هوفيك حبشيان عن فيلم "نابوليون" لأبيل غانس

ديسمبر 30, 2014 اضف تعليق
ب
عد ٨٧ عاماً على انجازه، يبقى "نابوليون" لأبيل غانس من الأفلام الطليعية، الطموحة. هناك نسخ مختلفة للفيلم، آخرها تلك التي قدمها كوبولا - بعدما كان المخرج البريطاني كافين براونلو لملم الاجزاء الناقصة - وعُرضت في اميركا في السنة التي توفي فيها غانس (١٩٨١). ظلّ غانس يعمل على نسخته الاولى (ست ساعات)، فبلورها وعدّلها كي يصل بها الى الكمال الفني والتاريخي، وليعبر بها الى مرحلة السينما الناطقة التي كانت بدأت تظهر وهو يصوّر الفيلم، فصار مشروعه فجأة خارج الموضة. يحتوي "نابوليون" على الكثير من الانجازات التقنية الجديدة في ذلك الحين، استعار غانس بعضها من غريفيث ("ولادة امّة") وبعضها كان من اختراعه: مونتاج سريع، ثلاث شاشات تعرض مشاهد مختلفة (بوليفيزيون)، صورة فوق صورة (بلغ عددها ١٦ في بعض المشاهد)، آلة تصوير محمولة باليد، الخ. كان هدفه ان ينجز فيلماً يكون اشبه بأوركسترا من ٥٠ عازفاً. غانس كان من الأوائل الذين ادركوا اهمية الكاميرا الذاتية، حدّ تحويلها شخصية قائمة في ذاتها، فدفع باللغة السينمائية الى مجالها الأبعد. كان هاجسه الحركة الصحيحة والواقعية، فربط، مثلاً، الكاميرا بصدر دانتون كي نحس به وهو يتنفس، وربطها ايضاً بقدم حصان وهو يركض. اما الأسطورة الأكبر التي تُروى في شأنه (نقلها المؤرخ جورج سادول)، فهي طلبه من فريق التصوير ان يلقوا بالكاميرا من مكان مرتفع نحو الفراغ، كي يلتقط من خلال سقوطها، وجهة نظر كرة الثلج وهي تسقط. كان يريد استعمال تلك اللقطة في مشهد معركة بريين التي افتتحت الفيلم. عندما اعترض المنتج، محاججاً ان الكاميرا ستتحطم، كان رد غانس: "يا سيدي، كرة الثلج تتحطم ايضاً عندما تسقط". رمى غانس الكاميرا في الفراغ، تحطمت، ونال ما يريده.

قرصنة عن هوفيك

وداعا لولو

ديسمبر 30, 2014 اضف تعليق
لويز راينر عاشت ١٠٤ اعوام. لم تكن ريتا او آفا او جاين، ولكن كانت صاحبة عينين تحملان الكثير من الحكايات. اطلقها ماكس راينهارت، وهي الوحيدة في التاريخ التي فازت بـ"أوسكار" افضل ممثلة لعامين متتالين (١٩٣٦ - ١٩٣٧).
قرصنة عن  هوفيك

"المراوح التي تلوح من بعيد" للشاعرة العراقية دنى غالي

ديسمبر 30, 2014 اضف تعليق

 بمناسبة معرض القاهرة الدولي للكتاب، أصدرت دار سنابل مجموعة شعرية بعنوان"المراوح التي تلوح من بعيد" للشاعرة والروائية العراقية المُقيمة في الدنمارك دُنى غالي. هنا مختارات منها.


1
لوحةٌ زيتية تثيرُ اشتهاءَ امرأة
كما يثيرها
رجل مُكتف بنفسِه
تهمُّ بتقبيله
وتُقرّرُ أخيراً 
أن تقلقَه سرّاً

البياض يُثير حفيظتَها
طبعُ أحمرِها شكّاك
يتمرغُ اليوم على بياضٍ
يصرُّ على أن يُقرنَ نفسَه باليقين أمامها

والبياض نفسه 
بياضٌ ساكن
لا يفقه سرَّ زحمة الكون
وسرَّ أحمرِ الشفاه 
الذي يبحث بلا تردّد عن قرار
يلتهمه ويتغلغل بوحشيةٍ
تحت سطحِه الزيتيّ
ليتركَ توقيعه






2


اشتهيتُ هذا الصباح أنْ
أشتري لكَ ورداً
بلون المرجانِ
لكنكَ من دونِ طاولةٍ
وستبدو باقتي 
حينَ أُلقي بها 
في منتصف البحر
تشييعاً لغريق


3
من نافذتي العالية
مثل مَدْرَجٍ ينتظر
طائرةً غير مهيّأة للإقلاع بعد
يلوّحُ الشتاءُ لي بيده خجلاً
ولا أسباب واضحة للتأخير

يهبط طيرٌ باندفاعةٍ على سقف مبنى 
ثمّ يصعدُ خفيفاً بقنصِه إلى أعلى
تهتزًّ عيناي
وهو يلفِظ بعدَ ثانيةٍ
كرةَ ثلج صغيرة
ظنَّها خبزةً

في ضيافتي 
ولا نتقاسَمُ على الطاولة
شيئاً
غير خيبتنا




4

كنغمٍ يشترط الأمانَ ليظهر
ننقذف إلى الضوء 
نرقص برغبة 
ننتشي
نُختصَر إلى وردةٍ 
تتعجّل الموت

تصوري أن يَسقُطَ القلم مصادفةً
برأسه المدبّبِ من علوّ شاهق
لينكأ الجرح
أو ينفضّ

القلم وعذريّتي لا ينسجمان
تقول أمّي إنّي صغيرة بعد
إنّ دوراننا من أرض إلى أرض نزهة
إنّ نُسَخ المفاتيح التي وزّعتْها البلاد 
قد نفذتْ

ومن أين تخترعين كلّ هذا الحزن؟
تقول
إنّ البرك لا تردّ 
وإن ألقيتِ بها تلاًّ من حجر 

إنْ لم يكن دماً هذا اللّون
على الورقِ 
على الأرض
وعلى طرف التنّورة
فماذا عساه يكون؟










قرصنة: عن فايسبوك منصورة عزالدين

ديسمبر 29, 2014 اضف تعليق
حدث أن أرسلت لي صديقة سويدية عزيزة رسالة إلكترونية بالغة التهذيب قالت فيها إنها ترغب في الاطمئنان عليّ لأنها عرفت أن الوضع في مصر "أقل من مثالي"، أو "less than ideal" كما كتبت بالإنجليزية.. توقفتُ طويلاً أمام توصيفها هذا. 
وقتها، كان البلد يغلي بالفوضى، سقط شهداء كثيرون، خُرِّبت مبانٍ ومنشآت، وعم العنف في أكثر من محافظة. أي أشياء هي أبعد ما يكون عن الأوضاع المثالية، بل أجازف بقول أن هذه الأخيرة لا علاقة لها بمعظم ما يجري في منطقتنا منذ زمن.
فكرت في الأوصاف التي يمكن أن يستخدمها أصدقاء مصريون وعرب لمقاربة وضع مماثل، في الغالب سوف تتنوع بين: كارثي، مأساوي، عصيب، دموي، فوضوي، الخ.
وأكاد أجزم أن أحداً لن يخطر في باله، أن يلجأ إلى الدبلوماسية أو تخفيف/ تجميل المشهد ليقول بأسلوب منمق إن الوضع ليس نموذجياً أو إنه أقل من المثالي.
"يالله. ما هذا الوصف؟!" كان هذا أول ما خطر ببالي حين وصلتني رسالتها، وإن كنت طبعاً شعرت بالامتنان لاهتمامها وقلقها على أحوالي. اكتفيت بالرد بشكر مهذب وسؤال مماثل عن حالها هي وأسرتها، وقمعت رغبة ماكرة في أن أكتب لها أن توصيفها هذا ملائم أكثر لمدينتها المرفهة الغافية على بحر الشمال. وأن أوطاننا المفخخة لديها قواميس أخرى!
لا تعني سطوري السابقة إعلاء من طريقة في التعامل مع اللغة على طريقة أخرى، إنما فقط الإشارة إلى هذا الاختلاف من ثقافة لأخرى، إذ ثمة أنماط عديدة في العلاقة باللغة والكلمات، منها ما يميل للمبالغة، ومنها ما يتسم بالدقة، ومنها ما يركن إلى التجميل والتخفيف لسبب أو لآخر.
من ناحية ثانية ذكرتني الصديقة السويدية بشخصية من شخصيات رواية "حرفة القتل" للروائي الألماني نوربرت غشتراين، والتي صدرت بالعربية قبل سنوات بترجمة لسمير جريس. تدور الرواية في أجواء الحرب الأهلية في البلقان، والشخصية التي أعنيها هي أرملة عجوز استأجر المراسل الحربي الألماني "ألماير" غرفة في بيتها أثناء تغطيته لمجريات الحرب.
في ظل الفظائع الدائرة حولها حافظت الأرملة السبعينية على هدوئها واسترخائها بدرجة مثيرة للدهشة لأنها بحكم سنها ومرور المنطقة التي تنتمي إليها بتقلبات درامية عدة على مدى عقود، صارت معتادة على الخطر، ولم يعد شيء يثير دهشتها أو خوفها. أو كما "كانت تؤكد دائماً أنها عايشت أموراً أخرى تماماً، وأن حفنة من المراهقين سيئي التربية لن يدخلوا الخوف إلى قلبها لمجرد أنهم يريدون أن يلعبوا لعبة الحرب". 
كان أقصى ما بدر عن هذه الأرملة اللامبالية أنها، في لحظة ما من لحظات الصراع العنيف في بلدها، اعترفت بأن "الوضع متوتر بعض الشيء"!
اللافت أنها كانت أيضاً تمنع المراسل الحربي المقيم في منزلها من استخدام أي ألفاظ عنيفة تصور الموقف بخطورته الفعلية. بالنسبة لها، كما لصديقتي على ما يبدو، كانت المسألة مسألة أسلوب، كأن استخدامنا تعبيرات مخففة لوصف موقف ما كفيل بحمايتنا من أخطاره، بل كفيل حتى بنزع خطورته. كأن الكلمات هنا تتحول إلى تمائم وتعاويذ تتواطأ معنا وتبعد الشر عنا.

مويان: عندما كان الأطفال في المدرسة يتعلمون، كنت أرافق الغنم والبقر وأتحدث معها

ديسمبر 29, 2014 اضف تعليق

عندما كان الأطفال في المدرسة يتعلمون
كنت أرافق الغنم والبقر وأتحدث معها
الكاتب الصيني (مويان) الفائز بجائزة نوبل للآداب
2012
ترجمة يارا المصري

الكاهن الشاب: أيها المعلم، لماذا حملت الفتاة وساعدتها على عبور النهر؟
الكاهن العجوز: لقد أنزلتها ونسيت الأمر، لِمَ لا تنسى أنت أيضاً الموضوع.
يقول "مويان" للصحافي الذي يحاوره، داعياً إيَّاه إلى نسيان أمر جائزة نوبل، والعودة إلى "الحياة".. فلا شيء تغير من وجهة نظره بعد حصوله على الجائزة، سوى أنه استقبل العديد من الصحافيين، وبعد المقابلات الصحافية.. يقول "مويان" سيعود كل شيء إلى "وضعه الطبيعي" أنتم تعودون إلى أماكن عملكم وتقومون بأشغالكم، وأنا أبقى في المنزل، آكلُ وأقرأ وأكتب.
هذا الكاتب الذي يتعامل بتواضع، مع جائزة هي الأشهر والأكبر عالمياً، كان قد قرأ وهو في العاشرة من عمره "قاموس لغته الصينية" وصحح أخطاءً فيه.. لم يكن ثمة كتب كثيرة في قريته وفي القرى التي حولها.. يقول "مويان".. فقرأت القاموس، أمَّا عن كوني حفظته، كما تقولون، فهذا أمر مبالغٌ فيه يرد بتواضع أيضاً.
كانت ثمة مقابلات صحافية قد جرت مع "مويان" قبل وبعد فوزه بجائزة نوبل، ومن بين هذه المقابلات اخترت أن أترجم مقابلتين "قبل وبعد الجائزة".. لعلَّ ذلك يُعطي إطاراً مرجعياً لأفكار "مويان" الذي كان يأكل حينما جاءه نبأ الفوز بجائزة نوبل للآداب.
(حينما أكتب أشعر كأنني إمبراطور).. يقول مويان، وتصبح العبارة مانشيت لحوار أجراه الناقد والشاعر والصحافي (شي يي لونغ) الذي يعمل في (CCTV ـ التلفزيون المركزي الصيني) يوم 28 سبتمبر عام 2007. والذي طرح على مويان أكثر من خمسين سؤالاً، اخترت منها ما يكفي لبيان كيف كان يفكر مويان قبل جائزة نوبل، ووجهة نظره في الكتابة والإبداع والرواية،
ولد مويان في قرية (غاومي) في مقاطعة شاندونغ، عام 1955 واسمه الحقيقي (غوان موييه) أمَّا (مويان) فهو لفظ يعني (لا تتحدث) وقد أطلقه الكاتب على نفسه كاسم أدبي، وحينما أنهى دراسته الابتدائية كانت الثورة الثقافية قد بدأت في الصين، فتوقف عن الدراسة، واتجه إلى العمل في الزراعة، ثم استكمل دراسته الثانوية بالتزامن مع عمله، ثم التحق بجيش التحرير الشعبي (الجيش الصيني) عام 1976، وخلال خدمته العسكرية بدأ الكتابة، ثم التحق كطالب بالأكاديمية الثقافية لجيش التحرير الشعبي عام 1984، وبعد تخرجه عام 1986 عمل في الدائرة السياسية العامة في الجيش، وفي عام 1991 حصل على درجة الماجستير من جامعة بكين للمعلمين.
يكتب مويان الرواية والقصة القصيرة، ومن أعماله (الذرة الرفيعة الحمراء) وهي الرواية الفائزة بجائزة نوبل، والحلم والأوباش، والضفدع، وأثداء كبيرة وأوراك عريضة، ومطر هاطل في ليلة ربيعية، وقد ترجم الدكتور حسانين فهمي حسنين إلى اللغة العربية (الذرة الرفيعة الحمراء) وترجم الدكتور محسن فرجاني (الحلم والأوباش) وتعمل مترجمة هذا الحوار حالياً على ترجمة قَصص لمويان من بينها (عدو الابن)
مويان الذي كان يعاني في طفولته من منع الكبار له عن الكلام (مويان ـ لا تتحدث ـ اسكت) أصبح من كبار الحكَّائين والمتكلمين في الصين وفي العالم.

شي يي لونغ:
كلُّ كاتب لديه نوع من التجربة أو المعاناة، هل يمكن أن تروي لنا تجربتك وكيف أثرت فيك؟
مويان:
في الحقيقة، تجربتي بسيطة للغاية. عندما كنت في الأكاديمية الثقافية لجيش التحرير الشعبي، قسَّمنا السيد (تشو شيانغ تشان) نحن الكُتَّاب من العساكر إلى فريقين. الفريق الأول كان يمثله (تشو سو جين)، (تشو تاو)، و(تشياو ليانغ)، وجميعهم ينحدرون من أسر عسكرية أرستقراطية، فهم منذ صغرهم يعيشون في منازل كبيرة، وآباؤهم وأجدادهم كانوا في جيش التحرير، لذلك فهم على دراية بالأصول العسكرية، يعرفونها من جذورها، وبعدما كبروا انضموا إلى الجيش، وعلاقتهم بالجيش، والمعسكرات، والبزات العسكرية، كعلاقتي بالأرض، والبقر والأغنام والمحاصيل. أما الفريق الثاني، فكان أنا، و(لي تسون باو)، وكنا نمثل فئة الفلاحين الذين ولدوا وكبروا في الريف، ثم انضموا إلى الجيش. لقد مررت بتجارب النضال والكفاح، وتجربة الانضمام إلى الحزب، والدراسة، ودخلت منها خطوة خطوة إلى العمل الإبداعي. وأنا أعتقد، أن تجربة هذين الفريقين ككُتَّاب مختلفة اختلافاً كبيراً، إلا أنه في فريقي كانت ثمة سمات كثيرة مشتركة تربطنا. (تشو سو جين)، و(تشو تاو) كبرا في المعسكرات، الفرق بينهما، أن أحدهما كان في معكسر في مدينة بكين، والآخر في معكسر نان جينغ، وبينهما بالطبع العديد من الأمور المشتركة. وكانت لدي أنا و(لي تسون باو)، (يان ليان كي)، (تشو دا شين) الكثير من الأمور المشتركة أيضاً. فكلنا ترعرعنا في القرى التي تعاني من الفقر الشديد، الفرق الوحيد فقط هو أماكن القرى، شاندونغ أو هينان، فنحن نفهم بعضنا البعض بحكم البيئة المشتركة التي قدمنا منها، وتجربتي في معناها ورحلتها تحكي تجربتهم أيضاً، وهذا ما حدد اتجاه عملنا الإبداعي. ولكن لماذا هناك  الكثير من الأماكن في أعمالي الإبداعية تختلف عن باقي زملائي؟، لأنه فيما عدا السمات المشتركة التي تجمعنا، فإن هناك شيئاً استثنائياً في تجربة كلٍّ منا الشخصية يختلف عن الآخرين. التشابه هو أننا ريفيون، والاختلاف بين الفلاحين الفقراء والفلاحين الأجراء، وبين مُلاك الأراضي والفلاحين الأغنياء هو اختلاف كلي. عائلتي هي عائلة فلاحين فوق المتوسط، والعيش بين عائلة فلاحين أغنياء وعائلة فقيرة في ظل الانتماء الطبقي للعديد من السنوات، يولد شعوراً غريباً كمَنْ يمشي على قشر من الجليد. العالم تغير الآن، ولكن هذه الأشياء تبقى في العظام. ولذلك فإن تجربة حياتي يربطها الكثير من القواسم المشتركة بين الكُتَّاب الآخرين، وأيضاً بها اختلافات.
بعد تحرير الصين، كانت الصراعات الطبقية، والصراعات السياسية هي أهم عنصر في المجتمع، ولم يكن المال بالنسبة إلى الصينيين قبل ثمانينات القرن العشرين ذا جدوى كبيرة في موضوع مثل الزواج. في ذلك الحين، عندما تريد فتاة من عائلة فقيرة قادمة من الريف أن تتزوج، فلن تقبل بك، إذا كنت شاباً وسيماً من عائلة فلاح غني، وتعيش حياة ميسورة، وتمتلك بيتاً جيداً، ولكن انتماؤك الطبقي متواضع. والعكس، إذا كنت شاباً فقيراً، ولست وسيماً، وحالتك المادية ليست ميسورة، وكان بيتكم متداعياً، رثَّاً، ولكن انتماؤك الطبقي جيد، فيمكن أن تعثر على زوجة جيدة. هذا الأمر يبدو الآن شيئاً غير معقول، ولكنه كان طبيعياً في ذلك الوقت.
في هذه البيئة المجتمعية، أعتقد أن أكبر مشكلة كانت هي مشكلة الانتماء الطبقي، التي كانت تسبب ضغطاً كبيراً يقف حائلاً بين الناس وبين بعضهم البعض. وبسبب هذه الفجوة، أثَّر هذا على كل ما تعلمناه من عائلتنا، يجب عليك أن تكون محترماً وصادقاً، وألا تنسى حمل ذيلك بين أسنانك، ويجب أن تحتفظ أمام الناس بمظهر المتواضع المهذب، الحقير الوضيع، وحاول قدر المستطاع ألا تتحدث، وإذا أجبرك أحد على الكلام، فلا تتحدث بكلام يغيظ مَنْ أمامك، وإذا حدث أمامك موقف غير عادل، لا تكن أول المُتدخلين، هذه النصائح كانت تحمي حياتك، كانت هذه التعليمات التي يتلقاها الأطفال في عائلات الفلاحين. وكان من الطبيعي أن أكون تحت ضغط هائل بسبب هذه البيئة وتعاليم الأسرة، فأنا أحب الكلام، ولي قدرة قوية على تقليد الناس، وذاكرتي جيدة أيضاً، فإذا حكى أحد أمامي حكاية مصحوبة بالمُصَفِقات (1)، أحفظها من أول مرة.  فكان من الطبيعي أن أشعر بالكبت، بالإضافة إلى افتقاد هذا الدماغ الذكي إلى فرصة التعليم، واشتغاله بالحرث. إذا لم تهتم بالمزروعات فستنمو أعشابٌ برية، هكذا كان دماغي، مليئاً بالأعشاب البرية.
أعود إلى الحديث عن أحوال أسرتي. إن عائلتي عائلة ريفية كبيرة نسبياً، وقد تلقى والدي في المجتمع القديم، تعليماً ضئيلاً في كُتَّاب لبضع سنين (2)، ولذلك فهو يُعتبر مثقفاً في القرية. إن رأس والدي المليئة بالأفكار الإقطاعية التقليدية، جعلت هذه العائلة محافظة وصارمة جداً. عندما تزوج والدي وعمي، أنجبا الكثير من الأبناء، حتى يحققا أمنية جدي وجدتي، عندما وصل عدد أفراد العائلتين إلى ثلاثة عشر فرداً، لم يقسموا أملاك الأسرة للاستقلال في المعيشة. كان في العائلة الكثير من الأطفال، وكلٌّ من الأحفاد والحفيدات له مكان مختلف في قلب جدي وجدتي. هذا النوع من المعيشة، جعلني أشعر بالكآبة تجاه هذا العالم، جعلني أشعر بالظلم الذي يقع على الفقراء والمعاملة التي يُعاملُ بها الآخرون، لكونهم أغنياء وذوي نفوذ، أما السبب الأهم لشعوري بهذه الكآبة، فهو الفقر المدقع الذي كنا نعيش فيه.
بعد اندلاع الثورة الثقافية، أُجبرت على ترك المدرسة، السبب الأول هو الانتماء الطبقي، السبب الثاني هو تمردي على المدرس المسئول وإغاظته. في ذلك الوقت، كان هناك قانون عجيب: أبناء الفلاحين الأغنياء، يُسمح لهم باستكمال الدراسة حتى حصولهم على الشهادة الابتدائية، أبناء فلاحي الطبقة الوسطى، إذا كان أداؤهم جيداً، يُسمح لهم باستكمال الدراسة حتى حصولهم على الشهادة الإعدادية، فقط أبناء الفلاحين الفقراء من الطبقة الوسطى، يمكنهم استكمال جميع المراحل الدراسية. وفي الحقيقة، لم يحدث هذا، فمَنْ كان يستطيع إكمال مراحله الدراسية، هم أبناء موظفي الحكومة فقط. أنا أعتقد أن أكثر أمر قاسٍ في الثورة الثقافية، هو تجريد الأسر التي انتماؤها الطبقي متواضع من حق تعليم أبنائها. بعد ترك الدراسة، تولدت علاقة متينة بيني وبين الطبيعة. عندما كان باقي الأطفال في المدرسة يتعلمون، كنت أرافق الغنم والبقر وأتحدث معها، وقد جعلتني هذه التجربة منعزلاً، إنطوائياً، أخاف من مقابلة الناس، ولا أستطيع التعبير عن نفسي، وإذا صادفت مشكلة أو أي أمر فإنني أكون هيَّاباً شديدَ الحذر. بالطبع إذا أصبحت كاتباً، فيمكنك تخفيف هذا النوع من الألم بالكتابة، والتعويض على نفسك، لكنك إذا لم تكن كاتباً، فسيصبح الألم الذي عانيته أشد ممّا سبق. سألني شخص من قبل، إذا عدنا بالزمن إلى الوراء، هل ستختار أن تصبح كاتباً، أو تختار أن تعيش طفولة سعيدة، فأجبت بلا تردد، بالطبع سأختار أن أعيش طفولة سعيدة.



شي يي لونغ:
بين حضارة المدينة وثقافة الريف، كانت أعمالك دائماً ترتبط ارتباطاً وثيقاً بثقافة الريف، ودائماً تحاول إظهار الفرق بين المدينة والريف، ومن خلال ذلك تعود بنا إلى جمال البيئة الريفية وصفائها. فماذا عن تأثير حياة المدينة وحياة الريف على إبداعك؟
مويان:
تبدو حضارة المدينة وثقافة الريف مُتعارضتين، لكن لديهما في الحقيقة بعض القواسم المشتركة. فلماذا تبدو هذه المشكلة بهذا الوضوح في الصين؟، لأنه بعد تحرير الصين، كانت توجد ثلاثة فروق أساسية في المجتمع، من بينها الاختلاف بين المدينة والقرية. في الستينات، عندما نُقِلت كوادر من الشباب إلى الريف، فهموا بشكل حقيقي ما أعنيه بالاختلاف بين المدينة والقرية، إنه كاختلاف الجنة والنار. ولهذا، فنحن بالمعنى قد أطحنا بالاستغلال والطبقية، لكن الفرق بين الفلاح والعامل وموظف الحكومة، يشبه إلى حد كبير الاختلاف بين الفلاح الفقير وبين ملاك الأراضي في الماضي. فالعامل الشاب يكون له مرتب، وبعد التقاعد له معاش، ومهما حدث في الشهر من كوارث ومصائب فإن له راتباً ثابتاً، عندما يمرض يتوفر له علاج طبي مجاني. بالطبع موظف الحكومة يتقاضى راتباً أعلى وله مميزات أكثر. لكن لننظر إلى الفلاح، إذا لم يقبض يوميته، فإنه يموت من الجوع، إذا مرض وليس لديه مال كاف للعلاج، فمن الأفضل له الجلوس في المنزل وانتظار موته. نظرياً، الناس متساوون، لكن في الحقيقة هذا ليس صحيحاً على الإطلاق. ولأن الصين لديها هذه الخلفية، فقد ظهر شكل من المواجهة بين حضارة المدينة وثقافة الريف، ودفع ذلك الكثير من الكُتَّاب، ومن ضمنهم كُتَّاب تيار الشباب المتعلم (3)، إلى إظهار هذه المواجهة العنيفة بين المدينة والريف. ظهرت هذه المواجهة في الاستهجان، الإعجاب، الغيرة، والحقد الذي يظهره أهل الريف لأهل المدينة ـ آكلي الحبوب التجارية ـ (4)، كما يصفونهم، على الجانب الآخر أظهر وصف "آكلو الحبوب التجارية" أهل الريف بمظاهر التخلف، الجهل، والنظرة المحدودة، وهذا كله بسبب الاختلاف بين الريف والمدينة. وهناك العديد من الأعمال الإبداعية التي بيَّنت تماماً هذه الأمور، وبالنسبة لي، كان هذا الاختلاف من الأشياء التي أثرت علي كتاباتي بشكل كبير. إذا بقيت في الريف، ولم أذهب للعيش في المدينة لبعض الوقت، فموقفي كان سيكون مثل أهل الريف، والأرجح أنني لم أكن لأستطيع أن أكتب أعمالاً كهذه.
إنني أعتبر نفسي فلاحاً هارباً من الريف إلى المدينة، ولأنني أمتلك خبرة في حياة المدينة، أعود للوراء وأقارن بين حياة المدينة وحياة الريف. إن كتابتي عن الريف، وكوني فلاحاً أمران مختلفان. إنني فلاح، ولدت في الريف، وجذوري هناك، وحضارة المدينة تسبب لي تضارباً في كثير من الأوقات، ولا أستطيع أن أحذو حذو الكاتبة (وانغ آن يي) عندما كتبت عن شانغهاي، وأكتب عن بكين، ليس لأنني لا أريد أن أكتب عنها، ولكن لأنني لن أستطيع أن أكتب عنها، وعليَّ فقط أن أبحث عن طريق في المنتصف.

شي يي لونغ:
لقد قلت من قبل، إن التحدي الأساسي لأي كاتب هو القدرة على التخيل، أو القدرة على تمثيل الواقع.
مويان:
إن القدرة على التخيل هي شيء أساسي بالنسبة لأي كاتب. إن المُخيِّلة هي القدرة على استيعاب ما تمتلكه من أشياء، كل ما تمتلكه من صور، وخلق شيء مختلف كلياً، وفي الحقيقة، القدرة على التخيل هي نوع من الإبداع. وبالطبع، تحتاج القدرة على التخيل إلى الاستعانة بلغة استثنائية، شيءٍ ما يربط بين اللغة وبين الصور، أي شيء تريد تخيله يحتاج إلى هذا النوع من اللغة كأداة. إن قدرة الكاتب على التخيل سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، وقدرته على استخدام هذه اللغة سواء أكانت قوية أم ضعيفة، بينهما علاقة. والكاتب الذي لا يمتلك لغة قوية استثنائية لا يمكنه أن يمتلك قدرة غنية على التخيل. وإلى الآن، مازلت أعتقد أن القدرة على التخيل هي من أهم مميزات الكُتَّاب المهمة والنادرة.

شي يي لونغ:
لقد عانيت في طفولتك من الفقر والجوع والشعور بالإهانة، لكننا نرى في أعمالك نوعين من المشاعر، الأول هو الشوق إلى قريتك، والثاني هو الشكوى والتذمر منها. وحالما تطأ قدماك قرية غاومي، تدخل في الحال إلى أرض (الذرة الرفيعة الحمراء). لقد أصبحت الكتابة عن مسقط رأسك علامة مميزة، ونوعاً من تخطي الحدود، وفي كل تعبير في كتاباتك، يهيم مسقط الرأس بانسيابية في روح القارئ. ماذا يعني لك مسقط الرأس؟ ماذا تعني لك قرية غاومي؟
مويان:
في مقدمة رواية (الذرة الرفيعة الحمراء) كتبت عن علاقتي بقرية غاومي، وقلت، إنني ولدت فيها، وكبرت فيها، فارتباطي بهذا المكان كارتباط اللحم بالدم. لقد أنجبني والديَّ في هذه الأرض، وخطواتي الأولى كانت في هذا المكان. مهما كان هذا المكان فقيراً، ومقفراً وموحشاً، ومهما كان موظفو هذه القرية مستبدين، ومهما كان سكان هذه القرية جهلاء، فإنني وبصفتي إبناً بعيداً لهذه القرية، وفي اللحظة التي تطأ قدماي هذه الأرض، تجيش عواطفي وأشعر بالشوق إليها. وهذا النوع من الأحاسيس لا يمكن أن يتولد تجاه مكان آخر، وهذا ما يُسمَّى بقوة وتأثير مسقط الرأس.
ويُعتبر الوطن أو مسقط الرأس شيئاً مهماً بالنسبة إلى الكُتَّاب. قال (يوي هوا) إن الكتابة هي العودة إلى مسقط الرأس، وقلت أنا مثل هذا الكلام. في عام 1984 وقبل التحاقي للدراسة بالأكاديمية الثقافية لجيش التحرير الشعبي، لم أجد ما أكتب عنه، وكنت أمضي معظم الوقت في محاولة لتجريب الحياة، أقلِّب الصحف، أقرأ الدراسات والمقابلات، وأحاول بكل الطرق أن أبحث عن قصة تهزني. حتى كتبت جزءاً من رواية (الفجل الشفاف)، وعندما كنت أرجع بذاكرتي إلى الوراء، وأتذكر طفولتي، وأتذكر حياتي في قريتي، أشعر وكأن باباً فُتِح وانساب من خلاله نهرٌ جارٍ، وكانت الأفكار تتدفق هكذا. إن ذكريات مسقط الرأس، والمشاعر التي تصاحب هذه الذكريات هي الكنز الثمين لأي كاتب، لماذا؟ أولاً: ارتباط مسقط الرأس الوثيق بالأم، ثانياً: ارتباط مسقط الرأس بذكريات الطفولة، وثالثاً: ارتباط مسقط الرأس بالطبيعة. بالطبع هناك علاقة بين الكُتَّاب الذين يعيشون في المدينة وبين الطبيعة، فكُتَّاب المدينة لهم مسقط رأس أيضاً، كالكاتب (شي تيا شينغ) في (أنا وحديقة دي تان) ـ (5). لكن الطبيعة لا تتمثل كما نراها في الجبال والأنهار والعشب. وإنما يمكن أن تكون في نظرهم حديقة، أو شارعاً. إذا كانت الكتابة الإبداعية تحتوي على براءة واهتمامات الطفولة وعبثها كعناصر ستكون جيدة. وأنا أعتقد أن المعنى الذي يمثله مسقط الرأس للكاتب كما قلت: الأم، الطفولة والطبيعة.

شي يي لونغ:
هل العلاقة الحميمة بينك وبين الطبيعة نابعة من طفولتك في القرية، وهل مثل هذه التجربة قادرة على فهم العالم الداخلي للإنسان؟
مويان:
قد تكون هذه الطريقة في الوصف بها شيء من المبالغة، لقد قلنا منذ قليل، في الحقيقة كل شخص لديه نوع من العلاقة مع الطبيعة كالكاتب (شي تيا شينغ) في (أنا وحديقة دي تان)، يبدو كأن صبياً من بكين يكتب عن حديقة في بكين، لكن هذه الحديقة بالنسبة لـ ( شي تيا شينغ) هي طبيعة. كل كاتب له طريقته في التفاعل والتواصل مع الطبيعة. أنا على سبيل المثال، باعتباري عشت طفولة منعزلة، وكنت أرافق الغنم والأبقار معظم الوقت، ولم يكن لدي أي شكل من أشكال التواصل مع العالم الخارجي. فقد كنت أقضي ستة أشهر من السنة في أرض مقفرة، برفقة الماشية، والطيور والأعشاب، ولذا فإن مخيلتي ونظرتي عن الطبيعة تختلف عن الكُتَّاب الآخرين، ولعلَّ هذا هو السبب في وجود رائحة الماء والعشب الأخضر في معظم رواياتي.!

شي يي لونغ:
لقد أعجبتني كثيراً مقدمة المجموعة القصصية (القطن الأبيض) كانت بدايتها: "الروح التي لا يمكن الإمساك بها": إنني أحاول قدر المستطاع انتظار الحظ السعيد، إن كتابة الرواية أشبه بالروح. يمكن أن تجعليني أصل إليكِ ذات يوم.. أو يمكنني الانتظار إلى الأبد وعدم الوصول إليكِ.. لكن إذا استطعت الوصول إليكِ ذات يوم، ربما سأهدأ قليلا". عشر سنوات مرت في لمح البصر، وحتى الآن لا أعرف ما هي وجهة نظرك الجديدة عن كتابة الرواية؟
مويان:
حينما تطلب مني أن أكتب وجهة نظري في كتابة الرواية، فكأنك تريد قتلي، إلا أن هناك بعض الكُتَّاب الذين يستطيعون بكفاءة أن يكتبوا وجهات نظرهم بطريقة مرتبة متسلسلة، أما أنا، فلا أملك هذه القدرة. لكن إذا أُجبرت حقَّاً على كتابتها، فستراني أتخبط في الكلام تخبطاً عشوائياً، وأكتب كلاماً في ظاهره صحيح ولكن باطنه خاطئ، أضف إلى ذلك أنه سيكون غامضاً مبهماً، كما أنني لن أفهم من أين أتيت بهذا الكلام. لقد قلتُ من قبل، إن الرواية تشبه البيضة، والكاتب هو الذي يضع هذه البيضة. إذا سألت دجاجة لماذا تضع البيض، وماذا يحدث في بطنها من تفاعلات كيمائية وفيزيائية، وما نوع المياه التي شربتها، وما هي نوع النخالة والذرة الرفيعة المقشرة التي تناولتها، فسيكون هذا سؤالاً مؤلماً للدجاجة. وهذا بالنسبة لي يعادل جعل كاتب يحلل القواعد التي اتبعها في كتابة روايته، مؤلمٌ جداً. وكلما كانت وجهات النظر غامضة، كلما لا يمكن الوثوق بها، حتى الكاتب الذي لديه القدرة على كتابة هذا النوع من وجهات النظر المبهمة، على الأرجح سيفيد كلامه النقاد، أما القارئ، فلن تفيده وجهات النظر في شيء. إن وجهة نظري في كتابة الرواية ليست واضحة حتى الآن، وتبعاً لتطور الرواية، فإن ما يؤثر في صورة أو لوحة، هو تفصيل يهز الروح، تعبيرٌ دقيق على وجه شخص، أو عبارةٌ جميلة.

شي يي لونغ:
إن لغة رواياتك شكَّلت أسلوباً ذاتياً جديداً، طبيعياً واستثنائياً، هل تستطيع أن تحدثنا عن رأيك حول لغتك المستخدمة في أعمالك؟
مويان:
عندما كنت طالباً في الأكاديمية الثقافية لجيش التحرير الشعبي، كانت هناك مناقشة بين المدرس المسئول السيد (شيوي هواي تشوانغ)، وزميلي (لاوي دوا) عن اللغة الروائية، وقد شبَّها هذه اللغة بأنها كالغدد الصماء للكاتب. ويمكن من خلال اجتهاده أن يُكسب لغته طابعاً جديداً، إلا أن القاعدة الأساسية للغة تكون موجودة بشكل فطري عند الكاتب، أو تكون عاملاً مُكتسباً، أو أن تكون نتيجة للبيئة التي عاش فيها في طفولته، والطبقات المجتمعية التي احتك بها، أو التعليم الذي تعلمه، كل هذا يمكن أن يؤثر في طابع لغته. أما بالنسبة إلى لغتي في الرواية، ففي منتصف الثمانينات، كتب (جي هونغ شين) تحليلاً دقيقاً بعض الشيء، أولاً: أن الكثير من اللغة الدارجة والحكايات الشعبية دخلت اللغة الفصحى، ثانياً: الحصول على الكثير من المفردات من كتب قديمة كلاسيكية كـ (رواية الممالك الثلاثة)، والأعمال المكتوبة بالأسلوب الصيني الكلاسيكي، وأيضاً الروايات المترجمة. والآن، يمكن إضافة المفردات المستمدة من المسرحيات الشعبية. وهناك علاقة وثيقة للغاية بين المسرحيات الشعبية واليوانتشيوي (6)، ودائماً ما يظهر اليوانتشيوي في رواياتي، كرواية (الموت في غابة الصندل)، التي تحمل في طياتها تأثير المسرحيات الشعبية بشكل كبير. وأنا أعتقد أن اللغة بالنسبة للكاتب، هي نوع من الخليط والمزيج من أشياء كثيرة، وليست شيئاً صافياً خالصاً.

شي يي لونغ:
هل يمكنك الحديث عن تأثير والدتك في حياتك؟
مويان:
عندما كان عمري سبع أو ثماني سنوات كان جدي وجدتي وعمي وعمتي يعيشون في منزل واحد. وكان جدي وجدتي يعاملون الأحفاد بتمييز واضح وبدون عدل، وكنت أنا من الأحفاد الذي لا يحظون بالكثير من الحب والاهتمام. في أحد الأيام، ذهبت والدتي إلى بيت أمها، ولم تعد إلى المنزل حتى وقت متأخر، فذهبت أنا وأختي إلى الحاجز النهري القريب من المنزل وشرعنا في البكاء، ورفضنا العودة إلى المنزل. ولأن والدتي لم تكن في المنزل، فلم أكن أشعر أنا وأختي بالحماية والأمان، وقد جعلونا نشعر بالخوف. إن والدتي من حيث البنية، نحيلة هزيلة، وقصيرة، وقدماها صغيرتان، لأنها تتحمل أعباء الأسرة الثقيلة للغاية، وتحمل مسئولية حمايتنا. عندما كنت في السابعة، ظَهَرَ على فخذي بعض التقرحات، فحملتني والدتي على ظهرها وذهبت بي إلى الطبيب لمعالجتي باستخدام الحجامة الصينية. لقد قضت أمي حياتها في الشقاء والعناء طوال الوقت. عندما كان عمرها ثلاث سنوات توفيت والدتها، فربتها عمتها. وفي الرابعة من عمرها بدأت باستخدام لفائف القدم (7)، ومنذ أن تزوجت في السادسة عشر من عمرها لم تتوقف عن الإنجاب. وفي ذاك الوقت، فإن الأسر الإقطاعية لم تكن تدخر جهداً في استهلاك زوجات الآباء، فكانت تقوم بكل الأعمال المنزلية، وفي الأوقات العصيبة والمرض تكافح بجهد ومشقة. وبسبب ذلك، فقد أصبحت مريضة معظم الوقت، لأنها كانت تعمل مثل الحمار الذي يدور بالطاحونة، وعندما كانت تجوع كانت تأكل الحبوب كغذاء، مما سبب لها أمراضاً في المعدة.

شي يي لونغ:
قام الكاتب الياباني الحاصل على جائزة نوبل (كينزا بورو أوي) بزيارة إلى الصين في وقت سابق، وأجاب على أحد الأسئلة التي طرحها أحد الأصدقاء على شبكة الإنترنت قائلاً: "إن أعمال مويان ممتازة للغاية سواء القصص القصيرة أو الروايات، وبالأخص أعماله الأولى مثل (الذرة الرفيعة الحمراء) وغيرها". أما أنا فأعتقد أن أعمالك الأولى مثل (النهر الجاف)، و(أرجوحة الكلب الأبيض)، وغيرها قد دخلت قائمة أفضل الأعمال الإبداعية في العالم. كيف ترى إبداعاتك الأولى من قصص وروايات؟
مويان:
إن السيد (كينزا بورو أوي) يعاملني بكل الاحترام، ولعلَّه قرأ رواية (الذرة الرفيعة الحمراء) وأعجبته، وإذا قرأ (النهر الجاف)، و(أرجوحة الكلب الأبيض)، فأعتقد أنها ستعجبه. كتبت هذه الأعمال أثناء دراستي في الأكاديمية الثقافية لجيش التحرير الشعبي عامي 1985 و1986، وكانت هذه الأعمال ذورة أعمالي الإبداعية في ذلك الوقت. والآن أعود إلى الوراء، وأندهش من نفسي، ومن مدى الإلهام الذي ساعدني على كتابة أعمال كهذه. ولكن هل دخلت هذه الأعمال في قائمة أفضل الأعمال الإبداعية العالمية أم لا، فهذا ليس مقياساً، يمكن أن يكون هذا رأيك، وأنا لا أستطيع أن أعارضك، وهناك آخرون قد يرون أن هذه الأعمال كومة من براز الكلاب، وأنا لا أستطيع أن أقول إنهم ليسوا على صواب.

شي يي لونغ:
كم عدد الأعمال التي تُرجمت إلى لغات أخرى، وكيف كان رد فعل القراء على هذه الأعمال؟
مويان:
تُرجمت رواية (الذرة الرفيعة الحمراء) وراية (أنشودة الثوم الفردوسي) إلى أكثر من عشر لغات أجنبية، من أهمها، الانجليزية، الفرنسية، الروسية، الألمانية، اليابانية، الإيطالية، والسويدية وغيرها. أما (مملكة الخمر) فقد تُرجمت إلى خمس أو ست لغات، وتُترجم الآن "عام 2007" إلى اللغة السويدية. أما رواية (ثلاث عشرة خطوة) فلها ترجمة فرنسية، ورواية (أثداء كبيرة وأوراق عريضة) لها ترجمة يابانية، وتُترجم الآن "عام 2007" إلى الإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية. وهناك بعض القصص القصيرة تمت ترجمتها أيضاً.
كان رد الفعل جيداً. إن الأدب الصيني بدأ تدريجياً في جذب أنظار الساحة الأدبية العالمية، وأشعر أنه سينال إعجاب واهتمام عدد كبير من القراء في الغرب، وقد تحرر الأدب الصيني من اقتصاره على فئة الباحثين فقط، ليشمل القراء أيضاً. وبدأت بعض دور النشر التجارية بإصدار قصص وروايات لأدباء وكتاب صينيين، وكانت هذه الأعمال تذهب من قبل إلى مراكز الأبحاث ودور النشر الخاصة بالجامعات، كمادة للقيام بالأبحاث، لكن الأوضاع تغيرت الآن.

شي يي لونغ:
لقد زرتَ العديد من البلدان، مَنْ هم الكُتَّاب الصينيون الذي يعرفهم الناس؟
مويان:
مازال (لوشون) و(شن سونغ ون)، و(تشانغ آي لينغ)، من أكثر الكُتَّاب الصينيين المعروفين، يأتي بعدهم (وانغ مينغ)، و(تشانغ شيان ليانغ)، و(لو ون فو)، بعدهم يأتي الأصغر قليلاً في السن ومنهم أنا و(تسان شوي)، و(سوتونغ)، و(هان شاو غونغ)، و(تشانغ وي)، و(وانغ آن يي)، و(يوي هوا) وغيرهم، ثم يأتي الأكثر شباباً ومنهم (وي هوي)، و(ميان ميان) وغيرهم.

شي يي لونغ:
في ضوء الكثير من المقالات النقدية التي كُتِبَت حول أعمالك، من برأيك من النقاد له نظرة ثاقبة، ومن كانت نظرته بعيدةً بعض الشيء، وكيف ترى تقييم الكُتَّاب لأعمالك؟
مويان:
إن تقييم النقاد لأعمالك، ما هو إلا مدح لك، وأنهم يقدرونك، ويجب أن تشعر بالفخر لأن أعمالك أثرت فيهم. ويجب أن تشكر هؤلاء النقاد الذين بذلوا جهداً من أجلك. أما فيما يتعلق بأكثر المقالات التي أقنعتني، فأعتقد أن سلسلة المقالات التي كتبها (جي هونغ شين) في السابق كانت جيدة جداً، وقد بذل فيها جهداً كبيراً، وفي الحقيقة أنه شكَّل نظاماً جمع فيه كل الصفات التي تميز أعمالي. وهناك أيضا السيد (تشو شيانغ تشان) في الكلية الذي كان يتابع خطواتي في الكتابة الإبداعية عن كثب، وقد لمس في كتاباتي شيئاً مختلفاً غير معظم الكُتَّاب، كما أنه كتب مقالاً نقدياً في السابق حول روايتي (أرجوحة الكلب الأبيض). وكتب (تشانغ شي تشونغ) في الثمانينيات (بحث حول مويان)، وكان يمكن لهذا البحث أن يشكل كتاباً نقدياً، ولا أعتقد أنه كان سهلاً عليه، فقد قام بقراءة كل أعمالي.

شي يي لونغ:
أريد أن أسأل، هل مفهوم الأدب العسكري مازال موجوداً في ضوء تطور الأدبي الصيني المعاصر؟، وهل استطاع الانسجام مع الأسلوب الأدبي، أم انسحب بهدوء وفقد اتجاهه في السنوات القليلة الماضية؟
مويان:
إن مفهوم الأدب العسكري ظهر بسبب وجود كُتَّاب في الجيش. ومتى لا يكون هناك مبدع أو كاتب، يكون هذا المفهوم ضبابياً، مبهماً بعض الشيء. ويوجد الآن هذا النوع من الأدب، فقط إذا كان كاتباً موجوداً في الجيش، فسيندرج أدبه ضمن الأدب العسكري، أو يمكن القول بطريقة أخرى، إذا وِجِدَ كُتَّابٌ في الجيش، فسيوجد أدب عسكري.

شي يي لونغ:
أين يقع الأدب العسكري في القرن العشرين بالنسبة للأدب الصيني؟
مويان:
إن الأدب العسكري في القرن العشرين يحتل مكانة بارزة للغاية. إن سبعين أو ثمانين بالمائة من الأعمال الأدبية التي ظهرت قبل سبعة عشر عاماً من الثورة الثقافية كانت كلها تدور حول الشئون العسكرية، أما الأعمال التي تتحدث عن البيئة الريفية فلم تكن كثيرة، حتى رواية (عاصفة هوجاء) لـ (تشو لي بو)، كان تمتلئ بالكثير من التفاصيل العسكرية. في ذاك الوقت، كان الشكل الذي يستخدمه الكاتب يحدد ملامح العمل الإبداعي كلياً، كما أن كثيراً من الكُتَّاب كانوا من عائلات عسكرية. بعد الثمانينات، تغير الوضع تماماً، وقلَّت أعمال الأدب العسكري.

شي يي لونغ:
ما هي وجهة نظرك في النثر الفني؟
مويان:
النثر الفني سهل، ويستطيع الكاتب أن يكتب على هواه، وإذا أحسن التعبير عن مشاعر الفرح والغضب واللهو والسخط ونسقها بشكل جيد في مقال، فسيكون نثراً جيداً. أما بالنسبة لموضوع الصدق والأمانة في النثر الفني، فأنا أعتقد أنه بالفعل يوجد الكثير من القصص والروايات المكتوبة بأسلوب النثر الفني، والعكس، أي يوجد نثرٌ قصصي.

شي يي لونغ:
برأيك ما هي المكانة التي يحتلها الأدب الصيني تقريباً في العالم؟
مويان:
لقد أدركت أن مكانة الأدب والكُتَّاب لأي بلد، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقوة الاقتصادية والقوة العسكرية لهذا البلد. فعلى سبيل المثال، لو كان بلدك دولة ضعيفة، فلن يجذب إبداعك الآخرين، والعكس صحيح، فإذا كان بلدك دولة قوية، فالأدب والكُتَّاب والأدباء سوف يجذبون اهتمام الكثيرين. ومع الدور المهم الذي تلعبه الصين في الشئون الدولية يوماً بعد يوم، وارتفاع القوة الاقتصادية لها، وأضف إلى ذلك بالطبع الجهد المبذول من قبل الكُتَّاب والأدباء الصينيين خلال فترة طويلة، أعتقد أن الصين تخطو الآن خطواتها وتدخل في دائرة الأدب العالمي.  ومن ناحية أخرى، فعلى الرغم من الثورة الثقافية وما عاناه الكُتَّاب الصينيون من صعوبات في الكتابة والإبداع، فإن أدبنا الصيني هو جزءٌ من مكونات الأدب العالمي، وما يُسمَّى "بالأدب العالمى" له أيضاً معانٍ محددة.

شي يي لونغ:
يقول (Thomas Ing) ـ8 في مقاله (Epic Novel: First Class Chinese Authors): إن مويان كاتب عالمي، ولعلَّه أكثر كاتب له مستقبل واعد بعد لوشون ولاوشه، لكن مويان أفضل من هذين الكاتبين، وبعد إصدار الترجمة الإنجليزية لرواية (الذرة الرفيعة الحمراء) التي كانت حدثاً عظيماً للأدب الإنجليزي، يمكننا التنبؤ بالأثر الذي ستحدثه الرواية الصينية في القرن  الحادي والعشرين. كيف ترى وجهة النظر هذه؟
مويان:
عندما يقتبس الكثير من أصحاب دور النشر هذه العبارة، فإنني أعارض بشدة. يمكن لهذه العبارة أن تُحدث أثراً سلبياً، وأن تجعل القراء يأخذون فكرة معينة عن مويان، وقد يعتقدون أنني مغرور، وسيقولون إنني لن أخرق الأرض ولن ألمس السماء (9)، وعلى الرغم من أن توماس إنج هو من قال هذا الكلام، لكنني لم أقله بنفسي. أعتقد أن هذا مديح مبالغ فيه، أولاً: على الرغم من الآراء الكثيرة التي قيلت حول لوشون ولاوشه، إلا أنهما سيظلان كقمم الجبال العالية التي لا يمكن لأحد أن يتجاوزها. وأعتقد أن المعيار الحقيقي لقياس مهارة أي كاتب، هو أن ترى عملاً ذا أسلوب استثائي له، ولوشون ولاوشه أبدعا أساليبَ مختلفة واستثنائية في الشكل الأدبي. إن الشكل الأدبي لأعمال لوشون، سيظل حتى لو مرت خمسون عاماً، أما أسلوب لاوشه في استخدام اللغة العامية لأهل بكين وتوظيفها بمهارة، فمازال رائعاً حتى الآن، وهذا دليل على أن مهارتهما لا يمكن تجاوزها، وأنا بالتأكيد لست مثلهما، حتى ولو حاولت جاهداً لمدة خمسين عاماً، فلن أستطيع أن أصل إلى مستوى أعمال لوشون، أما لاوشه، فيمكن بعد عشرين عاماً من الجهد أن أصل إلى مستوى جيد لأعماله. إن حركة الرابع من مايو (10)، عملت على تحويل الكتابة من الأسلوب الكلاسيكي إلى الكتابة باللغة الصينية الحديثة، فأي شيء يمكن تحويله إلى إبداع جديد. وتبعاً لتطور المجتمع إلى هذه المرحلة الذي عليها الآن، سترى في كل مجال تقريباً، دارساً أو باحثاً، بما في ذلك اللغة، فزمن تطور اللغة الصينية الحديثة يقارب المائة عام، قام خلالها العديد من الكُتَّاب بالكثير من التجارب، وجربوا كل أشكال اللغة والأساليب، لكن إذا أراد أحد أن يكون شخصاً بارزاً ويخلق لغة استثنائية، واضحة، جديدة، فسيكون صعبٌ جداً، وما أقصده هنا، هو أنه من الصعب إيجاد مُعلِّم ماهر. إذا كان عمري الآن مائة عام، فيمكن أن تطلقوا عليَّ لقب مُعلِّم، من حيث السن فقط يمكنكم أن تطلقوا عليَّ ذلك.

شي يي لونغ:
في السنوات الآخيرة زرت الكثير من البلدان، هل يمكن أن تخبرنا كيف يرى الكُتَّاب الغربيون الأدب الصيني؟ وهل ساهمت التبادلات الثقافية التي شاركت فيها في أعمالك؟
مويان:
إن معرفة الكُتَّاب الغربيين بالأدب الصيني ضئيلة للغاية، يجب علينا أن نُقيِّم بواقعية تأثيرَ أدبنا في العالم الغربي. في بعض الأحيان، أجد بعض الكُتَّاب عندما يُعرِّفون بأنفسهم يقولون إنهم قد ألقوا محاضرات من قبل في جامعة كذا في أحد البلدان الأجنبية، وأنا أجد هذا مضحكاً جداً. لقد ذهبت إلى بعض جامعات الولايات المتحدة لإلقاء بعض المحاضرات، وكان عدد المستمعين المهتمين لا يتعدى مُسْتَمِعَين أو ثلاثة، هذا ما يُطلق عليه إلقاء محاضرة، أما الباقي فيكونون في الغالب أصدقاءهم. وحينما تفتح الكتاب لتبدأ في إلقاء المحاضرة تشعر بالخجل على الفور، فلا يوجد شيء يُشرح بشكلٍ جدي، لأنهم يمضون الوقت في الدردشة والحديث، ثم يخرجون لتناول بعض الطعام. في البداية ظننت أنني لا أملك تأثيراً كافياً، لكنهم قالوا لي إن هذا شيئاً جيداً، وإنني محظوظ بوجود هذا العدد. وأعتقد أن تأثير الأدب الصيني في الغرب ضعيفٌ للغاية في الحقيقة، وخاصةً أن جزءاً كبيراً من الكُتَّاب الغربيين ليسوا على دراية بالأدب الصيني بشكل واسع، ولا يعرفون الأعمال الإبداعية الصينية، على عكسنا نحن نقرأ ونعرف معظم الأعمال الغربية.
أما ما شاركت فيه من التبادلات الثقافية العالمية، وعلى الرغم من أنني كنت أشعر بالإحراج في معظم الأحيان، إلا أنها ساهمت بشكل إيجابي في عملي ككاتب، حتى أنني قابلت بعض الكُتَّاب والنقاد الغربيين، وبالطبع قابلت العديد من الناشرين، وبعض القراء الأساسيين في الغرب، كما أنني عرفت ما هو شكل الأعمال السائدة في الغرب، وما يحبه القارئ الغربي، وبالطبع فهمت بشكل أوضح ما هو الاختلاف بيننا نحن الكُتَّاب الصينيين عن كُتَّاب الغرب. أنت تستطيع الآن أن تكتب أعمالك بحرية وارتياح، وليس كالسابق، حين كان يجب أن تقلد الناس بشكل أعمى أو يُفرض نمط معين من الكتابة. وهناك بلا شك العديد من الكُتَّاب الذين لم يغادروا بلدهم، لكن ذلك لم يعرقل مسيرتهم الإبداعية، وهناك أيضاً من الكُتَّاب مَنْ يسافرون كثيراً، إلا أن أعمالهم تكون دون المستوى.

شي يي لونغ:
يمكن للأدب بصفته الأبدية أن يتخطى واقعنا، في رأيك ما مصدر هذا النوع من تخطي الواقع؟
مويان:
في رواية (الفجل الشفاف) يوجد صبي أسمر ليس له اسم. هذا الصبي الأسمر يستطيع الحديث، ولكنه يتحدث قليلاً، وبالنسبة له الحديث عبءٌ ثقيل. يستطيع الصبي أن يتحمل من الشقاء ما لا يستطيع تحمله الآخرون، يمكنه ارتداء بنطال قصير في الشتاء، وأن يُبقى قدميه مكشوفتين، يمكنه أن يمسك الحديد الساخن، ويتجاهل الجروح على جسده. هذا الصبي لديه مُخيِّلة قوية، يستطيع أن يرى ما لا يراه الآخرون من أشياء رائعة وجميلة، يستطيع أن يسمع ما لا يستطيع الآخرون سماعه، كسماعه صوت خصلة الشعر التي وقعت على الأرض، يمكن أن يشم روائح لا يستطيع الآخرون شمها. بالطبع في رواية (أثداء كبيرة وأوراق عريضة)، يوجد هذا النوع من السمات والقوة الخارقة. إن الأدب موجود لهذه الشخصيات التي تحتوي على سمات غير عادية، ولهذا فالعالم الذي يبدو للناس عالماً عادياً، تراه هي عالماً غريباً فريداً من نوعه. ولهذا فإنه يستخدم عينيه لتوسيع رؤى البشرية، يستخدم تجاربه لإغناء تجارب البشرية، (هذا الصبي) هو أنا، لكنه خارق، هو شخص، ولكنه يتعدى ذلك. وفي ضوء تطور العلوم والتكنولوجيا، والروتين الذي يتكرر يومياً، فإن هذا النوع من التجاوز الظاهري، هو السبب الذي يجعل الأدب مستمراً وسيظل مستمراً.

ـ في العدد المقبل، المقابلة الثانية مع مويان بعد فوزه مباشرة بجائزة نوبل للآداب 2012.

 هوامش:
1ـ المُصفقات (قطع صغيرة من البامبو) مربوطة في خيوط يعلقها الراوي الشعبي في أصابعه، ويحركها فتصدر القطع ضربات إيقاعية سريعة تصاحب حكاية مُغنَّاة وتشكل معها (أوبرا صينية تقليدية)، وتشبه المُصفقات (الصاجات الصغيرة) في يد الراقصة الشرقية مع الاختلاف بالطبع بين الأداتين.
2ـ يقصد أن والده تلقى تعليماً بسيطاً في مدارس صينية تقليدية قديمة تشبه الكُتَّاب قديماً في العالم العربي.
3ـ (تيار الشباب المتعلم) حركة أدبية ظهرت عام 1983 من كُتِّاب كتبوا أعمالاً إبداعية عن حياة ومعيشة الشباب الذين كانوا يتلقون العلم في المدن، وتم إجبارهم على الذهاب إلى القرى والعمل فيها خلال الثورة الثقافية في الستينات من القرن العشرين الماضي، وبعد ذلك وسَّع الباحثون الصينيون مفهوم (تيار الشباب المتعلم) ليشمل جميع الأعمال الإبداعية التي كُتبت قبل الثورة الثقافية وخلالها أيضاً.
4ـ يقصد بتعبير (آكلو الحبوب التجارية) أن أهل المدن يشترون الحبوب التي يأكلونها ولا يزرعون تلك الحبوب مثل أهل القرية.
5ـ (دي تان) حديقة كبيرة في بكين، يُطلق عليها الصينيون اسم (معبد الأرض) وقد بُنيت عام 1530 في عهد أسرة مينغ، وكان أباطرة مينغ شينغ يقدمون فيها القرابين في مراسم الانقلاب الصيفي.
6ـ نوع من الأوبرا الصينية القديمة.
7ـ لفائف من القطن تُربط على قدمي الفتاة للإبقاء عليهما صغيرتين "الحذاء الصيني"
8ـ توماس إنغ، كاتب أمريكي والمقال المُشار إليه نشره الكاتب في: New York Times Book Review
9ـ تعني العبارة في اللغة الصينية ما تعنيه الآية القرآنية الكريمة (إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبالَ طولا) في وصف المغرور.
10ـ "حركة الرابع من مايو" حركة شبابية جماعية في الصين بدأت في 4 مايو 1919، وقادت حملة وطنية لاسقاط المجتمع الاقطاعي وتعزيز الأفكار العلمية والديمقراطية.

نشرت المقابلة في مجلة الإعلام والعصر - عدد إبريل 2013

معارك لويس عوض

ديسمبر 29, 2014 اضف تعليق
جرجس شكري
كلما قرأت لويس عوض أسأل نفسي من هو؟ سؤال يطرحه كل كتاب وضعه  سواء في الفكر أو النقد أو الشعر أو الرواية أو التاريخ وحتي الترجمة، فلويس عوض ليس فقط المبدع الناقد الأديب، بل ظني أنه صاحب رسالة وهو يعي هذا منذ أن بدأ حرفة الكتابة، وفي سبيل هذه الرسالة خاض المعركة تلو المعركة، وما أن يفرغ من واحدة حتى يبدأ في الأخرى بحماس لا يفتر وعزيمة لا تلين.

مازلت مندهشاً من شجاعته النادرة  وقدرته علي الاستمرار،حيث كان يضع نفسه في حقول الألغام غير عابيء بالنتائج أو قل الخسائر  التي تلحق به، فكان المفكر الثائر دائماً، فلو تأملنا بعض القضايا التي تبناها سنعرف أنه لم يكن فقط ثائراً بل كان فدائياً، ففي حياة كل كاتب أو مثقف معركة كبري شهيرة، وحياة لويس عوض  محض مجموعة من المعارك الكبرى
بدأت بديوان بلوتولاند ومقدمته الشهيرة تحت عنوان حطموا عمود الشعر، هذه الفكرة الرائدة التي أثارت جدلاً كبيراً لسنوات طويلة، وقضية ازدواج اللغة العامية والفصحي والتي أثارها من خلال "مذكرات طالب بعثة " ونال من أجلها اتهامات بالجملة، بالإضافة إلى بحثه الهام في التاريخ المصري قديمه وحديثه من خلال كتاب "تاريخ الفكر المصري الحديث" حين تناول التاريخ القومي والروحي إبان ثورات المصريين في وجه روما وبيزنطة، والتاريخ الثقافي والفكري أثناء الحملة الفرنسية ،ثم تناوله الجرئ والرائد لشخصيات شائكة في التاريخ المصري مثل يعقوب صنوع، الجنرال يعقوب، عبدالله النديم، جمال الدين الأفغاني، وبعض هذه الشخصيات مازال يثير الجدل حتى الآن، وبالطبع لا ننسي "على هامش الغفران" أو كما يحلو لي أن اسميها "حادثة الغفران" حين رجح لويس عوض أن أبي العلاء  كان مطلعاً على تراث اليونان قبل أن يكتب رسالة الغفران، فكانت الخطيئة الكبرى وكبيرة الكبائر، ومعركته الأخيرة حول كتابه "مقدمة في فقه اللغة".
كان لويس عوض يدرك - أنه في كل قضية من الأمثلة التي ذكرتها -  يخوض حرباً شرسة، إلا أنه كان مصمماً على المضي قدماً في طريقه فهو المعلم كما كان يقول عن نفسه " كل من عاصرني في تلك الفترة البعيدة من حياتي بين 1940 عام عودتي من كامبردج و1947 عام صدور ديواني "بلوتولاند" وكتابة رواية "العنقاء" كان يعرف أني لم أكن مجرد "مدرس" جامعي بالمعني المألوف، وإنما "معلم" من ذلك الطراز الذي لا يوجد عادة إلا في عصور الإنتقال حيث تسقط الحواجز بين المعرفة والحياة، وكانت تلهمني "شهوة لإصلاح العالم" وكنت دائم التفكير في عوامل التآكل التي استشرت في المجتمع المصري، ولا أقصد التآكل الخلقي، وإنما أقصد التآكل الإجتماعي الذي تجلي في تصدع الفلسفة الديمقراطية الليبرالية التي تبلورت في دستور 1923 " وهذه الشهوة في إصلاح العالم التي أدركته منذ الصبا ظلت تلازمه حتي الرمق الأخير، حيث بذل حياته في سبيل أن تسقط الحواجز بين المعرفة والحياة في كل أعماله، فكل أديب خاض معركة شهيرة في حياته، أما لويس عوض فحياته معركة كبرى من عدة جولات، ولهذا نال مجموعة من الألقاب والصفات من المستحيل أن تجتمع في إنسان أو كاتب.

فلنتأمل على سبيل المثال الصفات الي حازها لويس عوض، الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي والمفكر اللبناني حسين مروة أطلقا عليه لقب قائد الفكر اليميني، ونقاد مجلتي "الرسالة" و"الثقافة" منحوه لقب قائد الفكر اليساري الملحد في معركة الغفران وأضاف إليهم الشيخ محمود شاكر في نفس السياق أن لويس عوض آخر قنصل للعالم المسيحي في مصر منذ الحروب الصليبية، أما ميشيل عفلق الأب الروحي للبعثيين ومؤسس حزب البعث فرأى أن لويس عوض داعية فكري للفكر القومي المصري، وبالطبع عدو فكري للقومية العربية، وحتى الكاتب سعد الدين وهبة منحه لقب سفير أثينا وأسبرطة في مصر وحتى ولو كانت على سبيل الدعابة فهي لا تخلو من دلالة. فهل كان لويس عوض خطراً على الثقافة العربية إلي هذا الحد، وهل كان كل هؤلاء في شخصية واحدة، وهل كان يتميز بكل هذه الصفات التي أطلقها عليه كبار الكتاب، وكيف له أن يجمع بينها؟
فقائد الفكر اليميني اعتقل ستة عشر شهرا من مارس 1959 الى يوليو 1960 بتهمة الشيوعية، وآخر قنصل للعالم المسيحي كتب مادحاً تاريخ الأزهر في مصر ودور علمائه العظيم في مقاومة الحملة الفرنسية، ومساهمته الكبرى في إنشاء الدولة المدنية  في عصر محمد علي على الأسس الأوروبية الحديثة، ثم دوره الهام في إقامة الدولة القومية وتوحيد الأمة بعد ثورة عرابي! أليس هذا من المضحكات المبكيات!
  فقد صدرت ضده أربعة "كتب هي الغزو الفكري" لجلال كشك، "أباطيل وأسمار" للشيخ محمود شاكر، و"دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي" لحسين مروة ، و"دحض مفتريات ضد إعجاز القرآن وأباطيل أخرى"  اختلقها الصليبي المستغرب لويس عوض " للدكتور البدراوي زهران ردا على مقدمة في فقه اللغة، وبالطبع صادر الأزهرالكتاب فقه اللغة، بالإضافة إلي مئات المقالات، وأيضاً فصله من الجامعة عام 1954، ومنعه من الحديث في الإذاعة والتليفزيون، وفي أخريات أيامه قام أحدهم برفع دعوى في مجلس الدولة لسحب الجائزة التقديرية منه فماذا فعل لويس عوض حتى يسهر الخلق ويختصموا جراء كل ما كتب تقريباً؟ ولماذا كل هذا الهجوم الضاري عليه؟
ظني أن الخطيئة التي ارتكبها أنه حمل على عاتقه  تجديد تراث الآباء والأجداد بإعادة فتح باب الإجتهاد فيه علي ضوء المنهج العقلي والعلمي، ولم يكن أول من ارتكب هذه الخطيئة فقد سبقه إليها عميد الأدب العربي ورائد التفكير العقلي والعلمي في القرن العشرين دكتور طه حسين، والذي لولاه ماكان لويس عوض أو غيره فكر هكذا.
 كان لويس عوض يرى أن لا سبيل إلي بعث تراثنا وتجديده إلا بإعادة دراسته علي ضوء العلم والعقل لنغربله ونفصل هشيمه عن بذوره"، وتلك كانت مهمة لويس عوض وخاصة في التراث المصري فقد خصص الجزء الأكبر من حياته لدراسة تاريخ الفكر المصري الحديث، لقد رفض أن يستسلم للموروث الثقافي، أو عبادة الأصنام الفكرية كما فعل غيره، وكانت رسالته واضحة، وهي إعمال العقل،والدفع بروح العصر لمناقشة تاريخنا القومي. فهل هذه جريمة؟
وهل كان يستحق من أجلها كل هذه النعوت المتناقضة؟  فقط كان الرجل يخاف على التراث ويثق فيه أكثر من هؤلاء، ووفقاً لتعبيره هو  إن لم نناقش التراث كأننا نحنطه ونضعه في تابوت ونتلو عليه صلوات الكهان، أو نضعه كالعليل في محجر صحي، وإن حدث لن نصيب منه إلا الإقليمية والمحلية"، فهل هذا ما كان يرغبه أعداء لويس عوض، ومن هنا عدو التراث العربي لويس عوض أم من يرغبون في تحنيطه ودفنه؟
 لجأ إلى أدوات نقدية عديدة في بحثه الدائم  كما يحدد هو هذه الأدوات في تقديمه لكتاب "على هامش الغفران" مثل فقه اللغة المقارن، الأساطير المقارنة، الفلسفة المقارنة والأديان المقارنة، والقانون المقارن في محاولة لغربلة التراث ومعرفة وشائجه مع ماجاوره وما سبقه، حتي نضع أدبنا وفكرنا في سياق الأدب الإنساني والفكري العظيم.
 لقد  حمل لواء الفكر وراية العقل ليفتش عن المحتوى الفكري في كل المذاهب، حيث  يفسر لويس عوض الأدب من خلال تفسير الواقع الذي كان مصدراً لهذا الأدب، ويصل بين هذا وذاك علي نحو دقيق وغايته القصوي أن يزداد الإنسان تبصراً وتفهماً لنفسه حيث يبدأ دراسته المهمة عن الشاعر شيللي مؤكداً على أنه "لا سبيل إلى فهم المدارس المختلفة في الفكر والفن إلا إذا درسنا الحالة الاقتصادية في المجتمع الذي أنجب هذه المدارس، ولا سبيل إلى فهم المدرسة الرومانسية التي ينتمي إليها شيللي على وجه التخصيص، إلا إذا درسنا حالة انكلترا في عصر الانقلاب الصناعي" وهذا المنهج اتبعه في كل أعماله، وهو ليس بالأمر الهين ولا يتسني إلا لمثقف موسوعي مثل لويس عوض غزير الثقافة يستقيها من منابع شتي ويحسن تمثلها والإفادة منها  في النقد الأدبي ودراسة التاريخ، فهو يفسر الأدب ويفسر الواقع الذي كان مصدراً لهذا الأدب، وهدفه الأسمي أن يزداد الإنسان تبصراً وتفهماً لنفسه. فمقدمات لويس عوض في شتي أعماله  "برومثيوس طليقاً، فن الشعر لهوراس، بلوتولاند، ثلاثية أوريست، دراسات في الأدب الإنكليزي الحديث، وراوية العنقاء" على سبيل المثال وهنا أتحدث عن الأعمال الأولى، فهي مقدمات تحدد ملامح رؤية نقدية واضحة فتحت المجال أمام المنهج الإجتماعي لفهم الظاهرة الأدبية وربطها بالواقع الذي صدرت عنه سواء أكان هذا الواقع اقتصادياً أم اجتماعياً أم حضارياً، فكان يتناول العصر الذي تناوله الشعراء قبل الحديث عن الشعراء، فهو يشعر أنه صاحب رسالة. كان يؤمن  أن الآداب والفنون والفكر تتأثر كلها بالأوضاع الإقتصادية والمادية، بالتطور الاقتصادي والمادي  للمجتمع، عاش من أجل رسالته ولهذا لم يرض اليسار أو اليمين عنه، واختلف معه المحافظون والمحدثون أيضاً. عاش ضارباً عرض الحائط بالنظريات والمناهج التي لايستفيد منها الإنسان والتي تقف حائلاً بين المعرفة والحياة.

بلوتولاند
سوف أتحدث عن ديوان بلوتولاند كنموذج لرسالة لويس عوض الفكرية ورغبته الغريزية في التجديد والتجريب، وأنه كان يشعر في قرارة نفسه أنه برومثيوس سارق النار للبشر، ليس فقط من كبير الآلهة جوبيتر أو زيوس ولكن من كل من حجب المعرفة والتفكير عن البشر لذلك عوقب ليس فقط من كبير الآلهة ولكن من عدد لا يحصى من  الآلهة الصغيرة ولم ينل عقابا واحدا ولكن جملة من العقوبات.
كتب لويس عوض بلوتولاند ما بين أعوام 1938 ، 1940  ونشر الكتاب 1947، وكتب المقدمة الشهيرة قبل النشر عام  1947، وحتى نقرأ هذا الديوان والمقدمة الرائدة الحماسية لابد أن نعرف أعمال الدكتور لويس عوض في تلك الفترة من 1938 وحتى 1947، والتي استمد منها هذه الحماسة وهذا التمرد المبكر، ففي تلك الفترة اهتم لويس عوض بترجمة كتابين كان لهما تأثير كبير في رؤيته للشعر وهما  "فن الشعر لهوراس" وكان قد أنجزه عام 1938 في كامبدرج ونشره 1945 في دار النهضة بعد عودته مع المقدمة المهمة وهي دراسة مطولة عن الشعر، والكتاب الثاني "برموثيوس طليقاً" للشاعر شيللي ونشر عام 1946 مع دراسة استفاض من خلالها لويس عوض في  شرح حياة شيللي والمدرسة الرومانسية، وأصدر في نفس التوقيت عام 1946 ترجمة  لروايتين لأوسكار وايلد ، "صورة دوريان جراي، وشبح كانترفيل"  ثم صدر بلوتولاند عام 1947، ولا ننسي أنه في تلك الأعوام كتب لويس عوض "مذكرات طالب بعثة" وهي تجربة في اللغة قبل أن تكون جزءا من سيرة ذاتية أو أدب رحلات حيث يصفها قائلاً  فكرت أن أجرب النثر العامي في لغة السرد والوصف، والتحليل ولكن في حدود الفكر الجاد والعواطف السامية بل والقصد التراجيدي، وبهذا اكتشف امكانيات اللغة العامية عملياً لا نظرياً" .
وإذا القينا نظرة سريعة علي هذه الأعمال وأولها فن الشعر لهوراس، وفيه يبرز بقوة المنهج التاريخي للنقد وفيه يفسر كما ذكرنا سلفا الواقع الذي كان مصدراً لهذا النص، فالأدب والفكر والفن تمثل روح العصر وتجسده ، لأن جذورها ضاربة في البيئة التي أنتجتها ، فبعدأن يلقي نظرة علي سيرة  هوراس ويؤكد أن قصيدة  فن الشعر رسالة قبل أن تكون مقالا نقديا،ويعقد مقارنة بين الإغريق والرومان في فن الشعر،  يذكر هوراس أن الرومان كرهوا فن الشعر لأنهم قوم عمليون، ثم تهالكوا عليه لأنهم ظنوه فناً سهلاً لا يحتاج إلى دراسة" ثم يبدأ الجزء الأهم من الدراسة بتفنيد آراء أفلاطون في الشعر، ويشرح أسباب الحملة التي شنها على الشعراء ويرد عليه في كلمات تجسد الصراع بين القديم والجديد من وجهة نظر لويس عوض ينحاز فيها لأرسطو ضد أفلاطون، ويخبره بأن مقام الشعر حتى عهد أرستوفانيس وفقا لما جاء في كوميديا الضفادع كان مقام المعلم، وفضل الشاعر يقاس بمقدار ما  يهذب الناس في المدن، ويرقي بهم "فإذا كان أفلاطون يعيب علي الشعر أنه لحلاوته وطراوته مبني وموضوعاً يملأ الفتيان خنوثة وميوعة وفسوقاً... إلخ  ويرد لويس عوض بأن هذا الرأي خواطر ساذجة  ورغم هذا  أن بعض هذه التأملات على ما فيها من التواء على أساليب التفكير الحديثة تمثل اجتهاد عقل وافر الذكاء مستقيم المنطق خصب الخيال لتعليل طبائع الأشياء لهاوي الفلسفة أن أحب أن ينطح رأسه في الصرح الشاهق الذي شيده أفلاطون من لبنات القياس والاستنتاج والحوار النزيه والرغبة الخالصة في مطاردة الحقيقة والفضيلة والعدالة وما إليها جميعا من المجردات، أما نحن - يقصد الشعراء -  فنكتفي بجذب الدعامة من أسفل البناء لينهار الصراع على رأس بانيه، شاكرين له عنايته وعدوانه علي السواء. لكن أفلاطون جدير بشكر آخر وأبقى على هرائه الذي كان الحافز الأول لأرسطو إلى وضع فن الشعر" وهذا ما فعله لويس عوض في بلوتولاند، الرغبة القوية في سحب الدعامة من أسفل عمود الشعر، وإن كان لا ينكر دور هذا الشكل الشعري بلغته وبلاغته وأسلوبه في زمنه، فهذا التحول بدأ في الأندلس، وفي التراث الشعبي في مصر التي لم ينهض فيها الشعر العربي إلا على يد البارودي وشوقي وغاب عنها قروناً طويلة!
 ثم يختتم لويس عوض محاورته مع أفلاطون وأرسطو  قائلاً:  قابل أفلاطون أرسطو في الميدان الذي عينه الأخير، إذا كان الأستاذ قد تجاهل الوظائف الاجتماعية والروحية للشعر، وآثر أن يؤثر عليه التاريخ بإعتباره وثيقة للواقع  والفلسفة بإعتبارها وسيلة للحق، فإن التلميذ أي أرسطو أقام الدليل علي أن الشعر أدنى إلى روح الواقع من التاريخ، وأدني إلى روح الحق من الفلسفة.
وظني أن هذه الكلمات هي المادة الأولي لمقدمة بلوتولاند والتي كان محورها الصراع بين القديم والحديث ومدي قدرة الشعر علي التعبير عن الحياة  فهو  لم يقصد  بنشر هذا الديوان أن يفتح فتحاً بل أن يخلق دوامة صغيرة من دوامات الفكر وسط هذا الجمود الذي عاشه في اربعينات القرن الماضي من تراجع الشعر بعد موت أحمد شوقي وهو يعلم "أنه نهب الشعراء علي نطاق لم يسبق له مثيل، ونهب الألوان في محطات السكة الحديد وفي الطبيعة، وعذره أنه يرد مانهب إلى أصحابه في الحواشي، وعذره في النهب أنه لم ينهب لنفسه بل للشباب الحياري، الذين يعشقون الكاتبات على التايبرايتر، ويشمون رائحة الغابات في السينما ويأكلون الفول في إيزافتش... إلى آخره ولا يملكون إلا أحلاما يعلمون أنها أحلام، فإذا قرأوا شعرا فلم يجدوا إلا لخولة أطلال ببرقة ثهمد"، من أجل هولاء كتب لويس عوض هذا الشعر الذي يعرف جيداً أنه ليس عظيماً، ولكن يدرك أنه يلقي بحجر في المياه الراكدة فهذه رسالته.      
ثم يعد بأنه  لن يكرر هذا الخطأ مرة أخرى ولو نفي في بلاد الخيال، ولو أراد أن يقرض الشعر الآن لن يستطيع، فقد أجهز عليه كارل ماركس" فمن رأي السلاسل تمزق أجساد العبيد لم يفكر إلا في الحرية الحمراء!
وبعد خمسين عاماً من كتابة بلوتولاند عام 1988 يرى 11 "أن أزمة الشعر العربي التقليدي لم تبدأ لمجرد موت شوقي وحافظ ولكن بدأت لعجز المدرسة الرومانسية، عن التعبير عن أي مضمون إجتماعي أو إنساني بالمعني العام في زمن يقظة الجماهير وازدياد اندفاعها للمشاركة في تقرير مصيرها الإجتماعي والاقتصادي والثقافي والحضاري، التهاب الوجدان العام بقضايا الحرب والسلام والتقدم والحرية والمساواة والاخاء".
  ولم يختلف الأمر  حين قدم شيللي للقاريء العربي فراح يدرس انكلترا في عهد الإنقلاب الصناعي ليدرس شيللي والرومانسية ويخبرنا  أن" شيللي يري أن أي نوع من أنواع التفكير المجرد لا يخرج عن كونه تفكيراً اجتماعياً، لا يبحث عن الحقيقة اخلاصاً للحقيقة ذاتها ولكنها خدمة للجنس البشري، وعنده أن الإنتاج بجميع أنواعه إجتماعي في غايته، فإذا كان ميسوراً أن نتحسس هذه الغاية الاجتماعية في الانتاج المادي كزراعة الأرض وصناعة الأحذية أو التدريس في المدارس، فإن النظرة الشاملة إلي تاريخ الفكر والمفكرين  سواء أكانوا فلاسفة أو فنانين أو علماء أو ساسة للشعوب تهدينا إلي أن الانتاج العقلي كانت غايته دائماً خدمة المجتمع مهما غمضت تلك الغاية في نفوس أصحابها ، مهما استترت وراء الدوافع النفعية كطلب المجد أو المال.
لقد جاء ديوان بلوتولاند صرخة في وجه الجمود الشعري وانعزاله عن المجتمع، لذلك جاءت الجملة الأولى بعد العنوان حطموا عمود الشعر "لقد مات الشعر العربي بموت شوقي، لأنه كان يري أن جماعة أبولو والديوان وغيرها لا يناسب هذا الجيل" الجيل الذي عاش في الاربعينات من القرن الماضي "الذي عاش في الأرض الخراب التي انجلت عنها الحربان ورقص حول شجرة الصبار، فهو يقرأ بول فاليري وت.س. إليوت ولا يقرأ البحتري وأبا تمام، ورغم أن هذا الرأي مبالغ فيه يصدر عن حماسة أكثر منها رأياً موضوعياً،  لقد كتب لويس عوض المقدمة والديوان في لحظة فارقة ومؤلمة  عهد الأحكام العرفية واعتقالات وزارة عبد الرحمن صدقي للمثقفين والشيوعيين، ولذلك أطلق على الديوان "بلوتولاند" وهي كلمة يونانية تعني أرض الموتي نسبة إلي الإله بلوتو حارس هاديس أو الجحيم، ويفسر البعض بلوتولاند بأرض الذهب أو الثروة  وفقاً للفكر السائد  في التراث اليوناني أن كل ماهو ثمين في باطن الأرض، أي في نطاق بلوتو أيضاً، وفي خضم الحماسة الملتهبة والتشاؤم جاءت الصرخة المدوية في تسع تجارب أو تسع نقاط  تلخص أزمة الشعر في تلك المرحلة، سيطرة اللغة الفصحي  وحجب اللغة العامية المصرية وقدرتها علي التعبير عن الشعر، ثم الشعر القصصي، شعر البالاد أو القصة ذات المغزى، قالب السوناتا، وموسيقي الشعر ورفضه أن يختزل العرب ما في الوجود من موسيقي في ستة عشر بحراً ورأى أنها محنة الشعر العربي في هذا السجن الموسيقي، ثم تحدث عن البلاغة وضرورة كسر رقبتها وفقا لتعبير فرلين، وتنقية اللغة من المفردات القديمة غير المستعملة، ثم وحدة البيت التي تمنع تسلسل المعني ، وأخيراً الشعر المنثور أو كما نسميه نحن اليوم قصيدة النثر، وظني أن أهم ماجاء في هذه التجارب، تحطيم عمود الشعر، واللهجة العامية والشعر المنثور الذي ذكره سريعاً وطبقه في قصديتين "الحب في سان لازار وأموت شهيداً"، فالتحرر من عمود الشعر سوف يحرر البلاغة واللغة ويساهم في أشكال شعرية جديدة كما حدث فيما بعد، ولكن لويس عوض لم يفكر في هذا أو في الشعر الذي كتبه أو مدى جودته أو قل شعريته، كان يفكر فقط في إطلاق هذه الصرخة في مرحلة مبكرة، ولا أمل له كما قال إلا في أن يقرأ شاعر ناشئ مطبوع فيتأثر بما فيه من هذه التجارب ويجدد لنا ألوانه والوانها ويسلخ جلد الشيوخ .
فعلى الرغم من أن مقدمة بلوتلاند كتبت في درجة حرارة مرتفعة  سياسياً واجتماعياً فشابها مايشوب المحموم أحياناً من بعض الهذيان ورغم أن صاحبها لم يواصل كتابة الشعر إلا أن هذا لم يقلل من أهميتها ودورها في ريادة الشعر الحر، فعام صدور بلوتولاند 1947 هو عام التحول عربياً من الشعر العمودي إلى الشعر الحر، فقد لحقه في  عام 1948 الإعلان الرسمي لقصيدة الشعر الحر، وفي مقدمة الأعمال الكاملة للشاعر العراقي بدر شاكر السياب يعترف ناجي علوش الذي قدم لهذه الأعمال بريادة بلوتولاند ولكن صدورها سنة 47 جعلها ذات أثر محدود في تجربة الشعر الحديث لقد ضاعت في الموجة التي أخذت تتسارع في السنوات التالية غير ملتفته إلى شيء، (نازك الملائكة نشرت الكوليرا  27 / 10 1947، وبدر شاكر السياب نشر قصيدة "هل كان حباً" في ديوان أزهار ذابلة  في ديسمبر من نفس العام"...
وهنا نتحدث عن قصيدة واحدة لنازك الملائكة وأخرى لبدر شاكر السياب، في نهاية عام 47 ولكن لويس عوض نشر الديوان والمقدمة في نفس العام، وكانت هذه القصائد قد نشرت وكتبت منذ سنوات! واعترف الجميع أن محاولات الدكتور لويس عوض جادة وهامة لأنها تخطت مفاهيم الشعر العربي تخطيا نهائيا، حاول أن يبتكر أوزانا جديدة، وحاول أن يحرر الشعر من اللغة الجامدة، وتضم المجموعة قصائد فصحى وعامية، وقصائد عامية، بالإضافة إلى قصائد النثر.
وعلي الرغم أن ثمة اتفاقا من الناحية الزمنية علي أن محاولات الدكتور لويس عوض ومعه علي أحمد باكثير هي صاحبة الريادة في هذا المجال  12"فلم تذكر كثيراً إلا أن الرواد لم ينكروا هذه الريادة، فكان صلاح عبد الصبور دائما ما يذكر لويس عوض ودوره وربما هذا التجاهل لأن لويس عوض لم يكمل في هذا الإتجاه كما فعل الشعراء أصحاب هذه المدرسه"، وهو لم يكن يعنيه أن يكمل، وكان يعرف أن دوره في  كتابة المقدمة وهذه التجارب هي رسالته، وإن كان قد توقف عن كتابة الشعر إلا أنه تابع هذه الأعمال نقدياً ليكمل رسالته.


ابن سُكَّرة الهاشمي

ديسمبر 29, 2014 اضف تعليق

(ولد 385 ه‍ / 995 م) هو شاعر ، من أهل بغداد.هو أبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد بن سكرة الهاشمي البغدادي ، و يعرف بابن سكرة وهو من سلالة علي بن المهدي العباسي . توفي ابن سكرة يوم 11 من ربيع الآخر سنة 385 هـ / 16 من أيار 995 م
له
وقد كنت قبل الشيب أعشق خمرة 
وتفرط في عشقي وتفرط في حبي
إلى أن عفا حرها ودبب منفطي 
وصارت "قفانبك" وصرت ألاهبيّ"
وله قوله: 
بات سكران لا يحير جوابا 
عن كلامي وبتّ ألثم فاه 
شيمة الظرف أن أصون حبيبي 
عن قبيح يراه أو لا يراه
وله 
في وجه إنسانة كلفت بها 
أربعة ما اجتمعن في أحد
الوجه بدر والصدغ غالية 
والريق خمر والثغر من برد
وله 
وقائل قال لي: لا بد من فرج 
فقلت واغتظت لم لا بد من فرج 
فقال لي: بعد حين، قلت: واعجباً 
من يضمن العمر لي يا بارد الحجج
وله 
لما رأت كلفي بها وصبابتي 
وتأملت شمطاً يلوح بعارضي 
قالت أكلت جناك ثم أتيتنا 
بمدود من تمر عمرك حامض 
أفحين نام الأير منك وصلتنا 
تبغي النكاح بغير أيرٍ ناهض 
لا تعرضن لمهرةٍ إن لم ترض 
كل الرضى كسرت ضلوع الرائض
وله
إذا لم يكن للأير بختٌ وتعذرت 
عليه جهات النيك من كل ناحية 
حرمت الغزال الواسطي لشقوتي 
فدمعة أيري فوقه خصييه جاريه 
وفاز به كل البرايا وربما 
غدت عقدي في خدعة المرد واهيه 
أقول لأيري وهو يرقب فتكة 
ًبه خبت يا أيري وغالتك داهيه 
عزاءً فقد خاس الرجال بسيدي 
علي ولاذوا بالدعي معاوية
وله 
ذنبي عظيمٌ ما أرى يُغفر 
ُفي وصل من نكهتها مبعر 
فالحمد لله على حكمه 
هذا دليلٌ أنني مدبر 
قد قلت لما لاح لي ثغرها 
ولا منه الخزف الأخضر 
وانتثر السوسن من صدغها 
وثار منها نفس أبخر 
وشف قلبي نتن آباطها 
يا معشر الناس قفوا فانظروا

حسين الموزاني عن الجواهري والمدح

ديسمبر 28, 2014 اضف تعليق

لم أخاطب في حياتي رجل سياسة ولا رجل دين، وخاصةً في العراق، وذلك لسبب بسيط وهو أن ليس هناك ساسة في العراق ولا رجال دين أصلاً، بل مخلوقات طائفية فاسدة ومشوّهة عقلاً وروحاً، وبدون استثناء. لكنني، والحق يقال، كنت أخاطب المثقفين على العموم. وأتوجه إليهم الآن أيضاً، وأسألهم عن سرّ تمسكهم بأسماء المهرجان البعثية مثل المربد وبابل، على الرغم من سهولة العثور عن بدائل لهذه الاسماء المقترنة بحزب البعث ونظام صدّام وجرائمهما. ثمّ أطلق "المثقفون" الخرنقعيون اسم الجواهري على إحدى فعالياتهم السخيفة مثلهم. ونودّ أن نذكّرهم بأن الجواهري شاعر مدح الطغاة والقتلة أو غازلهم ومنهم الأمير عبد الإله ونوري السعيد ومحمد، ابن الرئيس العراقي البعثي أحمد حسن البكر، الذي صنع صدّام وسلمّه السلطة، ومدح الجلاد حافظ الأسد، والملك حسين والملك الحسن الثاني وغيرهم. ولم يعتذر إلا عن مديحه لفيصل الثاني إبّان تتويجه ملكاً على العراق عام 1953. ووصف ذلك بزلّة العمر "في مديح فيصل الثاني، أقولها زلّة، وأكثر من زلّة، ولا أتراجع أو أحاول التخفيف من وطأة الموقف. وذلك لأنني هرولت مسرعاً إلى تلك الهاوية، ولأنني كنت أوّل العارفين بأن هذا الممدوح ربيب الاستعمار الإنجليزي بُعيد الرضاعة والطفولة، وأنه الوريث الوحيد لأبيه، غباوةً ورعونةً. وقد أضاف إليهما قماره وسكره، كما كان أمره قبيل عيد تتويجه بقليل وهو يزور كركوك، حيث حمل مخموراً من أحضان أرباب شركة النفط الإنجليزية". ونسي الجواهري أنّه مدح جدّه فيصل الأول وخاله عبد الإله. ونسي أنّه مدح محمد البكر، لأنه عزمه على "مطعم فوانيس، وفي ظلّ الأجواء الروناسية الخلاّبة". والآن لم يعد هناك في العراق سوى لوثة القتل والإبادة "الرومانسية" التي يحملها الكثير من مثقفيّ العراق في أعماقهم، فصاروا يهرولون مسرعين إلى الهاوية وولائم القتل الطائفي وتخريب الثقافة العراقية الأصيلة

تحقيق مصور من انغولا

ديسمبر 27, 2014 اضف تعليق
 وصلنا من أحد الاصدقاء في أنغولا مجموعة من الصور تدل على احوال الحياة في هذا البلد، شبان يقتلون افعى، وشاب يقتل فهدا، وطلاب تحت الشجرة، وطبيعة وعصافير، عالم ربما ما زال على طبيعته، بفيض من البدائية...



















دمعة يمنية

ديسمبر 27, 2014 اضف تعليق


دمعة محمود المليجي الشهيرة في فيلم "الأرض" تذكرني بدمعة كهل يمني بعد اجتياح الحوثي لارضه.



فتحي ابو النصر

صورتان وزمنان لحسين الموزاني

ديسمبر 25, 2014 اضف تعليق

صورتان وزمنان:
الصورة الأولى على جسر كارل "كارلوف موست"، وهو أقدم جسر حجريّ على نهر مولداو بمدينة براغ، وذلك في صيف ١٩٨٠. ومدينة براغ كانت أوّل محطّة ليّ في منفاي الأوروبي، حيث قدم لي الأخ، أو الرفيق، لا فرق، فالح عبد الجبّار مساعدةً كبيرة لا تنسى تتعلق بالإقامة وتعبئة تأشيرة الدخول إلى ألمانيا، على الرغم من أنّ تنظيم الحزب الشيوعي العراقي في براغ كان يحذر أعضاءه من مغبّة الالتقاء بهذا "العبثي الوجوديّ المتطرّف". وقد رأيت الشاعر محمّد مهدي الجواهري والكاتب العبقريّ الساخر شمران الياسري، أبو كاطع، للمرّة الأولى في حياتي. 
والصورة الثانية على نهر السين في باريس، صيف ٢٠١٤، وذلك قبل لحظات من لقائنا، عدنان محسن وأنا، بالكاتب السوري والإنسان الكبير فاروق مردم بك في شارع سان جرمان. 
ومع ذلك فإن المنفى ترك آثاره القاسية على أرواحنا وأجسادنا وذاكرتنا، في الوقت الذي شهدت وتشهد فيه بلداننا حروباً دمويةً وعملياتِ قتل وتشريد وتدمير لا نظير لها في تاريخ المنطقة. وليس هناك بالطبع أيّ حلّ أو حتّى تحسّن بسيط يلوح في الأفق.

بقلم سيد قطب أبو الفكر التكفيري يكتب لماذا صرت ماسونيا؟!

ديسمبر 24, 2014 اضف تعليق

اقتباس من البوابة 
سيد قطب كان من أهم كتاب مجلة "التاج المصري" المعروفة بأنها لسان حال المحفل الماسوني المصري آنذاك ومن كتاباته الشهيرة في عدد الجمعة 23 أبريل سنة 1943، كان المقال الافتتاحي الذى كتبه سيد في مجلة «التاج المصري» بعنوان «لماذا صرت ماسونيا؟»، طرح فيه السؤال على نفسه وحاول الإجابة «.. السؤال سهل ميسور، والجواب من القلب إلى القلب، فعرفت عندئذ أنني صرت ماسونياً، لأنني أحسست أن في الماسونية بلسماً لجراح الإنسانية، طرقت أبواب الماسونية لأغذي الروح الظمأى بالمزيد من الفلسفة والحكمة، ولأقتبس من النور شعلة بل شعلات تضيء لي طريق الحياة المظلم، ولأستمد قوة أحطم بها ما في الطريق من عراقيل وأشواك، ثم لكى أكون مجاهدا مع المجاهدين وعاملا مع العاملين».



ولا يقف الأمر عند هذا الحد، لكنه يقدم اكتشافا جديدا لنفسه عن نفسه هو.. يقول: «لقد صرت ماسونيا، لأنني كنت ماسونيا، ولكن في حاجة إلى صقل وتهذيب، فاخترت هذا الطريق السوى، لأترك ليد البناية الحرة مهمة التهذيب والصقل، فنعمت اليد ونعم البنائين الأحرار». ويقول أيضا: «ليس الماسوني من أجريت له المراسيم بذلك، واكتسب هذه الصفة عن هذا الطريق، وإنما الماسوني من يعمل، ولكن في صمت دون ضجة أو إعلان، هو من يفتح قلبه للجميع يتساوى لديه في ذلك الصغير والكبير، هو من يعمل الواجب لأنه واجب والخير لدواعي الخير، دون أن يبغى من وراء ذلك جزاء أو يطمح لنيل مطمح، هو من ليس له حق، وإنما عليه واجب».



ويحاول أن يقدم تعريفا خاصا للماسونية على هذا النحو «الماسونية هي التي تجمع بين مختلف الأديان، ولا تعرف للتخريب معنى، ولن تجد كلمة التعصب مكانا في قاموسها، هي التعويذة السحرية التي تؤلف بين القلوب جميعها في أقاصي الشرق أو أدنى الغرب، هي المكان الوحيد الذى يستطيع فيه الجميع، الصغير منهم والكبير، أن يتصافحوا مصافحة الأخ لأخيه، ويجلسوا جنبا إلى جنب دون نظر إلى فارق اجتماعي أو مركز أدبى ولا غرور في ذلك إذ إن دعائمها وأسسها مشيّدة على الحرية والإخاء والمساواة، فما أعظمها دعائم وما أقواها من أسس وما أنبلها وأسماها من مبادئ».

"كلبٌ يجري في الاتجاهات كلها" قصيدة للشاعر خالد المعالي

ديسمبر 24, 2014 اضف تعليق
خالد المعالي مع الشاعر صلاح فائق
كلبٌ يجري في الاتجاهات كلها

كنتُ أنتظرُ اليومَ، مثل كلّ يومٍ،
القصيدةَ التي لم تَعُد تصل، في النهارِ
أروحُ جائلاً في شوارع المدينة
أراقبُ الريحَ التي لا تحرّكُ أشجارَها

أسيّرُ الآلامَ في طاسةِ ماءٍ، أتيهُ
قليلاً، قبل أن يكظّني ألمُ الإنتظار
فأعودُ صاغراً، زائغَ النظرات، متى
يحينُ؟ متى تهبطُ الكلماتُ؟ متى أرى

القصيدة وهي تأخذ شكلها؟ متى هدّني 
التفكيرُ، فتركتُ كلّ شيء وعدتُ عاوياً
ككلبٍ ضائعَ، يجري في الإتجاهات كلها
كنتُ حقاً في خيالي أنبحُ، أعوي عالياً

عسى تضلّني الغيمةُ، عسى أرى الملاكَ
وهو يأتي جاثياً، يريدها، يريدُ الشارةَ
التي لم أعد أراها، الشارة التي بها يدي
تلوّحُ، فتعودني الرؤى وأبقى صاحيا.

بيروت 7/7/2014