمبر"هذه اللّيلة يتغذّى الغرب إلى حدّ التخمة". لن يكون هذا سوى في أوروبا, إذْ ليس الأصوليون وحدهم من يحافظ على الحالة الشخصيّة الإسلاميّة بسب اعتقادهم أنّه يؤدّي إلى الخلاص بل كذلك المسلمون. و هذا ما يذكّرني بامرأة جاءت لتطلب منّي نصيحة: "لقد انفصل عنّي زوجي آخذا معه الأطفال.فماذا أفعل؟" أجبتها :"سيّدتي, إذا حاولت الامتثال للشريعة فإنّه عليك ترك الأطفال عند والدهم.و إذا أردت استعادتهم فقولي لزوجك أنّك تطبّقين القانون الفرنسي" .إنّ الأمر يتعلق بمعضلة وجوديّة عند هذه المرأة.
    نقطة سوداء أخرى : هي السيّاسة .هل يمكن أن يكون الإسلام متسامحا مع قانون البشر الذي ليس بقانون إلهي؟

    م.ش: لقد فوّت الإسلام فرصة ذهبيّة لفصل الدّين عن السيّاسة ,فباعتباره نبيّا ألّف محمّد بين المجاليْن إذْ كان رجلا حكيما جدّا، منظّم المدينة و زعيم الحرب و الصديق و المؤتمن، إلخ. وقد أراد خلفاؤه جمع صلاحياته والتحوّل إلى أنبياء مكانه. فلم يطف أيّ شيء فعلا وساد اللّاهوت الأرثوذكسي. ومنذ ذلك العهد لم يتوقّف الإسلام عن تقديم ضمانات للدّيني مدمجا كل المستويات: الفرديّة والجماعيّة والسيّاسية والرّوحيّة والأخرويّة إلخ. وهذا هو السّفاح الجماعي الذي ينبغي التّصدّي له.

    ج.ب.ش: يبدو أنّك نسيت أنّ الحاكم المطلق في الإسلام هو القرآن، والإسلام ليس حكما إلهيّا بل حكما ينطوي على العقل فهو لم يفرّق بين السيّاسي والمقدّس ذلك أنّ كل شيء ينبع من هذا الكتاب القدسي. أمّا الكتب المسيحيّة فهي تحتوي على آيات تفصل بوضوح بين الدنيوي و الرّوحي مثل القول الشهير "أعط لقيصر ما لقيْصر"، وهذا ما سمح بظهور الدول القوميّة التي قاومت هيمنة الرّوحي. وخلافا للغربيين الذين يتركون ماضيهم للتطلّع بشكل أفضل نحو المستقبل فإنّ المسلمين يروْن من الضروري العوْدة إلى نقاء ماضيهم و خاصّة إلى فترة دولة المدينة التي أسّسها محمّد في بداية من القرن السّابع ميلادي وبهذا المنطق فإنّهم مجبرون على الانتقال باستمرار من الماضي لمواجهة الحاضر والنتيجة: تصلّب شديد للرّقبة!

    م.ش: بل هو أشدّ من تصلّب للرقبة، إنّه تشوّه، وعلى عكس دعاة الإسلام العتيق فإنّي أزعم أنّ الإسلام بصدد التّحرّر من هذه الفترة النّبويّة لكي يدخل مرحلته التّاريخيّة .كيف ذلك؟ بالارتكاز على إرثه التنويري تحديدا. ذلك أنّ الدّين الإسلامي قد عرف مفكرين أحرارا أيضا,ففي نهاية القرن الثّامن حاول المعتزلة و الفلاسفة المصلحين التمييز بين القرآن غير المخلوق ـ موجود منذ الأزل وغير مادّي ـ والقرآن المخلوق أي الذي يظهر في لحظة تاريخيّة محدّدة، وهو الوحي الذي امتدّ على مدي عشرين سنة في بداية القرن السّابع ميلادي. وبفهمه ضمن هذا الأفق يظلّ القرآن كلام اللّه "المنزّل" على النبيّ الذي بلّغه للبشريّة غير أنّ النّاس يقومون بدور في هذا التبليغ فتكون مبادؤهم هي المعنيّة في ذلك و هو ما يفتح نافذة على تأويل النصّ. وفي القرن العاشر حاول كتّاب رسائل إخوان الصّفا(موسوعة إخوان الصّفا) غرس الرّوح الديكارتيّة في الإسلام على النّحو الذي كنّا قد شهدناه فيما بعد مع الموسوعة التنويريّة في القرن التّاسع عشر، كما أرادت مجموعة صغيرة من مصلحي النّهضة إخصاب الإسلام بالأفكار الجديدة القادمة من الغرب، أي تلك التي تعرض لمفهوم التّقدّم و تجعل الإسلام قابلا للتوافق مع تطوّر التقنيّات و المعارف.

    ج. ب. ش: لماذا لم تؤدّ هذه المبادرات إطلاقا إلى إصلاح حقيقيّ؟

    م.ش: لأنّ المصلحين أرادوا أخذ قيم جاهزة من الغرب. فإذا أردنا إظهار تصوّر آخر لحقوق الإنسان والمرأة فإن الأفكار ينبغي أن تنضج من داخل الإسلام. ولهذا السبب يبدو لي أنّ تفسيرا جديدا للنص من طرف المسلمين ضروريّ حتّى نثبت أنّه بإمكاننا التحرّر كليّا من عبوديّة الشريعة. ولهذا علينا تنظيم مؤتمر عالميّ مع العلماء المسلمين الكبارـ أي هؤلاء الذين ينصت إليهم ويحترمون في مجتمعاتهم ـ القادرين على إعادة تفسير عميق للنصوص المثيرة للجدل.

    ج.ب.ش: في الوقت الحالي لا أعرف ما هي المؤسّسة التي ستكون لها الشرعيّة الكافيّة كي تقود جيّدا هذا المشروع. إنّ حكومات البلدان الإسلاميّة ليست على استعداد للموافقة على سلطة دينيّة مستقلة و عابرة للحدود الوطنيّة و الدليل على ذلك أنّه من ضمن عشرات التفاسير المقترحة اليوم "حول السّوق"التي تسمح بعدم تطبيق الشريعة مع الحفاظ على الأخلاق في الإسلام ـ و هو نوع من الحميميّة الإسلاميّة ـ لا أحد منها وقع الإجماع عليه إنْ كان ذلك في البلدان الأوروبيّة أو الإسلاميّة.

    م.ش: أنا لا أقصد أن نحدث ثورة شاملة,بل أقترح منهجيّة. ففي القرية العالميّة لهذه الألفيّة الثّالثة يمكن زرع بذور لفاعليّة مرعبة. والصورة فيها واحدة مثلما رأينا ذلك مع الرسوم السّاخرة من محمد. إنّ إظهار العلماء المسلمين على شاشات العالم بأكمله مجتمعين لأوّل مرّة على طاولة الحوار للتوصّل إلى إجماع في التأويل يمكن أن يكون له أثر عظيم. وانطلاقا من هذا الوقت يمكن أن نقول للمسلمين المقيمين في أوروبا: إن إيمانكم مكفول. وخلافا لذلك فإنّ التنظيم القانوني للمجتمع ينهض على ما أسّسه المواطنون من نفس البلد و ليس الشريعة. وهذه هي إحدى محطّات الإصلاح لجعل السيّاسي قبل الدّيني.
    ج.ب.ش: هل تطبّق الملائكيّة ! نحن لا نستطيع التمييز بين العقيدة والشّريعة من جهة والفلسفة و الموقف من النّصوص المقدّسة من جهة أخرى.

    م.ش: ليْست ملائكيّة بالمرّة !فعندما حاول السلاطين العرب الالتفاف حول القرآن لشنّ الحرب على غير المسلمين ـ رغم أنّ القرآن يُحرّم ذلك بشدّة ـ فعلوا ذلك بعقد مجالس للفتوى كي يشرّعوا قراراتهم.فلماذا ينكر المصلحون هذه المرونة؟ لنركّز على النّساء.ألا ترى أن الصّراع الدّائر في الجزائر والمغرب وأفغانستان هو في أصله صراع من أجل تغيير وجه الإسلام؟

    ج.ب.ش: سلْ أولئك السيّدات إنْ كنّ يوافقن على أن يصبحن الزوجة الثّانيّة:الكثير منهنّ سيجبنك ب" نعم". إنّ الغرب قد انحلّت فيه الرّوابط العائليّة و شرّع زواج المثليين إلخ..أشكّ في أن يحاول المسلمون اقتفاء هذا النّموذج.
    هل سنتّجه إلى صدام الحضارات الذي يخشاه الكثيرون؟

    ج.ب.ش: إن المواجهة الحقيقيّة قد بدأت بالفعل و لكنّها لم تقع بين "هم" المسلمين و "نحن" الغربييّن. إن الصّراع يدور داخل كلّ مسلم يتمزّق بين عقيدته وتأثير الغرب العلماني فإذا ما ظهر يوما نموذج جديد لتفسير القرآن فسيكون ثمنا لانشقاق في الإسلام.
    م.ش: قد يكون ذلك ممكنا. ولكنّ التعارف المتبادل يمكن أن يكون حافزا لهذا التحوّل الحاسم، شرط أن يقع قبوله دون مقاومة....

    مجلة:لكسبريس الفرنسيّة:30/03/2006: كلير شاريتي:
    L'express.fr:30/03/2006.
    Claire Charitier.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: هل يتوافق الإسلام مع الحداثة؟ ـ حوار بين مالك شبل و جون بول شارناي . Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top