اسعد الجبوري عن رياض الصالح حسن وجميل حتمل

نوفمبر 30, 2014 اضف تعليق
رياض الصالح
الذين يكيلون المديح لتجربتين سوريتين :الأولى في الشعر والثانية في القصة،يجب أن بعرفوا بأنهم يكيلون المدائح لطرف ثالث. للمرة الأولى أعترف بأنني أول من قام بنشر فصائد الشاعر رياض الصالح الحسين في جريدة ((المسيرة)) ،ليمتد بعد ذلك تدخلي في مراجعة وإعادة بعض نصوص مخطوطه الأول «خراب الدورة الدموية» (1979) الذي آثر رياض أن لا يقوم بنشر جميع قصائده في الكتاب الأول،ليرحل بعضاً منها إلى كتابه الثاني «أساطير يومية» (1980). 
الكاتب والباحث السوري جمال باروت هو الذي بعث لي الشاعر رياض من حلب آنذاك،لأهتم به وأساعده على النمو والنشر في صحف العاصمة.
ومن يراجع مقالاً كتبه رياض الصالح الحسين في مجلة(( الشبيبة )) السورية عن تجربتي الشعرية وتأثره بها،سيدرك هذه الحقيقة .
أما بالنسبة للقاص جميل حتمل،فكنت أيضاً ،أول من عمل على نشر كتاباته القصصية في جريدة ((المسيرة)) أواسط السبعينات بتوصية خاصة من الاستاذ جورج قصير_رئيس تحرير جريدة الوطن _السورية راهناً.والذي كان رئيس تحرير المسيرة آنذاك.فتم الاعتناء به نشراً ،ليدخل جميل حتمل على خط القصة القصيرة جداً التي كنت أول من أطلق مشروعها في سوريا باسم ((فلاش)) مع صديقي القاص فيصل خرتش .وكل من يراجع أرشيف تلك الجريدة ،سيجد الوقائع ماثلة للعيان على الورق.
ومن أجل رد الفضل على ذلك الجميل ،قام الصديق جميل حتمل بإقامة أول جسر ما بيني وبين الفنان يوسف عبد لكي ليصمم لي الأخير غلاف كتابي الأول ((ذبحت الوردة..هل ذبحت الحلم.))
بعد ذلك ذهب الشاعر رياض إلى الموت مع شديد الأسف.وذهب الشاب الرقيق جميل إلى السجن بسبب نشاطه السياسي قبل أن توافيه المنية ،ويتوفى في فرنسا 

عن الفايسبوك

"سمراء جميلة وتحرش ... وقبلة على اليد" لمحمود الحجيري(*)

نوفمبر 29, 2014 اضف تعليق

صعدت الباص من منطقة البربير في بيروت، باتجاه المتحف والدورة،  وصودف أن جلست على المقعد بجانبي فتاة سمراء افريقية رائعة الجمال وبكامل اناقتها اللافتة للانظار، لم اكلمها ولم تكلمني. 
قبل أن نصل سألني السائق أنت لوين واصل؟
قلت: "له الى جبيل اذا كنت مشوارك لى هناك، واذا لا، انزلني في الدورة.
 عندما وصلنا الى الدورة، توقف وقال : انزل هنا، حيث تمر سيارات جبيل والشمال ولا تنتظر طويلا. نزلت ونزلت معي الصبية السمراء، وقفت على الرصيف، فتوقفت بجانبي وبعد مرور سيارتين او ثلاثة ولم يتوقفوا، طلبت مني الصبية بلهجة لبنانية صافية ان نبدل موقعنا، فوافقتها الرأي ومشت بجانبي لجهة السيارات القادمة من اتجاه واحد وهي ترفع يدها للسائقين من اجل الهدوء، ووصلنا بسلام الى رصيف يفصل الطريق، ووقنا سويا ومر أول باص سألته  الفتاة: "جبيل"؟ رفع بيده وأكمل طريقه، حتى هذه اللحظة اعتبرت ان صدفة جمعتني مع هذه الصبية في رحلة، واحدة ومر الباص الثاني وهي من سألته : جبيل؟ فتوقف وانتظرتها ان تصعد امامي، فتراجعت الى الخلف وقالت: تفضل اصعد، سألتها: وانت؟ ابتسمت وقالت: أنا هون مش رايحة، مع السلامة... ذهلت من تصرف هذه الانسانة الرائعة بأخلاقها وجمالها وأناقتها وخطر لي أن الغي رحلتي لأتعرف عليها أكثر وأشكرها، لكن لم يحصل... وعندما صعدت الى الباص دلني السائق الى اول مقعد خلفه مباشرة الى جانب النافذة، وكانت تجلس على المقعد المجاور سيدة اربعينية لا طعم لها ولا لون، جلست بجانبها وكانت تتسلى بهاتفها الجوال لم نتكلم بكلمة، وانا اغمضت عيني لاستعيد احداث اللحظات التي مرت قبل قليل، واحاول تفسير اخلاق تلك الفتاة، ومن بعدها اشعلت سيكارة ورحت انفخها باتجاه النافذة المفتوحة. وعندم وصلنا الى ضبية جمعت جارتي حوائجها ورحلت الى مقعد خلفي، فوقف السائق على يمينه وقال بغضب: انزل من السيارة ! قلت له: لماذا؟ وماذا فعلت حتى انزل؟ رد بغضب: بدون اسئلة انزل من سيارتي، فرديت: لن انزل حتى اعرف ماذا جرى، فتطوع راكبان يلبسان ثيابا لشركة مياه الريم لمساعدة السائق خوفاً من بطشي وغضبي، ومسكني احدهما من كتفي وسأل: ننزله يا معلم؟ فنظر الي السائق وقال: لا اتركوه، وعندم وصلنا الى المعاملتين، وقفت جارتي السابقة وطلبت من السائق التوقف لتنزل. وعندم وصلت الى جانبه وناولته اجرته، قال أريد أن اسألك: هل تحرش بك هذا الشاب أو تعاطى معك بطريقة غلط فأجابت: لا لا ابداً، فنظر إليها بغضب وقال: "انت " منك منيحة " انت بلا"... 
لقد بدلت موقعك ثلاث مرات وبهدلت الرجل بسببك، انزلي من السيارة. وهجم على يدي قبلها ووضعها على رأسه مع وابل من الاعتذارات والتمنيات بمسامحته على سوء ظنه. وصلنا الى جبيل، توقف وقال تفضل هذه جبيل، فقلت له سأكمل معك ألى طرابلس، وعندما اجتزنا ساحة "النور"(او الله)، تذكرت غضب المسلمين وحقدهم التاريخي على الاوثان وتدميرهم جزءا من التراث الانساني تحت هذه الراية، أخرجت عشرة آلاف ليرة من محفظتي، وناولتها للسائق وقلت له خذ ما تريد، فامسك يدي من جديد قبلها ووضعها على رأسه مع تكرار الاعتذار، وقسم اليمين المعظم بانه لن يأخذ أجره...

 وافترقنا...

* هذا النص من يوميات محمود الحجيري الذي يواظب على اتمام روايته الأولى قريباً.

أنا سارة السورية أبحث عن جثتي في المقبرة الجماعية... رنا زيد

نوفمبر 27, 2014 اضف تعليق

رنا زيد 

أنا سارة جميل، لست تينا مودوتي، ولا أعرف شيئاً عن الثورة.
شاهدت في يوم الجمعة العظيمة ٢٢ نيسان (أبريل)، في العام ٢٠١١، أناساً بملابس رمادية، عيونهم مثل عيون ذئاب طيبة، فقدت الإرادة عقوداً، كان الهتاف أنيناً، يعيد صداه الجبل النائم والمرصود: «حرية... حرية». يسقط النظام السوري رعباً. القوة الجمعية هي مشنقته، والجبروت هو الخوف منها؛ وفي المقابل، فإنَّ حكم الإدانة، هو بديل ذهني عن الكبت المرير، لدى المتظاهرين.
كنت أقضي يومي، وحيدةً، في منزلي، القريب من مدخل الغوطة الشرقية، في ريف دمشق؛ مدخل موشّى بصور الأسد. تخيّلت مرة، أن لا بد من وجود تمثال ما، عند مدخل بلدات مجاورة، يكون فيه الأسد خلف وشاح حجري، وربما أحاط بساقه عنصر استخبارات قزم، تجسيداً لمن يعتبر نفسه، شيطان البلد الأوحد.
صوتهم يشبه ضخ الماء الهائل، بعد انقطاعه عن المجمع السكني الريفي، الصوت اعترض صمت دمشق، وحذرها، وبلادتها في الحركة، مع وجود الأمن والاستخبارات في ساحة العباسيين، وانتشار القناصة، على أسطح، قشرة دمشق السكنية، قشرة هشة ومتتابعة، كقشرة البصل، ليس من بعد نزعها، سوى البكاء الكاذب الشهواني. ظننت أنَّ في الأمر هيجاناً عفوياً من أبناء الريف، وكنت أراهم يومياً يتكورون، في الممر الضيق من مقاعد الميكرو باص، محشورين مع الجالسين، في بركان لعنات العيش، بغية الوصول إلى منازلهم. الأتربة كانت تغطي ملابسهم، لكن قلوبهم ظلت تضيء في الليل، وتغني.
أصابتني نوبة بكاء هستيرية، عندما تجاوزتني التظاهرة، كانت الوجهة من كل الأرياف، في ذاك اليوم، إلى ساحة العباسيين، في مركز العاصمة. البكاء الهستيري أتاني، مرة، في صغري، وقت ذهبت إلى الصلاة، في ليلة القدر، وكان وقتها الشيخ البوطي يجهش باكياً، في جامع الإيمان، في حي المزرعة، فظننت أنه حزين من أجل تعاستي، فبكيت طويلاً وعبثاً.
بكيت كأنني أتطهر من ذنوب إطاعة الشيطان، وأنا أنظر إليهم؛ وألهمني متظاهر أن أنتظر إلى الغد، كي ألتحق بمتظاهري الثورة السورية، في ساحة الأمويين. كان يتمتم بأننا سنكون ملايين متكاتفة. وبعد حماستي بدأت في التصوير، وأرسلت الصور من أجل النشر، من دون اسم.
خذلني طريق يصل بين دمشق الإدارية والريف، قطّعني إرباً، أنا التي لا تعرف شيئاً عن الثورة، سوى وجوه هؤلاء الثائرين. في اليوم التالي، قال لي سائق التاكسي، الذي أوصد الأبواب علي، أزلنا جثثهم بالجرافات، هل تعلمين أنني ساعدت في ذلك، رددت على مسمعه: هذا أمر واجب، علينا أن نجرف الأدمغة، إن فكرت. أنزلني هنا.
لقد قتلوا مئات المتظاهرين، في مجزرة الزبلطاني، وأنا عبرت المجزرة، عبرت شوارع القتل، قاصدة المدينة.
في حصار الريف عليك ألا تتنفّس. يتكوم فراغ الطرقات فوق رؤوس المتظاهرين، كالبالونات. المرور في الشارع، كما الوجود في آلة الزمن، أأنا كائن حي أم ميت؟
قنصتْ السيارة التي كنت فيها، من علو. إنه الشارع الطويل ذاته، الذي عبرته مشياً، قبل سنين، عائدة إلى البيت وليس بحوزتي أي ليرة؛ هناك قنصت ولم أمت، خدشت السيارة المسرعة فقط. مررنا بطرق فرعية، كانت الأشباح تحوم وتضحك؛ سمعت صوت الرصاص، يخترق المواد والأشياء والأجسام، وصرت أتلمس بيدي ظهري، أصابتني نوبة هلع قصيرة، اعتقدت أن الرصاصة اخترقتني، رأيت النزيف، نزيفهم، وبدأت أمثّل: كيف ستخرج روحي من جسدي، كان مهماً، أن أجيد طريقة الموت، كي لا أرتبك أمامهم، وأبدو شهيدة بلهاء.
أخذ الجيش العربي السوري، وضعيات القتال كما جيش اسرائيل، يقف ليقنص، ثم يجلس خائفاً من المتظاهرين العزّل. رأيت الجنود يتكورون تحت الجسور، كأنهم أجنّة الشيطان. بعد يوم الجمعة العظيمة، في ريف دمشق، وفي حمص...، باتتْ سورية سهلاً واسعاً، يجوبه اللصوص، كما هي روسيا في رأي تشيخوف.
في حمص، يختبئ الجندي، خلف متراس من أكياس الرمل. أمام إشارة المرور، يبدو على وشك قنص من ينظر إليه، وكأن النظرة تكشفه شيطاناً، أو تكشف تحوله البطيء إلى شيطان.
كنت أرتجف مثل صوص، يعلم أنه سيذبح حين يكبر. لكن المحقق الأحمق، لا يجيد استخدام الكومبيوتر، لذلك فهو أبدى تفتيشاً حذراً أمام عناصره، بعد أن طلب مني تشغيل كومبيوتري المحمول، ثم صرح بأنني غير مدانة. لا يمنح حزب البعث السوري، عناصر الأمن في البلاد، أدوات تكنولوجية، يعطيهم هراوات، ورصاصاً، وأشرطة لاصقة، ومسامير.
قال لي عنصر الأمن: «أنا لا أريد حمل المسدس، لقد أجبروني على ذلك، أنا خائف من المتظاهرين».
النقيب: من هم؟
أنا: المتظاهرون، أولئك الذين ينادون: حرية، حرية.
النقيب: وماذا هتفوا، أيضاً؟
أنا: لم يهتفوا، حملوا لوحة قماشية، كتب عليها بخط أنيق: كفّوا يد ماهر الأسد عن الشعب.
النقيب: أأنت مجنونة؟!.
أنا: لا لست كذلك يا سيادة العقيد.
النقيب، مبتهجاً: أنا نقيب، لست عقيداً.
أنا: ليتك تصبح لواءً. ثم إن سيادة الدكتور بشار الأسد ألغى قانون الطوارئ، لم أنا هنا؟
النقيب: أنت تهذين، من بشار هذا؟
أنا: بشار الذي يرعب نبات الصبّار، في بساتين المزة الفقيرة.
النقيب: كلنا بشار.
أطلقوا سراحي لأن زوجي ينتمي إلى الأقليات.
بعد الإفراج عني بساعة، كنت ميتة من أثر التعذيب النفسي، لم تبارحني الندوب، مدة ثلاث سنوات. صورة جواز سفري، بلا ملامح، لا أشبهها ولا تشبهني. في المرآة أنا ذئبة تأكل يدها. أنا جثة رائحتها محايدة، لكنها لاذعة، كما رائحة الممحاة الوردية، وقت الجوع الشديد، في المدرسة.
لو أنني أعرف أن العالم سيكون قاتلاً، لكنت هتفت: عودوا يا رفاق، وكلوا جسدي، لكن لا تذهبوا، الثورة ليست هناك، إنها فقط في الأمكنة الفقيرة من دمشق. الوحش يأكل الجياع.
حقق معي صحافي، علمت أنه على اتصال مباشر، مع مكتب بثينة شعبان، فكذبت في شأن رأيي السياسي، إذ يدير معظم وسائل الإعلام الأجنبية، في سورية أشخاص يتعاونون مع الأمن. قال لي: «صه، سماعة الهاتف بقيت مرفوعة طيلة حديثنا»، لم أسأله أي جهة أمنية، كانت على الخط، همست له: «أقفلوا منذ زمن، لا تقلق. ثم ليس في حديثنا، لبسٌ».
أنا سارة جميل، شعري الكستنائي مباح لكلام الريح المضطرب: اذهبي، لا تذهبي، اذهبي ميتة. أنا التي لا تعرف شيئاً عن الثورة. قميصي الصيفي، شدّه عنصر، من حاجز أمني، قطع الطريق الرئيسي ما بين حمص وريف دمشق من جهة، ودمشق من جهة. هناك قرب مســـبح تروبيكانا، أو أمام بانوراما حرب تشرين التحريرية، متحف الانتصارات ضد العدو الغاشم؛ انتصر النظام الســـوري، على من بقي حياً، من المجزرة في الغوطة الشرقية، واعتقل معظمهم. كان شعري يطير، وكانوا يلوّحون لي، يريدون أن ألتقط المزيد من الصور. يا ثوار سقبا، وعين ترما، وكفر بطنا، وحرستا، ودوما...، أنا أختكم سارة، قتلني السجان، وأرســلني إلى المدينة العاهرة، ما زلت ألجم خوفي عند كل حاجز، وفي كل حصار، أضع حجراً في فمي، وأمضغه، كي لا أبوح بشيء. أنا سارة جميل، جسدي قربان للغربان، هل تعودون من الموت؟
سمعت أصواتاً قوية تقول لي: يا سارة لا تخافي، أظهري أنك خائفة منا، وستزول لعنة موتك. كنت أرتعد، وأكذب أنني ضدكم. كانت الدوشكا أمامي مباشرة، وأرتال الدبابات تحرث الأرض، قبلها، مشيت ومعي حقيبة على كتفي، محاولة الخروج من الحصار، الذي تكرر؛ نظر القناص إلي، ممسكاً رشاشاً، قد يجعل مني شبكة صيد للفراشات. لوحت للعسكر، للقتلة، كخائنة واثقة. ثم أوقفني حاجز الفرقة الرابعة، عظامي آلمتني، ثم بعد لكنته المهشمة صمتي، قلت له: إن العصابات المسلحة ستحرق البلد؛ فحررني من التوقف والذل، وتركني أمر إلى دمشق.
كنت أفكر في الحب، في القبل، لكنني الآن جسد بكدمات هائلة، أنتفخ كلما حزنت، وأتضاءل في لحظات فرحة.
أنا سارة الخائبة، سارة الجائعة، سارة الميتة. هل وجدتم جثتي، ما بين الجثث، في المقبرة الجماعية؟ أنا أبحث عنها، منذ ذاك اليوم، أريد تقبيلها وعناقها، ثم دفنها. أرجوكم، لا تلوحوا لي مجدداً، فما زلت أعتقد أن نظام بشار الأسد، يستطيع مراقبتي، أنا في اضطراب شخصاني مستمر، لم أبرح المنزل، منذ عامين. أدفنوا جثتي الضائعة في الريف.
وصلت إلى مركز دمشق، كل شيء اعتيادي، الوجوه المتمدنة الترفة لا تحتمل، أنا حاقدة على نفسي وعلى تلك الوجوه، من سماع جملة واحدة: «أنا لا أملك رفاهية الاعتقال»، أي لعنة طلي بها لسان المتكلم، رددت بمواربة: لنتحدث عن ليلة موديلياني الليلاء، مع آنا أخماتوفا.

العالم العربي يبكي صباحه- محمد الحجيري

نوفمبر 27, 2014 اضف تعليق


هذه المقال سبق أن كتبته لجريدة "الجريدة"(الكويتية) قبل أن اغادرها، كتبته بطلب من ادارتها تحسبا لأي طارئ يصيب صباح وهو في اجزاء منه فصل من كتاب سبق أن طبعته بعنوان "صباح... حكاية تشبه بيروت"...

من بين الفنانين العرب وفناناته، كانت "الشحرورة" صباح (اسمها الحقيقي جانيت فغالي) الأكثر عرضة لانتهاك حياتها الخاصة وخصوصيتها، فعدا عن أنها كانت تفتح قلبها وتتحدث لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمجلات الملونة بعفوية وصراحة عن زيجاتها وغرامها وفساتينها ووالدتها (القتيلة على يد شقيقها) وشقيقتها (القتيلة عن طريق الخطأ) ووالدها وعشاقها، ما يجعلها شعبية بامتياز، كان بعض وسائل الإعلام يبالغ في نسج الحكايات والإشاعات حولها، لا سيما إشاعة الموت. رحلت صباح وتوقفت هذه الإشاعة.


 لم تتعرض فنانة لإشاعات الموت والغياب كما تعرضت صباح. أماتوها عشرات المرات وسارعوا إلى رثائها والكتابة عنها كأنهم جوعى للأخبار الدرامية والفجائعية. حتى المنجمون والفلكيون جعلوها محطً أنظارهم في توقعاتهم الخبيثة في سهرات رأس السنة، وبعض وسائل الإعلام يتحدث عن حياة صباح وعمرها وكأنها "قاعدة على قلبهم" كما يقال بالعامية الدراجة، ولم يعجب بعضهم أنها كانت لا تزال على قيد الحياة.
لم تتطاول فنانة إشاعات الزواج والطلاق والحب كما طاولت صباح، وذلك لأنها تزوجت سبع مرات وصار سهلاً على بعض الخبراء بالصحافة الصفراء تأليف حكايات حول زواجها لجذب القراء والفضوليين والمتلصصين. ولم تنج صباح من حمى كاميرات التصوير حتى وهي على سرير المرض في المستشفى، فكانت تسرَّب على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك، واتس آب، تويتر) صور لها التقطت بطريقة "لاإنسانية"، لا تحترم مشاعرها وعمرها ورسالتها وحياتها. قيل إنها صور قديمة وليست في المستشفى بل هي مأخوذة سراً من جناحها في أوتيل برازيليا، وسرعان ما وزعت صور أخرى لها مع بعض الإعلاميين مع إخفاء وجهها حرصاً على خصوصيتها.
 أغرب ما في الصور أن بعض الإعلاميين والمعجبين بصباح كان يذهب للاطمئنان على صحتها وهي في حالتها المرضية الصعبة، ويقف لالتقاط صور معها في وضعيات تثير النفور والاشمئزاز، كأن هؤلاء في رحلة سياحية في أحد المنتجعات، أو كأن صباح وهي على سرير المرض ذلك الهرم الأثري الذي ينبغي التقاط صور قبالته مع ابتسامة عريضة. لم ينتبه أحد من عشاق الصور لأحوال الفنانة ومأساتها في آواخر عمرها، لم يتركوها بحالها في ما تبقى لها من حياة.
ينطبق كلامنا عن صباح على كثير من الفنانين والمشاهير والمواطنين العاديين، لقد بات نشر صور الإنسان وهو على سرير المرض أو الموت هواية البعض، كأنهم يتلذذون بهذا المشهد القاسي والخاص من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، هل يعني هذا أننا فقدنا الإحساس بالأشياء، وجعلنا أهم خصوصيتنا عرضاً للاستباحة والانتهاك حتى ونحن على سرير الموت؟!
كانت صور صباح الأخيرة على سرير المرض صادمة للجمهور والكتاب والمعجبين بفن الشحرورة وتجربتها وأفلامها وطيبة قلبها. حتى أولئك الذين لا يحبون فنها، كان سؤالهم عن المغزى والهدف من نشر هذه الصور في هذه المرحلة بالذات؟ بعض من سرّب تلك الصور ربما نشرها بسبب محبته الزائدة لصاحبة "ألو بيروت"، لكنه من دون أن يدري أساء إلى حياتها ومسيرتها وألمها وحتى جمهورها، والبعض الآخر وزع الصور بهدف قتل صورة صباح التي اعتادها الجمهور في ذاكرته ويريدها أن تبقى كما هي، وثمة من استغل الصور ليكتب خبراً رديئاً لموقعه الإلكتروني أو مجلته مع بعض التنظيرات والتبريرات.
 صباح التي تتميز بطابع صوتها الجبلي - الريفي وقوته وصفائه مع أوفها العالية، وهي صاحبة 3400 اغنية منوعة، وشاركت في التمثيل في 85 فيلماً، وتزوجت من هو بجيل والدها ومن هو بجيل حفيدها، أحبت رشدي أباظة واقترنت بالرؤساء والأمراء، رسخت صورة شبابها الدائم في وجدان جمهورها. خلال مسيرتها، لم يكن غناء صباح على قدر من الإشكالية في حديث الناس، إذا ما قارنّاه بهيئتها وجمالها وشقارها وثيابها التي كانت أقرب إلى "ألف فستان وفستان". على مدى عقود كان السؤال عن كيفية اهتمامها بجمالها ونضارتها، وكانت تستقبلها المحطات التلفزيونية ضمن برامج التجميل وغيرها للسؤال عن الموضوع. وهي كانت تجيب بأن "حب الحياة هو الذي يجعل الإنسان نضراً"، على ان النساء ينظرن إلى "الصبوحة" ويقلن "ما زالت تتفنن وكأنها ابنة السادسة عشرة"، وعلى هذا اعتبر الجمهور أن نشر صور صباح على سرير المرض هو محاولة لتدمير صورتها الحقيقة، صورتها المثالية في شبابها. والملاحظ أنه في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد ممكنا ضبط نشر الصور غير المرحب بها، بات الفيسبوك فسحة أو "هايد بارك" لنشر السيئ والقبيح والجيد وكل شيء، كل شخص يفكر بالصورة بالطريقة التي تناسبه، ويعلق عليها بالطريقة التي ترضيه، وتتراوح التعليقات بين الاحترام والسذاجة والابتذال والسطحية والخبث والإدعاء.

طفولة

ولدت جانيت جرجي فغالي المعروفة باسم صباح في 10 نوفمبر عام 1927 في بلدة بدادون قرب منطقة وادي شحرور القريبة من بيروت، وهي المولودة الثالثة في أسرة جرجي فغالي بعد جولييت ولمياء. يُحكى أن الأم لم تستطع أن تقاوم دموعها عندما علمت أنها ولدت بنتاً، لأن الأسرة كانت تريد صبياً، وقيل إنها امتنعت طوال يومين عن إرضاع المولودة الجديدة، ولولا حكمة عم الطفلة الشاعر الزجلي أسعد فغالي "شحرور الوادي" لما اقتنعت الأم بوجوب إرضاعها. ما لبثت أن حلّت مشكلة الأسرة بولادة شقيق صباح أنطون.
كانت والدة صباح خفيفة الظل، مرحة، تعشق الفن، وكان الوالد يهتم بزراعة قطعة أرض كان يملكها في البلدة، وبسيارته الفورد العمومية التي كان يقودها السائق طنوس. مرَّت الأيام على العائلة هادئة، غير أن هذا الهدوء هزه مقتل جولييت، شقيقة صباح الكبرى، غداة إصابتها بعيار ناري وهي في العاشرة من عمرها، في إشكال وقع في بدادون، وكان سبباً لمغادرة صباح البلدة إلى بيروت والالتحاق بالمدرسة الرسمية أولاً ثم بمدرسة اليسوعية، وكانت تمثل وتغني في الحفلات المدرسية وهي لم تبلغ الثانية عشرة.
ذكرت صباح أنها عندما قصدت مع عائلتها منطقة جل الديب في ضاحية بيروت الشرقية لزيارة إحدى العائلات، قال لهم صاحب البيت: "بالقرب من منزلنا كنيسة، كل من يدخلها للمرة الأولى ويطلب أمنية معينة تتحقق". انتهزت صباح فرصة انشغال الجميع بتناول الطعام، فتسللت إلى الكنيسة بهدوء وحذر شديدين من دون أن يشعر بها أحد، وبكت وهي تصلي داعية الله أن يحقق أمنيتها الوحيدة: أن تصبح مطربة ناجحة ومعروفة.
تصف صباح تلك الحقبة قائلة: كل شيء تغير من حولي، شكل انتقالنا من القرية إلى العاصمة بيروت تحوّلاً جذرياً بالنسبة إلي، فالمدارس مختلطة وكان أولاد الحي وتلامذة الصف الصبيان يلاحقونني ويعترضون طريقي أحياناً... ويتسابق الجميع لمرافقتي. كنت لا أهدأ وتتملكني حيوية دائمة، أغني أينما كنت... في المدرسة، على الطريق، في فراشي، وعندما يجبرني أهلي على الصمت أغني تحت اللحاف. 
حدث أن قررت المدرسة تقديم مسرحية "الأميرة هند"، ورشحت الراهبة المسؤولة صباح لأداء دور البطولة فيها، وكانت في الرابعة عشرة من عمرها، فراحت الراهبة تخفق لها يومياً خمس بيضات وتقول لها: "إشربي، سيفيد البيض صوتك ويجعله قوياً". صدقتها صباح وواظبت على شرب صفار البيض المخفوق، وما ضاعف من ثقتها بنفسها أن الأشخاص الذين حضروا تمارين المسرحية وشاهدوها وهي تستعدّ لأداء دور "الأميرة هند"، شجعوها، من بينهم الممثل الراحل عيسى النحاس، الذي اعتزل التمثيل بسبب تقدمه في السن وعمل بعد ذلك في تأجير الملابس للمسرحيات، أعجب بهذه الممثلة الناشئة فأحضر لها الملابس لدور الأميرة هند.
لم يتقبل والد صباح فكرة أن تقف ابنته على المسرح وتغني، إلا أنه ما لبث أن رضخ على مضض لأن المسرحية كانت تحت إشراف الراهبات، ووافقه الرأي جدها الخوري لويس وخال أمها المطران عقل وبقية أفراد العائلة .
صودف أن حضر المسرحية قيصر يونس، صهر الممثلة والمنتجة اللبنانية آسيا داغر الذائعة الصيت في مصر آنذاك، فاقترب من والدها قائلاً له: "حرام ألا تدخل ابنتك السينما". 


في مصر

وصلت الصبية إلى مصر برفقة والدها، وفي مقهى في شارع فؤاد الأول، ولد اسمها الفني "صباح"، الذي أطلقه عليها الشاعر صالح جودت، وتردد أن آسيا نشرت صورة لجانيت في مجلة "الصباح المصرية" طالبة إلى القراء اختيار اسم فني للوجه السينمائي الجديد، فكان إجماع على صباح.
أحضرت أسيا داغر كبار الملحنين للاستماع الى جانيت وإبداء رأيهم بصوتها، فكان إجماع على أن صوتها غير ناضج. إلا أن المخرج هنري بركات وجدها صالحة للتمثيل السينمائي نظراً إلى خفة ظلها. عام 1943، ظهرت صباح في "القلب له واحد" أول فيلم لها مع أنور وجدي من إخراج بركات وغنت فيه أغنيات من ألحان رياض السنباطي وزكريا أحمد.
لم تبشر بداية صباح في فيلم "القلب له واحد" بنجاح مستمر، كان صوتها غير ناضج وقدرتها على غناء الألحان المصرية محدودة وتكاد تكون عاجزة. لم تكن ملامحها التي ظهرت في الفيلم ملامح ممثلة جميلة أو مثيرة، كانت أشبه بملامح فتاة قروية، لا تستطيع الصمود في مدينة القاهرة. بعد فيلم "القلب له واحد"، اتجهت صباح الى الأغاني الخفيفة التي تلحن بسرعة وتؤدى بسرعة ويسمعها الناس بسرعة وينسونها بسرعة، وسماها بعض النقاد في ذلك العهد "مطربة السندويش"، وهي نجحت في هذا اللون واتخذته شعارها الفني .
عقب الحرب العالمية الثانية، تغيّرت أفكار الناس وميولهم، وبدأت "مطربة السندويش" تجنح إلى الأفول بعد النجاح والإشراق، وكادت في مرحلة أخرى أن تدخل طي النسيان لولا أنها تداركت نفسها، فغيرت لون غنائها وأطلت بالأغاني التي لحّنها لها كمال الطويل. هكذا انقلبت صباح بأغانيها من مطربة مرحة إلى مطربة حزينة، وكشفت قدرات صوتها، وبدأت منذ ذلك الحين تتحول إلى مطربة بعدما كانت أقرب الى المنولوجيست. ساعدها هذا النضوج المزدوج جسدياً وصوتياً على تقدمها كمطربة وممثلة، وأتاح لها مشاركة ناجحة في الغناء المصري. كذلك كان لها دور كبير في إدخال الأغنية اللبنانية الى القاهرة، واستطاعت عبر الأغاني الخفيفة أن تقرّب اللهجة اللبنانية الى القلوب بعد تعاونها مع كل من رياض السنباطي وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب ومحمد الموجي وبليغ حمدي.
كان صوتها يتجلى على حقيقته في الأغاني اللبنانية والمواويل الجبلية ذات الامتدادات الصوتية حيث ينتقل صاعداً من طرفه الثقيل الى طرفه الحاد وعلى العكس، ممتداً على 14 مقاماً سليماً يندر أن تتمتع بها مطربة لبنانية في هذه الأيام .
ما لبثت صباح أن صارت فتاة أحلام الشباب، وارتفعت أسهمها في مصر ولبنان وتوالت بطولاتها السينمائية لتبلغ حوالى 85 فيلماً مع كبار الممثلين، من بينهم رشدي أباظة، أحمد مظهر، محمد فوزي وفريد الاطرش، ومن بين الأفلام التي شاركا في بطولتها سوياً: "بلبل افندي" و"ازاي انساك.".
عندما سافرت صباح الى القاهرة لأداء دور البطولة في فيلم "القلب له واحد"، رافقها والدها جرجي وكان شديد السيطرة عليها، يتصرف بأموالها ويوقّع العقود السينمائية عنها. وصفته صباح في إحدى اللقاءات التلفزيونية بالقاسي، وأضافت أنه سبّب لها عقدة نفسية دفعتها إلى الزواج أكثر من مرة لتثبت لنفسها أنها امرأة مرغوبة، بعدما دأب والدها على تذكيرها بأنها ساذجة. تروي صباح أنها لم تعرف لغاية اليوم أين دفنت والدتها، إذ كانت في القاهرة عندما وقعت جريمة مروعة وذهبت الأم ضحيتها، فعادت صباح ووالدها الى بيروت عن طريق البحر، وكل ما عرفته آنذاك أنها قتلت في برمانا. قيل إن شقيق صباح شاهد والدته مع عشيقها فقتلها وهرب إلى إحدى دول أميركا اللاتينية.
ما إن بلغت صباح السن القانونية (أي الثامنة عشرة)، حتى تزوجت من نجيب الشماس، الذي لم يكن أقلّ من الأب في فرض القيود عليها وحرمانها من مكاسبها، مع أنها رزقت منه بابنها الوحيد صباح، إلا أنها لم تستطع الاستمرار في العيش معه. كان نجيب شماس في عمر والدها، قبلت به ولم تختره، عندما اختار طرابلس لإقامته لم تستطع العيش بعيداً عن العاصمة وعن القاهرة، فطلبت الطلاق لأنه منعها من السفر إلى القاهرة لتصوير فيلمها "سيبوني أحب". تذكر صباح أنها ارتبطت بعلاقة صداقة مع آل فرنجية، خصوصاً لميا ابنة الرئيس سليمان فرنجية، فلجأت إليها عندما رفض نجيب شماس السماح لها برؤية ابنها (صباح) بعد انفصالهما، وساعدها الرئيس فرنجية على لقاء ابنها وكانت تمضي معه ساعات بعد طلاقها من نجيب شماس.
وافقت صباح على الغناء في ملهى طانيوس في مدينة عاليه، وكانت تسعى إلى أن تكون إطلالتها بمثابة مفاجأة للناس والمهتمين بالشؤون الفنية. في تلك الفترة، سرى خبر قصة حب ربطت بينها وبين أحد الأمراء العرب، دامت العلاقة أسابيع، تمّ بعدها الانفصال بسبب رفض صباح اعتزال الفن، ورفض أسرة الأمير زواجه من فنانة.
اعتادت صباح أن تغني، واعتاد أن يرافقها عازف الكمان أنور منسي مع الفرقة، ومن خلال اللقاءات المتتالية، كان أنور يبادل صباح الإعجاب الذي تحوّل في ما بعد إلى حب وزواج ورزقت منه ابنتها هويدا، اختارت اسمها نسبة إلى أغنيتها اللبنانية "يا هويدا هويدلك". غير أن هذا الزواج انتهى بالطلاق أيضاً لأسباب، من بينها أن أنور كان يحبّ المقامرة والسهر ويهمل البيت، ويضرب صباح عندما ترفض أن تعطيه المال اللازم للمقامرة.
بعد طلاقها من أنور منسي، وفي أثناء وجودها في لبنان، سرت إشاعة تفيد أن صباح ستعود إلى زوجها الأول، لكن ما إن عادت إلى القاهرة حتى تبددت الإشاعة، لتنتشر أخرى تقول إن قصة الحبّ التي جمعت بين صباح والمذيع المصري أحمد فراج توجت بالزواج. سارع الاثنان إلى نفي الخبر ولكن القصة كانت حقيقة، وتزوج الحبيبان.
سرعان ما ظهر الاختلاف بين عقليتيهما، فهي فنانة وهو متديّن. طالبها بعدم أداء أدوار مثيرة في السينما، ارتداء الملابس المحتشمة، إلغاء رقة الصوت في أغنياتها، الابتعاد عن الغنج والدلال في تصرفاتها، عدم تقديم المشروبات الروحية لضيوفها. وكان يتنصت على مكالماتها الهاتفية ويشكّ في تصرفاتها. أدركت صباح أن الزواج لن يدوم، فرفضت فكرة الإنجاب. وبعد سنوات ثلاث تمّ الطلاق بين صباح وأحمد في ربيع 1963.

هياكل بعلبك

عادت صباح إلى لبنان، لتستقر فيه، ووقفت على أدراج هياكل بعلبك ضمن مهرجانات بعلبك الدولية وقدمت مسرحيتي "موسم العز" (1960) و"دواليب الهوا" (1965) للأخوين رحباني، كذلك قدمت مع الفنان روميو لحود مسرحيتي "الشلال" و"القلعة" على أدراج هياكل بعلبك ومسرحيات أخرى مع لحود في المناطق اللبنانية، وشاركت في بعض الأفلام السينمائية. وفي مطلع مايو 1967، استيقظت بيروت على خبر زواج صباح ورشدي أباظة من دون مقدمات. عقد الزواج في المحكمة الشرعية في صيدا في الثاني من مايو 1967، وبعد يومين سافرت صباح إلى المغرب لارتباطها بعقد مسبق لإحياء سلسلة حفلات غنائية. بعد فترة، عادت إلى بيروت وطلبت الطلاق من رشدي الذي كان غادر بيروت إلى القاهرة. تردد كلام كثير حول هذا الزواج ومنه أنّ نجلها صباح كان أول المعترضين وأن مصالحها كفنانة أصيبت بأضرار، وأنها عاشت قصة حب مع أحد أمراء المغرب، وأنها اكتشفت أن سامية جمال ما زالت على ذمة رشدي وعندما واجهته بالحقيقة لم يستطع الإنكار وتمّ الانفصال.
لم تتوقف الإشاعات عند هذا الحد، بل تردّد أن صباح تزوجت رشدي بالإكراه، لأنه كان يلفّ ويدور حول ابنتها هويدا، فلم تجد وسيلة لردعه سوى الزواج منه. في برنامج "سيرة الحب" مع الكاتبة الكويتية فوزية الدريع، أكدت صباح أنها أحبّت أباظة كثيراً، لكن لأسباب تتعلق بشراهته في الشرب، لم تتحمله. أما في حالاته الطبيعية فكان يعاملها أحسن معاملة وظل يرسل إليها الورد الأحمر بعد طلاقهما.حتى إنّ آخر كلمة نطق بها قبل وفاته في المستشفى كانت صباح على ما كان يروي صديقه الممثل الراحل ابراهيم خان الذي شهد تلك الواقعة. سريعاً تحولت صباح، بعد شهرتها، شغل المجلات الفنية الشاغل، فصارت أخبارها مروحة القراء والفضوليين. منذ الخمسينيات حتى الآن عشرات المطبوعات اختارت الشحرورة نجمةً على أغلفتها فبدت كأنها لوحات تشكيلية، مشيرة إلى بدايات انتشار الصورة الملونة. وكثيراً ما صارت صور صباح ملصقاً أو صورة لرزنامة تهدى مع المجلات الفنية مثل "الشبكة" و"الكواكب". وكانت ترتدي في هذه الصور الأزياء المميزة وتواكبها التسريحات الخاصة. وإذا كانت صباح سباقة في أن تكون نجمة أغلفة ملونة، فهي تفضح زمن الفوتوشوب وجراحات التجميل السائدة اليوم.
في صيف 1970، تزوجت صباح النائب جو (يوسف) حمود، وكان مختلفاً عن الرجال الذين عرفتهم في حياتها. رضيت بالقيود التي فرضها عليها أولاً لأنها أحبته، وثانياً لأنها كانت تشعر بأنه يحبها بإخلاص ولم يقف حائلاّ بينها وبين نشاطها الفني. كانت أول إطلالة اجتماعية لهما في حفلة أقيمت في فندق "شبرد" في بحمدون، وكانت المناسبة تقليدها وسام الاستحقاق اللبناني برتبة فارس. ضمّت الحفلة إلى جانب وزير التربية جوزف أبو خاطر، الرئيس كميل شمعون، الموسيقار محمد عبد الوهاب، المخرج هنري بركات وغيرهم .
عاشت صباح أياماً صعبة بعد طلاقها من النائب جو حمود، بسبب عدم توافر أي عمل مسرحي، ولم يكن ممكناً لها أن تعدّ مسرحية جديدة بعد الانتهاء من عرض مسرحيتها "الجنون فنون".
في تلك الفترة، طلبت منها صديقتها إيفيت سرسق أن تشارك "فرقة السيغال" بغنائها، خصوصاً أن الفرقة تقدّم الحفلات في المناطق اللبنانية كافة. وافقت صباح لأنها وجدت نفسها أمام عمل فني متجرّد يسليها ولا يرهقها، هكذا انطلقت في هذه التجربة وتعرفت خلالها إلى وسيم طبارة، أحد نجوم الفرقة البارزين. لم يضيّع وسيم الوقت، فأعلن حبه، ورغم الأسباب والأعذار التي قدمتها لتصرف عنها اهتمامه وتحول دون المضي قدماً في الحب، فإن الزواج تمّ في 18 أغسطس 1973. قالت صباح بحسب مجلة "الاسبوع العربي" (العدد 1395): "إنه ليس زواجاً عادياً أستطيع أمامه القبول أو الرفض، بل قصة حب لم أستطع أنا ووسيم مقاومتها، وهذا بالطبع شعور نبيل يجعل من زواجناً صرحاً لا تزعزعه الأعاصير". 
سنوات على زواجهما، وبدا أن الحب بينهما هدأ بعض الشيء، فجأة ومن دون سابق تصور وتصميم، أعلنت صباح إنهاء علاقتها بزوجها وسيم تمهيداً للطلاق، والسبب قالت: "اكتشفت أخيراً أن وسيم بات يهتم بنفسه أكثر مما يهتم بي، وأن الحفلات المسرحية التي أقيمها هنا وهناك لم تعد من اختصاصي إنما من اختصاص وسيم، وأن طموحه الفني لم يعد يكفيه، بل يريد أن ينطلق انطلاقة عالمية في الإخراج". ما إن وصلت صباح إلى بيروت، آتية من لندن، حتى كان الطلاق قد تمّ. تردّد أنهما افترقا بعد خيانته لها وأنها تأثرت بهذه العلاقة وحوًلتها إلى فيلم سينمائي مع الممثل المصري حسين فهمي وكان فيلم "ليلة بكى فيها القمر".
أما زواجها من الفنان فادي (قنطار) لبنان الذي كان يصغرها بأكثر من 20 عاماً فانعكس عليها سلباً. تمّ الزواج في لندن بتاريخ 18 مارس 1987، وبسببه هاجمها الإعلام اللبناني آنذاك متّهماً إياها بالجنون. بعد مرور حوالى العشرين عاماً على زواجها الأخير، انفصلت صباح عن فادي في عيد العشاق في فبراير من العام 2002 واعتبرت أن زواجها منه كان غلطة لن تسامح نفسها عليها. 
تعتبر أن سبب زيجاتها الكثيرة احترامها لمكانتها كمطربة معروفة، ولم تكن تسمح لنفسها ولا لمكانتها بإقامة علاقة "محرمة" مع أحد عشاقها، وكانت تشترط الزواج كإطار شرعي لأي علاقة غرامية. 
تعترف صباح بأنها لم تكن محبوبة من أي من أزواجها وتقول: "أحببتهم جميعاً، لكنهم اعتبروني "مدام بنك". لم يحبني أحد". كذلك اعترفت بانتهاء معظم زيجاتها بسبب خيانة بعضهم لها، مشيرة إلى أنها ساعدت الكثير منهم على ولوج عالم الأضواء ودعمتهم مادياً. 



صباح بقلم دلال البزري

نوفمبر 27, 2014 اضف تعليق
الفنانة اللبنانية صباح امرأة فريدة. إنها صاحبة معانٍ عن الزمن، لا تكف عن بثّ إشاراته في فضائنا وفضائياتنا.
إنها ابنة العصر بامتياز، وقد تكون سبقته. قلبت التقسيم الجنسي لغراميات النجوم، نجوم الفن او السياسة او الأعمال البيزنس وفعلت ما يفعله زملاؤها بالضبط: دأبت وما زالت، على تبديل الشركاء الشرعيين الذين صاروا مع الوقت يصغرونها بعقود.
فصباح، بعد سبع زيجات أو ثمانٍ، تكلّل اليوم حياتها أو لا تكلّلها، فهذه قد لا تكون آخر قصصها، بالارتباط بشاب وسيم للغاية هو ملك جمال لبنان. وانتخاب "ملك جمال" لبنان، هو بذاته في طليعة مؤشرات الزمن: إنه انقلاب في التقسيم الجنسي للغراميات. شاب يصغرها بخمسة عقود ونصف، يعشقها كما يقول. وعلينا أن نصدقه.
وصباح تصرفت تماما مثل زملائها الآخرين من النجوم، لكنها اختلفت عنهم بشيء أساسي جدا، هو اعتنائها بمظهرها. فهي خلافاً لهم، بعد السبعين، تحافظ على قوام ممشوق، ترتدي دائماً أحلى الفساتين، وتسرّح شعرها بآخر التقليعات. ورغم تغيّر ملامحها وصوتها بأثر من الزمن وربما من عمليات التجميل، إلا انها ما ان تبدأ الكلام حتى تشع الابتسامة المضيئة على وجهها، وتتوزّع السعادة في المحيط. وهي بذلك غلبت الرجال المتشبّثين بالتقسيم القائم للغراميات، ليس فقط لأنها مارست ما هو اختصاصهم الأعز على قلبهم، بل لأنها عبرت عن حبها لرجالها الشبان خاصة الأخير وما قبل الأخير بعبارات صريحة واضحة وبحلّة أنيقة مليحة وذات قوام.
وهذا ما يفسر، ربما، الموقف الأخير للصحافة منها، الذي يدعوها الى الاعتزال أسوة ببقية الفنانات السبعينيات اللواتي اختفين من المشهد، ويستنكر غرامياتها في هذا السن، ويقارن بينها وبين "القدوات" الحسنة من الفنانات الأخريات "المحترمات". وهي الصحافة نفسها التي لا ترى غضاضة في ارتباطات مماثلة لنجوم من الرجال، بل تعتبرها غنيمة. ألم يكتب، مثلاً مراسل إحدى المجلات السياسية العربية من بيروت "تحقيقاً" حيث سأل كلاً من طالبات الجامعة الاميركية "هل تقبلين بفلان عريساً لك؟"، والفلان هذا هو نجم من نجوم السياسة متزوج ومقبل على الستين!
وفي هذه النقطة من إشارات صباح الى الزمن يتجسد وجه من وجوه التبادل بين الجنسـين، لكنه هذه المرة يعمل مقلوباً: فبدل ان تكون المرأة صبية مغمورة جميلة تعطي نفــــسها للنجم العجوز، اصبحت المرأة العجوز هي التي تجذب اليها الشاب المغمور الوسيم... ملك الجمال! إنه تبادل مقلوب للجنس، لا أعرف مثيلاً له في الشرق، بل نادرا ما حصل حتى في الغرب المعاصر. وقد تكون الفاتنة الاميركية اليزابيث تايلور، السبعينية أيضاً، هي النظير الغربي لصباح. وهي مثل صباح، إمرأة فريدة.
الجانب الآخر من علاقة صباح بالزمن لا يفوت أيضاً جمهورها الواسع، وإن اختلفت عباراته. وواحدة من هذه العبارات ما هو شائع وسط اللبنانيين: إذ لا يجتمع إثنان منهم حول صباح إلا ويحضر السؤال عن عمرها: "دخْلكْ! قديش كم عمرها صباح؟".
في الماضي، أي منذ عقدين، كنا نسخر مما نعتبره تصابياً من جانبها، ونتهكّم على دلعها وشعرها وإفراطها في الاناقة، متناوبين على اعطائها المزيد من السنوات، إذ كانت تدّعي، في تصابيها، انها تنافسنا نحن الشديدات الاعتداد بصَبانا.
أما اليوم فان السؤال نفسه عن عمرها يجرّنا الى عمرنا نحن، فتتجدد دهشتنا، لكنْ هذه المرة برقة وإعجاب وبإحساس عميق، ربما، حيال ما تقصده صباح مما تفعله، او بالاحرى تعلن انها تفعله أمام الجمهور. فنحن لا نستطيع التوغل في أعماق روح صباح، لكن الاشارات التي تبثها الينا، وترجمتها هي لمعاني الحياة، تختلف جذريا عما تبثه الفنانات الأخريات: ففي حين تخشى معظمهن القيل والقال والشائعات ويتدثرن بلباس الفضيلة، وكأنهن مرشحات للتطويب، وفي حين ان الغالبية ايضاً تتفادى السخرية والمحرمات.
ولا تملك الطاقة والشجاعة على مقاومة الكسل والتراخي، فترمي الواحدة من هذه الغالبية كل ثقلها المادي على زوج ينفق عليها في عسرها، وتفقد الكثير من حريتها، تطلع علينا صباح دائما بقصة اخرى، بنغمة اخرى، بتسريحة وفستان آخرين تشي معالمهما بانها لم تدخر جهدًا إلا بذلته في سبيلهما، فتطفح منها الديناميكية والقوة
وبأسلوبها الفريد في التمسك بالحياة، فكأن جل مرادها إسعادنا بمجرد حضورها هذا و... في هذا العمر بالذات. والآن أتخيل السؤال الاستنكاري القادم: إذاً يمكن اعتبار صباح قدوة حسنة يُقتدى بها؟ وهو سؤال يبطن ما يبطنه من تعيين للـ"قدوات" الأخريات من نجمات الفن، المعتزلات او المختفيات او المحجبات او "المحترمات". والجواب عندي ان لا قدوات في العصر الفوضوي الراهن. فنحن في هذا العصر المفتوح على كل الاحتمالات، المتعطش للإختلافات، كلٌ منا يلتقط احتمالاته بفرديته، بحسب تجربته الخاصة وتكوينه الثقافي وما ينتظره من الحياة.
صباح ليست قدوة، وهذا ليس انتقاصاً من قيمتها، بل هو تعزير لقيم الاختلاف: صباح فنانة حقيقية أعطت من وقتها واستقرارها وغرامياتها، وربما من صحتها أيضا، من اجل اختراع نفسها وإسعادنا بها. وهي أدمنت ذلك طوال حياتها المديدة، الى حد انها لن تموت إلا وهي مبتــسمة تلك الابتــسامة المشــرقة المصرّة على آخر قطرات الحياة. وأخشى ان لا نفهم إلا بعد موتها كل الإرث الذي صنعته لنا بصوتها الصادح ومظهرها المبهج: إرث من القصص التي لا تنتهي، فيها الذاكرة وفيها الخيال. إرث من الكرم والتسامح والحب الفريد من نوعه للحياة، وعلاقة بالزمان هي من الأكثر فرادة.

عن صباح والشماتة بفيروز... لنبيل أبي صعب

نوفمبر 27, 2014 اضف تعليق
لا أفهم هذه الشماتة بفيروز عند تمجيد صباح. أعتقد أنها في جزء منها تبرؤ من ماض شخصي ما، وليس في ذلك ما هو سيء أو جيد لأنها سُنة التقدم بالعمر. 
وفي الشماتة جزء آخر من يأس موجع من إمكانية استمرار أي شيء ذي قيمة على قيد الحياة، ما يحتم الانحياز التلقائي للموتى الذين عاشوا أندلس الستينات – سبعينات وما بقي هو نوستالجيا وهزائم، وما الأحياء منهم سوى أشلاء آيلة الى الموت. والأحياء بهذا المعنى الجنائزي أموات كامنون يلهثون الحياة بانتظار الموت الحقيقي. 
كما أنها امتداد لحالة التنكيت المستمرة على كل ما له علاقة بالحيز العام، وفيروز مثال، ما يعكس مرارة وخيبة من حال لبنان المتخيل الذي أنزل من الجنة بعدما أكل التفاحة (وأكل الضرب). 
وربما في جانب من الشماتة انحياز تلقائي الى الشقراء على حساب السمراء، والى الجمال على حساب الذكاء والجهد.
وما الشماتة بفيروز والانحياز الى صباح إلا سير على ما تسعى المرثيات الى التبرؤ منه. فتمجيد صباح الحية رغم موتها مقابل ذم فيروز الأيقونة الميتة رغم بقائها حية خيانة للفكرة الصباحية نفسها. 
فصباح، وفق المنطق هذا، رفعت الى منزلة شهيدة عشق الحياة رغم أن مجدها المفترض ينبع من أنها مثال للراهن المتفلت من بلادة الماضي. 
فيروز تجددت ثم تغيرت وبقيت حية فنياً أكثر من صباح بعقدين ونصف على أقل تقدير. وصباح غنت ما لم تستطع فيروز أن تؤديه، ودليل على ذلك اختلاف ألحان العبقري فلمون وهبة مثلاً بين ما أعطاه لهذه ولتلك. 
ما أستغربه أن تقويم أي من المغنيتين يتوقف عند صورتيهما في مرحلة تلفزيون لبنان بالأبيض والأسود وكازينو لبنان والسان جورج، ويمحي كل ما تبع ذلك من ألبوماتهما. وفي ذلك رفض دفين للأربعين عاماً الأخيرة من عمر لبنان، وهو امتداد لرفض تقبل هذا اللبنان الموجود خارج الذاكرة. 
وأذكر كيف أن فيروز غنت حتى سقوط المطر في مهرجان بيت الدين وأغرقت الحضور بصوتها فما همه من البلل، فيما كانت صباح تحيي سهرات عادية جداً وهابطة مع فرقة فادي لبنان، في نمط يشبه حفلات وديع الصافي وخوسيه فرنانديز. 
لكن ذلك لا يمنع أنني لطالما أغرمت بصباح وبفساتين صباح الطويلة وشعرها الكبير وصف أسنانها الناصعة، وهي لم تذكرني يوماً بمارلين مونرو لأنها كانت أشبه بداليدا، وهي مثلت سيدة الصالون وفتاة الجبل في آن، لا غواية غرفة النوم والشاطىء. 
وحين تغني صباح السبعينات فكأنها تقدم بسخاء عفوي حلوى نادرة صنعتها بيديها دون عناء الى مريديها التائبين. وأدعي أن صباح كانت ممثلة متواضعة القدرات (جداً) خصوصاً على المسرح، وراقصة سيئة، لكنها لم تكن في كل أدوارها أقل من امرأة فاتنة وساحرة فائقة الحضور.

قرصنة فايسبوكية

داعش في الامازون

نوفمبر 25, 2014 اضف تعليق
نشرت صحيفة "لوموند" اليوم خلاصة دراسة عن أحوال غابة الأمازون وانعكاسها على البيئة والإنسان. وجاءت فيها الأرقام المذهلة التالية:
في الأربعين سنة الأخيرة، تمّ تدمير ٧٦٣ ألف كيلومتر من مساحة الغابة. ما يوازي ١٨٤ مليون ملعب فوتبول، وضعفَي مساحة ألمانيا. كأنَّ جرّاراً زراعياً (طول شفرته الأماميّة ثلاثة أمتار) ظلّ يتقدّم بسرعة ٧٥٦ كلم في الساعة لمدة أربعة عقود متواصلة. 
محصّلة هذا الكابوس: ٤٢ مليار شجرة مقطوعة، أي ألفَي شجرة كل دقيقة، أو ما يعادل ثلاثة ملايين شجرة في اليوم الواحد.
المناطق المدمّرة بنسَب متفاوتة (تبلغ ١،٣ مليون كلم مربع)، إذا ما أُضيفت الى الأماكن التي اقتُلعت أشجارها كلياً، تصبح مليونَي كلم مربّع، أي ما يوازي ٤٠ في المئة من غابة الأمازون (من جهة البرازيل فقط)...
يقول المتخصّصون إنّ كلّ شجرة تُقطَع من غابة الأمازون تترك أثرها على مناخ العالم أجمع. الشجرة نظام مركَّب وغني ومصدر أساسي لتوليد الماء وتنقية الهواء...
عالم الأنتروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي ستروس صرّح، قبل رحيله، بأنّ الكرة الأرضية ولدت قبل ملايين السنوات من ولادة الإنسان وسينتهي الإنسان قبل ملايين السنوات من نهايتها"...
ما تتعرّض له غابة الأمازون - والبيئة بصورة عامّة - من تدمير سريع ومنظَّم، وما يترتّب على ذلك من انعكاسات على جميع الكائنات الحيّة، يدفعنا إلى القول إنّ "داعش" موجود في كلّ مكان وبأشكال مختلفة.

عن صفحة عيسى مخلوف الفايسبوكية

هاجسان ونقطة لزهير دبس

نوفمبر 25, 2014 اضف تعليق



حادث تحطّم الطائرة الأثيوبيّة بعد دقائق من إقلاعها من مطار رفيق الحريري الدولي في العام 2010، ومصرع عشرات المغتربين اللبنانيين ممّن كانوا على متنها، إضافة إلى حالة الهلع التي بدأت تصيب اللبنانيين جرّاء انتشار مرض «الإيبولا» في أفريقيا، هاجسان أشعلا مخيّلتي وضغطا عليها بقوّة لحظة البدء بحزم حقائبي والتوجّه إلى المطار ومنه إلى مدينة «بونت نوار» في جمهوريّة الكونغو- برازافيل من أجل إعداد ملفّ صحفي عن اللبنانيين هناك.
الهاجسان لم يتولّدا من الفراغ، فالطائرة التي ستقلّني أثيوبيّة، وستكون محطّتها الأولى «أديس أبابا» قبل أن تتابع إلى مدينة «بونت نوار» الواقعة على المحيط الأطلسي، وأيضاً التوقيت هو نفسه الذي أقلعت فيه الطائرة في العام 2010 وتحطّمت حينذاك. أمّا لماذا الإصرار على السفر عبر خطوط شركة الطيران الأثيوبيّة، فلأنّ معظم اللبنانيين في عدد من دول أفريقيا يسافرون عبر هذه الشركة لأنّها الأكثر اختصاراً للوقت وللمحطّات.
هذه حكايتي مع الهاجس الأوّل، أمّا الهاجس الثاني وهو «الإيبولا»، فقد عشت وقبل حوالى الشهر من السفر، تحت وطأة الإجابة والردّ عن الأسئلة كافّة التي كانت تردني من الأهل والأقارب والأصدقاء والتي تقول لي: «شو ماخدك على أفريقيا؟! مش عم تسمع شو عم يصير؟! مرض «الإيبولا» عم ينتشر وبلا هالروحة»!!
في الثالثة والنصف فجر يوم الجمعة، أقلعت الطائرة الأثيوبيّة بنا من المطار متوجّهة إلى «أديس أبابا». الجوّ كان لطيفاً، لم أشعر بإرباك كبير، بين يدي كتاب «حيّ الأميركان» لجبور الدويهي كنت قد اشتريته قبل يومَين من سفري ليكون صديقاً لي في رحلتي. أدرت الإضاءة الخاصّة بمقعدي بعدما تمّ إطفاء الأضواء في الطائرة، وشرعت بقراءة الكتاب وحرصت على أن لا أزعج الراكب الجالس بجانبي الذي منذ لحظة إقلاع الطائرة بدأ يغطّ في نومٍ عميق.
بين الكتاب والنظر من نافذة الطائرة نحو ذلك الليل الغارق في سواده، بدأ الوقت يمرّ بطيئاً. تتوالى صفحات الكتاب التي أقلّبها بين يدَيّ، ويتوالى هدير الطائرة التي تشعر عندما تنظر من نافذتها أنّك تُبحر في العدم. مشهد الليل الذي استمرّ طويلاً بدأ يتلاشى أمام انبلاج الضوء في سماء أثيوبيا، ومعه بدأ المشهد يتكشّف عن لوحة طبيعيّة رائعة الألوان. هنا أثيوبيا، ومعها تزدحم المخيّلة بالصورة النمطيّة التي تحضر فور ذكر اسم هذا البلد كونه بلد العاملات اللواتي يتدفّقن إلى لبنان من أجل العمل كخادمات في المنازل.
قبل هبوط الطائرة بدقائق، استيقظ جاري في الرحلة، وبدأ بالتثاؤب وفرك عينَيه والتلفّت نحو عروسه التي اصطحبها معه من لبنان إلى أفريقيا، ثمّ التفت إليّ متحدّثاً معرّفاً عن نفسه أنّه من صور، وأنّه متوجّه إلى كينشاسا، ثمّ بادرني بالسؤال التقليدي: من أين؟ وإلى أين؟ وعندما أجبته أنّني صحافي ورحلتي هي من أجل إعداد ملفّ عن اللبنانيين في الكونغو، وأنّني سأذهب إلى كينشاسا بعد انتهاء مهمتي في برازافيل، وذكرت له اسم الشخص الذي سأذهب إليه، فأجابني أنّ الشخص الذي ذكرت إسمه هو قريب له. فتوطّدت علاقتنا في دقائقها الأخيرة، وتبادلنا الأحاديث واتّفقنا على اللقاء في كينشاسا.
لم تدم طويلاً فترة الصباح في «أديس أبابا»، فسريعاً أقلعت الطائرة المتّجهة نحو «بونت نوار»، وعلى مقعدي تكرّر المشهد نفسه الذي رافقني من بيروت إلى «أديس أبابا»، لكن هذه المرّة كان إضافة إلى الكتاب ضوء الصباح الذي تكشّف عن أسراب لا تنتهي من الغمام لم يتّسع لها صحن السماء.
الطريق إلى «بونت نوار» كانت معبّدة بالغيم، مرصوفة بالأفق الأزرق يزنّرها ويزيّنها من كلّ اتّجاه في مشهد طال لساعات وكأنّه لوحة معلّقة على صدر هذا الكون الفسيح المترامي.
صفحات الكتاب المتبقيّة بدأت تتضاءل، ومعها بدأت الرواية تتكشّف عن نهايتها، ومعها أيضاً بدأ موعد الهبوط يقترب... إنّها الثانية عشرة والنصف ظهراً بتوقيت «بونت نوار».. المناطق المحيطة بالمدينة بدأت تتكشّف، بدأ قبطان الطائرة بالانخفاض تدريجيّاً. الأبنية ومعالم المدينة وتفاصيلها تقترب أكثر، والحركة داخلها أصبحت واضحة وتراها بالعين المجرّدة. المطار أمامنا ومدارجه مفتوحة للهبوط، ومعه تبدّد الهاجس الأوّل ليخيّم على مخيّلتي الهاجس الثاني بعدما شاهدت الاجراءات الصحيّة الصارمة والطواقم الطبيّة التي يرتدي أفرادها ثياباً خاصّة عازلة وفي أيديهم آلات الفحص، ما زاد من هواجسي وأقلقني وأدخل الخوف إلى قلبي، لم يبدّده سوى ابتسامة سلام العبد الله واقفاً ينتظرني في صالة الاستقبال قائلاً: «أهلاً بك.. نوّرت «بونت نوار».

زهير دبس - استراحة مجلة «المغترب»

"مذكرات جنين" قصة لمحمود الحجيري

نوفمبر 24, 2014 اضف تعليق

في احدى الليالي الدامسة الظلام من فجر القرن  الذي افل واعتلى ليتكدس على جدران التاريخ منذ عقد ونيف من السنوات، وبينما كانت والدتي المنفوخة لمرحلة الانفجار من جراء ليلة ممتعة تتجول في بهو الدار، شعرت بآلام الطلق ودخلت المخاض فحملت الامها خطوات قبل ان يتوارد انينها الى اسماع ابي ويهب لمساعدتها بعطف وحنان من اجل الوصول الى مخدعها والذي اعد خصيصا لاستقبالي بعد طول انتظار.



 لكن لست انا!! بل هو، حيث مدت فراشا من الصوف كانت قد جهزته من ضمن جهاز عرسها، وهذا بالطبع من حق رقبتها حسب الكلام المتداول في مجتمعنا لكن هو في الحقيقة حق تلك الجلدة الهلامية التي تقبع في اعماق ذلك الشق المنخفض الذي يقسم مروج العانة بين شمال وجنوب ومرتفعات والذي يحلم الكبير والصغير بالغطس به وسبر اغواره، وعندم اوصلها ابي الى ذلك الفراش السميك وضعها في حالة الاسترخاء والاستقامة كنت في تلك اللحظة اجهز نفسي لأخرج من تلك المغارة المظلمة، ولكن كنت اتريث خوفا من قصف بالمنجنيق لمواد لزجة اصابتني عدة مرات  في انحاء  متفرقة من جسدي وتحديدا على راسي وتسبب الانزلاق والتهور في الاودية والمنحدرات، ومع انبلاج الفجر وسطوع الشمس وبدء الحركة  تذوب هذه الكتل وكان الخوف من عواصف رعدية وضغط جوي منخفض وصواعق، يحدث بين مفاصل الايام  وبعد حالة الترقب التي استمرت لساعات وتاكدت بان الطريق سالك فكرت بالخروج من هذا الدهليز القاتم المنتهى ببصيص نور منبعث من قنديل زيتي تعصف به الانفاس ويهاب حركة رداء عفوية، استعديت ورحت امزق عبائتي واخفف من حملي علني امر بسهولة وبعد عدة محاولات فاشلة كدت ان اصل الى مرحلة القنوط.


 اخذت نفسا عميقا بعد ان جمعت ما تبقى لدي من قوة وهجمت اصارع جدران ذلك النفق وشعرت اني اقترب من ذلك الضوء الخافت وبعد عدة محاولات تمكنت من اجتياز ذلك النفق والوصول الى المدخل الرئيس  وكان ضيقا وكدت ان اختنق لكن شعرت بقوة غريبة تساعدني على الخروج ولأول مرة احتك نظري مباشرة مع الضوء ولم اكن اعرفه حتى اميزه واصف قوته، وما هي الا لحظات حتى صرت في العراء وسمعت صخب وتهليل لم اسمعه من قبل وشعرت ببرودة لطيفة تخيم على مسام جلدي الناعم، وتفاجئت بهذا الحشد في استقبالي على مدرج الحياة ، وسمعت صوت غريب اشبه بصوت احتكاك المعادن التي الفتها فيما بعد فدب الرعب في قلبي لكن مرت بسلام  وبعد ذلك علمت ان ذلك هو المقص الذي قطع صلة الوصل بين عالمي القديم والجديد، وبعد لحظات شعرت بيد يبعد ركبتي عن بعضهما وسمعت كلمات بصوت منخفضK لم افهم معناها وبدا الصخب يخفت تدريجيا وخيم جو من السكون التام حتى مرحلة سيطرت صوت القنديل المضطرب على جو الغرفة الملبد بالغيوم الحزينة، حتى اخترق جدار الصمت صوت صدح من تلك الزاوية المعتمة جنب الموقد وظاهر تاكل اوتاره بفعل تلاطم الايام وعواصف الزمن لكن ما تبقى منه يحمل الحكمة وزبدة التجارب والمشاهدات المتراكمة على مر السنوات ونطقت سيدة عجوز وقالت: ماذا جرى لكم؟ لماذا هذا الصمت وكانكم في مأتم؟ من انجبت البنت تستطيع انجاب الصبي، افرحوا لخلاصها وسلامتها وسلامة مولودها وان كان بنتا، وهنا كانت بداية معتركي في هذه الحياة وعلمت التمييز بين الجنسين الغير مبرر، فتنهدت احداهن وقالت: الحمد والشكر على سلامتها والبنت اخت الصبي لكن الشيخ كان بحاجة ليكون بكره صبي من اجل ضمانة استمرارية هذا البيت مفتوح، والله يطول بعمر الشيخ ونحن كنا طمعانون بالبشارة والذبائح لو كان المولود ذكر، لكن حظنا سيئ وعلى راي المثل : "اجت الحزينة لتفرح فلم تجد لها مطرح " وبدأت اصوات خجولة تهنئ والدتي بالسلامة دون ان يذكروني وكاني لم اتعذب في خروجي الى هذه الحياة.


 وبعد لحظات جاءت احداهن تحمل بين يديها وعاء فيه كمية من الماء الساخن ولحقت بها اخرى تحمل وعاء فارغ ومن ثم وضعتني بهدوء وتأني فيه مع همسات لم اعرف معناها ومسكتني من زراعي بلطف وحنان وراحت الاولى تسكب الماء على رأسي وتجول بيدها الحاضنة قطعة صابون انحاء جسدي المرهق وبكيت بصوت مرتفع لاني لم اكن اعلم ماذا يجري من حولي رغم شعوري بالانتعاش وقد شممت رائحة عطرة جعلتني اتعرف على وظيفة الانف غير التنفس ولم تستمر رحلتي طويلا بين قطرات الماء الدافئة حتى نقلت على راحة الاكف قبل تبتلعني قطعة قماش مترامية الاطراف بين طياتها لتمتص الرطوبة من منبسطات جسدي وشعابه، ومن ثم بدأت ارتدي ثوبا ابيض مطرز على اطرافه رسومات بسيطة بخيط ازرق وهي تقدمة من نساء القرية لأمي عربون وفاء لأبي  وفيما بعد تعرفت على رمزية الالوان في هذا المجتمع الذي شائت الصدف ان اهبط من عليائي فيه، وقد اكد العرافون والخبراء بقدومي ذكر ارضاء وتزلفا لرغبات والدي الميسور في حينه فمنهم من اعتمد على شكل انتفاخ بطن والدتي حيث حاملة الصبي ينتفخ بطنها ويعلو اكثر وتزيد حركة تنفسها اكثر، والاخرون ركزوا على المشي وقرأوا اثار الاقدام اذ حاملة الصبي تكون ارشق واسرع واكثر خفة بحركتها، وما تبقى قرأوا سمات الوجه وما عليه من سمات الحمل من نمش وكلف وعلامات الارهاق التي ظهرت على وجه حاملة البنت ووجه امي كان مشرق ونقي دليل على وجود رجل خفيف الظل في احشائها وبهذا يكون قد اجمعوا كل الخبراء والضالعين بعلم الطب والغيب والعرافة والفراسة على ان هذا الحمل هو صبي، وقد  مددوني على القماط ورشوا على جسمي الريحان المطحون ولفوني وحزموني بحزام  طويل التف على جسدي عدة مرات قبل ان تعقد اطرافه فوق صدري وحملتني احداهن بعناية وناولتني الى والدتي التي بدات تتخلص من الام مخاضي رغم الخيبة التي اصابتها حيث كانت تود ان اكون صبي لتضمن مستقبلها افضل وتسيطر على ابي بغناجها ودلالها بعد ان تكون وهبته ولي العهد واللقب باسم جدي لكن  حلت الخيبة ...

فشل مشروع قويدر لحرق كتب سعدي يوسف

نوفمبر 23, 2014 اضف تعليق

طالما
عدد خاص عن سعدي يوسف في بانيبال
أخفق مشروع قويدر الداعشي الذي حرّض على حرق كتب سعدي يوسف في شارع المتنبي ببغداد، فإننا نحتفي بهذا الحدث ، اللاحدث، عبر حكاية صغيرة لا علاقة مباشرة لها بأخي وصديقي الكريم سلام سرحان الذي أجلس إلى جانبه هنا في منزل صموئيل شمعون. فعندما ذهبت إلى لندن لتحسين لغتي الإنجليزية وأنهيت الدورة التعليمية سألني سلام: وكيف أصبحت لغتلك الآن؟ فقلت: "أبو كريوه يبيّن بالعبر"، وحرف الكاف هنا يلفظ جيماً مصرية. فتوقعت أنّ سلام ربّما لم يسمع بهذه المفردة. وفعلاً ذكر شيئاً آخر مختلفاً. فأدخلني مثلي في ورطة أنثروبولوجية. فقلت إنّ القروة، وهي مفردة عربية فصيحة، تعني انتفاخ الخصيتين أو إحداهما. وذلك يظهر لدى الرجل في حالتين وهو أنّ يكشف عنها سهواً فيقال "هلّا" أي أطلّ كإطلالة الهلال - وتستخدم المفردة عادةً للنساء -، والحالة الثانية هو أن يعبر أبو قريوة النهرَ، فيرفع ثوبه الطويل، وحينئذ يعرف الآخرون فيما إذا كان مصاباً بانتفاخ الخصيتين أم لا. وبما أنّ أجدادنا، ولا بأس أن نضيف إليهم جدّاتنا، لم يستخدموا السراويل الداخلية في العهود الغابرة فقد كان من السهل تماماً الكشف عن سلامة القوام ورشاقته أثناء عبور الأنهار والخوض في مياه الأهوار، وهو جانب عمليّ وجماليّ أيضاً. وكان الشيوعيون العراقيون يطلقون عليها "مرحلة المشاعية البدائية" لكي لا يشذّوا عن فرضية كارل ماركس عن المراحل التاريخية الخمس التي مرّت بها البشرية. ويقال إنّ الرجال العراقيين كانوا يشترون السراويل الداخلية لنسائهم حتّى مطلع الستينات، قبل أن تتولى النساء أنفسهن هذه المهمة المعقدة. فكان يأتي رجل ما في محلة "الكاظمين" مثلاً وينادي بائع السروايل الداخلية عن بعد: "لك داد أموري الورد، فد لباسين لأختك!"، بمعنى: "يا أخي عبد الأمير الوردة، هل يمكن أن تختار سروالين داخليين لزوجتي؟!



حسين الموزاني - فايسبوك

مقدمة كتاب "الوحي" لعائشة عجينة

نوفمبر 17, 2014 اضف تعليق

هذه مقدمة كتاب "الوحي/ بين شروط وجوده وتحولاته" للباحثة والكاتبة عائشة عجينة ننشره بالتعاون مع الناشر خالد المعالي. وتوقعه في معرض الكتاب في 5 الشهر الجاري، بعد الخامسة مساء

إن دافعنا للقيام بهذا البحث هو ما تمثله الظاهرة الدينية بكل ما لديها من مفاعيل وتداعيات عما هو يومي ومعيوش في حياتنا اليومية. فالدين ليس مجموعة من الأفكار الفلسفية التي تسبح في فضاء تجريد.
إن مشروعية الدين لا تنبني على الإحالة إلى الخارج، فنحن لسنا أمام كائنات تقع ما بإزائنا، نستطيع أن نرسم لها تصوّراً قاطعاً لجهة صحة أو عدم صحة ما يقوله الدين بشأنها. ولا يقوم نصاب هذه المشروعية على المنهج، بل على الموضوع. فالدين لجهة المعرفة الدينية التي تنتسب له وتدّعي التطابق مع روحه وجوهره، وإنْ كان يستدمج في تضاعيفه كل أشكال الإستدلال التي تخدم تصوراته، من استنباط واستقراء وما شاكل ذلك.. فإن مناط مشروعيته لا يتأسس هنا وإنْ كانت تلك الإستدلالات تأتي لتدعيم هذه المشروعية.
إن الدين يبدأ كلحظة تسليمية مطلقة تخضع لبديهية الإتصال بين الأرض والسماء، وللعلاقة التي تمَّ نسجها مع المقدس. والذي يبقى قاراً ومتركزاً في العقلية الدينية. إن هذه العلاقة لا يمكن إسنادها إلى أيّ سياق موضوعي وتاريخي، لأن اللحظة الدينية هي نتاج لتجلّي المقدس في المكان والزمان الذي يظلّ بريئاً من شُبْهة إحالته إلى المكان والزمان. بعدها، يشكل الدين فضاءً عمومياً من الأحكام التي تتكرّس نهائيتها في إحالاتها المتواصلة إلى المقدس. وبالتالي فإن الدين يتجاوز مجرد كونه أفكار وتصوّرات عامة تتصل بسؤال [كيف نفهم]؟ وذلك لارتباطه بآليات تستسلف أنماط وجودنا وطرائق عيشنا لتفتحنا على سؤال [كيف نحيا]

الدين هو نمط وجود وعيش أكثر من كونه نمط فهم. وعليه، فإن ما كان دافعاً ومحركاً لبحثنا هو مساءلة أسس المعقولية التي ينهض عليها نمط الوجود هذا.. فهل يملك الإنسان المتديّن فهماً عميقاً يسوّغ له العمل بما يؤمن فيه أو يعتقد به!
إن المرجعية المشروعة التي تؤمّن الإطار الأيديولوجي والأرضية النظرية للوعي الديني (من دعاة ومشايخ وفقهاء..) هي بمثابة السبب الذي يمارس حاكميته على تشكيل الفضاء العمومي للعقل الإسلامي الراهن، وفي بلورة الطرائق الحِجاجية وإرساء أنماط المعقوليات السائدة (أي أساليب التفكير) المتحكّمة في هذا الرأي العام الديني. بمعنى أن هذا (الوعي الجمعي) ليس ناجماً مباشرة عن هذه المشروعية/العلّة التي ـ وإنْ مارست عليه تأثيراً كبيراً بفعل حاكميتها الأيديولوجية ـ يبقى الإرتباط بينهما من خارج. هناك تلازم خارجي بين شيئين منفصلين وليس ثمة من مماهاة أو مطابقة، والسبب يعود إلى أن الوعي الجمعى في تصوراته واستدلالاته، أي لجهة مفاهيمه الدينية وسياقاته الإستدلالية، وفي إطار حركته في الهُنا والآن، لا يستند مباشرة إلى المنظومات والأنساق التراثية. 
 إن ما يفهمه رجال الدين من التراث ليس تراثياً بالكامل، بمعنى أن هذا الفهم يُمارس التقديم والتأخير، الحذف والإضافة، التبديل والتحوير.. وأهم ما يستخدمه هذا الفهم، هو الإجتزاء والإنحياز إلى معطى دون آخر. وطبعاً أن المفاضلة تتم هنا بناء على الحاجة الراهنة للمؤسسة الدينية. وبالتالي فإن ما يرتكز في الوعي الجمعي للمؤمنين من تراثهم هو ما تريد المؤسسة الدينية (أو ما يناسبها) تكريسه في هذا الوعي. 
إن الوعي الديني يستسلف مرجعيته التراثية على نحو مضمر لأنه على قناعة تامة بأن ثمة تسويغ وتبرير وبَرْهَنَة على كل ما يؤمن به، وهو بالتالي يتمترس ضد كل ما يشكل طرحاً جديداً ومغايراً لفضائه العمومي. إذن الوعي الجمعي يصدر أحكاماً [فهو يحكم أكثر مما هو يفهم]، وممارسته للحكم تنبع من مضمرة عامة مفادها أن كل شيء يجد ركيزته في المشروعية الدينية المتشكلة من تواشج النصوص التأسيسية والمؤسسات الدينية والتي يصدق ويؤمن بأنها تنقل له تراثه على نحو "شفّاف" و"صحيح".
وعليه، فإن أية عملية تنويرية تهدف إلى إعادة إنتاج هذا الفضاء العام لا بدَّ لها من تنويره من داخل لأن ممارسة الإستشكال الجذري بشأن أصوله ومبادئه وقواعده (على وجاهتها الفكرية) تبقى سلاحاً مفلولاً لا يُجدي، لأن هذا الرأي العام لا يلتفت جدياً إلى هذه المقاربات، التي تبقى محصورة ومتداولة بين نخبة تجد صعوبة بالغة في التواصل مع الجمهور، إلّا إذا بدأ يتسرب إليه حكماً من نوع آخر. 
وبعد، يتكون المعجم المفهومي للوحي من مجموعة من المفاهيم التي تُُشكل كلاً بنيوياً واحداً: كالذْكر والقرآن والكتاب والتنزيل... وهذه المفاهيم تفتح لنا سياقاً رمزياً يتكشّف لنا عن انخراط المتعالي في التاريخ وذلك من خلال مخاطبة الله للبشر بلغتهم. وهذه المفاهيم الدَوال تبقى ـ على الرغم من غياب مدلولاتها العصيّة على التعريف والحصر بشكل نهائي وحاسم ـ مؤشرات فاعلة على هذا الحدث الفريد لالتحام الذات بالعالم وتقاطعها مع ما هو (الأعمق) في جوهريته. والذي يشكل، بسحرانيته وغرائبيته المدهشة، جملة من الفواعل المهيمنة والمؤثرة على طريقة وأسلوب اشتغال المخيال الجمعي راسماً الأفق الروحي لأمة تبقى متوثّبة دائماً لاستدعاء هذه اللحظة في فرادتها القصوى بكل ما انطوت عليه من فاعلية رمزية ومن متحركات ما فتئت تتوالد، منمذجة الأقوال والأفعال في هذه المشهدية الغرائبية لحلول المقدس في الهُنا والآن ولحوار الأبدي مع الزائل.
وما يتبين للناظر في ضروب التقديس التي كان عرب قبل الإسلام يقومون بإسقاطها على الموجودات أو الظواهر الطبيعية، إن هؤلاء قاموا بنسج علاقة روحية مع المقدس، هذا المقدس ـ الذي يتمثل كقوة مفارقة أو محايثة تتجاوز ما هو إنساني، داخلة معه في لعبة الفعل والإنفعال، التشكل والتشكيل، والتأثر والتأثير ـ دائماً ما شكَّل هاجساً للإنسان في مكابدته ومقارعته لهذا الحضور اللانهائي الذي يتخطاه باستمرار مخلّفاً إياه أمام تناهيه ومحدوديته وعذاباته، وعموماً أمام كل ما هو ملتصق بالمشروطية البشرية من جهة وأمام رجاءه بالخلاص وأمله في كسر دوامة الخوف والرهبة والعذاب من جهة أخرى.
إن الوحي بما هو لحظة انخراط المتعالي في التاريخ ، دخول المفارق في الحدثي وتجلّي المقدس في الزمني، سواء كانت حدثاً تاريخياً وقع حقيقةً أو فعلاً بشرياً تمّت أسطرته لاحقاً وخُلعت عليه أستار القداسة، لم تكن لتتحقق لو لم تكن فكرة الإتصال بين قوة مفارقة (الله) وبين البشر أمراً وارداً وممكناً في المجال التداولي اللغوي والمعرفي لـ عرب الجزيرة قبل الإسلام، وتحديداً لا يكون الوحي ممكناً دون العلاقة مع المقدس، بمعنى أنه لا يمكن أن يحدث الوحي فعلاً في المجتمعات التي أنجزت حداثتها ونزعت الأسطرة عن العالم كما يعبّر ماكس ڤيبر.
لقد تجلّى المقدس لقُدامى العرب في الجزيرة العربية عبر أشكال متنوعة، فتَمَظهر لديهم كمجموعة من القوى الحيّة الفاعلة والمحتجبة وراء الموجودات بأنواعها (من جماد ونبات وحيوان). وقد عرف العرب التوحيد ولكن ذلك يستعصي على التحديد الدقيق لغياب ـ شبه كامل ـ للوثائق الإثنوغرافية الضرورية التي يمكن أن نقرأ من خلالها "الحياة الثقافية" لـ عرب "الجاهلية" من جهة، ولكوننا مضطرون غالباً للرجوع إلى النص الأول/القرآن، والنصوص التأسيسية/الصحاح، والمدونات التاريخية الإسلامية/النصوص الحافة، لأنه لم يصلنا من الوثائق المكتوبة آنذاك شيئاً (على افتراض وجودها). وبطبيعة الحال إن أخذ ما تقدمه هذه المصادر على عواهنه سينطوي ولا شك على قدر كبير أو صغير من عدم الدقة لأن «الإسلام جبَّ ما قبله» من "الجاهلية"، ولأن هذه النصوص لا تعكس لنا موضوعنا بشكل مرآوي ودقيق. فهي قامت بطريقة أو بأخرى بإعادة إنتاجه بشكل بنائي في سياقات ثقافية واجتماعية وسياسية بالغة التشعّب والتعقيد.
إن قراءة حدث ما، يقع اليوم وترصده وسائل الإعلام الحديثة غالباً ما تتنازعها التأويلات، وتتعدد حول موضوعها وجهات النظر بشكل متضارب ومتناقض، فكيف بوضعية تضرب جذورها في قديم الزمن وسحيق الذاكرة.
إن المقاربة الناسوتية لموضوعة الوحي، وضمناً لموضوعة المقدس عند العرب، تظلّ ناقصة وأولية. ويبقى الطموح إلى تأسيس أو رسم صورة كاملة وكليّة طموحاً غير متواضع، إلّا أن الميسور لا يسقط بالمعسور، وقليل من الإضاءة ـ ولو خافتة ـ تبقى أفضل من الظلام الكلي.
 إن إشكالية البحث تتمحور حول استبيان العلاقة بين الوحي كما يقدم نفسه كحدثٍ مفارق، وبين الأرضية السوسيو ثقافية التي منحته إمكانه ومدى احتفاظ هذا الحدث المفارق بثبات بنيته المفهومية والمنطوقية أثناء انخراطه في السيرورة.
وبما أن البحث هو بحث في الإناسة الثقافية وقائم على التعاطي مع الحدث/الوحي بشروطه القَبْلية، وجدنا أن المنهج الفلسفي الكانطي سيكون خير منهج لنا كونه لا يتعاطى مع الظاهرة موضوع البحث كمجموعة جزئيات منفصلة يُراد من تتبعها الوصول إلى موقف كلّي شامل على غرار المنهج الإستقرائي. كذلك لا يتعاطى معها كمجموعة من الأفكار حيث ننطلق من فكرة مُسلّم بصحتها وتتمتع بالكلية بُغية جرّ الحكم فيها على الجزئيات التي تندرج تحت إطار هذا الحكم على غرار المنهج الإستنباطي، وإنما تقوم فضيلة المنهج الكانطي في مساءلة موضوعه عن مجموعة الشروط والأسباب التي جعلته ممكن الحصول. وطبعاً نحن هنا لن نأخذ  مصطلح (القَبْلي) بالمعنى الحرفي الذي يربط الحدث بما يجاوز التجربة ويكون مستقلاً عنها. بل نقوم على فتح الحدث على الميدان التاريخي والثقافي لنتحدث عن الشرط التاريخي القَبْلي الذي أسس لظاهرة الوحي ـ كما تمثلت بالقرآن كنص أول والنصوص التأسيسية الأخرى ـ وجعله ممكناً. لذا يقتصر سعينا على البحث المكتبي للولوج إلى ما كُتب وما قيل في التراث العربي الـ ماقبل إسلامي، والإسلامي في منطقة الجزيرة العربية. وسنعزز المنهج الكانطي بالمنهج الإثنوغرافي التاريخي من خلال ربط الأحداث التاريخية وتحليلها للوصول إلى رؤية موضوعية حول موضوع البحث.
وبعد، فإن هذا البحث سيتدرج إلى ثمانية أقسام نعالج فيها التالي:
في القسم الأول: وهو بعنوان القَبْلي الأنطولوجي/تجلّيات المقدس، وفيه سنعالج موضوع المقدس لجهة أنماط ظهوره وتجلّياته التي كانت سائدة في الجزيرة العربية، حيث عَرَفَ العرب الإحيائية وبعض ظواهر الطوطمية، وانتهوا إلى عبادة الأصنام التي كانت ـ وبحسب ما قيل ـ تجسيدات لقوى كونية فاعلة ومؤثرة.
أما في القسم الثاني؛ وهو بعنوان القَبْلي الأنطولوجي/المُرسِل. نعالج فكرة الله كما تمَّ رسمها في المخيال العربي الإسلامي، حيث سنقوم بإسنادها إلى فكرة التوحيد كما دعت إليها وبشّرت بها الجماعات النصرانية التوحيدية في شبه الجزيرة العربية.لنخْلص في النهاية إلى استجلاء حضور فكرة الله الواحد في المجال التداولي الثقافي والأدبي لـ عرب الجزيرة الذي يتجلّى لنا خاصة في الشعر الجاهلي.
أما في القسم الثالث؛ وهو بعنوان القَبْلي الأنطولوجي/المُرْسَل إليه. سنعمد إلى استجلاء النماذج الرمزية السائدة آنذاك حول الأشخاص القادرين على الإنسلاخ من طور البشرية والتواصل مع المجهول القدسي. وهذه الشخصيات هي الكاهن، الكاهنة، الشاعر، الساحر، الرائي، العرّاف، والمجنون. وأيضاً نُسلط الضوء حول بعض الشخصيات التي نُسبت إليها النبوة كـ (خالد بن سنان العبسي) وغيره. لينتهي بنا المطاف في هذا الفصل إلى الحديث عن المناخ الثقافي الذي كان سائداً آنذاك، الذي تمَّ فيه تكريس فكرة (النبي المنتظر) الذي سيخرج من ذاك الزمان.
أما القسم الرابع؛ وهو بعنوان القَبْلي الأنطولوجي/المُرسَل. بمعنى الوسيط بين الله ومحمد، أو بين المُرسِل والمُرسَل إليه. يدور الكلام حول الملائكة والجن والشياطين التي كانت تشكّل حلقات الإتصال بين العالم السفلي/البشر والعوالم الأخرى. فقد شكلت هذه الكائنات الخفية الأرضية الخصبة التي أنتجتها البُنى المتجذّرة في المتخيل الجاهلي والتي ستجعل من فكرة وجود كائن ذو طبيعة مزدوجة تمكّنه من وَصْل الأرض بالسماء عن طريق الوحي فكرة ممكنة.
في القسم الخامس؛ وهو بعنوان القَبْلي اللغوي. سنستعرض النصوص التي وصلتنا من سجع الكهّان، ومن بعض الخطب والشعر أيضاً. حيث نعقد بعض المقاربات من حيث الأسلوب، أو من حيث المضمون مع بعض الآيات القرآنية خاصة في المرحلة المكّية التي كان على الوحي أن يؤسس نفسه فيها عن طريق جدلية الإئتلاف والإختلاف مع النصوص السائدة آنذاك.
أما بالنسبة للقسم السادس؛ وهو بعنوان القَبْلي المفهومي. يقودنا إلى تناول مفهوم [الكتاب]، حيث نجد أن فكرة الكتاب السماوي كانت معروفة بشكل واضح لدى عرب الجزيرة الذي كانوا قد دعيوا بـ "الأُميّـيّن"، وذلك ليس لأنهم يجهلون الكتابة والقراءة كتفسير حرفي شائع (طارئ) للكلمة، بل لأنهم لا يملكون ـ كأمة ـ كتاباً مقدساً يجعلهم متوازيين حضارياً مع اليهود والنصارى ومتساويين معهم، فهؤلاء لطالما تميزوا عن العرب بأسفارهم وأناجيلهم.
إلى هنا ينتهي بحثنا حول الشروط القَبْلية الثقافية التاريخية التي بلّورت العناصر السابق ذكرها والتي تشكل في تفاعلها الجدلي كُلاً بنيوياً واحداً وموحداً.
ننتقل في القسم السابع؛ وهو بعنوان السيرورة التاريخية لبنية النص منطوقاً ومفهوماً، إلى البحث في التحولات التاريخية التي شهدتها بُنية النص القرآني لجهة المفهوم ولجهة المنطوق. حيث نعالج تباعاً مسألة القراءات السبعة بكل ما تثيره من إشكالات حول مدى ثبات ماهوية المعنى القرآني الذي يفترض أنه مفارق وأبدي لا ينبغي له أن يتأثر لجهة الدلالة بشتى ضروب الممارسات البشرية الحادثة في المكان والزمان، حيث يتبين لنا صعوبة الحفاظ على ثبات هذا المعنى لجهة اختلاف طرق النطق بالألفاظ التي تؤدي إلى تغيير في المعنى حتماً. ومن ثم نتطرق إلى قضية جمع القرآن وهي مسألة ذات طابع إشكالي يلفها الإبهام والغموض لأنها تتصل بفترة تاريخية حرجة تمثل الإنتقال المرير من الثقافة الشفاهية إلى الثقافة المكتوبة التي ستعمل على صياغة الشكل النهائي لـ (الكتاب/القرآن) في مدونة رسمية ثابتة. كما سنلجأ إلى استقراء الشواهد النصّية التي نستقيها من النصوص التأسيسية المُسلَّم بصحتها من قبل أساطين الملّة، حيث يتبين لنا وجود كمّ هائل من المرويات التي تؤكد انخراط النص القرآني في عمليات الحذف والإضافة، التقديم والتأخير، التحوير والتبديل... وذلك عند المذهبيْن الأساسيين: السُني والشيعي.
أما القسم الثامن؛ وهو بعنوان الرحلة الميثولوجية للحجر من ثقافة الرافدين حتى الإسلام، فقد خصصناه لتقديم نموذج حول القراءة الناسوتية لموضوع محدد يتصل بطقسية الحجر في الإسلام، حيث نمتحن في هذا الفصل مدى الكاشفية التي يوفرها لنا هذا النوع من القراءة التي تتيح لنا الفهم التعليلي لظاهرة بعينها لا تنفك تقدم نفسها بشكل مُعْطى مباشر غير قابل للتفسير بدون تتبع السياق التاريخي لنشأتها وصيرورتها وهذا الإمكان توفره لنا القراءة الناسوتية

رياح الرواية الذاهبة" لحسن داوود

نوفمبر 14, 2014 اضف تعليق

 

على الطريق في النزلة التي يسميها سائقو السيارات العمومية نزلة السارولا كان الرجل بائع العلكة واقفاً كعادته بل كان متحركا كعادته فيما هو يقدم العلبة الصغيرة للسائقين من خارج نوافذهم المفتوحة باذلاً جهداً أحسبه هائلاً لإبقاء جسمه المنتفض المهتز واقفاً متماسكا، ذلك نوع من الإعاقة شائع كما أنه شائع التشوه الذي يصاحبه جاعلاً اليدين، مساقتين كأنما بأسلاك داخلية معطلة في آخرهما أو في آخر حركتهما كانت الأصابع ممدودة متصلبة هكذا كأنها تصوب أو تشير إلى كل شيء تأخذها اللاإرادية إلى ناحيته، أما وجهه الذي كان عليه أن يبذل له القسم الأعظم من الجهد ليبقيه ثابتاً في مكان فكان مبتسما برغم ذلك مظهراً عن هنائه ــ نعرف أنها نحن المزدحمة سياراتنا في النزلة ــ أنها من أخطاء الشكل ومن تشوهاته.


في يوم واحد من الأيام لا أعرف ماذا فعل وماذا تغير فيه فأصبح قابلاً لأن يوصف في مشهد روائي أو قصصي ربما كانت تلك النظرة المتأملة التي انصرف بها عن زبائنه إلى نفسه ليرتاح، وإن واقفاً وسط ضجيجه الداخلي المتولد عن حركته الموصوفة أعلاه، قبل ذلك قبل تلك النظرة لم يكن يخطر لي أنه من شخوص الكتابة ومن أبطالها، كان برغم كل ما فيه واحداً من مشاهد الطريق المعتادة كان أفقر تعبيرية وأقل قوة مشهدية من أن ينتقل من حيز الحياة إلى حيز الأدب، ذاك الانتقال الصعب الجوهري الذي لا يتحقق بمجرد أن يأخذ كاتب قلمه ليكتب عن شيء رآه، ذاك أن الشخص أو الشيء يجب أن يكون موجوداً وجوداً كتابياً قبل أن تصل الكتابة إليه رجلنا هذا في نزلة السارولا كان قليل الحظ إذ كان يفقره وجوده العادي لولا تلك النظرة المتأملة التي انطوى بها على داخل نفسه مرتاحا من زبائنه تلك النظرة الواحدة وضعته في مشهد أو جعلت منه مشهداً إنه بها ــ تلك النظرة ــ كان قد بدا كأنما في صورة فوتوغرافية، أو كأنما في تمثال، مشهد قابل لأن يكون خالداً الخلود الذي نعتقده للأدب.
ليست الكتابة مهنة أو صنعة لتحويل الحياة اليومية إلى أدب هكذا على نحو ما شاع من تحويل المعادن إلى ذهب. ذاك أن الأدب أو الرواية ينبغي لهما أن يكونا موجودين وجوداً سابقاً في الحياة. الرجل بائع العلكة في نزلة السارولا كان قبل اكتشافه أقل حظاً من الرجل الذي يشبهه في فيلم «ابنة ريان« لدافيد لين إذ تميز هذا الأخير بوجوده في السينما التي ألفت له مشاهد هو المعتوه الأشوه بدا فيها كأنه واحد من أربع شخصيات نموذجية أو خمس تختصر بشر إيرلندا السابقة جميعهم جعلته السينما فيما هو يمشي مقلداً مشية العسكريين، معلقاً على صدره الوسام الذي وجده مرمياً على رمل الشاطئ ورافعاً يده فيما هو يمشي بالتحية العسكرية جعلته السينما واحداً من الشخصيات التي نستعين بها لنرفع إلى الضوء أشخاصاً يشبهونه لكن مغمورين في عادية الحياة وفي ظليتها.
صاحبنا بائع العلكة كان أقل حظاً من مثيله الذي في فيلم دافيد لين إذ لم يستطع بوقوفه هناك في نزلة السارولا أن يوسع مشهده ويجعله في قوة المشهد السينمائي أو الروائي لم يستطع أن يرفع نفسه إلى ذلك المصاف، ما يمكن أن يؤهل شخصاً للرواية أو للسينما هو فيما أحسب جمعه في صورته الواحدة لصورتين أو أكثر يضمهما معاً فيه ذلك يشبه تلك اللوحة البلاستيكية الصغيرة التي كنا نلهوا بها أطفالاً فتظهر لنا إذ نحركها صورة ثانية كانت مختبئة فيها في أثناء ما ننظر إلى ما يشبه ذلك الآن من بشر حقيقيين نكون فيما أظن لا نعدد الوجه أو نكثره بل نكون نتخذ ذلك وسيلة لنسبر غوره.
كما لنسبر حقائق أو موضوعات للتفكر يثيرها فينا ازدواج الوجوه واختلاطها الرجل بائع العلكة أدخل وجهه في هيئة أخرى إذ انصرف عنا في تلك اللحظة إلى نفسه ماذا هناك في نفسه؟ صرنا نتساءل نحن الذين في السيارات التي أوقفتها الزحمة كيف هي نفسه؟ هل هي واسعة مثل أرض منبسطة لا عوائق فيها ولا نتوءات؟ هل بيضاء أو هادئة اللون على الأقل مثلما نعتقد أنها أرض الجنة؟ لقد حملنا الرجل بنظرته تلك إلى أن نفكر فيه مستخدمين لإيضاح ذلك لأنفسنا صوراً لأفكار أو صوراً مختلطة بأفكار أو أننا بنحو أدق استسلمنا في تفكيرنا إلى ما نعتقده اتجاهنا التلقائي الخاص بنا أي أننا سرنا مع موجتنا الحرة أو مع تيارنا المتسمة حركته بالاندفاق والتوسع لا بالتسلسل. جعلنا الرجل إذ أدخل وجهه في هيئة أخرى جعلنا نتساءل ماذا هناك في نفسه؟ أو كيف هي نفسه؟ منذ الصفحات الأولى من روايته «الصخب والعنف« وضعنا وليم فوكنر في هذا الموقف ذاته إزاء بطله المتخلف عقلياً، بنجي أو بنجامين منذ بداية ظهوره في الرواية ممسكاً بيد أخته التي ترعاه في نزهته مانعة إياه، في الوقت، نفسه من التقاط كرات الغولف التي تتقدم متدحرجة إليه بعد أن تضرب هناك بعصيها منذ ظهوره الأول ذاك، بدأ بنجي يتكون كشخصية كأنما من باطنه لا من ظاهره لم يصفه وليم فوكنر جسماً وشكلاً بل بدأ به من هناك من أعماقه التي رحنا نتساءل ماذا فيها أو كيف هي؟
هذا وقد كان فوكنر ملحاً في السؤال إلى درجة أنه أدخل نفسه في باطن بنجي المتخلف عقلياً وأخذ يتكلم أو يروي من هناك من ذلك الداخل الغامض في التعبير الشائع يقال مثلاً إن الروائي حل في شخصية بطله أو يقال أنه تقمصها قد يكون هذا التعبير الشائع دقيقاً لكنه في أي حال لم يعد جميلاً ولا موفياً بالغرض ذاك أن طول الاستعمال قد أنقصه أو أضعف المعني الذي يحاول من دون تمكن أن يوصله قوياً، ينبغي حتى يتعلق الأمر بالرواية أن لا نأخذ الكلام إلا حياً لم يمت منه شيء.
لقد بدأ وليم فوكنر من باطن بنجي لا من ظاهره وهو إضافة إلى ذلك بدأ يروي من الوسط لا من البداية من الوسط أي مما هو قلب الرجل المتخلف عقلياً أو صلبه أو صلب نفسه أي أنه بدأ من الموضع ذاته الذي سينتهي إليه هكذا كأنه ظل في الوسط أو في البؤرة المكونة للجسم المصنوع كله من طاقتها. تلك بداية أملتها موجة التفكير الحرة في الرواية، في كتابة الرواية، أحسب أنه ينبغي لنا أن نكون هناك في بواطن البشر أو في دواخلهم وليم فوكنر لم يكتف بأن أحل نفسه محل نبجي بل إنه، في كتاب آخر له «بينما أرقد محتضرة« أحل نفسه محل كل من شخصيات الرواية جميعها أرنست همنغواي وصف الألم الذي شعر الثور، بصيغة الثور المتكله حين اخترقت الرصاصة رأسه في قصة فرنسيس موكاميير الروائي اللبناني فؤاد كنعان أحل نفسه محل بيته وكنيسة قريته وجعل ينطقها أو ينطق بلسانها لطالما سعى الروائيون إلى الحلول محل شخصيات أخرى أو أقوام أخرى أو حتى مخلوقات أخرى ذلك على الدوام كان فتنتهم وامتحانهم في الوقت نفسه يمتحنون أنفسهم به أما مصدر هذه الفتنة فهو، فيما أحسب، كامن في مطابقة الذاتين ذات الروائي وذات موضوعه في ذات واحدة ذاك يعيدنا بالطبع إلى الهيئتين في الوجه الواحد المذكور عنهما أعلاه كما يعيدنا أيضاً إلى تلك اللعبة البلاستيكية ذات الصورتين المختبئة إحداهما في الأخرى والمحاولة في الوقت ذاته أن تطغى عليها وتزيحها.
ليست الكتابة الروائية مهنة أو صنعة لتحويل الحياة اليومية إلى أدب وليس بالحبر وحده يمكن للبشر المهملين أن يخرجوا من ظل الحياة إلى ضوء الكتابة الروائي ليس حاملاً الحياة إلى الكتب بالنقل والتدوين، إنه أولاً وقبل كل شيء راء لما هو موجود، لكن الموجود هذا للنظرة العابرة المتسرعة، ليس بالمستبان بحسب أبي نواس، أنه راء وكاشف أيضاً مستخدماً في سبيل ذلك وعيه واستبطانه الروائيين كما لغته الروائية أيضاً تلك التي لن تصل إلى تمامها أو كما لها مادام أنها تخترع نفسها دائماً، وعلى نحو ما هو خطأ القول إن هناك طريقة لتأليف الرواية على الروائي أن يطبقها أو يحتذيها كما يحتذى معد أطروحة الدكتورة سبيل من سبقوه، على نحو ما هو خطأ هذا القول كذلك من الخطأ الفادح اعتبار أن هناك لغة على الروائي أن ينضم إليها ليدخل في سلكها.
أراني هنا معولاً تعويلا كثيراً على رجلي بائع العلكة الموصوفة حركته أعلاه كما الموصوفة نظرته التي أهلته فجأة لأن يكون في مشهد روائي أحسب أن حالي ببطلي هذا قد يشبه حال جرير الذي أشار إلى الرجل شارب اللبن من ضرع المعزة وقال: انظروا هذا هو أبي الذي قلت شعراً كثيراً فيه هل يستحق بائع العلكة أو سواه من أضرابه وأشباهه أن يحمل إليه الأدب ويوقف عنده؟ أقصد هل يقدر رجلي ذاك أو بطلي أن يستحق البطولة تقوم عليه وحده هكذا من دون أن يكون دالاً إلا على نفسه أقصد أيضاً هل يمكن أن يكتفي به منعزلاً عن الموضوعات الكبرى التي تساق عادة شخصيات الروايات تحتها كالقطعان هل يستطيع أن يقوم بنفسه من دون موضوع الفقر مثلاً أو من دون موضوع العدالة الاجتماعية أو حتى عدالة الأقدار المفقودة بتفريقها بين الناس؟ عن كتاب لي هو «تحت شرفة آنجي« قال لي قارىء ناقد أنه كان على أن أستفيض في وصف المأساة الاجتماعية التي تعانيها العانسات. لم يجد اكتمالاً للمعني أو تحققاً له فيما هو يقرأ صفحات عمن أسميتهن النساء الصغيرات يتسامرن أو يتغاوين على طريقتهن طبعاً في المقهي الذي ذهبن ليجلس فيه يجب عليهن بحسب القارىء الناقد ذاك أن يعبر عن شيء حتى يمكن لهن أن يتواجدن أي أن عليهن أن ينتمين إلى واحد من الموضوعات الكبيرة تلك ليكون لوجودهن سبب ومعنى.
ذاك أن الرواية عندنا في تيارها الغالب مازالت ساعية إلى نوع الانتماء ذاك لها في حاجة على نحو ما للفرد حاجة ليكون ذا معنى إلى حزن أو إلى جماعة أو قوم أقصد هنا ما يوحد الحزب أو الجماعة أو القوم وهو العقيدة أو العصبية أو الدم، لا يفيد في شيء أن تتناول الرواية العانسات الثلاث من دون أن يكون موضوعها العنوسة نفسها كما لا يفيد في شيء أن نكتب عن أشخاص جانبيين أو هامشيين عايشناهم في سنوات الحرب الكثيرة، هكذا من دون أن يكون موضوعنا هو الحرب، أي بعبارة أخرى من دون أن يكونوا ضحاياها، أين الحرب في هذه الروايات صار يسأل النقاد كتاب الرواية أو «أنها رواية الحرب« قالوا وما زالوا يقولون عن حقبة روائية مازالت مستمرة منذ عشرين سنة.
الحرب التي ينبغي أن تكون قضية الكتابة وأن تتلقفها الكتابة مثل فرصة سنحت يبدو أمرنا كما لو أننا لا نقدر أن نؤدي معنى إلا إن انضوينا في قضية واتخذنا لأنفسنا اسمها يجب أن يكون للشيء معناه الذي لن يستقيم وجوده إلا به، هذه ليست رواية عن الشيخوخة صرت أقول لمن قرأوا روايتي «أيام زائدة« ليست عن الشيخوخة بل عن هذا الشيخ الفرد الذي لا يشبه الشيوخ في شيء. إنها رواية عن الشيخوخة يقولون، وأنا أقول لا ليست كذلك لكنهم بعد ذلك يعاودون قول ما قالوه حتى بت أسكت إذ يقولون ذلك شأن رجلي الشيخ الذي أتعبه إصرار من حوله أنه في السابعة والتسعين وليس في الواحدة والتسعين فقبل هكذا بالعمر الذي شاؤوه له.
روايات ينبغي لها أن تنتمي إلى قضايا أو تتبع قضايا أعطي اسم رواية الحرب للرواية اللبنانية المعاصرة وذلك على أمل أن تشمل التسمية كل ما كتب وما لم يكتب بعد ذاك أنه ينبغي أن يعطي اسم للحقبة لكي تسمى به، إنها رواية الحرب وقبلها بحقبتين أو ثلاث كانت رواية الهزيمة، أما الشعر الذي ظهر بعد "رواية الهزيمة" فهو شعر المقاومة أو "شعر الجنوب" في لبنان بعد أن صارت للجنوب حربه وقضيته روايات حقب ذات أسماء وإن لم يتوفر ذلك سعت الرواية إلى تسمية قضيتها غير الروائية طبعاً بنفسها في السنوات الأخيرة ازدادت قضايا الروايات عظماً فهنا رواية عن تاريخ بلد كامل وهناك رواية عن التغيرات الاجتماعية التي ألمت بمدينة كاملة، أنه الهوى الملحمي يستعاد ثانية ذلك فيما أحسب يشبه أن تنظر الرواية في مرآة مجتمعها ذي القضايا الكبيرة الموحدة ليكون لها مثله قضاياها وأسماؤها التي لا تقل أهمية وعظما أنها تنظر في مرآته لتعرف نفسها أو لتعرفها هكذا ستكون رواية التواريخ الكاملة لمدن أو البلدان أو لحروب مرحباً بها على الدوام من أجلها نرضى بأن يكون الزمن مستقيما ممتداً مثل فلاة متطاولة المسافات.

محاضرة لحسن داوود قدمها عام 2008.

يوميات رنا حاف

نوفمبر 14, 2014 اضف تعليق


قال لنا الطبيب النفسي أننا مقدمون على فترة صعبة لأن جميل لن يتقبل وجود أخ له وعلينا أن نبدأ بتحضيره.
اليوم وأنا قادمة من العمل، دخلت إلى محل 1$ القريب من البيت واخترت هذا لجميل.
أعجبني لأنه صبي- وغالبا ما تكون دمى الأطفال بنات صغيرات- ولأنه طفل حديث الولادة- لا يلبس سوى الحفوضة وبشرته ناعمة وبلا شوائب- ولأنه رخيص ونوعيته جيدة.
قدمته لجميل على أنه أخوه الصغير "راني"، وخرجت معهما في الطريق وجعلته يمسكه لوقت قصير وينتبه عليه (عشناها العادي).
****

أربع مفاهيم أحاول تركيزها لدى جميل من خلال هذه اللعية:
1-أن يألف إسم "راني" فأكرره على مسمعه بين الحين والآخر.
2-أن يعرف أن راني أصفر منه. أقول له: بيبي راني.
3-أن يعرف أن ثمة صلة تربطه براني، وهي الأخوة، وهو بالتالي يشاركه نفس الأم والأب. أقول له: أخوك راني، ماما راني.
4-أن يحبه.
****
حب حياتي مع إبني وراضية عنها بشكل معقول.
خارج نوبات الغضب والصراخ، جميل دائما طفل سعيد، أراه سعيد أكثر من عادي.
وخارج زيارات الأطباء، نحن كل يوم في نشاط: إما على البحر، أو في كزدورة بالسيارة، أو بالأوتوبوس، أو مشيا على الأقدام، أو في الحديقة... وعندما نبقى في البيت، نطلب غداء أو عشاء يحبه من المطعم، ونقوم بحلسة رومنسية... أوكي، رومنسية إلى حد ما.
وجميل طفل عاطفي وذو عقل راجح. يحب من كل قلبه، أو بكل بساطة لا يهتم بمن لا يهتم، و"يلكش" "المش عاجبو" دون زعل.
وجميل طفل حساس، إذا عبط، يعبط بقوة، يلف المعبوط كالأخطبوط. إذا باس، يبوس بالخد، أو بالعينين، أو بالفم، حسب من هو المنباس ودرجة تعلقه به. وإذا "أخد ع خاطرو"، يشفتر ويشهق بالسر، لأن نفسه كبيرة، ولأنه لا يشحذ العاطفة، ويخشى شماتة الأعداء به.
وجميل ينام على صدري كل مساء، وبسمة جميل أو شيء أراه كل صباح، أراها قبل الشمس.
أقلق على مستقبل جميل في مجتمع مريض، ولا يحترم الإنسان "العادي"، ويهمش المختلف... لكن حاضرنا فيه الكثير من الفرح والتقبل، واللعب، والتعلم، والتعلم باللعب وهذا الحزء المفضل عندي.
لا مشكلة لدي بأن أتكلم عن حياتي مع إبني، ونجاحاتنا وإخفاقاتنا، وقوتنا وضعفنا. لكن حتى الآن مازلت لا أشارك الآخرين وأولادهم حياتي معه. حياتنا الإجتماعية تنحصر بنا، في بيتنا مع من يزورونا، وفي بيت أهلي مع من يزوروهم، ولا نخرج أبدا مع الٱخرين ولا نذهب لعندهم، فقط لأني لا أعرف كيف أفعل، ولأن قلة جاهزة للتعاون والتقبل كما تقول.
...
...
وجميل بطل.
وجميل "غير شكل".
***
ان العبط والتبويس حاجات إنسانية أساسية كالماء و الهواء والغذاء، وكل من يعتقد غير ذلك هو حتما دب قطبي في حالة سبات.
***
جواب مشترك على أسئلة مختلفة: "ما بعرف".
لعل الجواب الأكثر  تداولاً في الرد على الأسئلة مهما اختلفت هو: "ما بعرف".
***
أنا مواطنة لبنانية وأحلم بدوش ساخن.
 ***
كل ما قول: "good morning everyon" بتذكر معلمة الإنكليزي، وبحس حالي دغري وراها لازم قول: "sit down please, thank you". هيك مسجلة براسي.