728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الاثنين، 24 نوفمبر 2014

    "مذكرات جنين" قصة لمحمود الحجيري


    في احدى الليالي الدامسة الظلام من فجر القرن  الذي افل واعتلى ليتكدس على جدران التاريخ منذ عقد ونيف من السنوات، وبينما كانت والدتي المنفوخة لمرحلة الانفجار من جراء ليلة ممتعة تتجول في بهو الدار، شعرت بآلام الطلق ودخلت المخاض فحملت الامها خطوات قبل ان يتوارد انينها الى اسماع ابي ويهب لمساعدتها بعطف وحنان من اجل الوصول الى مخدعها والذي اعد خصيصا لاستقبالي بعد طول انتظار.



     لكن لست انا!! بل هو، حيث مدت فراشا من الصوف كانت قد جهزته من ضمن جهاز عرسها، وهذا بالطبع من حق رقبتها حسب الكلام المتداول في مجتمعنا لكن هو في الحقيقة حق تلك الجلدة الهلامية التي تقبع في اعماق ذلك الشق المنخفض الذي يقسم مروج العانة بين شمال وجنوب ومرتفعات والذي يحلم الكبير والصغير بالغطس به وسبر اغواره، وعندم اوصلها ابي الى ذلك الفراش السميك وضعها في حالة الاسترخاء والاستقامة كنت في تلك اللحظة اجهز نفسي لأخرج من تلك المغارة المظلمة، ولكن كنت اتريث خوفا من قصف بالمنجنيق لمواد لزجة اصابتني عدة مرات  في انحاء  متفرقة من جسدي وتحديدا على راسي وتسبب الانزلاق والتهور في الاودية والمنحدرات، ومع انبلاج الفجر وسطوع الشمس وبدء الحركة  تذوب هذه الكتل وكان الخوف من عواصف رعدية وضغط جوي منخفض وصواعق، يحدث بين مفاصل الايام  وبعد حالة الترقب التي استمرت لساعات وتاكدت بان الطريق سالك فكرت بالخروج من هذا الدهليز القاتم المنتهى ببصيص نور منبعث من قنديل زيتي تعصف به الانفاس ويهاب حركة رداء عفوية، استعديت ورحت امزق عبائتي واخفف من حملي علني امر بسهولة وبعد عدة محاولات فاشلة كدت ان اصل الى مرحلة القنوط.


     اخذت نفسا عميقا بعد ان جمعت ما تبقى لدي من قوة وهجمت اصارع جدران ذلك النفق وشعرت اني اقترب من ذلك الضوء الخافت وبعد عدة محاولات تمكنت من اجتياز ذلك النفق والوصول الى المدخل الرئيس  وكان ضيقا وكدت ان اختنق لكن شعرت بقوة غريبة تساعدني على الخروج ولأول مرة احتك نظري مباشرة مع الضوء ولم اكن اعرفه حتى اميزه واصف قوته، وما هي الا لحظات حتى صرت في العراء وسمعت صخب وتهليل لم اسمعه من قبل وشعرت ببرودة لطيفة تخيم على مسام جلدي الناعم، وتفاجئت بهذا الحشد في استقبالي على مدرج الحياة ، وسمعت صوت غريب اشبه بصوت احتكاك المعادن التي الفتها فيما بعد فدب الرعب في قلبي لكن مرت بسلام  وبعد ذلك علمت ان ذلك هو المقص الذي قطع صلة الوصل بين عالمي القديم والجديد، وبعد لحظات شعرت بيد يبعد ركبتي عن بعضهما وسمعت كلمات بصوت منخفضK لم افهم معناها وبدا الصخب يخفت تدريجيا وخيم جو من السكون التام حتى مرحلة سيطرت صوت القنديل المضطرب على جو الغرفة الملبد بالغيوم الحزينة، حتى اخترق جدار الصمت صوت صدح من تلك الزاوية المعتمة جنب الموقد وظاهر تاكل اوتاره بفعل تلاطم الايام وعواصف الزمن لكن ما تبقى منه يحمل الحكمة وزبدة التجارب والمشاهدات المتراكمة على مر السنوات ونطقت سيدة عجوز وقالت: ماذا جرى لكم؟ لماذا هذا الصمت وكانكم في مأتم؟ من انجبت البنت تستطيع انجاب الصبي، افرحوا لخلاصها وسلامتها وسلامة مولودها وان كان بنتا، وهنا كانت بداية معتركي في هذه الحياة وعلمت التمييز بين الجنسين الغير مبرر، فتنهدت احداهن وقالت: الحمد والشكر على سلامتها والبنت اخت الصبي لكن الشيخ كان بحاجة ليكون بكره صبي من اجل ضمانة استمرارية هذا البيت مفتوح، والله يطول بعمر الشيخ ونحن كنا طمعانون بالبشارة والذبائح لو كان المولود ذكر، لكن حظنا سيئ وعلى راي المثل : "اجت الحزينة لتفرح فلم تجد لها مطرح " وبدأت اصوات خجولة تهنئ والدتي بالسلامة دون ان يذكروني وكاني لم اتعذب في خروجي الى هذه الحياة.


     وبعد لحظات جاءت احداهن تحمل بين يديها وعاء فيه كمية من الماء الساخن ولحقت بها اخرى تحمل وعاء فارغ ومن ثم وضعتني بهدوء وتأني فيه مع همسات لم اعرف معناها ومسكتني من زراعي بلطف وحنان وراحت الاولى تسكب الماء على رأسي وتجول بيدها الحاضنة قطعة صابون انحاء جسدي المرهق وبكيت بصوت مرتفع لاني لم اكن اعلم ماذا يجري من حولي رغم شعوري بالانتعاش وقد شممت رائحة عطرة جعلتني اتعرف على وظيفة الانف غير التنفس ولم تستمر رحلتي طويلا بين قطرات الماء الدافئة حتى نقلت على راحة الاكف قبل تبتلعني قطعة قماش مترامية الاطراف بين طياتها لتمتص الرطوبة من منبسطات جسدي وشعابه، ومن ثم بدأت ارتدي ثوبا ابيض مطرز على اطرافه رسومات بسيطة بخيط ازرق وهي تقدمة من نساء القرية لأمي عربون وفاء لأبي  وفيما بعد تعرفت على رمزية الالوان في هذا المجتمع الذي شائت الصدف ان اهبط من عليائي فيه، وقد اكد العرافون والخبراء بقدومي ذكر ارضاء وتزلفا لرغبات والدي الميسور في حينه فمنهم من اعتمد على شكل انتفاخ بطن والدتي حيث حاملة الصبي ينتفخ بطنها ويعلو اكثر وتزيد حركة تنفسها اكثر، والاخرون ركزوا على المشي وقرأوا اثار الاقدام اذ حاملة الصبي تكون ارشق واسرع واكثر خفة بحركتها، وما تبقى قرأوا سمات الوجه وما عليه من سمات الحمل من نمش وكلف وعلامات الارهاق التي ظهرت على وجه حاملة البنت ووجه امي كان مشرق ونقي دليل على وجود رجل خفيف الظل في احشائها وبهذا يكون قد اجمعوا كل الخبراء والضالعين بعلم الطب والغيب والعرافة والفراسة على ان هذا الحمل هو صبي، وقد  مددوني على القماط ورشوا على جسمي الريحان المطحون ولفوني وحزموني بحزام  طويل التف على جسدي عدة مرات قبل ان تعقد اطرافه فوق صدري وحملتني احداهن بعناية وناولتني الى والدتي التي بدات تتخلص من الام مخاضي رغم الخيبة التي اصابتها حيث كانت تود ان اكون صبي لتضمن مستقبلها افضل وتسيطر على ابي بغناجها ودلالها بعد ان تكون وهبته ولي العهد واللقب باسم جدي لكن  حلت الخيبة ...

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: "مذكرات جنين" قصة لمحمود الحجيري Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top