مارتن هايدغير والمسألة اليهودية في «الدفاتر السود»

أكتوبر 30, 2014 اضف تعليق

 * ناشر أعمال مارتن هايدغير الكاملة الأخيرة بالألمانية، عن «اسبري» الفرنسية، 8-9/2014، اعداد منال نحاس

تحول نشر المجلدين الأخيرين من أعمال الفيلسوف الألماني مارتن هايدغير (1889- 1976) الكاملة، إلى واقعة أثارت جدلاً طويلاً وحاداً. ويضم المجلّدان 1200 صفحة كتبها على شاكلة تعليقات يومية في ثلاثينات القرن العشرين وأربعيناته، في عهد الحكم النازي، وعرفت بـ «الدفاتر السود»، نسبة إلى لون أغلفة الدفاتر. وأوصى بنشرها في خاتمة أعماله الكاملة. ومن 1200 صفحة، نحو 12 صفحة استعمل فيها الفيلسوف الذي والى النظام النازي ولاءً إدارياً وفكرياً، عبارات مثل «الطغمة اليهودية» و «الطغمة اليهودية العالمية». فما كان من وسائل الإعلام إلا التهافت على مثل هذه العبارات، والتشهير في عناوينها بعداء علني للسامية هذه المرة. وأرى أن الدلالة الفلسفية التي قد تحمل عليها الصفحات القليلة، وعباراتها، غامضة. فأفلاطون لم يعرب عن انطواء فلسفته على اعتقاد باطني إلا مرة واحدة، في رسالته السابعة. وهذه المرة الفريدة لم تنسَ ولم تهمل، وقد تكون فرادتها سبب تداولها.
والحال إن الكتابات المعادية للسامية، والمتحدرة من القومية – الاشتراكية (أو الاجتماعية)، على غرار تلك المنشورة في صحيفة يوليوس سترايشر «دير ستورمير» (تأسست في 1923)، فاقت حدتها ما دوّنه هايدغير، وحفظه في منأى عن عيون القوميين- الاشتراكيين. لكن المقارنة، حين يتعلق الأمر بالفلسفة وشروطها الداخلية، لا يعتد بها. وليس القصد الأول من تأويل أقوال هايدغير في اليهود قياس فداحتها الأخلاقية ولومها. فالمسألة هي دلالتها في ضوء الفكر الهايدغيري، وينبغي صوغها على الوجه الآتي: ماذا يحصل في فكر هايدغير حين يولي هذا الفكر «الطغمة اليهودية العالمية» دوراً في تاريخ الكينونة؟
ومن ناحية أخرى، لا يسعنا إغفال الوجه الأخلاقي من هذه الأقوال. وفكرة «الطغمة اليهودية العالمية» بعد المحرقة ليس معناها وهذه الفكرة قبل المحرقة واحداً. وهذا يوقع المناقشة في ما يشبه خللاً ناجماً عن الافتقار إلى التكافؤ والتناظر. وعلى سبيل المثل، في فكر نيتشه آراء معادية للسامية. فهو يعزو ظهور «خُلُق العبيد» إلى اليهود. لكننا لا نحمل قول نيتشه على ما نحمل عليه قول هايدغير، فالأخير كتب في عصر شهد بداية اضطهاد اليهود. وهذا العصر بادر إلى الاستئصال الجماهيري والجماعي، وإلى إعمال «صناعة الجثث». وإرادة هايدغير معالجة دور «الطغمة اليهودية العالمية» في تاريخ الكينونة، قبل وقائع أوشفيتز وبعدها، تنحو بالمعالجة نحواً خاصاً.
والأمر لا يخلو من إشكال. فنحن لسنا على يقين من أن هايدغير كان على بعض العلم بمعسكرات الاستئصال. والتستر الرهيب على أوشفيتز ليس أسطورة، على رغم إشاعة تلميحات من هنا وهناك، بعضها متعمد. وغداة 1945، لم يذع خبر «الاغتيال الجماهيري الإداري»، كما سمته حنة أراندت، كثيراً ولا بلغ المسامع. فلفّه الصمت إلى حين بث المسلسل المتلفز الأميركي «المحرقة. قصة عائلة فايس»، في 1978. وهذا المسلسل كان فاتحة مواجهة علنية وسافرة مع الحوادث.
ولا شك في أن ضابطاً في الجيش الألماني، هو إرنست يونغير، ألّف بعد الحرب كتاباً بعنوان «السلم»، تناول فيه «كهوف الموت» التي «تلابس أقدم عصور ذاكرة الإنسان»، وهي «النصب التذكاري الحقيقي للحرب». وتناول الموضوع أدورنو وتسيلان «لحن الموت» وحنة أراندت، بداهة، علناً. ويرجح أن هايدغير لم يكن على بصيرة جلية بما حصل، وعبارة «الطغمة اليهودية العالمية» ترددت في مقالات معادية للسامية وشائعة يومذاك، على خلاف حالها اليوم. فهل يعفينا هذا، أي جهل هايدغير المرجح، من الاحتكام إلى عدالة التأويل العسيرة؟ على رغم عسر هذه العدالة، أميلُ إلى اعتقاد ضرورتها.
ويقتضي الاحتكام معرفة خصائص الفكر الهايدغيري حين تناول تاريخ الكينونة في عقدي 1930 و1940، والسؤال عن علاقة الأقوال في «الطغمة اليهودية العالمية» بسمات فكر تاريخ الكينونة، وفهمها في ضوء هذا الفكر. وتُختصر ملاحظة أولى بارزة، من الـ12 صفحة المذكورة، في 3 عناصر: أ) تظهر «الطغمة اليهودية» في سياق «تعاظم سلطان ظرفي». ب) هذا التعاظم يتصل بالميتافيزيقيا الحديثة. ج) الميتافيزيقيا الحديثة تتصف «بعقلانية وطاقة حساب فارغتين»، لذا فإن تعاظم سلطان «الطغمة اليهودية» هو ثمرة «موهبة خارقة على الحساب». وحملُ هايدغير سمة التاريخ الحديث البارزة على شكل «تاريخ إرادة السلطان» (أو القوة)، هو فكرة بارزة من أفكاره. ولا تفهم الذات الديكارتية المتفكرة فهماً تاماً وجامعاً إلا من باب الإرادة وبسط السلطان المتاح لهذه الذات. وتمتثل الذات الحديثة في ابتكاراتها لتقنية وفنون صنع يصفها هايدغير بـ «التحايل» وإعمال الحيلة في الصنع (والاصطناع والتصنيع).
ويُلبس سلطان «التحايل» «الكائنات كلها» لباس الفعل أو الصنع، على معنى الإنتاج. فيؤنِّس الإنسان في الحيوان، ويستهلك الأرض، ويقسر العالم على تقنية المحاسبة. ولا عودة في هذه الحال، عن محو الفروق بين الشعوب والدول والثقافات، وإحالتها إلى ظاهر خالص. وفي «تأملات» (1941) يرى هايدغير أن طارئ الحرب العالمية هو ثمرة «سلطان التحايل التصنيعي» وليس صدفة أن ينتهي تاريخ إلى عصف حروب هائلة بأنظمة تقنية – كليانية (توتاليتارية)، قومية – اشتراكية/ بلشفية/ أميركية. والزمان/ المكان التاريخي الذي يملأه سلطان التحايل التصنيعي، هو زمان/ مكان الميتافيزيقيا الحديثة. وهذه تبدأ مع ديكارت وتبلغ ذروتها مع نيتشه، وهي جزء من رواية (أو مسرد) تاريخ الكينونة.
فالكينونة تتجلى في العصور الحديثة في صيغة إرادة ذاتية، أي أنوية، وتصعد من إرادة الإرادة في فلسفة هيغل إلى إرادة السلطان مع نيتشه. ووجهة التاريخ هذه هي «قدر» وليست تحت استطاعة البشر، وتترتب على دينامية بسط الكائن الحديث وفهمه. وتمثل ندوة زوريخ في 1951 على هذه الفكرة بـ «القنبلة الذرية». ويقول هايدغير إن «القنبلة الذرية انفجرت منذ زمن بعيد»، أي منذ قيام الإنسان على الكينونة وتمرده عليها، حين أوجب كينونته هو وجعلها موضوع تصوره. وأضاف: «هذا منذ ديكارت».
وأخيراً، سمة غالبة من سمات الفكر الحديث تمكنه من «عقلانية وطاقة حساب فارغتين». ويعني هايدغير بهذا السياق الذي حمل العلم الحديث على التوسل بالرياضيات توسلاً تقنياً إلى «استهلاك الأرض وحمل العالم على المحاسبة». ويدرج هايدغير «الطغمة اليهودية» في تاريخ التقنية والعلم الحديث، أي في التحايل التصنيعي، وينسب «موهبة خارقة على الحساب» إلى اليهود. وفي منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، كتب في «أعطيات الفلسفة» أن نسبة المباحث الاختبارية إلى الشمال الجرماني «حماقة»، وأن المباحث العقلانية أجنبية قطعاً، وإلا وجب إحصاء نيوتن ولايبنتز في عداد «اليهود».
ويفهم من رأي هايدغير في الفيزياء أنه لم يميز فيزياء «ألمانية» أو «آرية» من فيزياء «يهودية». ورفضه التمييز هو ثمرة انتباهه إلى استحالته ومناقضته روح العلم الحديث ومنطقه. لكن تركه التمييز لم يدعه إلى التخلي عن نسبته إلى اليهود موهبة خارقة على الحساب، وعن حسبانه أن كل فكر يهودي هو، تعريفاً، فكر حسابي. ويجوز الاستنتاج من «التأملات» أن «الطغمة اليهودية» هي دور من أدوار «سلطان التحايل التصنيعي»، ووقت من أوقاته، ذلك أن الفكر الغالب عليها هو الفكر الحسابي. وهي، شأن القوميين – الاشتراكيين، ممثل من ممثلي التقنية الحديثة. و «الطغمة اليهودية»، في هذا الضوء، هي وجه من «عداء للسامية كينوني – تاريخي»، وهذا أيضاً هو بعضٌ من تاريخ الكينونة وغيبتها.
وفي ملاحظة ثانية جوهرية تنطوي على قولين، يرى هايدغير، أولاً، أن السيرورة التاريخية التي اضطلعت إنكلترا فيها بدور راجح يستحيل تغييرها من طريق «محور» أو تفاهم (إنكليزي – ألماني)، ويرى، ثانياً، أن «دور الطغمة اليهودية العالمية» الذي تتمتع فيه «إنكلترا» بنفوذ، شأن «الأميركية» و «البلشفية»، ليس ركنه «عرقياً»، ومصدره هو «المسألة الميتافيزيقية التي تعرِّف نمطاً من الإنسانية يقبل، وهو حر تماماً، مهمة عالمية – تاريخية تتولى اقتلاع كل كائن خارج الكينونة». ولا تقتضي المسألة الأولى توقفاً ملياً. فهايدغير، شأن نيتشه، يزدري الفلسفة الإنكليزية و «الروح الإنكليزية» عموماً. ويصفها بالبراغماتية الإمبريالية والنزعة الاقتصادية. وهذا الموقف شديد الشبه بموقف هتلر الذي صاغه في خطبة ألقاها في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 1939. ويبدو لي أن شخص هتلر هو أحد مفاتيح التأويل المفضي إلى فهم ولاء هايدغير للرايخ الثالث.
أما المسألة الثانية، فعلى جانب من الخطورة يفوق خطورة المسألة الأولى. وأنا أنحي المسألة العرقية التي عالجتها في كتابي «هايدغير وعداء السامية. ملاحظات على الدفاتر السود». يذهب هايدغير إلى أن «الطغمة اليهودية» تقتضي، ضرورةً، صنفاً من «الميتافيزيقيا» مناسباً وملائماً. وهذا الصنف يصور «إنسانية» تسعى «حرة» في اقتلاع كل كائن خارج الكينونة. ويثبت هايدغير جملة حلقات: «إنكلترا»/ «الأميركية»/ «البلشفية» - أي كذلك «الطغمة اليهودية العالمية». ما معنى «أي كذلك»؟ هل «إنكلترا» و«الأميركية» و«البلشفية»، و«الطغمة اليهودية العالمية»، واحد ولا تقتصر علاقتـها في ما بينها على الشَّبه؟ وهل تقوم «الطغمة اليهودية العــالمية» من «البلشفية» و«الأميركية» و«إنكلترا» مقام الأصل والسبب؟
يحمل هايدغير «الاقتصاد» و«التنظيم» اللذين ينسبهما إلى ماركس، على التدمير. ويخلص من هذا إلى أن «الأمة اليهودية» أو «الطغمة اليهودية» هما مصدر «البلشفية» و«الأميركية» و«إنكلترا»، ومصدر القومية – الاشتراكية من طريق البيولوجي أو الحيوي. فـ«الأمة اليهودية» هي «أصل التدمير» و «حرية اليهود» تختصر في المضي على «اقتلاع الكائن خارج الكينونة» وعلى «الافتقار إلى عالم» أي الافتقار إلى وطن.



باب التبانة - باب الذهب

أكتوبر 30, 2014 اضف تعليق

باب التبانة-طرابلس ١٩٤٠، عندما كانت في أوج ازدهارها وكانت تسمى بباب الذهب ! 

المشي سريعا وبخطوات قصيرة / سيلفيا بلات

أكتوبر 29, 2014 اضف تعليق
حوار مع الشاعرة الأميركية الراحلة سيلفيا بلات أجرته عام 1962 في لندن، قبل عام من انتحارها .

 

ما الذي دفعك إلى الكتابة؟
– لا أعرف ما الذي دفعني بالتحديد. كتبت منذ كنت صغيرة. أحببت أغاني الأطفال، وأردت كتابة شيء يشبهها. كتبت قصيدتي الأولى ونشرتها عندما كنت في الثامنة والنصف من عمري. نشرت القصيدة في البوستن ترافيلر، ومنذ ذلك الوقت وأنا أكتب بشكل مهني.

ما الأشياء التي كتبت عنها حين كنت صغيرة؟
– الطبيعة؛ العصافير، النحل، الربيع، الخريف. كلها هدايا عظيمة لكل من لا يملك خبرة للكتابة من الداخل. أعتقد أن مجيء الربيع، النجوم فوق الرأس، بداية سقوط الثلج، كل تلك هدايا لأي طفل أو شاعر/ة شاب/ة.

الآن، وبعد أعوام كثيرة، هل هناك مواضيع محددة تحبين الكتابة عنها
– ربما يبدو ما أقوله أميركيا بحتا، لكنني سعيدة جدا بصدور مجموعة روبرت لويل الشعرية "دراسات في الحياة". هناك اختراقات عميقة وجدية في المشاعر الإنسانية الشخصية جدا، تلك المشاعر التي كانت تعتبر جزئيا من المحرمات. على سبيل المثال، تعجبني جدا قصائد روبرت لويل عن تجربته الحياتية في مصحة نفسية.
تلك المواضيع الخاصة والإستثنائية، والتي تناقش المحرمات هي مواضيع يتم اكتشافها والبحث فيها في الشعر الأميركي المعاصر. هناك الشاعرة آن سكستون التي تتكلم عن تجربتها كأم أصابها انهيار عصبي. سكستون شاعرة عاطفية جدا، وقصائدها مكتوبة بحرفنة عالية بالإضافة لحمولتها العاطفية والنفسية العميقة. تجربة كهذه جديدة ومثيرة للغاية.

هل تعتقدين أن الشعر الأميركي متقدم في الوقت الحاضر على الشعر الإنكليزي؟
المسألة ضيقة على التعريف. الناقد الإنكليزي "الفاريز" ناقش وبشكل صادق إشكاليات الوداعة والأناقة في الأدب الإنجليزي. لا بد لي أن أقول أنني لست أنيقة، ولا أكتب بشكل مهذب. الوداعة، والتهذيب، والتأنق الحاصل في كل مكان في إنجلترا هو أخطر كثيرا مما يبدو على السطح.

لكن، ألا تعتقدين أن هناك حمولة عظيمة إسمها "الأدب الإنكليزي" هي بمثابة مسؤولية في عنق الشعراء الإنكليز؟
– بالتأكيد. أذكر حين كنت في كامبريدج. جاءتني فتيات ونساء بأسئلة من قبيل "كيف تجرؤين على كتابة قصيدة ونشرها؟ ألا تخافين من النقد القاسي والمهين بعد النشر؟". والنقد عادة غير موجه للقصيدة كقصيدة. أذكر كيف أصابني الفزع حين قال النقاد أنني أبدأ قصيدتي مثل جون دون (شاعر إنكليزي من القرن السادس عشر) ولا أنجح في أن أنهيها مثل جون دون. شعرت ساعتها بثقل الأدب الإنكليزي. أعتقد أن التركيز في الجامعات الإنكليزية هو في معظمه على النقد العملي وليس النقد التاريخي، ودراسة النصوص في السياق الذي كتبت به.
في أميركا، ماذا نقرأ؟. نقرأ ت. س إليوت، ديلان توماس، ييتس. هناك ابتدأنا. شيكسبير كان في الخلفية دائما. لست على يقين بصحة ذلك، لكنني أدرك أنه بالنسبة لشاعر شاب، شاعر يكتب، الدراسة في جامعة أميركية ليس مخيفا بذات المقدار كالدراسة في جامعة إنكليزية.

من هم الكتاب الذين أثروا في كتابتك؟
– قليلون جدا. لا أستطيع أن اقتفي أثرهم في كتابتي. خلال دراستي الجامعية كنت مذهولة بالشعراء الجدد: ديلان توماس، ييتس، وأودن. كم كنت مذهولة بأودن، كل شيء كنت أكتبه في فترة من الفترات كان يحمل صفة "أودنية". الآن أعود إلى شعراء من أجيال أقدم مثل بليك، وبالطبع هناك شيكسبير. لن أكون مدعية لأقول أنني تأثرت بشكسبير. نحن لا نتأثر بشكسبير، نحن نقرأ شكسبير.

ما يمكن ملاحظته خلال قراءة قصائدك، أن نصوصك تتميز بالوضوح وبالأثر الذي تتركه على القارئ. هل تصممين قصائدك بوعي كي تصلي إلى قصيدة واضحة تؤثر على القارئ؟.
– ذلك شيء لم أفعله في بدايات كتابتي. مثلا، كتابي الأول “العملاق” لا أستطيع قراءته بصوت عال. لم أكتب قصائد ذلك الكتاب كي تقرأ بصوت عال. بصراحة، تلك القصائد تصيبني بالملل. قصائدي الجديدة مختلفة، علي أن أقولها، على أن أتحدث بها إلى نفسي. هذا التطور في الكتابة هو تطور طريف، والوضوح الموجود في القصائد الجديدة هو وضوح ناشئ من أنني أتحدث بتلك القصائد إلى نفسي. أتكلمها بصوت عال.

إلى جانب الشعر، هل أردت أن تكتبي أنواعا أدبية أخرى؟
– كنت مهتمة بالنثر بشكل دائم. في مراهقتي نشرت قصصا قصيرة. أردت دائما أن أكتب قصة طويلة، رواية. في الرواية بإمكانك أن ترتب فرشايات الأسنان والممتلكات الشخصية في حياتك. من الصعب عمل ذلك في الشعر. هناك طغيان ما في حقل الشعر. عليك أن تمشي سريعا وبعيدا لكن بخطوات قصيرة، لذلك عليك أن ترمي كل الممتلكات الشخصية. أشتاق لتلك الممتلكات!. أنا امرأة، أحب أشيائي المنزلية، أحب الأمور البسيطة التافهة، وأشعر أنه بإمكاني الحصول على كل تلك الأشياء الحياتية في رواية. أشياء حياتية ليست بالتعقيد ذاته، لكن أكثر مما في الشعر. لذلك أردت دائما أن أكتب رواية.

هل تجدين نفسك بصحبة الشعراء والكتاب بالعادة؟
– أفضل صحبة الأطباء والممرضات والمحامين. أي شخص باستثناء الكتاب. أعتقد أن الكتاب والفنانين هم أكثر الناس نرجسية. لعل الأجدر بي أن أقول كلاما آخر لأنني أحب كثيرا منهم، وكثير منهم أصدقاء، لكن لا بد لي من أن أقول أن الشخص الأكثر إثارة للإعجاب بالنسبة لي هو الذي يمتلك خبرة عملية وبإمكانه تعليمي شيئا ما. على سبيل المثال، القابلة خاصتي علمتني كيف أدير بيوت النحل، لكنها لا تفهم شيئا من قصائدي. على الرغم من ذلك فأنا أحبها أكث من معظم الشعراء الذين أعرفهم. الشعراء يعيشون على الهواء.

هل تشعرين بالقناعة والرضا لأنك تكتبين الشعر؟
– القناعة والرضا!. لا أعتقد أنه بإمكاني أن أعيش بلا شعر. إنه كالماء والخبز، أو أي شيء ضروري جدا لي. أشعر بالإنجاز المطلق حين أكتب قصيدة. بعد الإنتهاء من كتابة القصيدة أشعر بالتحول من كوني شاعرة إلى شاعرة متوقفة (الوقوف في منتصف بيت الشعر)، وهما صفتان مختلفتان. أعتقد أن تجربة كتابة قصيدة هي تجربة عظيمة.

ترجمة: أشرف الزغل    

محمد مظلوم دفاعا عن سركون بولص

أكتوبر 28, 2014 اضف تعليق
كتب الصديق الشاعر عبد الزهرة زكي في ذكرى رحيل سركون بولص منتقداً قصيدته.. أو بالأحرى لا قصيدته! من حيث المبدأ لا مشكلة أن تكون ذكرى رحيل مبدع بحجم سركون وأهميته في قصيدة النثر العربية، مناسبة للمراجعة وإعادة الأسئلة حول تجربة الراحل، لكن وسط احتفاء واسع بالذكرى، فإن رأياً نقدياً مائعاً ومبتسراً وغير موضوعي، لن يبدو أكثر من محاولة للفت النظر، واستدراج الاهتمام، خاصة وإن خلاصة الرأي تقول: لا قصيدة لسركون، بل مجرَّد جمل متناثرة قد تستهوي القارئ، بينما لا رابط بينها في غياب بناء القصيدة لديه.
ومثل هذا الرأي حين أصفه بالمبتسر فإنني لا أبدو متحاملاً أو متجنياً، فهو أقلُّ توصيف ممكن، لمن لا يعرف جيداً بناء القصيدة لدى سركون.
فبناء القصيدة لدى سركون لا يقوم على تقليدية تراكمية معهودة في القصيدة العربية، بل على تقنية القطع، أو المونتاج السينمائي، وعلى فجوات مضمرة مقصود في سياق السرد، أن عدم إدراك هذه الفجوات والانتقالات الذكِّية والخفيَّة في قصيدة سركون، وقراءتها بوصفها جزءاً من السياق العام للقصيدة، يوهم قارئاً تقليدياً باحثاً عن البعد التراكمي الكمي للبناء، بغياب البناء، وبتقديري الشخصي، فأن سركون بولص استفاد بشكل ما من شعر البياتي في هذه التقنية ـ تحدَّثتُ مرة مطولاً مع الصديقين الشاعرين خالد المعالي وعبد العظيم فنجان في ذلك ـ إضافة إلى ثقافته العميقة بالشعر الإنكليزي، ومستفيداً كذلك من تقنيات السرد التي يعدَّ البناء المونتاجي الذكي فيها من السمات البنائية الأساسية لقصيدته.
ولكي لا يبدو ما أوردته أعلاه، بلا مسوِّغ أو تدليل أدرج أدناه نموذجاً من ديوان «الأول والتالي» الصادر عن دار الجمل 1992. وهو قصيدة: «يونس وبئر الأرملة»:


يونس وبئر الأرملة
من وراء السدّة العالية لسكّة الحديد
كان يظهر بلحيته الكثيفة شاردَ العينين في كلّ النواحي
متنقّلاً بهما بين العصفور الذي يرفرف فوق تلّة من الفضلات
قرب عربة القطار التي تصدأ في الشمس
إلى طارمة المقهى التي يجلس فيها شيوخ المحلّة
أمام السكّة مباشرةً، يرصدونه بعيون ذئبية مليئة بالغيرة.
بعيون ذئبية مليئة بالغيرة، وأيدٍ ما زالت طافية في الهواء،
تحمل الزار عالياً فوق الطاولة، سمرها الفضول كالشراع إذا ملئته ريحٌ واعدة بالبحر
يعرفون أنه يزور الأرملة ذات البيت الكبير المغطى بالعرائش
الغبراء، في الطرف الآخر من السكة مرة أخرى.
بيت الأرملة الذي لا يطأ عتبته من كان، ولم يروا أحداً، ذات يوم،
يجتاز تلك العتبة.
يتابعون كل حركة من حركات البهلوان، الذي يحظى وحده من بين الجميع،
هو المعتوه رسمياً في عرف الجميع، بالدخول إلى بيت الأرملة بحجة البستنة
أو حمل المؤونة، أو تنظيف البئر في نهاية الحديقة.
«منعول الوالدين» كانوا يتمتعون بإعجاب شرس ما إن يقترب يونس من منطقة الفيء، حيث يجلسون، إلى أن يعاجله نزَّاح الآبار المتقاعد بلهجة قانطة بقدر ما هي متواطئة، كأنَّه يكمل حديثاً شيقاً تبودل بينهما منذ زمن بعيد، بينما يشعل سيجارته بمقدحة أثرية لها فتيلة برتقالية طويلة كساق مالك الحزين:
ها سيدنا يونس!! وكم مرة دندلت حبلك اليوم، بإذن الله، في بئر الأرملة؟

غثيان أسود : محمّد خير الدّين

أكتوبر 25, 2014 اضف تعليق

 

هنا، المقا
طع الأربعة الأولى من هذه القصيدة ذات السّتّة عشر مقطعا... أشير إلى أنّ هذه القصيدة- Nausée noire- كانتْ قد نُشِرتْ لأوّل مرّة بلندن، في كرّاس، سنة 1964، وضمّها خير الدّين بعدها إلى مجموعته: "شمس عنكبوتية" ـ Soleil arachnide  (سوي،
 مبارك وساط

فيما يلي،
المقاطع 1-4 من القصيدة: ـ
 
  غــثــيان أســود
                                                                                                                                                                                                       -1-
مَوْشُورٌ مُنْفَتِحٌ مَوْضُوعٌ بالصُّدفة
                       بين النّباتات الشّائكة ولا
مُسَوِّغَ للحياة
                سوى أنّي أمضي على غير هُدى ولكنْ
أكثر َاحتدادًا من كلّ الجرادات
غائبًا عن الضّجّات     تقريبا بلا انقطاع
                      في كلّ زاوية لافتة جديدة
الشّوارع تلاقيني
        وهذه عقبة
        أيكون مُجدّدا ذلك
الصّيد برؤوس القصب
                 كلَّا
                 اللافتات تكذب
انظروا إلى ألوانها
سأبدأ مجدّدا من نقطة الصّفر إن
لزم الأمر
                          وها هي نافذة تُطِلّ عليّ أنا نفسي
                          وَأَنفتحُ بكاملي
على أرض خلاء
 
                                                                                                                                                                                                          -2- 
 
الشّمس ناضجة هذا الصّباح
       ولا شكّ لديّ في كون الشّتاء
قد انتهى
     فَلْأنْسَ تلك الغَفَوات المختومة بالرّصاص
       تلك الأهراء المعتمة
حيث لم يكن يدلفُ و لا حُلم
     ها حياتي مكويّة مثل قميص
جديد
حياتي المُنقّاة من اختلاجاتِ
الخوف من الصّيرورة
    على زجاج النّافذة تَقتطعُ الشّمسُ هذا الصّباح
      أصْنافا من الذّهب الأخضر
ما توقّعها أحدٌ قطّ
ويسقُطُ في كفّي تينٌ شوكيّ
      كما في فجوات الصّخور التي يُقال
       إنّها مسكونة
 
                                                                                                                                                                                                                -3-    
 
قد يَهْوِي من حالق
             يتـشـتّت
               مـثـلما
فِـرْقُ النّحل الذي تدهمه هبّةُ ريح
           اتْرُكوني لوحدي
مع مخاطراتي
          وآلامي
           وندوبي
              أريد بالكاد
أن أحتكّ بكم
       ما دام غيرَ وارد أن ننفصل
           في كلّ يوم
عن الأحداث
     عن السّلاسل اللاهبة
           لكنّهم ليسوا إلا أناسا
نفسُ الأناس الذين يتّخذون أوضاعا جديدة
                           أمام شعب
تتأكّله جراحه
        في مكان ما هنالك عميان
                            بُطونٌ فارغة
مدنٌ ميتة في مصبّ نهر
      هل ستبقى حيّا بعدها
      إنّك ترتعش
إذْ تدنو الثّمرة
     ثمّة مدخنة تقطعُ الجحيم
                عَۤرَۤقُك
يحترق مع الصّمغ والحديد
               مسكنٌ مقبول
                مسكن لا يُتصوّر
الضّحكات مثل حصباء قاطعة
                       الرّعبُ في جسدك
                      مثل الحبر الصّيني
                      إنّه وقتُ الخروج
 
                                                                                                                                                                                                               -4-
 
دمي الأسود أكثرُ تغلغلا في الأرض وفي جسد
الشّعب
جاهزٌ للمعركة
         دمي الأسود يحتوي آلاف الشّموس
                             الحقلَ المأساويَّ
                  حيث السّماء تتلوّى
              ما عُدت أريد ألوانا ميّتة
                      ولا
             جملا تزحف في القلوب المرتاعة
                    لقد وقعتم
بيني وبين دمي الأسود
                 جناةً أقْدموا على جرائم قتل
دبّرتْها الخيانة في مرحلة ما غامضة
                وماضيّ يقفُ أيضا
                في مستوى
عُـلُـوّي
    صاعقا
       شبيها بالنّهار الذي يـبزغ من جديد
            راشحا حبرا
أسْود
دمي الأسود
على رابية
سأسْحلُكُمْ في الوحل المجبول من دمي الأسود
أنتم وأنا
حملةُ أساطير الماضي
دمي الأسود كان الحليبَ اللاّهب لأثداء الصّحْراء
أنتُمْ وأنا
مثلما ريح متـنافرة
         أطنانٌ من الرّمال
                أبديّاتٌ من
الجُزَيئات
       تفصل بيننا في الحاضر
                   ذلك أنّي الدّم الأسود
لأرْض وشعبٍ تمشون عليهما
                  أزِفَۤ الوقت
الوقت الذي يصرخ فيه النّهر من كثرة ما حمل
                  مثل ثعبان
أسود
يسحق الصّخور وأشجار الأرز
                حتّى البحر الذي يفهمه
                واقفا
                حاضرا
                معا
أنتم في مواجهة الجثث التي تُـثْقل ماضِيَّ
              جثثٌ
           لمْ تيْبسْ ديدانُها بعد
                   وأنا القاضي لكوني كُنْتُ الضّحيّة
فدمي الأسْود ينساب في الأرض
وفي أعماق الشّعب
                             وهي وحدها الشّاهدة
                            وماضيَّ ينبثق من الرّصاص
                           الذي هشّمه
 
 

النفزاوي و“الرَّوض العاطر...” في ترجمة روسيَّة (ما بعد المقدّمة) -

أكتوبر 25, 2014 اضف تعليق
  دميتري ميكولسكي
- ترجمة نوفل نيّوف

  
تُعَدُّ الثقافةُ العربية الإسلامية التي نشأت في أعقاب الفتوحات العربية، خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين، واحدة من الثقافات التي نجد عناصر الحسّيّة المعافاة فيها قويّة جداً. ففي عهد تلك الفتوحات انتشر الدين الإسلاميّ واللّغة العربية على مساحات واسعة امتدّت من الحدود الغربية للصّين حتى جبال البيرنيه. وقد استطاع العرب الذين اختلطوا بالشعوب المغلوبة أن يحقّقوا إنجازات كبيرة في مختلف مجالات النشاط البشريّ. وكانت الثقافة الجنسية المميَّزة من إنجازات الحضارة العربية الإسلامية التي لا تقبل الجدل.
 فلئن كانت المسيحية في الشرق (في الإمبراطورية البيزنطية وفي الأراضي التي كانت تابعة لنفوذها الثقافيّ)، أو في أوروبا الغربية، تنظر إلى الجانب الجسديّ من الوجود البشريّ بوصفه شرّاً لا بدّ منه، انطلاقاً من اعتقادها بأنّ حالة الإنسان الملائكية، ونَبْذَ الحياة الزوجية أفضلُ بكثير وأَحَبُّ إلى الله من العلاقة السّليمة مع الجنس الآخر، فإنّ الدّين الإسلاميّ وضع العلاقة بين الجنسين في إطار محدَّد. إذ، وَفقاً للقرآن الذي يعلِّم المسلمين أصول الدين، يحقّ للرجل أن تكون له أربع زوجات وعددٌ من الإماء غيرُ محدود. هذه التعاليم التي ينطوي عليها الدّين الإسلامي تكشف حالاً عن طابعه الأبويّ (البطركي) الشديد الذكورية، وعن كونه يعطي الدّور الرّئيس لمصالح الرجال في المجتمعات التي انتشر فيها. 

كما أنّ قواعد الطّلاق البسيطة أيضاً أعطت الرجال المسلمين قدْراً معلوماً من الحرّية الجنسية، إذ يكفي الرجلَ، إذا أراد أن يطلِّق زوجته، أن يقول لها ثلاث مرّات متتالية: أنتِ طالق. وبعد ذلك يستطيع الزواج مرّة أخرى، إذا ما توفّر له المال الكافي.  وفي المجتمعات الإسلامية التقليدية أنيط دور كبير بالإماء الجواري اللاتي كنَّ في بادئ الأمر أسيرات، ثم جرى نقلُهنّ فيما بعدُ من بلدان بعيدة كإماء. فكانوا يعلِّمون الجميلات والذكيَّات منهنَّ في مدارسَ خاصّة بهنّ الغناءَ، والرقصَ، والعزفَ على الآلات الموسيقية، ونَظْمَ الشعر، من أجل إمتاع الرجل ليس جسدياً فقط، بل وروحياً أيضاً. فقد كانت الإماء يُبَعْنَ ويُشترَيْن بأعداد كبيرة في أسواق النخاسة، حيث يستطيع من يتوفّر من الرجال على قدْر كاف من المال أن يتمتّع ما طاب له، ثم أن يبدِّل ما عنده من حريم بالتدريج.
هذا الوضع في مجالات العلاقات الجسدية هو ما أثمر عدداً كبيراً من النكات والأقوال المأثورة والدعابات ذات الطابع الجنسيّ، المبثوثة هنا وهناك، في مختلف مؤلَّفات القرون الوسطى. وإلى جانب ذلك، فإنّ كثيراً من الشعراء كانوا يكتبون أشعاراً إيروسية. فالمَشاهد الإيروسية موجودة في الروايات والقصص الشعبية (وإن كان نصيبها ليس بالقدْر الذي قد نظنّه للوهلة الأولى).
أما كتب الأدب الإيروسيّ الذي ينتمي إليه كتاب النفزاوي “الروض العاطر في نزهة الخاطر” ، فإنها، كما يتبيَّن، قليلة العدد للغاية. ذلك أنّ المستعرب الألمانيّ العظيم كارل بروكلمان (1868- 1956)، الذي كرّس معظم سنوات حياته لوضع دليل كلاسيكيّ بأسماء الكتّاب العرب ومؤلَّفاتهم، لا يشير إلاّ إلى ثمانية كتّاب، غير النفزاوي، كتبوا في هذا الباب. والطريف أنّ بلاد شمال أفريقيا، موطنَ النفزاوي نفسه، أنجبت أربعة منهم. وينبغي القول في هذا الخصوص إنّ من كتبوا في مواضيع أخرى يُعَدّون بالعشرات، إن لم نقل بالمئات. على أن ما وصلنا من مخطوطات إيروسية ليس كبيراً، ولم يحظََ بشرف النشر منه إلا واحدٌ من موطن النفزاوي هو أبو علي محمد بن أحمد التِّجاني (عاش في القرنين 7 و8 الميلاديين) الأكثرُ شهرة بفضل كتاب له يصف فيه رحلاته في بلدان شمال أفريقيا. (بل صدرت كتب تراثية إيروسية أخرى، لكنّ السيّد ميكولسكي لم يكن قد وصله منها شيء وهو يكتب هذا الموضوع.- ن.ن.). وقد صدرت عام 1848 مقتطفات من كتابه “تحفة العروس وبهجة النفوس” مترجمة إلى الفرنسية (آهٍ منكم، أيّها الفرنسيون!)، وفي عام 1317هـ. (1899- 1900) صدرت في مدينة فاس المغربية طبعة حجرية، هي أوّل طبعة للنص الكامل من هذا الكتاب.
أما أبو علي عمر بن محمد النفزاوي فنكاد لا نعرف عن حياته شيئاً. إلا أن نسبتَه تشير إلى أنه ينحدر من أسرة نفزاوة البربرية التي كان جزء منها يعيش في الأصل على أراضي الجزائر اليوم، وجزء آخر في ليبيا المعاصرة. فالبربر شعب عريق يعيش في شمال أفريقيا منذ أقدم العصور. وأوّل آثار مكتوبة ورد فيها ذِكر للبربر تعود إلى مصر القديمة. وعندما جاء العرب المسلمون إلى بلدان المغرب في القرن السابع الميلادي قاومهم البربر مقاومة ضارية قبل أن يعتنقوا الإسلام ويختلطوا بالقادمين. ثم تشكَّلت في القبائل البربرية شريحة مثقفة لم تكتف بهضم الثقافة العربية الإسلامية، بل أعطت إبداعات ثقافية جديدة. وعاش أبناء القبائل البربربية المتعلِّمون، مثلهم مثل إخوانهم العرب، في مختلف مدن المغرب، فكانوا كثيراً ما يعملون في خدمة الحكّام المحليِّين، ومؤلِّف كتاب “الروض العاطر في نزهة الخاطر” واحد منهم. لقد امتدّت حياته ما بين القرنين 14 و15 الميلاديين، أيام كان موطنه تونس تحت حكم سلالة الحفصيِّين (1228-1534) المنحدرين من أصول بربرية محلية. وينظر التوانسة اليوم إليهم بوصفهم زعماء وطنيين حقيقيين ازدهرت بلادهم في ظلّ حكمهم. ومن أبرز زعماء الحفصيين السلطان أبو الفارس عبد العزيز (1394- 1433)، وكان يساعده في إدارة شؤون دولته وزيره الحكيم (رئيس الحكومة في أيامنا) محمد بن عوان الزواوي الذي كان، كما ينبغي لمسؤول بارز، راعياً حقيقياً للآداب أحاط نفسه بالمثقفين من أبناء زمانه. وقد وضع النفزاوي كتابه “الروض العاطر...” يوم كان يعمل في خدمة هذا الوزير، تلبية لطلب منه.
وبصرف النظر عمّا في “الروض العاطر...” من حسنات أكيدة، فهيهات أن يكون الكتاب لاقى انتشاراً يتعدّى حدود دائرة ضيِّقة جدّاً من الحاشية. ذلك أن الكتب كانت، في العادة، تُنسَخ مرّات عديدة، فوصلنا قسم كبير منها مخطوطاً. أمّا “الروض العاطر...” فلا نعرف إلا نسختين منه، إحداهما موجودة في باريس اليوم، والأخرى في مدينة غوتا الألمانية. وكانت النسخة الباريسية وقعت في أيدي الجيش الفرنسي أيام حربه الاستعمارية في الجزائر. وفي عام 1850 قام مستعرب فرنسيّ، رغب في التخفّي وراء اسم مستعار، هو البارون ر.، النقيب في قيادة الأركان الفرنسية، فنشر في مدينة الجزائر ترجمة “الروض العاطر...” بالفرنسية. على أن اختيار هذا القناع الأدبيّ لم يأتِ مصادفة على الإطلاق، إذ جرت العادة أن يخدم قيادات الأركان في جميع الجيوش في العالم ضبّاط مثقفون. وربما كان البارون ر. هو نفسه المستعرب الفرنسي، الإيطالي الأصل، البارون ب ـ ر سانغينيتّي (1811 – 1883) أحد المشاركين في الترجمة الفرنسية لمؤلَّف الرحَّالة المغربي الشهير ابن بطوطة الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي. وكانت مخطوطة هذا الكتاب أيضاً، شأنها شأن مخطوطة “الروض العاطر...”، وقعت في أيدي الفرنسيين كغنيمة حرب في الجزائر. 
 هكذا عرفت أوروبا رسالة النفزاوي في ترجمة حظيت بشعبية معيَّنة في أوساط النخبة الفرنسية البوهيمية المثقفة أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ثم أعيد نشرها ثلاث مرات. فقد قام المستعرب الإنكليزي الرحّالة المعروف، مترجم “ألف ليلة وليلة” والمتبحِّر فيها روبرت بيرتون (1821-1890) بترجمة كتاب النفزاوي إلى الإنكليزية عام 1886، ولكنْ ليس عن الأصل (فلعلّ المخطوطة العربية لم تكن في متناول يده)، بل عن الترجمة الفرنسية. ثم صدرت الطبعة الثانية من هذه الترجمة الإنكليزية عام 1934. 
وفي بداية القرن العشرين تذكّر المغاربة، ربَّما تحت تأثير الفرنسيين، تراثهم في مجال الأدب الإيروسي. فقد سبق أن أشرنا إلى أن كتاباً مشابهاً من كتب التِّجاني صدر في فاس. وسرعان ما تبعته طبعة حجرية أخرى من “الروض العاطر ونزهة الخاطر” عام 1318 هـ. (1900-1901) في فاس أيضاً. أما أول طبعة حديثة من رسالة النفزاوي فظهرت في تونس عام 1928، ثم توالى نشرها مراراً. وفي العامين 1926 و 1929 ظهرت الترجمة الألمانية لهذا الكتاب الإيروسي من اللغة العربية بقلم مستعرب اسمه فون ريتوكس. 
 وعندما كان كاتب هذه السطور، أواخر نيسان/أبريل 1986، ينعم بفيء نخيل تونس قدَّم الشاعر التونسي عبد الله القاسمي إلى ضيفه الروسيّ هديَّة هي نسخة من إحدى طبعات “الروض العاطر في نزهة الخاطر”. وقال القاسمي باعتزاز إنّ هذا الكتاب ساهم بقسط وافر في تطوير ثقافة العالَم الإيروسية. وحين عاد كاتب هذه السطور إلى بلاده لم يرفع عينيه عن الكتاب حتى فرغ من قراءته، فاقتنع بأنه أصبح مالكَ نصٍّّ ثمين بحقّ. وفي عام 1994 أصدر الترجمة الروسية الأولى لكتاب النفزاوي، ثم صدرت الطبعة الثانية من الكتاب عام 1997. أما هذه الطبعة الثالثة (عام 2008) التي بين أيدينا، فهي منقّحة ومدقَّقة، وهذا الموضوع، “ما بعد المقدمة”، موسّع قليلاً. 
لقد أسعد الحظ كاتب هذه السطور بأن يجد نفسه عام 2003 تحت سماء تونس مرّة أخرى. غير أنه، للأسف، لم يجد عند باعة الكتب هناك رسالة النفزاوي، ولا الكتب القديمة الأخرى، ولا الطبعات الرخيصة التي كانت تتوجّه لدائرة واسعة من القراء. بينما كانت فيما مضى وافرة وفرة كبيرة. ليس في اليد حيلة، فكل شيء إلى زوال. ولكنّ هذا لا يعني أنّ “الروض العاطر...” انقضى زمانه.فما الذي يمثِّله هذا الكتاب البديع؟
إن آداب العصر الوسيط ، والأدبُ العربي الإسلامي واحد منها، لا تقيم بين النثر العلميّ والنثر الفنيّ تلك الحدود الفاصلة التي نحسُّها اليوم بوضوح كامل. على أنّ رسالة النفزاوي تندرج في إطار الكتابة العلمية الميسَّرة. فلم تكن غاية النفزاوي تنحصر في “تنوير” قارئه الأوّل، الرفيعِ المنصب، بخصوص العلاقات الجنسية، بل هي تتعدّى ذلك إلى تسليته والترويح عنه. لهذا السبب تبرز في نص الرسالة طبقتان مختلفتان مضمونياً وأسلوبياً. الطبقة الأولى التي يبدأ منها الكتاب وتضمَنُ وحدتَه هي طبقة أحكام النفزاوي “النظرية”. أما الطبقة الثانية المضمونية والأسلوبية فتتألَّف من قصص ونكات أحسن المؤلِّف جمعَها وتوطينها في النسيج السّرديّ من كتابه، ولا شكَّ أنّها أكثر لفتاً للأنظار من الأحكام “النظرية”، لأنها مسلّية. غير أنّ الجزء الأدبيّ من هذا الكتاب كان يرمي، وَفقاً لقصد مؤلِّفه، إلى إسداء خدمة إضافية هي تقديم أمثلة تطبيقية على ما يدور الحديث حوله في الأحكام “النظرية”. 
 إنّ توزيع القصص في الكتاب ليس متساوياً تماماً، ويعتوره شيء من الخلل، ولكن يظهر أنّ النفزاوي حاول أن يمزج تعاليمه النظرية مع قصصه المضحكة لكي يجنِّب القارئ الملل. فالقصص التي ضمّنها النفزاوي كتابه تستمدُّ جذورها من الفولكلور، وتعود إلى التصوُّرات الميثولوجية الملحمية القديمة. ويخيَّل إليّ أنّ الموضوعة الأساسية في المادة القصصية من “الروض العاطر...” هي موضوعة نيل البطلِ المرأةَ، فهذه الموضوعة حاضرة في القصص التي تتحدّث عن الملك علي بن السيقي والحكيمة بدر البدور، وعن الجُوَيْد وفاطمة، وأبي الهيجاء وزهرة بنت الملك، وكذلك في نكتة عن الرجل ذي القضيب الصغير. فلكي ينال البطل غرضه يلجا أحياناً إلى ما يقدِّمه له مساعده من خِدْمات، وكذلك يتصرَّف الجويد حين يطلب النصيحة من أبي نُوَاس. 
يستخدم النفزاوي متون بعض القصص المنتشرة عالمياً. ومنها، مثلاً، متن قصة عن مقالب المهرِّج بهلول (الشبيهة بقصّة في السيرة الخرافية الإغريقية القديمة لكاتب الحكايات الشهير إيسوب)، وحكاية العجوز القوّادة التي تمكَّنت من إغواء امرأة حسناء عن طريق كلب. وهي قصة تلفت النظر على نحو خاصّ. ذلك أنّ هذه القصّة التي اقتبسها من المخزون القصصي العربيّ مؤلِّفٌ لاتينيّ كان يعيش في إسبانيا، هو بيتر ألفونسي، أُدرِجت في كتاب قصص لاتينيّ، عنوانه “مآثر رومانية”، يعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي، ويُعَدُّ كتاباً تعليمياً مميزاً عند دُعاة الكنائس الكاثوليكية، وكان واسع الانتشار ليس بين المتعلمين وحدهم، بل بين فئات شعبية عريضة من الأوروبيين الغربيين في العصور الوسطى.
كما ينطوي كتاب النفزاوي على تصوّرٍ مّا للعلاقات بين الجنسين. وأعتقد أنّ القارئ يوافقني على أنّ هذا التصور ذكوريّ حتماً. فالحديث عن الملذّات الجنسيّة هنا يدور دوماً من منظور الرجل. وأبواب ممارسة الجنس مشروحة أيضاً من وجهة نظر ذكوريَّة. ثمّ إنّ المرأة في القصص التي يتضمَّنها كتاب النفزاوي تظهر أكثر ما تظهر مخلوقةً لا تشبع من الجنس، ماكرةً وقاسية. وجعلُها تلتزم حدودَها يقتضي من الرجل اتِّباعَ شتّى الحيل معها، أو اللجوءَ إلى إجراءات قاسية. ويشبه النساءَ في هذا الأمر العبيدُ السود الماكرون الذين يقترح المؤلِّف أن يتعامل الناس معهم على غرار ما عاملهم به الملك العادل علي بن السيقي. ومهما يكن من أمر، فإنّ وجهة النظر هذه تعبِّر عمَّا كان قائماً بين الناس من علاقات سائدة في المجتمع العربيّ الإسلاميّ البطركيّ، وهي علاقات ما تزال، جزئيّاً وبكيفيّة تغيّرت كثيراً، موجودة حتى الآن في البلدان العربية، وفي الأجزاء الأخرى من العالم الإسلاميّ جملة.

فلاسفة وماهية الجنس

أكتوبر 22, 2014 اضف تعليق

ترجمة : سعيـد بوخليـط


أوغست كونت: عاشق مصاب بالزّهري
انجذبت الحياة الجنسية لمؤسس الوضعية، نحو ثلاث أسماء : بولين (الزوجة الخائنة)، كارولين (العاهرة)، وكلوتيلد (القديسة). أول حب حقيقي له، اتجه إلى "بولين"، امرأة تمارس الخيانة الزوجية. لا نعرف، إلا اسمها الشخصي وأنها تبلغ من العمر خمسة وعشرين سنة، لكنها قبل ذلك أمّ أيضا. كان أوغست كونت في سن العشرين، حينما اعترف لصديقه Valat ، انعدام: "أي إحساس لديه حتى ذاك الوقت اتجاه المرأة"، وقبل "بولين": "لم يعرف غير خيال ملذات جسدية، بجوار تلك الجميلات المقززات المتواجدات بشارع فالوا Valois". اكتشف الشاب خريج مدرسة البو لتيكنيك، مع "بولين" التي تقترف الخيانة، الإحساس بالحب، امتد به إلى الإنسانية جمعاء، كلما ازداد بعدا عن التوظيف الشهواني. هكذا، تضاءل بسرعة شغفه الحسي بها، كي يتمركز ليبيدو النبيّ الكبير المرتقب للإنسانية، حول موضوع آخر.
بينما يتسكع كونت ذات أمسية احتفالية، بجانب القصر الملكي، لمح بصره "كارولين" امرأة شابة وماجنة حقا، أمّ مفلسة (لكنها مع ذلك لا تنقصها المبادئ والأحاسيس)، فاقدة لعذريتها، منذ لقاءها العابر مع المحامي سبيركلي. بعد ذلك، فإن هذا الأخير استقر، كي يموه الشرطة. بينما اشتغلت "كارولين" ككُتبية في قاعة للقراءة، تتواجد بشارع المعبد، بحيث سيلتقيها كونت مجددا وبالصدفة. العاهرة السابقة، تحولت إلى الإشراف على إصدارات In-folio . أبدى إعجابه بها، وشرع يلقنها دروسا في الجبر: "كانت الدروس مثمرة والتعليم مشتركا". انتهى الوضع إلى زواج، أو حبّ معقلن على الأقل: أحس كونت باحتياجه لامرأة ترافقه في هذا العالم، ويسعى إلى أن تشكل هذه العلاقة شعورا دائما أكثر من مجرد شهوة عابرة. كارولين بدورها، توخت الإفلات من وضعها، لأن اسمها مسجل في قوائم الشرطة، مما يعرضها لعقوبات قاسية، ويحتم عليها الخضوع لمراقبة صحية نصف شهرية شأنها شأن بنات الهوى أيضا، احتاج أوغست كونت إلى الراحة، لأن صحته الذهنية تدهورت جراء صدمة عصبية بسبب الإرهاق. إجمالا، تزوج "كارولين ماسين" “عاملة التصبين” لتسوية وضعيته المدنية. من بين شهود الزواج، الأستاذ "سيركلي" العاشق السابق.
لكن من الممكن، بل الراجح، أن الإفلاس البنيوي للفيلسوف، سيجبر زوجته على العودة إلى ممارساتها السابقة. فتراجع صحة قدرته الذهنية وكذا مزاج كونت الفلسفي، عاملان أثرا مع مرور السنين على رباطهما.
الوجه الثالث، يشير إلى اسم "كلوتيلد"، أخت "ماكسيميليان ماري"، تلميذ شاب عند كونت. هي، امرأة في الثلاثين من عمرها، تخلى عنها زوجها "أميدي دوفو" الذي كان يشغل جابيا ب ميرو Méru. أطلق عليه كونت لقب الرجل المشؤوم، بحيث فر بالخزينة نحو بلجيكا. التقاء "كونت" بـ "كلوتيلد"، شكل له صعقة حب عاطفية وفكرية، جعلته يقول أمام قبرها: "ابتدأت الوضعية الدينية يوم 16 ماي 1845، حينما تأتت لقلبي فجأة، أمام عائلتك المدهشة الحكمة المتميزة : لا يمكن أن نفكر دائما، لكن يمكننا أن نحب باستمرار". بعد اللقاء مباشرة، اكتفت "كلوتيلد" بالتعبير لأختها بصيغة أكثر ابتذالا: "كم هو دميم ! كم هو دميم !" وهو أمر صحيح بكل تأكيد، نتيجة، إصابته بداء الجُدري، هكذا ميزت وجه كونت حمرة ملتهبة. إذن، ولو تخيلت في لحظة ما، أن يصبح “كونت” أب الطفل الذي تمنته، فإنها في نهاية المطاف، سترفض تقديم جسدها إلى العاشق المتآكل. رأى كونت في موقفها دليل سمو أخلاقي. ونموذج، ألهم الفيلسوف بكل ما تحمله الكلمة من معاني. "كلوتيلد" طوباوية بالعفة، ولا ينقصها غير أن تكون شهيدة: لقد أصيبت الشابة بداء السل، بالتالي فالحب الذي يسقط بين براثين هذا الوباء تكون عاقبته سيئة ! ملازمته ل "كلوتيلد" وهي طريحة فراش الموت، جعلت الفيلسوف المسن والمريض بداء الجُدري، يقطع وعدا على نفسه، حينما قال: "أبدا، ليس بعدك امرأة أخرى !". ارتقى الموت بـ"كلوتيلد" إلى مرتبة قديسة الديانة الجديدة، لكن أيضا بين الفينة والأخرى تقفز "كارولين" إلى ذهن الفيلسوف وقد شوهها بدورها داء الجُدري، وتجسد دور الزوجة الساقطة. الجنس تراجيدي!

ديوجين بين الاستمناء وتزييف العملة
غريبة، شخصية ديوجين Diogène، المنتمي إلى سينوب Sinope. هو، أحد الفلاسفة الذين اعتُبروا صعاليك ومشاغبين أيضا، دأب التقليد على تسميتهم ب : “الكلبيين” (أو بمعنى آخر، يعيشون “مثل كلاب”). أهم ما نعرفه عنه يعود إلى بعض الروايات التي جاءت على لسان ديوجيني آخر اسمه « Laërce » ثرثار من العصر القديم، جمّاع للآراء، مشهور باغتيابه، تشبه كتاباته صحيفة شعبية، أو صياغة جذاذات نظرية على طريقة تأليفات (ABC) لأقسام الباكالوريا.
أضطر “ديوجين” الكلبي، وهو ابن صيرفي محتال، إلى ترك بلدته الأصلية سينوب بعد تورطه في صنع عملة زائفة. أمر، شكّل لديه فعلا فلسفيا جوهريا، أكثر منه اختلاسا، مادام “تزييف العملة” أضحى شعارا لدى هذا الفيلسوف غير العادي، بحيث يتحتم على المرء في نظره أن يعيش بطريقة تتنكر للقيم التي وجدها.
نعثر عليه بين الأزقة، في أثينا أو ميغار mégare، رث الثياب، وسخ، يعيش بشحّ مرتديا معطفا يستخدمه أيضا كغطاء، يختبئ وسط جرّة كبيرة ـ برميل يخزن داخله الخمر أو الزيت ـ ثم يجوب الشوارع حاملا فانوسه بحثا عن إنسان. لا يتردد في السخرية من معاصريه، حتى ولو كانوا أقوياء. هكذا، حينما سأله ألكسندر الأكبر، إن كان يرغب في شيء ما، أجابه بخشونة : ((أغرب، أنت عن شمسي !)). رفض ديوجين الرهان على شيء أو شخص ما، وكان أكثر الناس تعففا واعتدالا. لكن ! اسمه ارتبط دائما بالاستمناء. تقول الحكايات : ((كان يستمني باستمرار أمام الملأ))، ثم يستمتع بتكرار الأمر : "آه ! لو فقط نحك البطن، كي نسكت الجوع !". ولأنه فرداني بامتياز، فلم تتوفر لديه إمكانية الفصل بين الحقيقة الخاصة والعامة ثم الحميمي والخارجي : صاحب دعوة الاستمناء، هو أيضا مبدع فكرة الاستعراض المسرحي في العهد القديم. تجلت عنده الإباحية في نفاق هاته الدواب التي تتوخى التحول إلى ملائكة، أكثر من ممارسات هي إجمالا طبيعية جدا، وغير مخجلة أبدا. كما، أنها توافق صحة الجميع. الوقاية الجيدة عند الكلبي، تقضي بأن نكشط ما يحكّنا ، والتخلص فضلا عن ذلك بانتظام من السوائل الجسدية التي تتراكم طيلة اليوم.
غاليان Galien، الطبيب العظيم في العصر القديم ـ مصدر آخر لحكايات الاستمناء الشهيرة عند ديوجين ـ أكد بأن الأخير، فيلسوف لا يتحمل تعقيدات الحياة الزوجية، لذلك كلما أراد تفريغ مكبوتاته، ضرب موعدا مع عاهرة. لكن، ذات يوم أخلّت إحداهن بالموعد، إما بسبب تقلب مزاجي أو أعاقها زبون آخر، حينئذ اكتشف وسيلة “للتخلص من سائله المنوي، بعد أن حك يده بعضوه التناسلي”. هذا الإجراء الاقتصادي، جعل من مزيف النقود بمنطقة سينوب، أول باعث للشبقية الذاتية.

القديس أوغسطين أو توبة المذنب
طبعا : كلما تكاثرت الخطايا، إلا وازداد طلب العفو. إن، أغسطين وقبل تحوله إلى المسيحي الذي نعرفه، كان رجلا صاحب مزاج دموي ينتمي لمنطقة البحر الأبيض المتوسط، عاش مختلف الشهوات الجسدية، ولا يخفي ذلك قط. نجد في “اعترافاته” سردا ذاتيا لتوبته. وأقرّ في اللحظة التي اختار معها حياة جديدة : "أن يكون أيضا مرتبطا ومتشبثا بامرأة". أغسطين، الذي أدان الملذات الجسدية، مارس قبل ذلك حياة جنسية مطلقة العنان. حين بلغ سن السابع عشرة، انتقل هذا النوميدي إلى المدينة. يقول : "لقد قدمت إلى قرطاج، فسمعت من حولي غليان بخار الغراميات الشائنة. آنذاك، لم أدرك بعد [الحب الحقيقي، أي حب الله]، وكنت عاشقا ل [الحب الإنساني]". الإطار، المتميز، لهاته الآثام التي صادفها، لم تقتصر فقط على مواخير بجانب الميناء ولكنها المسارح، فضاءات العروض واستمالة النساء : "حيث يتمتع العشاق بعضهم ببعض، عبر لقاءات فاضحة". في المعابد الوثنية التي لم تغلق بعد والكنائس أيضا، تصطف أحيانا مومسات في موكب، فالمعتاد لم يفصل بعد الإناث عن الذكور. من “خلال تسكعاته الهائمة”، فإن أوغسطين "يثيره الجنس، مما أدى إلى تبدده وانهياره"، ثم عثر على الخليلة التي أخلص لها جنسيا قبل أن يتركها (وفي ذمتها صبي) بعد خمس عشرة سنة من الخدمات. انقلبت شخصيته، وانخرط في نظام الأسقفية، فأقلع عن شهوات الجسد. كان أوغسطين، أحد الأوائل، الذين وصفوا عن قرب حرية الليبيدو الجنسي، يقول : "اللذة، تسبقها شهوة ما، يشعر بها الجسد كرغبة. هاته اللذة التي تتحقق في الأعضاء التناسلية، تسمى عادة ليبيدو". ثم يضيف، حين نتكلم عن الليبيدو دون تحديد حمولته، فالأمر يعني : "إثارة لمناطق جنسية في الجسد". ويؤكد الأسقف المسنّ، بأن اللذة الجنسية تصاحبها دائما لحظة ذروة مقابل إضعاف “لحدة يقظة الفكر”.
إجمالا، انتهى أوغسطين نادما، لأن الزنا يشل النشاط الذهني، لكنه لم يوضح إذا كان العكس حتما صحيحا.

ميشيل فوكو أو الجنس بمعنى آخر
رغم دعوة بول فين Paul Veyne، في تأبين جميل، تضمنته دراسته الصادرة مؤخرا : [فوكو، فكره وشخصيته] (2008)، أن لا نخطئ دلالة المشروع الذي خلفه صديقه وزميله في الدراسة، مع ذلك، ينبغي التذكير، كيف كان المجد وسوء الفهم في زمانه متآلفان.
مع استهزائه في قيرورة نفسه، فإن الفيلسوف فوكو الذي أغضب المؤرخين بوقاحته، وأزعج علماء الاجتماع بقوة ابتكاره، انتقل لدراسة لباب فكر 1968 المتمرد. وقد امتلك ما يجعله لكي يغتر.
حينما بين فوكو، بين طيات كتابه : [تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي]. بأنه، انطلاقا من الرؤية العلمية حول المجانين، يتأتى احتجازهم. ثم، مع أعماله الأخرى، مثل : [أنا، بيير ريفيير...]، [المراقبة والعقاب]، يدحض مجتمعا تترصده ديكتاتورية التلصص، حيث يعيش كل فرد داخله تحت مراقبة الجميع، كما لو إنه في سجن بنتهام La Panoptique de Bentham. أيضا، وحيال الصخب الكبير للماركسيين الأرثودوكسيين، اعتبر فوكو بأن السلطة تسود كل شيء وبالتالي لم يعتد في نهاية المطاف باقتحام السلطة السياسية. كيف، مع كل هذا، لا يعرف المجد وسط مناخ من النقمة الزائدة، المهيمنة ؟ علينا، أن نستحضر في الذاكرة، هذا السياق، كيف نفهم سبب الرعب الذي أثاره تأريخه للجنس، حيث أصدر جزأه الأول “إرادة المعرفة” سنة 1976.
إذن، ونحن ننتظر من فوكو، أن يعيد ثانية صياغة أنيقة للفكرة المتداولة عن الجنس المحاصر، وبأن الأمر يدعو أكثر من المستعجل إلى “التمتع دون عوائق”، نجده يجزئ في شكل مقاطع ما سماه “الفرضية القمعية”، ويسخر من الذين يعتقدون، بأن موضوع الجنس صلب كالحديد، بالتالي فهو “طابو” : "اختفاء الجنس ؟ أو تتستر عليه، محضورات جديدة تعضدها المقتضيات الكئيبة للمجتمع البورجوازي ؟ بل هائج على العكس من ذلك. لقد، ظل متموضعا طيلة مئات السنين، باطن إقرار معرفي رهيب. دعوة ثنائية، أجبرتنا على إدراك ما تحدده عنه، بينما يرتاب في هذا الجنس كي يعرف ما نضمره له". نستشف، من خلال التأكيد الأخير، بأنه يقصد التحليل النفسي، وقد قال عن تطبيقه متهكما: "تُسدد تكاليف، بشكل خفي وصامت، كي يحدثوه عن ممارسته الجنسية ويعرف حقيقتها". لكن، شيئا مؤكدا، إذا أخذنا بالمقلوب، الثنائية الشائعة عن الجنس المقموع والفرويدية، فقد اتجه ميشيل فوكو بحرية مدهشة نحو البحث، في جنس ضائع. غير، أن موته المبكر سيحرمنا من زمان اهتدينا إليه معه.

نيتشه: فيلسوف بشارب كث، وفتاة فاترة العاطفة
نعلم، بأن نيتشه سلك حياة التشرد، يأوي إلى فنادق من الصنف الثالث. الرجل، المبشر بالإنسان الأعلى، وكذا خرافة حلمية. من نمط الرياضي الأرستقراطي، ارتأى تقديم ذاته في مؤلفاته باعتباره يتوفر على صحة جيدة، بينما كان باستمرار مريضا يعاني اختلالات عصبية وبصرية متكررة، تجبره على البقاء لأيام بأكملها وسط الظلمة، وأحينا يضع نظارات سوداء ثنائية البؤرة. مسار، مرعب إذن. كل محاولات أقربائه، بهدف تزويجه، باءت بالفشل. قامة متوسطة (1,71 متر)، لقد اعتبر نفسه بأن الطبيعة خدمته نسبيا مقارنة مع كثير من أقرانه. أيضا، اعترف نيتشه إلى طبيبه، بأنه كان يستمني باستمرار، وهو شاب في العشرين من عمره. بالفعل، ومثل أغلب أفراد عهده، فقد اكتشف الجنس في ماخور أدى إلى إصابته بداء الزهري بين سنوات 1864 و 1869. تمثلت، الحياة الجنسية لدى نيتشه، في ممارسة العادة السرية وكذا معاشرته لخليلات.
أما عن لقائه مع “لو أندرياس سالومي”، فقد رتبته صديقة مشتركة لهما في الكاتدرائية الكاثوليكية “سان بيير” بمدينة روما. سالومي، طالبة شابة تدرس الفلسفة، شيئا ما هستيرية. نيتشه فيلسوف بشارب كث، كان لحظتها تحت تأثير “تجربته” المتعلقة بالعود الأبدي. صعقة حب ؟ فالشابة الروسية ذات الأصل الألماني، ألهبت نيتشه. هكذا، صرحت أخته إلى صديقة لها : "فريدريك، الآن عاشق مجنون". منهك !، فقد ظل إله الحب، متيما بمعشوقته لأيام عديدة. كان جميلا، أن يحترق شوقا إليها، بينما تواجهه بالرفض. وحين، قبلت، قضاء ثلاثة أسابيع معه (صيف 1882 ـ توتنبرغ)، فيمكننا تخيل صورة نيتشه، وهو يتعذب. لقد تكلمت “لو أندرياس سالومي” عن كل شيء، حتى الجنس. لكن، سيعشق أحدهما الثاني ك “مفكرين ـ حرين”، دون ممارسات طائشة : ظل الاتصال بينهما أفلاطونيا، نتجت عنه مسرحية معقدة توزعت بين التراجيديا العاطفية والميلودراما الأسروية. انحصرت، إذن التجربة الجنسية النيتشوية، في بيوت البغاء وكذا العاهرات المؤدى لهن. وحتى عندما أصابه العته جراء داء السفلس، لم يتوقف نيتشه عن ملاحقة النساء. ولن تكون قط الشابة “لو”، التي حافظت على عذريتها رغم زواجها بالدكتور “أندرياس”، وفرضت عليه زهدا جنسيا صارما. تسقط التفاحة، دائما تحت شجرة التفاح.

ماركس ومربية الأطفال
حينما، ننغمس بين نصوص الأعمال الكاملة لكارل ماركس، بهدف التنقيب على كلمة “جنس”، لن يكون بوسعنا غير الخروج بخفي حنين. بالتالي، سنكتفي بملاحقة مقولات مثل “امرأة”، “زواج”، “أسرة”، ألقى عليها ماركس وصديقه إنجلر نظرة من بعيد، في إطار تصورهما لمكونات البنية الفوقية. وفيما يخص الحالات القليلة التي تطرقا إليها، نتذكر الأهم لديهما منذ “مدخل لنقل الاقتصاد السياسي” (1859). لقد بدا، بأن الأساسي عند ماركس يكمن في النظر إلى تطور القوى الإنتاجية، من خلال ارتباطها بالعلاقات المجتمعية للإنتاج. حينما، يتعارض الإثنان “تبدأ تتشكل ملامح الثورة الاجتماعية”. بالتأكيد، إلى جانب هذا التصادم، أقر ماركس بوجود : "الأشكال القانونية، والسياسية والدينية والفنية والفلسفية، باختصار القوالب الإيديولوجية التي يحصل بواسطتها الوعي لدى الأفراد (...)، لكننا، لا نحكم على فرد انطلاقا من الفكرة التي لديه عن نفسه. كما، لا نقيّم حقبة ثورة مجتمعية بناء على وعيها بذاتها". إذن، سنشعر، مع برنامج كهذا، اكتفاء الليبيدو بحيز ضئيل من الاهتمام !.
عندما تفحص ماركس وإنجلز في “بيان الحزب الشيوعي” (1847)، لائحة العادات، استحضرا هاته الصياغة : "إن أفراد بورجوازيتنا، ليسوا سعداء وهم يجدون تحت تصرفهم نساء وفتيات البرولتاريا، دون الحديث عن البغاء الرسمي. لكن تنتابهم سعادة خاصة، بممارستهم للخداع الزوجي بواسطة التبادل".
خمسة عشر سنة بعد ذلك، فإن الرجل الأسمر، كما تدعوه زوجته “جيني”، استسلم مثل بورجوازي صعلوك لنزوات منتصف العمر، بحيث لم يصمد أمام إغراءات “هيلينا ديموت”، التي تشغل وظيفة مربية أطفال، وذلك منذ بداية منفاه بلندن. مع انطلاق هاته المغامرة، فإن “فريديريك ديموت”، الصديق الوفي لفريديريك إنجلز، ابتغى حقا التكفل بالأبوة. لقد، تأكد له المعتاد، ويمكنه بالفعل تدارك الأسوء.
بخصوص هاته الأسئلة الحساسة، سيدفع ماركس وإنجلز، بتعليلهما حتى النهاية. مثلا، إنجلز تزوج عن حب، بإحدى النساء العاملات، متشبثا ب “النظرية”، ومعتبرا بأن اقترانا نتيجة “رغبة متبادلة”، لا يمكنه أن يتأتى إلا بعد “إلغاء الإنتاج الرأسمالي”.
أما، ماركس، فسيكون من المثير الإشارة، إلى توظيفه لصيغتين، كي يبلور مخططه الكبير الذي استهدف، القطع مع الفلسفة. الأطروحة الحادية عشر الشهيرة، عند فيورباخ، والتي تصلح كي تكون شاهدا على قبره، حين قال : "لقد عمل الفلاسفة على تفسير العالم، بينما المهم يكمن في تغييره". ثم من جهة ثانية، غرابة ما نعثر عليه بين مضامين الإيديولوجية الألمانية (1846) : "الفلسفة وهي تدرس العالم الواقعي، مثل الاستمناء بالنسبة للحب الجنسي" !.

أفلاطون : جنس بدون حب إلى حب بدون جنس
يعتبر الحب أو الرغبة ـ إيروس باليونانية ـ إحدى المهام الكبرى لفلسفة أفلاطون. مع ذلك، حينما يقارب موضوع الحب، سيتجلى دائما بأن التعفف الجنسي يتسامى مع العلاقات الجسدية. من بين أكثر النصوص، المقروؤة في العمل الأفلاطوني، نعثر على خطابات أبطال المأدبة Banquet “تجمع للواطيين” (حسب تعبير جاك لاكان) حول طبيعة الحب. في الحقيقة هو قضية حب لواطي، بين رجل راشد وفتى. ينبغي التذكير، بأنه مع هذا العرف المقنّن، كانت اللواطية ممنوعة، ويتم الجماع من أمام عبر الفخدين. بين الخطابات السائدة، نجد خطاب “بوزنياس” الذي أقامه الفيلسوف، بالتركيز على ضرورة التمييز بين نوعين من الإيروس ونمطين من الحب، مثلما توجد أفروديت الشعبية وكذا السماوية. إيروس، يهم الرجال والنساء، ولا يكترث بالقواعد كما لا يتوجه إلى الجسد بدلا من الروح. الإيروس الثاني، يهم قبل كل شيء الروح بحيث يعطيها اندفاعا، ويتبلور من خلال اللواطية. هذا، الماجن المعروف خاصة بسعيه وراء ملذات الحواس، يبعث على السخرية حقا. نجد بأن خطاب “أرسطوفان”، قد أدرك مصدر الرغبة العاشقة، وهو يعرض لتاريخ الإنسانية البدائي، بحيث كانت الكائنات الإنسانية مقسمة إلى ثلاثة أنواع : الرجال والنساء ثم الخنثويين، الأفراد شكلهم كروي يتوفرون على أربعة أطراف برأسيين وعضويين جنسيين إلخ. مرتين مذكر، ومرتين أنثى أو مختلطين. لكن، الزهو سيدفع هذه الكائنات الكروية كي تصعد إلى السماء قصد محاربة الآلهة، مما اضطر زيوس ZEUS إلى معاقبتهم، بالتالي قسّمهم إلى قسمين. حكاية عجيبة، تفسر الحب باعتباره رغبة اشتياقية، للتوحد بالنصف الضائع، بل يعلل إذا أمكننا القول توجهات جنسية مثلية أو متغايرة لدى الكائنات الإنسانية، بناء على وظيفة الكائن الأصلي المنحدرة منه. باختصار، الذين يشتهون الجنس المغاير هم خنثويون يجهلون أمرهم، ويحبون التحول إلى ذلك ثانية. يبرز هنا، خطاب سقراط الذي جعل من نفسه ناطقا بلسان الكاهنة “ديوتيم”، ويتحدد الإيروس لديه كغياب لما ليس لنا.
يحكي سقراط بين طيات حكاية أخرى اختلقها أفلاطون، عن ولادة إلاله إيروس Eros، ابن الحيلة (الوسيلة الأساسية لتحقيق الرغبة) ثم الافتقار (مادامت الرغبة حاجة وعوز). أخيرا، يبلغ الحوار أوجه من خلال الإيعاز بالارتقاء عبر حب أو عشق جسد معين، إلى حب مؤكد بشكل عام لأجسام وأرواح جميلة. ثم من هاته الأخيرة إلى تأمل المثال الأعلى للجمال. إنه المسار العام، للشبقية الأفلاطونية : كل الاندفاع نحو الجمال. والحب الشهواني في أفضل حالاته، يبقى عند درجة أولى، ثانوية دائما وبلا قيمة.
أما الذين يختزلون اللذة الجنسية إلى معنى ضيق، فأفلاطون لا يطرب كثيرا. لأنه يدين بشدة اللذة الجنسية، حينما تستهدف لذاتها في انفصال عن البعد العاشق. الملذات الجنسية، مثل ملذات الطاولة أو الخمر التي يقارنها بها، توفر فقط إشباعات رديئة وعابرة. إنها أكثر الملذات بشاعة، ما دمنا نستسلم لها سرا، “بحيث لا يمكننا الاستغناء عنها”.
بالنسبة لأفلاطون، يتعارض إذن الشبق الجنسي مع التجربة الميتافيزيقية ـ الشبقية للحب. وحينما يتعلق الأمر، بالتقعيد، فسيغدو أكثر راديكالية : ينبغي على اللذة الجنسية، البقاء في حدود الطبيعة. إن الزيجات، الشرعية بين حراس وحارسات المدينة، تتم خلسة جراء الاختلاط في المعاهد الرياضية نتيجة بناء على “ضرورة شهوانية” بهدف تحسين النسل. أخيرا، وبالرغم من كل التخمينات حول جنسيته المثلية، فأفلاطون يدينها بشدة في كتابه “الجمهورية”، وكذا قوانين أنثوية بقدر ذكوريتها. أخيرا، يشير، تعبير “حب أفلاطوني” كليا إلى حب طاهر ومثالي، تخلص من كل لذة جسدية.

رولان بارت وماهية السروال
لقد عشقتم كتبه ومقالاته، وتمتعتم بعذوبة صوته، حين يتحدث عبر المذياع، عن سبب تفضيله عند فريديريك شوبان، إيقاع مازوركا البولوني، أو يعارض باقتضاب الهايكو Haïku، طول الجمل البروستية. لقد ابتهجتم، وأنتم تقرؤون دراسته، حول رسوم موسوعة ديدرو وأليمبرت. كما تأثرتم بأقاويله، عن أمه وهو يدرس فن التصوير. ألم تدهشكم، أو تزعجكم الإشارات التي ترصع كتاباته، لمّا تخللتها تلميحات، عن ميله للذكور. رولان بارت، حين يتأمل جوهر الكتابة عند الرسام « Cy twombly »، يتساءل : "أية ماهية للسروال (إذا كانت له واحدة) ؟، بالتأكيد، إنه ليس بهذا الشيء الجاهز، والمستقيم، مثلما نجده في تعليقة الملابس التي تعرضها المحلات الكبرى. بل بالأحرى، هو عبارة عن حزمة قماش، تدلت أرضا، وقد تراخت يد الفتى الذي يخلع ملابسه، بإنهاك وكسل ولا مبالاة". أيضا، فيما يتعلق بصورة للفوتوغرافي الأمريكي mapplethorpe، أكد عن حق، بأن : "المصور، عمل على تثبيت يد الصبي، من خلال أقصى انفتاحها، وزخم رخاوتها". في نفس الدراسة، لاحظ مع صورة ل “نادار” « Nadar » بأن "أحد تلامذة البحرية، وضع يده بكيفية تثير الاستغراب على فخد “برازا”"، شخصية محورية، تجلس بين : "شابان زنجيان، يرتديان زيا بحريا". يستحضر، بارت في كتابه :
[Roland Barthes par Roland Barthes] رجلا وامرأة، تصادف وجودهما داخل قطار، لكنه سيتأمل الزوج بعين شاذة : "الفتاة الشقراء، ذات الأظافر المصبوغة بسخاء، وزوجها الشاب “بردفين محكمي الصنع، وعينين حلوتين” يمارسان الجنس عبر ثقوب الأزرار"، إذا تواردت كثيرا، مع عمل بارت النماذج المحيلة على الجنس “اللواطي”، فهي رغبة سعى، إلى أن يعيشها في إطار الأدب.
كذلك، هل حزنتم، حين علمكم وأنتم تقرؤون كتاب فيليب سولير « Femmes ». أن بارت، ومنذ وفاة أمه : "بدأ يتورط شيئا فشيئا، في قضايا غلمانية"، وسمي منذئذ ب “مامي” mamie : "اللقب الذي سيتداول سرا أثناء سهرات خاصة شيئا ما، ينظمها أصدقاؤه، كي يتيحوا له مناسبات للإغراء. لقد، اختزل بارت، إلى عملة صغيرة يومية لاسمه الشخصي، وإشعاع اللقب إلى كنية بئيسة. خيبة أمل، شبيهة بتلك التي سيشعرون بها، حينما تكتشفون بأن فاكهة بروست ، محارة صغيرة لحلوى، كانت في حقيقة الأمر مجرد كعك بالحليب.
ثلاث سنوات، بعد صدور كتاب “سولير” سنة 1986، ستتضمن صفحات « L’autre journal » رسالة، جاءت تحت عنوان :[Fragments pour H] بعث بها بارت سنة 1977، إلى “هريفي غيبير” فشكلت وازعا إضافيا للقلق حينما كتب : "لم أبتغ قط “لساني على جسده، لكن فقط، أو بشكل ثان”شفتايا على يده“. الفارق أدبي (مادام يقوم على اللغة) ؟ لكني أعيش حسب الأدب، والصيغ التي تعلمتها منه". ويتابع بارت : "إن أثرا للأدب، ينتج عندما يغير هذا الأدب (اللغة المحكمة) شيئا ما في الواقع. تقززنا كلمات”لساني على جسده“هو القول قليلا، بأني : سأتخلى عن نفسي وأنسى جسدي". يبدو، الأدب هنا، وقد غمرته جنسانية”مثيرة“إلى حد ما.
من لسان يلامس الجسد إلى الشفتين على اليد، نفس المسافة التي تفصل”الرغبة الثقيلة، أي البورنوغرافية“عن”الرغبة الخفيفة، الشبقية“، هذا اللسان”مرعب“، مثل ما يتواتر كثيرا في ملصقات الرسام”ريكيشو“. كتب بارت : ((الوجوه الفظيعة، الأشكال، ألسن الحيوانات، تتوارد عنده بكثافة : خنق تنفسي، تفسر ذلك إحدى النقدات. لا ، اللسان هو اللغة : ليس الكلام المدني، لأنه يمر عبر الأسنان (تلفظ أسناني، إشارة عن التمييز : تراقب الأسنان الكلام)، لكنها لغة الأحشاء، الانتصاب. اللسان، إنه العضو الذكوري من يتكلم)).
سنة 1987، بعد مرور عام على ظهور هاته الرسالة، التي أثارت نوعا من الاستهجان. سيصدر، ناشره عمل : [Incidents]، المتضمن لأشياء عاشها في المغرب وسمعها بين 1968 و 1969. يحكي بارت، بخصوص أحد معشوقيه : "يتمدد في السيارة، كي يكشف عن مفاتنه، إنه مثل قطعة حلوى نادرة، آخر دليل قاطع :”هل تدري، شيئي لم يبتر !". حين، نكتشف هذه الحوادث بعد وفاة بارت وكذا عزلته المرعبة فترة سنواته الأخيرة، سيدفعنا ذلك إلى أن “الجنون بدافع الشفقة”، مثل نيتشه الذي “ارتمى محتضنا عنق حصان، لأن الأخير عُذب بشدة”. ينبغي، أن نحب رولان بارت.
هيدغر، والشابة اليهودية الجميلة
بنظرته السوداء، التي قد تخل بتوازن راهبة، فإن “الثعلب” ـ كما كانت تسميه حنا أرنت ـ لا يمكن، أن يبقى معه جمهور النساء لا مباليا. في الجامعة، يسحر الفيلسوف الشاب مارتن هيدغر مستمعيه. لكن، ستكون له قبل كل شيء وبصفة دائمة إلفريد بيتري Elfride petri التي صارت زوجته وأم أولاده. هذه الآنسة، امرأة متحررة ومشهورة بعدائها للسامية، جلبت معها الحنان الأمومي والرعاية إلى منزل هيدغر أو “عزيزي الأسمر الصغير”، كما كانت تدعوه، ربما بسبب سواد ضفيرة شعره وكذا سحنته الباهتة قليلا.
الجميلة حنا أرنت ، طالبة لامعة تنحدر من أصل يهودي، ستقلب حياة الأستاذ. درست مادة الفلسفة ب ماربورغ Marburg من خريف 1924، إلى غاية 1926. آنذاك، بلغ هيدغر من العمر خمس وثلاثين سنة، ويشتغل على كتابه : الكائن والزمان. عمل، سيغير به أسس الميتافيزيقا الغربية. علينا تخيل لقاؤهما، وسط ذلك الحي الجامعي ب ماربورغ. أستاذ استثنائي، تكتسيه كاريزمية أسطورية، وحلقاته الدراسية التي أثثتها شروط مسرحية كاملة. باختصار، فكر تجلى بلغة ملتهبة، لذلك وقعت حنا أرنت في أسر من جسّد لها : “الملك السري للفكر”. تعود الرسالة الأولى للفيلسوف، إلى تاريخ 10 فبراير 1925. كل شيء، تم ببساطة وشفافية ونقاء. مع ذلك، أنهى هيدغر رسالته، وهو يعتذر بشكل ملح بعد “فترة غواية أثناء إحدى جولاتهما”. ظل، ما وقع لغزا كليا. بعد ذلك، لم يحدث أي اتصال بين حنا أرنت وهيدغر، طيلة الفترة الممتدة من 1933 إلى 1950. غادرت التلميذة، ألمانيا النازية، أما هيدغر فلم يزعجه قط تحت سيادة هذه السلطة، أن يرأس جامعة فرايبورغ سنة 1934. لكنهما، سيلتقيان ثانية يوم 7 فبراير 1950. على الرغم من بعض لامبالاة هيدغر حيال أعمال أرنت، فقد كانت الأخيرة فاعلا أدبيا لا يكل، وكذا الصوت الإعلامي والمنافح الصلب عن مارتن، المعترف به كأحد الفلاسفة النادرين خلال القرن العشرين. إبان سنوات 1960، سيدشن العاشقان السابقان، آخر حلقة لهما. تبادل فلسفي، من طبقة رفيعة. سنة 1969 ـ بلغ هيدغر سن الثمانين ـ نشرت صفحات مجلة « Merkur » ل حنا أرنت في حق : “أستاذها الذي تعلمت بجانبه، كيف تفكر”.
مع ذلك، نطرح التساؤل التالي : ألم يستسلم “العزيز الأسمر الصغير” لشهوته أمام طالبة يهودية جميلة، وهو ما تحظره عليه كاثوليكيته المنتمية إلى منطقة سواب Souab الألمانية.

كنط : حتمية انتفاء الجنس، خارج الزواج
نعم، لم يمارس الجنس. لقد حافظ حكيم كوينغسبرغ Konigsberg على طهره، وظلت حياته مضبوطة مثل ساعة توقيت في بروسيا الشرقية. مع ذلك، أوجد بطريقته تنظيرا معرفيا للمسألة الجنسية. الأساسي، بالنسبة لأطروحته ـ ألزمته التربية التقوية ـ أن حب الجنس، وضعته الطبيعة في الإنسان “توخيا للحفاظ على النوع” وليس بسبب اللذة التي تنتج عنه.
تبلور التصنيف الكانطي، في عمله : La métaphysique des mœurs (1798) تحت عنوان “مذهب القانون”، مميزا بين “المعاشرة الجنسية الطبيعية” ثم “ما هو ضد الطبيعة”. يمكن للإنسان، استعمال أعضائه الجنسية بطريقتين : سواء، بالامتثال إلى الحيوانية التي تسكنه، ويحدد كانط ذلك بمفاهيم لاتينية مثل : VAga libido / Venus Vulgivaga/ Fornicatio، أو بمعنى ثان : “لذة ضالة” “فينوس الهائمة”، تعبير ورد عند لوكريس، ثم “المضاجعة” وقد انتظمت حسب جانبها الإنساني، بحيث ستخضع للقانون وحيثياته، أي الزواج. باختصار، لا ممارسة جنسية إنسانية، خارج إطار الزواج، بل هو “ميثاق ضروري قياسا للقانون الإنساني” وكذا “قوانين العقل الخالص”.
عجبا ! يدين كانط، أنصاف المقاييس أو التعاقدات التي تتوخى الدعارة وتستبقي على الجنسانية عند اقتضائها البهيمي، لذلك توصف المعاشرة غير المشروعة ب “ميثاق الدناءة”. نبتهج، ونحن نتخيل كانط، يحتج على اتفاقيات الزنا.
لن يكون الجنس خارج إطار الزواج ، إلا امتداد في الزمان، وتكرارا ل “استئجار شخصية من أجل لحظة متعة”، إنه فقط تعديل لتعبير المدرسة اللاتينية “ميثاق المضاجعة”. كذلك، أليست المعاشرة اللاشرعية ، بمثابة بغاء متبادل، بحيث كل متعاقد يخدم الآخر، من أجل تحقيق متعته الجنسية، انطلاقا من اعتبار استثنائي لهذا الآخر كوسيلة وليس غاية، مما يتناقض مع الأخلاق الكانطية.
يعتقد كانط، بوجود الأسوأ : سياقات “ضد الطبيعة”، مرفوضة بقوة مثل معاشرة الحيوانات والجنسية المثلية بل والاستمناء “لأنها تتعارض كليا مع الطبيعة الإنسانية”. في عمله : [Propos de Pédagogie]، الذي صدر بعد موته، أوصى كانط بأن نبيّن للشخص الشاب، العادة السرية “في كل فظاعتها” ونخبره “بأنه سيكون غير جدير بإنجاب النوع” “ويتسبب لذاته في شيخوخة مبكرة، وكذا مساس دماغه بإصابات خطيرة”. هكذا، أدرج كتابه الآخر : [Métaphysique des mœurs]، الاستمناء، ضمن سلوكات لا يحترم معها الإنسان “واجبه اتجاه نفسه”. وهو حيوان يدمن الخمر وكذا الشراهة، مما يفسر تناوله المخدرات مثل الأفيون وكذا الانتحار. هذه الأفعال (غير الانتحار)، لا يمكنها أن تبعث حسب كانط إلا على التقزز.
إذن، يرفض كانط أخلاقيا، اختزال الحب إلى حب جنسي “بالمعنى الضيق جدات للكلمة” إذا لم يؤطره قانون الزواج.

سارتر: المستمني ومطارِدته
“لقد كنت بالأحرى مستمنيا بالنساء، أكثر مني مضاجعا” هكذا، اعترف سارتر في خريف عمره، تحت إلحاح أسئلة سيمون دوبوفوار في كتابها: La cérémonie des adieux. أرادت القنْدس (لقب بوفوار)، أن تعرف، لماذا، صديقها القديم : "ميزه دائما، هذا البرود الجنسي، رغم عشقه الكبير للنساء". يجيب، سارتر دون مواربة : "لأني، كنت منكبا على الجنس بكياسة، أتخلى بسهولة. أمارس الجنس باستمرار لكن بغير رعشة كبيرة، فقط لذة صغيرة حين الانتهاء، بالتالي فالأمر، ضعيف جدا". سيمون دوبوفوار، التي افتضّ بكارتها، سارتر (أو بولو Poulou، كما كانت تدعوه أمه)، ستكشف بكل صدق إلى عاشقها الأمريكي وقد أرضاها جنسيا، بأن : "سارتر رجل متحمس، يتماهى مع كل شيء إلا السرير" (رسائل إلى نيلسون ألغرن، ص 218). هكذا تتجلى قضيته الكبرى ـ أشار إلى ذلك في مفكرته يوم 28 فبراير 1940، محيلا إلى ملهمه ستاندال ـ في هذا الشعور الجميل بأن “يعشق ويكون معشوقا”. سارتر، دونجوان متلهف خاصة كي يغري أكثر من التلذذ، واقتسام اللذة مع طرف ثان متوخيا هنا، التعويض عن جسد غير جذاب كثيرا. صرّح، بأنه يفضل المداعبة عوض الإيلاج. تقول، فقرة صاخبة شيئا ما، عند نهاية عمله “الوجود والعدم” : "فحش العضو الأنثوي، فحش كل ما هو فاغر. إنها دعوة، من جهة أخرى، كي يكون مثل جميع الثقب. المرأة في ذاتها، تستدعي جسدا غريبا، يجب أن تحوله إلى امتلاء الوجود بالاختراق والذوبان. بالتأكيد، الجنس فم شره يبتلع القضيب، لكنه قبل كل شيء حفرة".
إذن، الثنائي النموذجي لشباب الستينات، لم يكن متناغما، ونعلم بأن الميثاق المشهور عن غراميات ضرورية وأخرى مفترضة، ترجمه تخلى سارتر وسيمون دوبوفوار، سنوات بعد ذلك عن كل ممارسة جنسية. يبقى، أنه بالنسبة لثلث الوقتي فأجزاء هذه الأطراف المترامية في الهواء على طريقة العمل الإبداعي « Liaisons dangereuses »، لا تشكل كلها مناطق شهوة.
تقوم شهادة للكاتبة والفيلسوفة الفرنسية « Bianca Lamblin » ـ تلقبها بوفوار ب” Louise Védrine“ـ ، التي أفقدها سارتر عذريتها: "لقد انزعجت، ولم أفهم سبب تخليه عن لطفه المعتاد. كان مثل من سعى إلى تعنيف شيء في داخلي (بل وداخله أيضا)، يحكمه تأثير قوة هدامة، وليس تلك الشهوة الطبيعية، التي تبيح إقامة علاقات جسدية سعيدة" (مذكرات فتاة مضطربة). هل سارتر، سادي ؟ إلى حد ما بالتأكيد. فيلسوف الحرية، هذا كان على استعداد للتنازل عن كل شيء إلا ذاته لحظة اللذة.
شوبنهاور : إعادة إنتاج النوع
من خلال ملحق متصل، بكتابه الأساسي : [ le monde comme volonté et comme représentation]، تحت عنوان”ميتافيزيقا الحب الجنسي“، هاجم شوبنهاور الأوهام الرومانسية بناء على سؤال”لم يؤخذ بعد، بعين الاعتبار من طرف الفلاسفة“. تؤكد أطروحته، على أن الجنس عامة ولدى الإنسان خاصة، ليس بشيء آخر، غير تعبير عن القوة، التي تشكل في رأيه”إرادة الحياة“. لكن العالم ليس فقط إرادة، بل هو أيضا تمثل واع. هنا، يتعقد كل شيء : فالانسان، لا يرى الحقيقة كما هي. والشخص، يعيش وهما، عندما يظن بأنه يخدم مصالحه، لما يختار شريكا جنسيا. بالفعل، هذا الاختيار، تحدده بدقة معايير، ترتبط بإعادة إنتاج النوع. كل شغف إذن، ينهض في نهاية المطاف على وهم : "يضفي بريقا لدى الفرد، بخصوص كل ماله قيمة على مستوى النوع". لذلك، فجمال المرأة المشتهاة يضع حدا للهدف المنشود، وهو ليس في العمق إلا هدف نوع يبتغي البقاء والنمو. باختصار، تعتبر اختياراتنا الجنسية مجرد غريزة جنسية مقنّعة للنوع. النتيجة : الرجل، متعدد الزوجات لأنه
”بوسعه أن يلد في سنة واحدة أكثر من مائة طفل". لذلك، فالزنا، طبيعي بالنسبة إليه. أما المرأة، التي لا يمكنها في نفس الفترة أن تلد غير طفل وحيد، فسترتبط كليا برجل وحيد، وحتما ستكون وفية له.


المصدر: عن ملف من الملفات الفلسفية لمجلة/ « lire » (الفرنسية)، ص 32-43.