فتحي المسكيني... داعش والغبراء أو نهاية الاسلام. نص غضبي

سبتمبر 29, 2014 اضف تعليق
هل ما يزال بيننا "نحن" من يفخر بالانتماء إلى أفق "الإسلام" ؟ إلى "الله" الإسلامي؟ و"محمد" الإسلامي؟ و"القرآن" الإسلامي ؟ أم أنّه بعد أن "تداعشت" علينا الدنيا من كل حدب وصوب، لم يعد لدينا أيّ هامش للاعتذار عن خطر هويتنا على الإنسانية ؟ لماذا نشعر بخزي عميق غير مسبوق من كوننا ننتمي إلى هذه الإنسانية المخبولة بالتكبير؟ هل عرف اجدادنا مثل هذا الشعور بالندم على انفسنا العميقة ؟ وهذا العار الأعمى من ثقافة القتل العادي الموحش في عاديته التي تثوي تحت كلماتنا ـوصلواتنا دون أن نتفطن إلى ذلك منذ قرون ؟ أم أنّنا نشهد أوّل استعمال تكنولوجي للقتل باسم الله أو باسم السلف الصالح ؟
داحس والغبراء، حرب أم أسماء خيول ؟ ولكن أيضا داعش والغبراء: أسماء حرب ولكن هذه المرة بلا خيول. نحن أمة لم تعد تتسابق على أي شيء. حتى الموت قد تحوّل إلى مجرد تمارين سلفية على القتل التكنولوجي، القتل للقتل. ومهما كانت الصدفة اللغوية غريبة أو بريئة إلى حدّ الفظاعة، فهي قد قالت كل شيء: نحن ننتقل من عصر داحس، حيث لا يزال لدينا ما نتسابق عليه، في أفق كينونة جبارة ومؤسسة ومرحة، إلى دهر مزيّف وكئيب هو دهر داعش، حيث صارت الصلاة أداة قتل بلا أفق، لأنّها صارت تجري خارج فكرة "الله" التي عرفناها إلى حدّ الآن. كيف يمكن لأحد أن يصلّي منذ الآن خارج فكرة الله التقليدية ؟ أيّ ضرب من المكر بإمكاننا أن نعوّل عليه حتى نعود إلى البيت الأخلاقي لأنفسنا الحديثة، الهشة، الزائلة، في آخر هذا المساء الإمبراطوري / الخليفي، البائس ؟
وكلّما تسمّرت أعيننا أمام مشاهد الدماء القانية، في صورها الرقمية جدّا، التي تتفجّر من الأجسام الطرية للمحدثين، أو ركض البصر عاليا كي يلمس الرؤوس المقطوعة بعناية والمعلقة على سنان الحدائق الحديثة، حيث أخطأ الفلّ أو الريحان أن يطمع في أن يتطاول في النبات ذات يوم،- كلّما...شعرنا أنّنا نموت من الداخل أو أنّنا قُتل منا شيء ما هناك، في تلك البقاع التي ينهمر فيها المقدّس القديم مع كل أنواع الرياح، وحيث تعبق الأرواح المثقلة بالآلهة في كل وهد أو جبل أو خلاء.
يا لهذا العار الميتافيزيقي... ! قطعان من البشر تُساق بحداء الإبل، إلى مسالخ لا-راهنة، حيث تُنزع الرؤوس كما تُقطع العراجين الفاسدة من النخل الميت. هل فسدت فينا الحياة إلى هذا الحدّ ؟ هل موتة الإله الإسلامي قد أوشكت على الالتحاق بموتة الإله المسيحي ؟ هل دخلنا مرحلة أدبية جديدة من التأبين الميتافيزيقي لكل ما هو مقدّس فينا ؟ متى نخجل من كوننا نحن بهذا القدر ؟ نساء تُباع وتُشترى خارج التاريخ ؟ هل عاد الوحش القديم النائم في كل الثقافات القديمة إلى الظهور دون أن نعلم وباسمنا نحن فحسب دون جميع الأمم ؟
يبدو أنّ ثقافة القتل الدينية لا يمكن أن يعادلها أيّ نظام آخر من الموت. صحيح أنّ القتل لا ماهية له. لأنّ الموت صناعة بلا انتماء. لكنّ رأس الأمر في القتل ليس المقتول بل عنوان القتل: نوع التشريع الذي يبرر القتل ويعلّله من الداخل، وكأنّه واجب أخلافي أو فضيلة وثنية. فماذا لو كان القتل نوعا من الصلاة ؟ أو الزكاة أو المناسك والطقوس والشعائر الرسمية لإنسانية واعية بنفسها ؟ من السهل أن ننسب قيم القتل إلى هذا الإله أو ذاك. وقد يكون هذا هو الكسل الروحي العميق والفظيع في ثقافة شعب أو مجموعة من الشعوب: إله يبارك قتل البشر وتعذيبه وسبيه واغتصابه وتقطيع أوصاله والتمثيل بجثته، وكأنّ ذلك تمارين رائعة في الشهادة، كرقصة سريالية للقفز إلى العالم لآخر، عالم الحور والخمور العلوية. وماذا لو كان الله براء وبريئا من كل ما يدور في خلدنا من السعي إلى مرضاته بواسطة القتل ؟
وعلى ما في مشاهد القتل من الفظاعة، فإنّ ثقافة القتل أفظع من القتل وأشدّ فتنة على الناس. صحيح أنّ مشاهدة قطيع من البشر العراة ممّددين على صحراء قبيحة، في الرقة السورية أو في أي مكان آخر من أرض الأنبياء، هو أمر مرعب ومخجل ومرفوض تماما، وخاصة هو فضيحة لنا أمام ضمير الإنسانية جمعاء- لكنّ ثقافة القتل التي أدّت إليه وبرّرته، لا تزال قائمة وتتمتع باحترام ميتافيزيقي مريع. ومن الخبث الرخيص أن ندّعي أنّ مقاومة داعش بإعانات الغرب أو حتى القضاء على دولتها هو الحل الناجع. إنّ داعش فكرة وليس عصابة: فكرة دينية وسياسية عميقة وراسخة في مخيالنا التاريخي السحيق القدم. وليس مجرد مجموعة إرهابية. إنّها سياسة هوية، وليست احتلالا. وإنّها خطة روحية للاستيلاء على البشر الحديث وتحويله إلى رعيّة دينية بلا أيّ قدرة على المواطنة الحرة. إنّها إستراتيجية صريحة لتجريد الإنسانية من ملكاتها ومن حرمتها الأخلاقية والقانونية والوجودية وإعادتها إلى حيوانيتها السياسية. هي لا تقيم سيطرتها على نظام بيو-سياسي بالمعنى الحديث، وإن كان يبدو أنّها منظمة ومصمّمة ومحكمة إداريّا. لكنّ ذلك مجرد مظهر فقط.
إنّ داعش هي التنفيذ الجذري لثقافة القتل التي تحتوي عليها سيرتنا الدينية العميقة. ولا يمكن لأحد أن ينكر أنّ عديد مشاهد القتل قد سبق وأن وصفها وصوّرها الأخباريون والمؤرخون القدامى عند العرب. وكونها لا تنتمي إلى سنة الرسول نفسه فهذا لا يغيّر من طبيعة الإشكال شيئا– ويبدو أنّ أحد أسباب وصولنا إلى عصر داعش هو سكوتنا النسقي عن ذلك الوجه الآخر من تاريخنا الروحي وتواطئنا الأخلاقي الطويل الأمد مع قصة أنفسنا القديمة، وهو خطأ ميتافيزيقي اقترفته الشعوب كما استثمره الحكام كأفظع ما يكون.
كيف يمكن لنا أ نتحرر من أي حاجة تاريخية إلى دواعش جديدة في أفقنا ؟ أم أنّ الإسلام قد انتهى كأفق أخلاقي ومن ثمّة لم يعد يحق لأيّ مؤسسة أو هيئة دينية أن تشرّع لذواتنا الحديثة وكأنّنا لا نزال في حاجة إلى هذا الانتماء العميق ؟
لطالما دافعنا عن انتمائنا إلى أفق الإسلام كجملة رائعة من مصادر أنفسنا العميقة، ولكن النتيجة جاءت مخيّبة للآمال بشكل غير مسبوق: إنّ وضع دولة الإسلام موضع التنفيذ لم يؤدّ إلاّ إلى أسوأ أنواع الوجود السياسي منذ فجر التاريخ: سياسة القطيع البشري نحو المسلخة. وهذا هو ما يجري الآن. وكل من يواصل تبرير فكرة الإسلام من دون أن يجد مخرجا أو تعليلا أخلاقيا لهذا المأزق الميتافيزيقي المرعب حيث ألقت به داعش بكل إرادة وبكل هوية، هو لا يفعل سوى خداعنا أو خداع نفسه. وسواء كان المدافع حداثّيا أو كان سلفيّا، فهذا لا يغيّر من طبيعة المعضلة الداعشيّة شيئا.

ربما، نحن الكتّاب أو لنقل نحن "أهل الكتاب" بجميع أنواعنا لتوحيدية، لم يبق لدينا من الحكمة غير الغضب على أنفسنا العميقة. وكل نصّ منذ الآن هو نصّ غضبي أو لا يكون. وذلك يعني أنّه لم يعد يحتمل أيّ نوع من النقاش. لا أحد بإمكانه أن ينجو من الموت بواسطة الحجاج. الموت لا يجيد الاستدلال على الرعب. إنه يرعب فقط.

جمهور أم كلثوم لعلي الشدوي

سبتمبر 28, 2014 اضف تعليق

على الشدوي

 تتعلق بداية مقالي بالدلالة التي اتخذتها الحملة الفرنسية على مصر ( 1798 ) بالنسبة إلى الثقافة العربية الحديثة ؛ فبسبب تلك الحملة أجرى العرب على أنفسهم تحولا عُرف بمرحلة النهضة ثاروا فيه على الكيفية التي كانوا عليها في القرون الوسطى.

كان المثَل المثير لإعجاب العرب هو الغرب، ولهذا أراد العرب أن يشكلوا ذواتهم حسب كيفية وجود الأوروبيين آنذاك. وما اعتبروه أساسيا هو العلم لكي يحرر العرب من عاداتهم وتقاليدهم وخرافاتهم . وسرعان ما ولد سؤال النهضة العربية التي كانت وراء انبعاث الفكر العربي الحديث. ومن غير أن أتوقف عند بدايات اليقظة العربية، وتبلور أهدافها الوطنية والقومية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية ، سأنتقل إلى تجربة ثقافية مميزة في العصر العربي الحديث.
يمكن أن أسمي تلك المرحلة التاريخية بمرحلة العباقرة في الدين والعلم والشعر والقصة والرواية والمسرح والموسيقى والغناء والسياسة والاقتصاد. سأمثّل هنا باسم واحد لا غير لكي أشير إلى هذه المجالات الفكرية والجمالية كالإمام محمد عبده في تجديد الدين، و الشاعر أحمد شوقي، والقاص محمود تيمور، والأديب طه حسين والمفكر أحمد لطفي السيد، والاقتصادي طلعت حرب، والممثل نجيب الريحاني، والملحن سيد درويش، والموسيقار محمد عبدالوهاب، و المغنية أم كلثوم.
عاش العرب مع هؤلاء العباقرة وبهم تجربة تحديثية رائدة تكمن في القدرة على إسعاد الإنسان العربي في أي مكان . كان السؤال الذي طُرح آنذاك ومسّ العالم العربي كلّه هو: أين تتجلى سعادة الإنسان العربي بما أن لا معنى لها إلا على مستوى الحياة البشرية ؟ في شعور الناس بالرضا الذي يحسون به نحو الحياة الدنيا ، في تمنياتهم ورغباتهم ومشاريعهم التي يخططون لها .
***
إن من بين التغييرات التي حدثت آنذاك في المجتمع العربي بهدف السعادة لا شيء يكتسي أهمية كبرى مثل الدعوة إلى تحديث المجتمع العربي في كل بناه السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية ، وفي مشاريع جزئية أو شاملة ، جذرية أو إصلاحية طبعت تلك المرحلة البديعة .
ترتب على ذلك التحديث الاجتماعي والمعرفي أن تغيّر فهم العرب لأنفسهم ، وما تبع ذلك من تغيير في فهم طبيعة العلم والفن والأدب. وإذا ما اقتصرت على الفنون فمن المعروف الآن أن ظهور نوع أدبي أو فن تشكيلي أو لحن موسيقي جديد يأتي جزءا من الإجراءات الطويلة والمعقدة التي تغير فهم الناس لمجتمعهم ، وتقبلهم لأنفسهم ، قبل أن يتغير الخطاب الذي يعالج خبرتهم.
غدت القاهرة في تلك المرحلة التاريخية مثيرة لكل مواطن عربي من المحيط إلى الخليج . غدت من حيث هي “فضاء مادي وأسطورة ثقافية” في آن . وغدت فيها الحداثة أداة لتنقية الذوق العربي، وهي بطبيعة الحال أداة لا غنى عنها في مدينة يرتادها بدو العالم العربي وبرابرتهم.
يشير جمهور أم كلثوم الذي نراه الآن في تسجيل حفلاتها إلى جمهور مثقف ونشيط، وحتى إن أفترضنا أنه ينقسم في انتمائه إلى الأحزاب السياسية آنذاك، وأيديولوجيا في انتمائه إلى تيارات إلا أنه يؤمن ويتوحد ويوطّد ما سمته بياتريث سالو وهي تتحدث عن مدن الحداثة “بـالسيولة في التداول الجمالي والاستعارة الجمالية” ، في ذلك الحيز الذي يشغله الجمهور من حيث هو جمهور لا ينتمي فقط للطبقة العليا، إنما يشمل أيضا الطبقة الاجتماعية الدنيا.
تتعلق تلك المرحلة التاريخية في الثقافة العربية الحديثة ببرامج النزعة الإنسانية، وقد مثل كل تجديد أساسا لترسيخ قيمة جمالية. وما زلنا إلى الآن نستمتع بفرح تلك المرحلة التاريخية وسعادتها ونحن نقرأ شعرها ونثرها، ونشاهد أفلامها، ونستمع إلى ألحانها وغنائها.
***
ثم قامت الثورة المصرية 1952. ولا يخلو تحالف “العسكر” آنذاك مع جماعة الإخوان المسلمين من معنى ولو عند مستوى غير واضح، وهو أن ثورة 1952 في أحد مستوياتها لم تقم من أجل التغيير إنما من أجل إعادة السلطة كما تدل عليه كلمة ثورة في أصلها اليوناني؛ لذلك فما بدا للشعب العربي آنذاك على أنه روح جديدة في ثورة 1952 لم يكن سوى محاولة لاستعادة سلطة الماضي وقد فُهم التحالف آنذاك على الأقل من وجهة نظر الأخوان المسلمين على أنه كذلك.
ستبقى هذه الخلفية ناقصة من غير أن أتحدث عن القضية الفلسطينية التي وضعت العالم العربي بعد عام ( 1948 ) أمام مقتضيات تاريخية وثقافية استثنائية، وهو ما دفع مفكرا وناقدا كبيرا كإدوارد سعيد يعتقد أن التعبير عما حدث آنذاك بمقتضيات تاريخية وثقافية استثنائية تعبير ينطوي على أشد ضروب التبخيس ؛ فمن وجهة نظره أن عام ( 1948 ) والسيرورات التي شكل ذروتها؛ يمثل انفجارا لا تزال آثاره تقع على حاضر العالم العربي بلا هوادة ، وما من عربي آنذاك أمكنه أن يتجاهل الحدث مهما كان في تلك اللحظة قوميا أو قبليا أو متدينا أو مناطقيا.
بسبب عامي 1948 و1953 تفوّقت الوظيفة العملية المجتمعية لقضايا الوحدة ، والاشتراكية ، والرجعية ، والامبريالية التي طرحتها الثورة آنذاك ، من حيث أهميتها الأيديولوجية على قيمتها المعرفية مما يمكن القول إن الأيديولوجيا هي روح المرحلة التي بدأت في خمسينات القرن الماضي .
وقفت هذه الأيديولوجيا وراء القضايا الشكلية والتاريخية التي واجهها المثقف العربي ، وهي التي غذت الثقافة وحولتها إلى فعل تاريخي. هذا إن لم نقل فعل مقاومة بعد عام ( 1967 ) . فعلى سبيل المثال يذهب إدوارد سعيد إلى أن الرواية قبل عام ( 1948 ) كانت رواية تلخيص تاريخي ، ثم أصبحت بعد ذالك العام رواية تطور تاريخي واجتماعي ، مستدلا بالثيمة الكبرى التي رصدها الناقد المصري غالي شكري في معظم الروايات المصرية بعد عام ( 1948 ) ويعني ثيمة الصراع شبه المأساوي في معظم الروايات المصرية بين الشخصية الرئيسية وبين قوة خارجية ما.
***
إن ما يلفت النظر هو أنه لم يكن هناك استبداد لكي تحدث ثورة 23 يوليو فيما لو قارنا ما بعد الثورة بما قبلها؛ إنما هناك “عسكر” أشعلوا العالم العربي بتوحيدهم بين الثورة والقومية؛ أي ثورة عربية وقومية ثورية. تتحدث القومية العربية بلغة الثورة، وتثير الثورة الجماهير برفع الشعارات القومية. قبل أو بعد ثورة 23 يوليو. في ثورات سوريا والعراق وليبيا والسودان والجزائر، كان هناك حياة سياسية، تضمن حق التظاهر السلمي، وتنظيم الانتخابات الدورية. لكن تعطلت تلك الحياة السياسية بابتكار أعداء في الداخل وأعداء في الخارج تحت مفاهيم الرجعية والإمبريالية. لقد رفضت القومية فكرة الأوطان، ورأت فيها فكرة ورّثها الاستعمار. وقد ناضل القوميون من أجل الوحدة العربية. وقد ساوق فكرةَ الرباط القومي فكرةُ الرباط الديني لاسيما بعد نكسة 1967، وقد عطّل القومي والديني إصلاح المجتمعات العربية وتحديثها؛ لأن كليهما استندا إلى فكرة إحياء على المستوى الديني، وعلى المستوى الحضاري. وإنه من الدلالة بما كان أن تُسمى الأحزاب بأسماء كالبعث والنهضة والنور والوطني.

إن ثقافة لم تكن تهتم إلا بالصراعات مع ما كان يسمى في تلك المرحلة التاريخية بالرجعيات المحلية والعربية، والاستعمار الصهيوني والامبريالي لن تصنع سوى ثقافة ومثقفين مناضلين . وقد تحول هذا النضال وبفعل نكسة عام 1967 إلى شعور متحفّظ إزاء الثقافة والمثقف المناضل عبّر عنه عبدالله العروي بأن وظيفة المثقف ليس النضال، إنما ملئ فضاء المجتمع العام.

رنا قباني... قطتي مع محمود درويش

سبتمبر 28, 2014 اضف تعليق


رنا قباني

كان محمود أكرم مخلوق عرفته، مع أنه كان فقيرا- أو لأنه كان فقيرا، فسرعان ما اكتشفت أن لديه عبقرية في إنتقاء الهدية البليغة، التي اتسمت دوماً بحس جمالي أو عاطفي ذو شحنة عالية، تركت في قلبي علامة لم تمح، رغم أن كل ما أهداني إياه سرق مني فيما بعد، أو أندثر في الحروب والتنقلات المتتالية، أو مات.
كان لا يعود مرة الى البيت إلا وفي جيبه هدية: زهرة غاردينيا طلب من البائع أن يلفها بورق الجيلاتين وبشريطة خضراء بلون ضلعها تماماً؛ حبتان من «المارون غلاسيه» من محل «شانتيي» الشهير، إذ كان يعرف حبي لهذه الحلوى (رغم غلاء سعرها) لأسباب تتعلق بطفولتي، لأن والدي كان دائماً يحاول صنعها في بيتنا في دمشق، ليصبح المطبخ وكأن تسونامي قد ضربه، وقشر الكستناء يتناثر في كل مكا
ن، وأوعية عديدة نحاسية يغلي فيها قطر السكر على النار، وميزان الحرارة الخاص الذي جلبه معه من باريس، لقياس اللحظة المناسبة للبدء في تحضير الوصفة المعقدة من معجم «اللاروس غاسترونوميك» المفتوح أمامه، والصفحة التي يتدارسها أصبحت مهترئة من كثرة المحاولات.
في يوم ربيعي عاد زوجي من العمل الى شقتنا في بيروت، وطلب مني وكأنه لا يمكنه أن ينتظر ثانية- حينها كنت في المطبخ أفرم باقة من البقدونس لطبخ أكلة شامية هي «الجز مز» التي كان يسليه اسمها ويحب طعمها- أن أدخل يدي في جيبه لكي أستخرج هديتي. فعلت كما طلب، لأجد قطة صغيرة، بيضاء اللون، عليها علامة سوداء وأخرى حمراء، من صنف الهر الأوروبي. كان قلبي يدق من كثرة الفرح، وحين حملتها، نامت فوراً على صدري، وكأنها وجدت أمها الضائعة. بكى محمود حين رأى هذا، وأكل بسرعة بعد أن أطعم القطة وسقاها، لأنه أراد أن نذهب الى غرفة النوم ونأخذها معنا لنمضي معها ساعة القيلولة. حين فعلنا، وجدنا أنها نامت بيننا، ووضعت كفا صغيرا ناعما على كتف محمود، وباقي جسمها على جسمي. ثم أخذت «تخرخر» مطمئنة بأنها سرقت قلبي وقلبه، مدركة أنها ستصبح طفلتنا المدللة. تنهد محمود، وقال- والدمع ما زال يبرق على ريف عينه: «ليتك كنت تستطيعين (الخرخرة) مثلها، لكي أعرف أنك سعيدة معي وستبقين!».
كنت أترجاه دوماً أن لا «يدللني» بهذا الشكل اللا معقول، كي لا يحسدني القدر. فكم أضحكته كلماتي هذه، وسألني متعجباً كيف لي أن أؤمن بهذه الأنواع من الخرافات؟ لم يكن يرى، مثل ما كان يظهر لي (بحدس أثقل روحي وجار على أعصابي) تلك الكائنات القبيحة التي راقبتنا من ركن الغرف، وهي تتفانى في تدبيرها لتدمير سعادتنا البشرية الهشة. هل كانت هي التي دفعتني إلى الرحيل في ليلة سقوط الأماني، أم ظروف سياسية بائسة، وخارج إرادتنا تماماً، أعند بكثير من حبنا المتكرر؟
لم أنج من عقابه حين تركته ينزف جريحاً لوحده بعد انتهاء زواجنا الثاني، في بيت موحش في مصيف سيدي بوسعيد، بعد أن غادرها السياح لتجتاحها ريح الخريف الصاخب الرطب، التي كانت سرعان ما تغبها العظام ليوجعها، والنفس الحساسة ليؤلمها. وصل التاكسي الى باب الدار الأزرق الأثري الكبير، وكان سؤال محمود المأساوي الأخير هو: «كيف استطعت أن تأخذي ‘فيزا’ لكي تسافري؟» ثم أعاد السؤال باختصار أشد وأعنف، أشبه بـ «ستاكاتو» البرقية: «فيزا؟ كيف؟ كيف؟ فيزا؟» اذ إشارة الدخول الى أي بلد يريد ان يسافر اليها لاجئ مثله بقيت معضلة حياته، كما ستصبح معضلة حياة شعبي السوري بأكمله، في عهد محرقة بشار الأسد، والنزوح الجماعي للملايين بعد تدمير نصف بيوت سوريا بالطيران الحربي والبراميل المتفجرة؛ بالحصار والمجاعة والإغتصاب الجماعي والتعذيب الشنيع الحاقد.
ركبت التاكسي ولم أقل شيئاً، فالكلام كان أصغر من الحزن الصامت الذي اعتراني في لحظتها. وأسباب رحيلي كانت أكثر تعقيداً بكثير من أن تشرح أو تفسر. الأخطاء والجروح وأقوال الأفراد الذين أرادوا كسر علاقتنا، كانت قد غطت حبنا الناصع، كالنفايات في الصباح الباكر في حارات المرسى القديمة، قبل أن تلمها كاميونات البلدية، التي مررت بها وأنا متوجهة الى المطار. كانت بيوت هذه المدينة الساحلية البديعة، تعج بأصدقاء قضينا معهم أحلى أيام سنواتنا معاً، حين ذهبنا الى تونس للمرة الأولى في عام 1977 (قبل أن يحتلها أبوات الثورة الفلسطينية) ليقرأ محمود شعره هناك. ونزلنا في فندق من طراز تقليدي رائع، في غابة مليئة بالأشجار القديمة الضخمة، والياسمين والبوغانفيليا والميموزا. على شاطئ بحر سري، رمله كالسكر، كان اسمه «شاطئ القردة». هذه الجنة التي سحرتنا بيعت لشركة خليجية في عهد حكم سماسرة بن علي، وهدم الفندق الأثري وماتت الأشجار. بقيت المنطقة لسنين مهملة بعد قبض «الكومسيونات» الكثيرة، حتى بني عليها من فترة فيلات جديدة شديدة البشاعة.
كره محمود سماع لفظ اسمي عندما غادرته للمرة الثانية في تونس، وكان يترك جلسة بغضب لا إرادي إذا ما ذكرت فيها. صب علي كل سخط الذكر الذي طعن في غروره. لم يتغير هذا إلا حين أتت السنوات النهائية من حياته، حين سمح لنفسه أن يغفر لي، وتقابلنا وتحدثنا أكثر من مرة قبل وفاته. كم ترجيته، مثل كاساندرا، في المكالمة الهاتفية الأخيرة، أن لا يتوجه الى غرفة العمليات في ولاية تكساس، وان لا يسلم نفسه لجراحة خطيرة. قلت له أنني متأكدة انها ستقتله. أدهشه رد فعلي القاطع هذا، ولا بد ان ملامحه تغيرت حين أصغى إلي، فسمعت صوت ليلى شهيد، ممثلة منظمة التحرير، التي كانت تحرسه مثل ظله، تصرخ من غضبها: «ماذا تقول لك؟ كفى! كفى! لا ترد على كلامها وانه المخابرة فوراً!».


أما عقاب القدر القاسي لتركي هذا الشاعر الكريم النفس، والمترفع عن المادة مثله مثل الناسك، رغم إيهامه الجميع أنه كان متعلقا بملذات الحياة الدنيا- والذي بالرغم من ذلك كان يحلم ان يمطر على زوجته الصغيرة كل جواهر الأرض النادرة، دون أن يملك ثمن علبة يضعها فيها، جاءني بعد سنين، حين ذقت الذل على يد أبخل البخلاء.

فتحي بن سلامة... تأويل ابن عربيّ لرؤيا إبراهيم

سبتمبر 27, 2014 اضف تعليق

فتحي بن سلامة

مقتطف من كتاب فتحي بن سلامة، الإسلام والتّحليل النّفسيّ، ترجمة رجاء بن سلامة، بيروت، رابطة العقلانيّين العرب ودار السّاقي، 2008، ص ص 294-297. 

يعود الفضل في تقديم أجمل تأويل لإشكال العلاقة بين الحلم والتّضحية في الإسلام إلى المتصوّف الأندلسيّ ابن عربيّ (القرن الثّاني عشر). فقد أدرج هذا الإشكال في إطار نظريّته عن “حضرة الخيال”.

 انطلق ابن عربيّ من جواب الابن : “يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ” ليُخضع مسألة التّضحية بأكملها إلى رهان تأويل الحلم، فهو يقول : “والولد عين أبيه. فما رأى [الوالد] يذبح سوى نفسه.”وفداه بذبح عظيم“فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان. وظهر بصورة ولد، بل بحكم ولد من هو عين الوالد.”(1) وهكذا، فإنّ موضوع الحرمان الذي يخضع إليه الأب من حيث ماهيّته، وعن طريق الابن، هو الطّفل. ولا شكّ أنّ هذا التّأويل الذي قدّمه ابن عربيّ يندرج في إطار تقليد عريق في التّصوّف يقوم على اعتبار “التّضحية الكبرى” تضحية بالنّفس. والنّفس هي la psyché، وهي الجزء الحيوانيّ الفاني من الرّوح، وهي التي تظهر في صورة الحمل الوديع المقدّم قربانا، وعلى هذا النّحو يسلم الغنوصيّ نفسه إلى الفناء في الإلهيّ.

 إلاّ أنّ طرافة ابن عربيّ تكمن في النّظريّة التي قدّمها في “الفصّ” المتعلّق بإسحاق. فهي من أرقى وألطف النّظريّات المؤوّلة للحلم المتعلّق بما يعتمل في الأب من شوق إلى قتل الطّفل، وللمرور من الفعل الخياليّ إلى الواقع :

“اعلم أيّدنا الله وإيّاك أنّ إبراهيم الخليل عليه الصّلاة والسّلام قال لابنه (إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك)، والمنام حضرة الخيال فلم يعبّرها، وكان كبش ظهر في صورة ابن إبراهيم في المنام، فصدّق إبراهيم الرّؤيا)، أي لم يعبّرها لما تعوّد به من الأخذ عن عالم المثال، فلمّا رقّاه اللّه تعالى عن عالم المثال ليجعل قلبه محلّ الاستواء الرّحمانيّ، أخذ خياله المعنى من قلبه المجرّد، وتصرّفت القوّة المتصرّفة في تصويره، فصوّرت معنى الكبش بصورة إسحاق عليه السّلام لما ذكر من كونه الأصل، فلم يعبّرها وصدّقها في أنّ ذلك إسحاق، وكان ذلك عند اللّه الذّبح العظيم، فلم يعط إبراهيم الحضرة حقّها بالتّعبير، ففداه ربّه من وهم إبراهيم بالذّبح العظيم الذي هو تعبير رؤياه عند اللّه، وهو لا يشعر.”(2)

 لم أقم في هذه التّرجمة (3) بأدنى محاولة لجرّ ابن عربيّ إلى عصرنا. فكلّ كلمة وكلّ فكرة في هذا النّصّ تمثّل جزءا من المجموع النّظريّ الذي صاغه ابن عربيّ عن “حضرة الخيال” أو “الحضور الخياليّ”. وليست حضرة الخيال هذه حضورا في الخيال، بل هي حضور الخيال باعتباره جوهر الغياب الذي هو شوق الآخر. فابن عربيّ يميّز في هذه النّظريّة بين قطبين خياليّين. أمّا القطب الأوّل فهو الخيال المرتبط بالظّرفيّة الخاصّة بالذّات : يقول في الفصّ نفسه : “بالوهم يخلق كلّ إنسان في قوّة خياله ما لا وجود له إلاّ فيها، وهذا الأمر العامّ...”

أمّا القطب الثّاني، فهو الخيال غير الظّرفيّ : يقول ابن عربيّ : “والعراف يخلق بالهمّة ما يكون له وجود من خارج في محلّ الهمّة، ولكن لا تزال الهمّة تحفظه(4)”.

فابن عربيّ يميّز هنا بين “الخيال المتّصل” بالذّات و“الخيال المنفصل” عن الذّات. فالخيال المنفصل يشمل في تقديري ما سمّيناه بـ“الخيال الضّروريّ” الذي لا يخيّل المستحيل، بل يشير إليه باعتباره منسحبا، وباعتباره بقيّة تقال، تماما كما هو شأن “كان”.

 والنّتيجة التي يمكن استخلاصها ممّا تقدّم حسب ابن عربيّ هي أنّ إبراهيم لم يستطع أو لم يهتد إلى تأويل الهوام(5) في حلمه، وهو “التّضحية بابنه”. فقد بقي “بلاشعور” بالموضوع الحقيقيّ للشّوق إلى التّضحية. فما كان يجب عليه التّضحية به هو “الطّفل الذي فيه” لا ابنه. وتبعا لذلك، فإنّ مشهد ذبح الكبش كان تداركا (من قبل اللّه) في الواقعيّ لما تمّ التّعبير عنه في الخيال ولم تتوفّر وسائل تحويله إلى صورة ملائمة. فما هي إذن هذه الصّورة الملائمة، ومن أين تتأتّى وسائل التّحويل؟

 يشرح ابن عربيّ هذا الأمر قائلا : “وقال اللّه تعالى لإبراهيم حين ناداه أن (يا إبراهيم قد صدّقت الرّؤيا) وما قال له : قد صدّقت في الرّؤيا إنّه ابنك، لأنّه ما عبّرها. فلو صدَق في رؤيا ما رأى لما كان عند الله إلاّ إسحاق ولذبحه، فلم يصدق فيها بالتّعبير كما هو عند الله، بل أخذ بظاهر ما رأى والرّؤيا تطلب التّعبير، ولذلك قال العزيز : (إن كنتم للرّؤيا تعبّرون)، ومعنى التّعبير الجواز من صورة ما رآه إلى أمر آخر، فكانت البقر سنين في المحْل والخصب، فلو صدق في الرّؤيا لذبح ابنه، ولكان عند اللّه كذلك، وإنّما صدّق الرّؤيا في أنّ ذلك عين ولده، وما كان عند الله إلاّ الذّبح العظيم في صورة ولده، ففداه لما وقع في ذهن إبراهيم (ص) ما هو فداء في نفس الأمر عند الله.”(6).

 وهذا يعني أنّ ما يراه ابن عربيّ هو أنّ الاستبدال الأضحويّ للابن بالكبش كان سدّا للنّقص الذي اعترى تأويل إبراهيم، إذ صدّق بالمعنى الحرفيّ لصور الحلم. فالتّعويض الأضحويّ يكون بذلك تداركا في اللّحظة الأخيرة لخطإ في التّأويل كان يمكن أن يصبح جريمة قتل لطفل. فالتّضحية هنا هي بمثابة التّأويل. المستهدف هو التّضحية بالطّفل الذي كان في داخل الأب من خلال الابن، أو على وجه الدّقّة من خلال صورة التّضحية بالطّفل، وهي غير قتل الابن.

 وإذا كانت التّضحية تحلّ محلّ التّأويل النّاقص معوّضة إيّاه، فذلك يعود ربّما إلى وجود تكافؤ بين التّأويل والتّضحية. وإذا صحّ هذا القول، فإنّ التّضحية في الحلم تصبح حلما بتحقيق الشّوق إلى التّأويل. أمّا التّضحية نفسها فتكون الشّوق إلى التّأويل وقد تجسّد في الواقع. والرّهان في هذا الشّوق إلى التّأويل هو كما سنرى قتل الطّفل القابع في داخل الأب. ولكنّ الشّوق إلى قتل الطّفل القابع في داخل الأب لا يعدو أن يكون شوق الابن إلى أن يكون أبا، أو لنقل، لم لا، إنّه مصير الأب إبراهيم وقد وصل إلى مطبّة.

 هذه هي النّتيجة القصوى التي نجح في استخراجها من إشكال التّضحية في الإسلام هذا الرّجل الذي ينتمي إلى العصر الإسلاميّ الوسيط، وهي تتمثّل في أنّ التّضحية خطأ في تأويل حلم الأب أو شوق الأب. إنّنا نجد لدى ابن عربيّ، معاصر ابن رشد، أمرا تشهد به كلّ آثاره، وهو محاولة تخليص روحانيّة التّوحيد الإسلاميّ من الإله المكفهرّ الذي يطالب بنصيب من اللّحم ويكره الآباء على إراقة دم الأبناء لتخفيف تأثّمهم. إنّ ابن عربيّ يحيل إبراهيم إلى شوق الآخر وإلى الطّفل الخياليّ، أي إلى إله قابع في لاشعوره. ونفهم لذلك سبب منع الإسلاميّين كتبه وحرقهم إيّاها، معتبرين إيّاها نتاجا لمرتدّ عن الإسلام.

 

الهوامش:

1 - فصوص الحكم، ص 78.

2 - م، ن، ص 138].

3 - [يقصد ترجمة نصّ ابن عربيّ إلى الفرنسيّة]

4 -[فصوص الحكم، ص 147]

5 -[ “الوهم” في لغة ابن عربيّ. المترجمة]

6 - ابن عربيّ، فصوص الحكم، شرح الشّيخ عبد الرّزّاق القاشانيّ، القاهرة، المكتبة الأزهريّة للتّراث، 1997، ص ص 139-140.

 


مذكرات صوفيا لورين

سبتمبر 24, 2014 اضف تعليق

اعداد كوليت مرشليان

عن المستقبل 


تحتفل النجمة السينمائية العالمية صوفيا لورين باتمام 80 عاما بطرح مذكراتها في كتاب يسرد تفاصيل حياتها التي شهدت صعودها من الفقر الى الثراء والشهرة.

وفي الكتاب الذي يقع في 300 صفحة ويحمل عنوان «امس واليوم وغدا - حياتي» غاصت النجمة الإيطالية فيما وصفته «صندوق الذكريات» لتخرج بصور قديمة ورسائل من ممثلين مشهورين أمثال فرانك سيناترا وغاري غرانت واودري هيبورن وريتشارد بورتن فضلا عن توأم روحها مارشيلو ماستروياني.

ويحفل الكتاب بالعديد من القصص الشيقة منها كيف أوقفت محاولات الممثل الأميركي مارلون براندو للتقرب منها وعلاقتها بالممثل الإنجليزي غاري غرانت.

والكتاب بمثابة تعريف بالعديد من الشخصيات السينمائية العالمية على مدار 60 عاما ويعرض حياة فتاة بسيطة من جنوب إيطاليا أصبحت واحدة من أشهر نجمات السينما العالمية.

وأخذت لورين اسم كتابها من فيلمها الشهير الذي يحمل الاسم نفسه للمخرج الإيطالي فيتوريو دي سيكا الذي انتج عام 1963 ولعبت فيه ثلاثة أدوار مختلفة مع ماستروياني.

ويبدو ان صوفيا لورين تقصد بكلمة «غدا» في عنوان كتابها ان حياتها المهنية لم تنته بعد. وكان فيلم «ذا هيومان فويس» الذي بدأ عرضه في وقت سابق من العام أحدث الأعمال السينمائية للممثلة الإيطالية.

ولدت صوفيا لورين واسمها الحقيقي صوفيا شيكولوني في روما يوم 20 سبتمبر ايلول 1934 لممثلة أصابها الاحباط بعد رفض صديقها الزواج منها.

ونشأت الممثلة الحاصلة على جائزتي اوسكار في بلدة بوتسولي الفقيرة قرب نابولي وسردت في كتابها كيف كانت تتسول للحصول على الطعام من الجنود الأمييكيين خلال الحرب العالمية الثانية.

وانتقلت لورين بعد ذلك الى روما مع أمها حيث تمكنت من الحصول على دخل متواضع بالعمل كعارضة في مجلة كما فازت بجوائز في مسابقات للجمال.

وفي احدى المسابقات في مطلع الخمسينات من القرن الماضي لفتت لورين انتباه المنتج كارلو بونتي الذي منحها الفرصة الأولى للتمثيل، وتزوجت لورين وبونتي فيما بعد ليستمرا معاً طوال خمسة عقود، وتوفي بونتي في عام 2007 عن 94 عاماً.

وتغوص لورين في مذكراتها على التفاصيل الدقيقة والتي تركت اثرها في حياتها وخاصة في مرحلة الطفولة، منها مثلاً إصابتها وهي صغيرة بشظايا في ذقنها خلال احدى الغارات فيما كانت في طريقها الى الملجأ من القصف مع العائلة وذلك خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد ذلك انتقلت الأسرة إلى نابولي.

حين بلغت صوفيا الرابعة عشرة من العمر، اشتركت في مسابقة للجمال في نابولي، ورغم كونها لم تحقق فوزاً، إلا انها اختيرت بين المتباريات النهائيات. لاحقاً انخرطت في أحد فصول التمثيل واختيرت في دور صغير في فيلم «كوفاديس» لميرفن ليروي. أطلق هذا الدور مهنتها كممثلة افلام لتقوم لاحقاً باتخاذ اسمها الفني صوفيا لورين.

ولورين تتوقف طويلاً عند قصة لقائها بزوجها كارلو بونتي منتج الأفلام الشهير الذي قضت معه كل حياتها وقد اشتهر الثنائي على انه تميز عن بقية الأزواج الفنانين باستمراريته. خصوصاً لم تتزوج إلا مرة واحدة على عكس نجمات هوليوود أما فهو فقد كان متزوجاً قبلاً ومطلقاً.

وكارلو بونتي التقته حين كان حكماً في اللجنة في مسابقة الجمال التي اشتركت فيها عام 1950 وقد انجبت منه كارلو بونتي جونيور الابن وإدواردو بونتي. وتتوقف صوفيا في مذكراتها «أمس، اليوم وغداً ـ حياتي» عند اشهر أفلامها التي اطلقت نجوميتها في أواخر الخمسينات مع شركة الانتاج «بارامونت»، غير انها تشير أيضاً في المذكرات الى القرار الذي اتخذته في حياتها وكان الابتعاد عن عملها الفني والتقليل من العمل بمجرد ان اصبحت أماً، فهي أعطت الأولوية لحياتها العائلية ولزوجها وطفليها. فظهرت في الاربعينات والخمسينات من عمرها في أدوار قليلة وكان أهمها «السفر» إلى جانب ريتشارد بورتون لدي سيكا، وفيلم «يوم مميز» مع مارسيللو ماستروياني لإيتوري سكولا. وهذا الكتاب الذي يصدر بعد ايام قليلة بالايطالية في موطنها عن دار نشر «ريزوللي» يصدر ايضا بالانكليزية في اميركا في كانون الأول المقبل عن «اتريا بوكس»، وايضاً بالفرنسية في باريس عن «دار فلاماريون».

" ضفائر المقاتلات الشرسات" لحسين حبش

سبتمبر 24, 2014 اضف تعليق

حسين حبش 

شاعر كردي مقيم في ألمانيا
تقول ضفائر المقاتلات الشرسات
إنهم لن يمروا
تقول إرادة المقاتلين، صقور الجبال البواسل
إنهم لن يمروا
تقول عيون الأمهات
إنهم لن يمروا
تقول براءة الأطفال
إنهم لن يمروا
تقول رسائل الأصدقاء المفعمة بالأمل
إنهم لن يمروا
تقول بسمة الشهداء
إنهم لن يمروا
تقول الحقول والبساتين والحدائق الخضراء
إنهم لن يمروا
تقول الأم التي ربطت أطفالها بفستانها الكردي المزركش
إنهم لن يمروا
تقول دموع سيزيف الصغير
إنهم لن يمروا
تقول الأرض والتراب والأحجار
إنهم لن يمروا
تقول البيوت، العتبات، الجدران، النوافذ، السقوف والأسطح
إنهم لن يمروا
تقول الأشجار، الأعشاب، النباتات، العرائش ورائحة الأزهار والرياحين
إنهم لن يمروا
تقول الطيور، العصافير، السماء، الرياح، والغبار حتى الغبار
إنهم لن يمروا
تقول الفتاة الشقراء التي تحمل أخاها الصغير بين ذراعيها
إنهم لن يمروا
تقول الجدة والجد والرجل المقعد
إنهم لن يمروا
تقول العاشقات، الحبيبات والخطيبات المنتظرات
إنهم لن يمروا
تقول الموسيقى، النوتات، الأناشيد والأغاني
إنهم لن يمروا
تقول حناجر باقي خدو، مجو كندش، رشيد صوفي، أحمد جب وخالد صوفي
إنهم لن يمروا
تقول أسطورة درويش عفدي
إنهم لن يمروا
تقول قصائد نيكانور بارا التي أقرأها الآن
إنهم لن يمروا...
كوباني أثق بك
وأثق بأن الغزاة والطغاة والمجرمون والقتلة لن يمروا
لن يمروا أبداً.

قرصنة عن الفايسبوك

"كافكا والعرب"  *

سبتمبر 23, 2014 اضف تعليق

يانس هانسن

بعد الهزيمة العربية في عام 1967، برز نوع جديد من التفاعل مع كافكافي تشرين الأوّل 1917، نشر مارتن بوبر قصة خرافية قصيرة لفرانز كافكا بعنوان «بنات آوى وعرب» في مجلته الصهيونية النمسوية «اليهودي (دير يودا)». وقد أوصى بالقصة صديقهما المشترك ماكس برود، الذي أكد لبوبر أن عمل كافكا ينتمي الى «الوثائق الأكثر يهودية في زمننا». كتب كافكا «بنات آوى وعرب» فيما نسبة الهجرة اليهودية من أوروبا الشرقية الى فلسطين في انخفاض، وقبل نصف عام فقط من إلزام وعد بلفور حكومة «جلالة الملكة» بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. هذه القصة الخرافية القصيرة المفتوحة على تفسيرات مختلفة وسياقها المتعدد المستويات، يثيران أسئلة حول علاقة كافكا بالصهيونية وفلسطين. والنظر في طبيعة هذه العلاقة ليس من باب الفضول التاريخي والأدبي فحسب، بل يرتبط بمحاولات مصادرة كافكا كمؤيّد وداعم للحركة الصهيونية على أرض فلسطين. آخر هذه المحاولات سعي المكتبة الوطنية الإسرائيلية لوضع يدها على إرث كافكا الموجود في سويسرا حالياً، بحجة أن أعمال الكاتب هي جزء من التراث الوطني الإسرائيلي و«أن المكان المناسب لأوراق كافكا هي المكتبة الوطنية الإسرائيلية»، بحسب مدير المكتبة. لكنّ مقارنة أعمال كافكا، بما فيها مذكراته ومراسلاته، مع ما كانت تصدره الصحافة الألمانية الصهيونية أثناء الحرب العالمية الأولى، تكشف أن موقفه من الصهيونية كان يكتنفه الغموض وحتى السخرية. 

يبدو أنه كان يعي أن اللحظة التي تحط الصهيونية فيها رحالها في فلسطين، لن تبقى حركة تحررية قومية يهودية في أوروبا، وستصبح حركة استيطانية كولونيالية. يصعب أيضاً تصديق المزاعم الإسرائيلية عن صهيونية كافكا بحسب الفكر الصهيوني المعاصر في ضوء آخر الدراسات النقدية عن كافكا، التي ترى فيه معجباً بالثقافة اليهودية الهاسيدية والييدشية المقيمة في أوروبا. فقد كانت الصهيونية ــــ الاستيطانية تزدري هذه الثقافات «الشرقية» التي تطرح نماذج من التحرر تتعارض مع ثنائية إما الاندماج أو الهجرة التي نادى بها الفكر الصهيوني المهيمن، والتي مثّلت التبرير والدافع للمشروع الاستيطاني في فلسطين. ويتناول عاطف بطرس هذه الأسئلة في كتابه الرصين «كافكا: كاتب يهودي من منظور عربي» الصادر أخيراً بالألمانية. منذ الخمسينيات، كان لكافكا، مع بريشت وبيكيت وكامو، الأثر الكبير على الأدب العربي الطليعي والعبثي. على سبيل المثال، أكّد جمال الغيطاني، أحد أبرز الروائيين العرب اليوم، أنّه «تم التعامل مع كافكا في الستينيات بوصفه شخصية مقدسة سحرتنا». وقد منحت ترجمات عديدة، غالبيتها عن الأصل الألماني، أعمال كافكا جمهوراً أوسع في العالم العربي. وفي الوقت ذاته، بدأ كُتّاب عرب مثل صنع الله ابراهيم باستلهام موضوعات كافكا وأسلوبه في أعمالهم الأدبية الناقدة لدول «ما بعد الرعاية» الاستبدادية. كما أن القصة القصيرة العربية التي كانت الوسط المختار لهذا الالتزام السياسي والاجتماعي، مدينة بالكثير لكافكا من حيث البناء الأدبي. بعد الهزيمة العربية العسكرية الماحقة للعرب أمام إسرائيل في عام 1967، برز نوع جديد من التفاعل مع كافكا. انخرط نقاد أدبيون في القاهرة وبغداد ودمشق وبيروت في حرب تفسير ما إذا كان كافكا صهيونياً أو لا. بالطبع، هذا السؤال كان مركزياً بالنسبة إلى التلقي اليهودي لكافكا منذ ماكس برود. غير أن التفاعل العربي مع كافكا أصبح جزءاً من المعركة الرمزية عن الأسباب الجوهرية لخسارة فلسطين، التي حُدّدت في فشل النخبة المثقفة إدراك أن التبنّي غير النقدي للثقافة الغربية قد فتح الأبواب أمام الاغتراب الثقافي. المعسكر الذي زعم أن كافكا كان صهيونياً وحذّر بالتالي من أعماله، أشار الى رغبته في الهجرة إلى فلسطين. أما المعسكر المقابل، فقلب المصادرة اللاهوتية لكافكا بما هو «آخر نبي لإسرائيل» رأساً على عقب، ورأى فيه المحذّر الأول من ظلم المشروع الصهيوني. حاجج هؤلاء الكتّاب بوجوب عدم الخلط بين مصادرة كافكا لمآرب صهيونية، وخصوصاً من جانب ماكس برود، والعمل الأدبي ذاته، إذ إن التسليم بهذا التفسير يصبّ في خدمة الامبريالية الثقافية لإسرائيل. وذهب بعضهم الى حدود وصف كافكا بالمعادي للصهيونية.

ركزت هذه المساجلات الغنية في «الهلال»، «الأقلام»، «المعرفة»، و«الآداب»، على قصة «بنات آوى وعرب» لكافكا. في هذه القصة القصيرة، يمرّ الراوي الأوروبي بجانب واحة، حيث تطارده مجموعة من بنات آوى الفضوليّة التي تتملّقه باعتباره «المخلص» المنتظر من خضوعها للعرب. عبر السباب والشتائم والنحيب والتزلّف، تحاول بنات آوى دفع المسافر المحتجز الى إبادة العرب عن وجه الأرض بعد أن تناوله إحداها مقصّاً صدئاً. هذا المقص، بحسب كبرى بنات آوى، سوف «يطهّر» النسب و«ينهي الصراع الذي يقسّم العالم». أثناء ذلك يأتي رئيس القافلة العربي ليطلب من الأوروبي البدء بتجهيز نفسه من أجل إتمام الرحلة. وحين يرى بنات آوى على مقربة من صديقه، يضرب بسوطه ضاحكاً، ويطلب من بنات آوى إعطاءه «المقص وإنهاء الأمر». ثم يشرح للزائر المتفاجئ بأنه من «المعلوم جيداً» أن تلك «الحمقى» تعرض المقص على كل أوروبي «ما بقي عرب على قيد الوجود». ومع هذا، يصرّ العربي على «أننا نحبّها من أجل ذلك». وعندما يأتي العربي بجيفة جمل، تعود هذه المخلوقات الدموية لتمارس «مهنتها» بنهش الجيفة النتنة. تنتهي القصة بملاحظة العربي الملغزة: «حيوانات رائعة، أليست كذلك؟ وكم تكرهنا». لقد فسّر النقاد الألمان واليهود بنات آوى بأنها ترمز الى «يهود الشتات»، فيما العربي في القصة مجرد رمز الى الأمم الأوروبية المضيفة لليهود. أما المراجعات العربية، فتعيد موضعة بنات آوى كافكا في فلسطين، ناظرة إليها كصهاينة يسعون إلى الاستيلاء على الأرض من العرب لكنهم عاجزون عن ذلك من دون دعم الأوروبيين. يوضح بطرس أن التلقي العربي لكافكا انقسم حول ما إذا كان الأخير، عبر هذه القصة، قد وافق على الاستعمار الصهيوني لفلسطين أو رفضه. في إعادة رسمه الدقيق للتفسيرات المعادية للصهيونية، يكشف بطرس عن أخطاء في ترجمات عربية للقصة تضمنت «تغييرات دلاليّة متحيزة»، بالإضافة الى الخطأ في نسبة تاريخ صدورها الى ما بعد وعد بلفور الصادر في 2 تشرين الثاني 1917. وما يفوق هذا خطورة، بحسب بطرس، هو أن التلقي العربي لكافكا كان، في الكثير من الأحيان، مبنياً على جهل بتاريخ اليهود الأوروبيين. فقد تجاهل النقاد العرب خصوصية معاداة السامية الحديثة كما اختبرها كافكا، والتي تحييها نظريات عرقية تختلف عن الكره المسيحي القروسطي لليهود. هكذا، نظر نقاد عرب الى الصهيونية كحركة خلاصية مقدّسة لا كحركة نضال قومي ضد القوميات الإثنية العنفيّة في أوروبا، كما كانت هي عليه. كافكا كان اليهودي الأول الذي رفض البعد الكولونيالي للصهيونية من دون الادعاء المقزز بالتفوق الأخلاقي الصورة الخرافية لابن آوى هي، بالطبع، بذاتها إشارة مستهجنة الى الصورة المجازية العنصرية لـ«اليهودي ككلب» في معاداة السامية الأوروبية. غير أن نقد كافكا للثقافة اليهودية لم ينتمِ الى معاداة السامية الألمانية والتشيكية الرائجة ولا الى الصهاينة الذين شعروا بأن اليهود الشرقيين هم طفيليون أعاقوا التحرر اليهودي. على العكس من ذلك، ففي خطاب له عن اللغة الييدشية (اللغة السائدة لدى اليهود في أوروبا الشرقية في ذلك الوقت) ألقاه في 1912 على شرف مجموعة من الممثلين البولنديين، حضّ الجمهور الحاضر من اليهود المندمجين والصهاينة في مركز الجماعة في براغ على تجاوز صورهم النمطيّة ضد الثقافة الييدشية. حتى أنه تمتع بكامل الجرأة ليحاجج بأن اليهود الغربيين هم بحاجة الى اليهود الشرقيين من أجل تجديد ثقافتهم أكثر بكثير مما هو العكس. عموماً، نظر كافكا الى المؤتمرات الصهيونية التي حضرها على أنها «شؤون تبعث على الحزن»، والى محاضرات أعلام مثل سولوكوف وأوسيشكين وروبين على أنها صاخبة الى حد لا يطاق. حتى أن أعمال مارتن بوبر الذي انجذب اليه ونصوصه، كانت «لا روح فيها» حيث «كان هناك دائماً شيء على خطأ». درس كافكا العبرية وداعبته من وقت الى آخر فكرة الهجرة الى فلسطين؛ مرة للعمل نادلاً في تل أبيب ومرة أخرى مجلداً للكتب. لكن علاقته بالصهيونية كانت متباينة، وأمضى نهاية حياته القصيرة في برلين التي أسماها «إيراتز ــــ فلسطين».

 بناءً على هذه الخلفية البيوغرافية، تبدو صفة ابن آوى عند كافكا بمثابة نقد للصهيونية الدوغماتية. لكنّ إدانته الأكثر حدة، وإن شديدة الرمزية، لصهيونية الـ«بالاستينافاهرر»، كما أطلق على المستوطنين الصهاينة في إشارة الى الـ«كروزفاهرر» (الصليبيين)، جاءت في «تحقيقات كلب» في 1922. في هذه القصة القصيرة عن الثقافة اليهودية التي اعتبرها يهود كثر تافهة، خصّص كافكا انتقاداً قاسياً لـ«الشتات» الذين يثور الراوي الكلبيّ على «حياة الكلب الهائمة» التي يعيشونها. تصبح هنا طقوس الطعام اليهودي والخضوع للنصوص المقدسة موضع هجاء مرّ. تفسير صديق الدراسة لكافكا، هوغو برغمان، أن القصة «مليئة بالإشارات الى الحلم الصهيوني بحياة يهودية» هو ذو دلالة. بيد أن هذا التفسير يشوّش إمكانية أن كافكا يهزأ أيضاً من الطريقة التي كان يتحقق بها هذا الحلم. التلميحات في النص الى الهوس الذي يرش به «الكلاب الجدد» التراب، يسمح لكافكا بخاتمة يقارن فيها بين الاستيطان الصهيوني لـ«البالاستينافاهرر» والطريقة التي يحدّد بها الكلاب منطقتهم. بعدما اختار المؤتمر الصهيوني الأول في 1897 فلسطين وطناً قومياً لليهود، سافرت لجنة تقصي حقائق الى الأراضي المقدسة وأعلنت أن «العروس جميلة لكنها متزوجة من رجل آخر». منذ ذلك الحين، هذا «الآخر»، أي العربي الأصلي، يمثّل «السؤال الخفي» في المشروع الاستيطاني الصهيوني. وقد رسم مؤسّس الصهيونية السياسية ثيودور هرتزل صورة وردية لاستعمار فلسطين في روايته المستقبلية «التنيولاند»، حيث حاجج بأن المشروع سيفيد السكان العرب أيضاً. لكن الدوائر الصهيونية في براغ كانت أكثر حذراً بكثير. منذ عددها الافتتاحي في 1916، نشرت مجلة «دير يودا» لبوبر عدداً من المقالات التي كبحت اغتباط هرتزل. طالب الحس الواقعي لهذه المقالات بحساب أكثر تركيزاً وأكثر علمية للوقائع على الأرض بغية تحقيق «أقصى برنامج» من «الاستعمار المنظّم لفلسطين». ذلك أن الإحصاءات الجوية، نوعية التربة، استعمال الأرض، مشاكل الري والحصص الغذائية، دلت الى «مصاعب مستخف بها كلياً» للمشروع الصهيوني في فلسطين. وقد اعترف أدولف بوم (محرّر الدوريّة الصهيونية «بالاستينا») في العدد نفسه الذي ظهرت فيه «بنات آوى وعرب» بأن «السكان اليهود يمثّلون فقط سبع المقيمين». غير أن الأغلبية الكبرى من الصهاينة الداعمين للاستيطان كانوا في حالة من النفي التفاؤلي بالنسبة الى «المسألة العربية»، كما خطّها برغمان ابتداءً من 1911. لم يكن هناك أي اعتراف بوجود السكان العرب الأصليين في الأدب الصهيوني باللغة الألمانية إلا في «بنات آوى وعرب». كان لكافكا اهتمام واضح بالأدب الصهيوني. نستنتج من يومياته أنه أُعجب بمحاضرة لتريتش، أحد روّاد الاستيطان المتحمّسين. كما أنه اشترك في «بالاستينا» التي حمل معه نسخة منها عندما التقى للمرة الأولى خطيبته لاحقاً فيليس بوير. لكنه اعتبر أن الكثير من الـ«بالاستينافاهرر» هم شوفينيون «تكلموا باستمرار عن تقليد الماكابيين». في «بنات آوى وعرب»، يقف العربي، «طويلاً ومتشحاً بالأبيض»، للمرة الأولى في الوسط الأدبي وفي العنوان لمجلة صهيونية بارزة. البطل العربي عند كافكا ليس المتعامل المتشكّر الذي سَخر منه هرتزل في «التنيولاند»، ولا المشكلة المستعصية التي يستمر الفلسطينيون بتجسيدها اليوم. فبالرغم من أن العرب يعذبون بنات آوى بتعالٍ ويُفترض بالأوروبي أن يقتلهم من أجل قضية بنات آوى، إلا أن وجودهم لا يخضع للمساءلة. على العكس، فإن العربيّ، بالرغم من كل شيء، يتسم بكرم معين وقدر جيد من الفكاهة في ظروف تهدّد حياته بالخطر. لم يكن كافكا من الداعمين لاستعمار فلسطين، بالرغم من جميع محاولات صديقه وراعيه الأدبي ماكس برود لتقديمه كذلك. حلقات براغ التي عرّفته بفلسطين تألفت من المشككين أو من صهاينة من أتباع مذهب اللاأدرية. وقد روّج الكثير منهم لاحقاً لدولة واحدة ثنائية القومية كحلّ للصراع الفلسطيني ــــ الإسرائيلي. أما البعض الآخر فترك الحركة الصهيونية كلياً: أبدى الدكتور هانس كون، وهو «بالاستينافاهرر» بارز وعضو سابق في حلقة كافكا «با كوشبا»، استياءً شديداً من رد فعل الصهاينة الوحشي على الاحتجاجات الفلسطينية ضد الهجرة اليهودية الجماعية في 1929، إلى درجة أنه كتب الى صديقه المقرّب بوبر بأن «صهيونية اليوم غير مقبولة». غير أن مغادرة كون لم تكن من باب التعاطف مع السكان العرب؛ الأحرى أنه شعر بأن الصهيونية قد انتهكت المعايير الأخلاقية العليا لليهود. وقد شارك المؤرّخ الماركسي إسحق دويتشر كُون رأيه عندما حذّر بعد إعلان دولة إسرائيل من أن بؤس مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين هو بمثابة ديناميت مزروع في أسس الدولة اليهودية. كما أدانت حنة أرندت إسقاط الهولوكوست النازي على العرب في كتابها «تقرير عن عادية الشر» عن محاكمة أدولف أيخمان في القدس. أما فيلم الرسوم المتحركة الوثائقي الأخير لآري فولمان «فالس مع بشير»، الذي يتناول الفظاعات التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في لبنان خلال صيف 1982، فيُفتتح بمشهد لكلاب شبيهة بالضباع تلوذ بالفرار في شوارع تل أبيب الليلية. في هذا الكابوس الذي أقلق الراوي لسنوات، الكلاب هي جثث خدمته العسكرية في حرب لبنان وقد أحييت من الموت. سوء معاملة الفلسطينيين هو «ظلّ فوق إسرائيل»، كما خلصت أخيراً مارغريت أتوود، الروائية الكندية المعروفة، في مقال لها في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية. كافكا كان اليهودي الأول الذي عالج هذا «الظل» الفلسطيني ورَفضَ البعد الكولونيالي للصهيونية من دون الادعاء المقزز بالتفوق الأخلاقي الذي استحضره النقاد الذين تلوه. في كتاب عاطف بطرس، يرسم كافكا طريقاً لكيفية رفض الصهيونية الاستيطانية في فلسطين وتقدير أشكال التحرر الوطني اليهودي والييدشي في أوروبا، في آن معاً. كافكا هذا، صاحب الأدب المتعدد الأوجه والنقدي والعالمي الفذ، عصيّ على التصنيف البسيط كصهيوني أو مناهض للصهيونية، وهو بذلك يفتح الباب لنا أمام قراءات متجدّدة وحمّالة أوجه لأعماله. ألم تكن حتى يهوديته وهويته موضع شك وتذبذب وهو القائل: «ماذا يجمعني باليهود؟ بالكاد هناك شيء يجمعني بنفسي».

رؤى الحجيري... لبنان طائر الفينيق المشوي!

سبتمبر 20, 2014 اضف تعليق
لم يكن لبنان يوماً بلداً سَاكِنَ الطائر. من انتداب إلى حرب أهلية، ثم عدوان إسرائيل، فعدوان آخر... واليوم تعمّه فوضى الخطف المتبادل ويقض مضجعه هاجس حرب أهلية جديدة. ما إن يخرج البلد من جحيم حتى يمُسّه الشيطان مجدداً. ليخرج هذا الشاعر وذاك الروائي وذياك السياسي، ويَرُزَّ في أجوائنا رماد طائر الفينيق المنبعث.
رافقت أسطورة طائر الفينيق البلد في رحلاته كافة. منطق النحر الطاغي على مشهد البلد اليوم، يعيد هذه {الخرافة} إلى الواجهة. هل مات الطائر وتنتظر السكين {قيامته} لتتوقف عن سطوتها؟ لبنان- طائر الفينيق، نُحر وشوي وبات طبقاً على مائدة، هكذا رسمه علي الرافعي، فنان من طرابلس.


كم مرة تحسَّس لبنان- طائر الفينيق عنقه؟ في الشعر والرواية والسياسة والاقتصاد والتربية والرياضة... تلازمت الإشارة إلى طائر الفينيق والإخفاقات. الطائر ننظر إليه باعتباره رمزاً إلى تجدّد وعودة وانبعاث، وتختصر دلالته كلمات كثيرة نقولها عن بلدنا أو وقائعنا أو ذاتنا. والأرجح أن الحضور المكثف لطائر الفينيق في ثقافتا، وبالتالي خطاباتنا ومناسباتنا وأشعارنا، يعود إلى كثافة صور الأزمات في حياتنا، واحتراق بلدنا في أكثر من حرب أهلية وأكثر من فتنة وقتال واقتتال وغزو. كأن قدر لبنان أن يحترق دائماً، ومهمتنا أن نتغنى بأنه سيعود.
«راجع راجع يتعمر راجع لبنان}، غنى زكي ناصيف وغيره من فنانين، وما يُقال عن لبنان ينطبق على بلدان عربية عدة.
رسم كثيرون الطائر بأشكال مختلفة، تدلّ في غالبيتها على الولادة والعودة إلى الحياة والانبعاث. طائر يمثّل الخلود، السلام والمحبة، يشعر بنا نحن البشر على الأرض، يبكي علينا فنبرأ. يزورنا فتلتحق بنا رائحة اللبان والبخور. يراه {أصحاب البصيرة} فحسب حياً، ويكحِّل الناس كلهم عيونهم بموته، ثم يروحون يحتفلون بانتظار انبعاثه... صور عدة يغلُب عليها المنطق الشاعري النمطي. ولكن في {ستنسل} Stencil الرافعي، يميل المشهد بمضمونه إلى سخرية مُرة، مختلفة وواقعية. اختار فنان الشارع أن يرسم على أحد جدران العاصمة بيروت فروجاً مشوياً {مستلقياً} في صحن، وإلى جانبه شوكة وسكين على استعداد للانقضاض عليه في لحظة جوع أو اشتهاء أولى.
الطائر النسري تحجَّم ليسعه طبق صغير. غادر الجنة مخاصماً لغة الشعر وخطب السياسيين، حرقه لونه الذهبي الناري. لم تسعفه طرة من ريش على رأسه، ولا ريش ملائكي الملمس. خانه ذيله الطويل بألوانه الأحمر والبرتقالي والأصفر الذي طالما أعطاه قوة كافية لأسفار طويلة.
 
 وليمة

ذيَّل الرافعي رسمه بعبارة {طائر الفينيق}، الطائر في الطبق واحد من فراريج المزارع التي نبتاعها مشوية ونلتهمها على عجل. ربما انتهى بلد طائر الفنيق إلى مزرعةً، ونحن نتقاسم روحه كما نتناتش الفروج، ويبقى لكل قطعة فيه، من الفخذين والصدر والجناحين، لحم مما نشتهي وتشتهي الطيور الجارحة، فلا ينجو من أيدينا غير اسمه. لا نخالف الحقيقة في القول إننا في لبنان حوَّلنا طائر الفينيق فعلاً إلى فروج، كل شيء يذهب أن يتهاوى من عليائه، كل شيء يغدو مسخاً، سبق لإحدى الشركات أن حوَّلت الديك البلدي في أغنية سيد درويش إلى فروج، ولم تتردّد إحدى المغنيات في أن تغني الديك صوصاً.
بلدان كثيرة {حلَّقت بها عنقاء مُغْرِّبٌ}، ثم قامت من العدم. ولبنان الناهض مراراً، ما انفك يقع مجدداً. أو هو مشروع سقوط متكرر. طائر الفينيق ما عاد على استعداد للنهوض. ربما أصبح {الدجاجة التي حلمت بالطيران»The Hen Who Dreamed She Could Fly 2000، رواية من الأدب الشعبي في كوريا بقلم صن- مي هوانغ، عُرضت عام 2011 سينمائياً بنسخة رسوم متحركة.
تحلم الدجاجة بالهرب من القن والاحتفاظ ببيضة يخرج منها فرخ تحتفظ وتعتني به. تنشد الحرية وتنجح في الهرب نحو البرية، حيث تخوض صراعات كثيرة. لتجد لاحقاً بيضة وحيدة، فتعطيها ما تحتاج إليه من دفء حتى تخرج منها بطة برية.
اختلافهما لا يمنعهما من المضي في مشوار الحياة معاً. ولكن البطة تريد حريتها أيضاً، فتطير بعيداً عن الدجاجة، لتنظر الأخيرة إلى مشروعها يذهب عنها. وفي لحظة فخر يعتصرها حزن عميق، ينقضّ عليها {ابن عرس}. الأحلام والشجاعة ومشاعر الأمومة والتضحية، لم تمنع نهاية القصة المأساوية. حوَّل علي الرافعي طائر الفينيق إلى فروج في زمن هاجر شعراؤه اللغة، ولم يعد لديهم ما يقولونه. بمعنى آخر، هربت الأسطورة من جحيم الواقع.

«الأشقياء» في سهل البقاع اللبناني/ حالة ملحم قاسم

سبتمبر 20, 2014 اضف تعليق

جامعي فلسطيني، استاذ التاريخ الاسلامي والدراسات العربية في الجامعة الاميركية في بيروت. من مؤلفاته “الانجيل برواية المسلمين”، وترجمته القرآن الى اللغة الانكليزية.
جامعية من لبنان. تدرّس الانتروبلوجيا في الجامعة الأميركية في القاهرة.

مقدمة
في المنطقة الممتدة بين زحلة وبعلبك لا تزال الاساطير تُحكى عن «الشقي» ملحم قاسم منذ ما يقارب الخمسين عاماً. هذه الاساطير، بالمقارنة مع غيرها، لا تزال حديثة العهد وطريّة العود، الامر الذي يتيح الفرصة للمؤرخين ولعلماء الانثروبولوجيا ان يدرسوا عن كثب كيف تنشأ هذه الاساطير وكيف وماذا يحل بها حين تتخثر وتتجمد لتصبح مأثوراً شعبياً. وفي هذا المقال المنعقد لدراسة ظاهرة ملحم قاسم سوف نسعى ايضاً الى استكشاف ما تستهدفه هذه الاساطير وما ترمي اليه حين تنتشر في بلد لا يزال يعاني من ويلات حرب استمرت لاكثر من خمسة عشر عاماً. ونسعى كذلك ان نلفت انتباه الباحثين الى موضوع لم ينل حتى اليوم ما يستحقه من اهتمام، اذ نرى ان دراسة ظاهرة «الاشقياء» تفتح آفاقاً جديدة للبحث في المخيلات الريفية الشعبية، كما وفي موضوع الهوية وتشعباتها. إن «الاشقياء» مادة دسمة للعجائب والغرائب، فلنستحضر الى الذهن مثلاً المغامرات التي تُحكى عن سلفاتوري جوليانو في صقلية، او عن نيد كيلي في استراليا، او فولان ديفي في الهند، او بانشو فيللا في المكسيك. ويبدو هؤلاء الاشقياء وكأنهم شخصيات تعلو فوق التاريخ، تكللها هالة من الرومانسية التي تستحوذ على الخيال. فهي شخصيات سينمائية بامتياز اذ تطالعنا وكأنها على شاشةٍ ما، حاضرة وغائبة في آن معاً، وهي محفورة في الذاكرة الشعبية. تلك الذاكرة التي تتناقل رواياتها وتضخمها من جيل الى جيل فتزيدها ثراءً على مر السنين. إذ إنّ الرعب الذي كانت تثيره تلك الشخصيات في الماضي قد تحول الى ما يشبه الفخر والاعتزاز بإنجازاتهم، أما افعالهم التي كثيراً ما كانت غير بطولية في واقع الامر، فهي لا تكفي لتشويه سمعتهم.
قبل ان نلتفت الى ملحم قاسم يجدر بنا أن نستعرض ما قد كٌتب من ابحاث حول هذا الموضوع، اذ ثمة مذهبان رئيسيان في دراسة ظاهرة الاشقياء حول العالم. المذهب الاول هو المذهب او التحليل الاقتصادي الذي طرحه لاول مرة المؤرخ البريطاني المشهور اريك هوبزباوم، اما المذهب الثاني فهو المذهب او التحليل الذي قد نسميه المذهب الاسطوري.

الشقاوة: النظرية الاقتصادية
كان هوبزباوم اول من لفت الانتباه الى اللغز السوسيولوجي الكامن في ظاهرة الشقي/البطل، ذاك اللغز الذي اضحى لاحقاً عنصراً اساسياً في الابحاث التاريخية حول الاشقياء. يطرح هوبزباوم تفسيراً للصورة الايجابية التي يحظى بها الاشقياء في مجتمعاتهم، وذلك استناداً الى التحليل الطبقي الماركسي. فهو يستنبط مقولة «الشقي الاجتماعي» لتأويل ظاهرة الشقي/البطل، وهذا يعني ان «الشقاوة الاجتماعية» هي ظاهرة مبكرة زمنياً من ظواهر التمرد البروليتاري على استغلال الطبقات الحاكمة. ورغم ان هؤلاء الاشقياء هم من المجرمين في اعين النُخب إلا انهم يحظون بالاحترام والاعجاب في اعين الطبقات الفلاحية المضطهدة التي ينتمون اليها. لذا فإن «الشقاوة الاجتماعية»، وعلى العكس من اللصوصية او من قطّاع الطرق، تتميز، كما يقول هوبزباوم، بوجود علاقة دعم وتشجيع ما بين الفلاحين والاشقياء. وهذه العروة الاجتماعية الوثقى والمميزة التي تربط الاشقياء بالفلاحين قد تزرع لاحقاً بذورَ صراعٍ فلّاحي اكثر شمولاً وعنفاً ضد اضطهاد الطبقات المسيطرة. ويمضي هوبزباوم ليحدد ثلاثة انماط من الاشقياء الاجتماعيين فيرى أنّ القاسم المشترك فيما بينها هو الرابط بالفلاحين، فيما أنّ اللص العادي يتحرك في عالم مستتر لا يربطه فيه اي رابط مع النُظم الاجتماعية للمجتمع الفلاحي (هوبزباوم ١٩٦٩/٢٠٠٠: ٢٠).
فهناك اولاً «اللص النبيل» الذي يصحح الظلم من خلال سلب اموال الاثرياء وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين (هوبزباوم ٩٦٩/٢٠٠٠ ١: ٤٧). وهناك ثانياً «المنتقم» الذي يصبح بطلاً بسبب الخشية من انتقامه الوحشي وما قد يجرّه ذلك من ويلات. فالمنتقم لا يصحح ظلماً بالضرورة لكنه، ومن خلال ابراز سطوته، يبرهن ان الفقراء والمضطهدين قادرون على الإتيان بأفعال مخيفة (هوبزباوم ١٩٦٩/٢٠٠٠: ٦٣- ٦٤). وهناك ثالثاً «المقاوم المسلح» الذي يسميه هوبزباوم «هايدوك» والذي يقاوم السلطة المركزية بشكل مباشر (هوبزباوم ٢٠٠٠/١٩٦٩: ٢٣). فالمقاوم يُستدرج الى ان يصبح خارج القانون، وذلك ليس بسبب تعرضه لظلمٍ ما، ولا بسبب ايديولوجيته او شعوره الطبقي، بل بسبب الضرورة. فبالنظر الى انعدام الأمن في حياة الفلاحين، تبدو حياة الرجل الخارج على القانون وكأنها بديل اكثر جاذبية من الحياة المعتادة. (هوبزباوم ٢٠٠٠/١٩٦٩: ٧٩). وبالرغم من ان الحوافز والدوافع من وراء افعال هؤلاء المقاومين ليست سياسية، غير ان افعالهم، وبصفتها افعالاً جماعية، كما ولكونها في وظيفتها الاجتماعية تناهض الطبقات الحاكمة، تجعل من مقاومتهم حركة شبه سياسية توفّر العون والفائدة للطبقات المضطهدة (هوبزباوم ١٩٦٩/٢٠٠٠: ٨١).
من هنا فان نظرية هوبزباوم تستند الى التحليل الطبقي الماركسي. «فالشقي الاجتماعي» شخصية محبوبة لانها تنتمي الى الطبقات المسحوقة لكنها ترفض الخنوع والاستسلام للطغيان والاستبداد.

النظرية الاسطورية
يطرح معارضو هوبزباوم نقداً جوهرياً لمقولاته حول الشقي الاجتماعي. ويسعون الى ذلك من خلال استخدام ادوات المعرفة السوسيولوجية والتاريخية معاً. فهم يرون أن السجل التاريخي لا يقيم الدليل على مزاعم هوبزباوم حول الروابط بين الفلاحين والاشقياء والتي تستند اليها نظرية الشقي الاجتماعي. لكنهم، وبعد رفضهم لنظرية هوبزباوم هذه، لا يطرحون تفسيراً بديلاً للغز الكامن في ظاهرة الشقي. وعوضاً عن ذلك، فهم يرون أن صورة الشقي/البطل ما هي إلا نتاج مخيلة القُصّاص والشعراء الشعبيين (بيلاي ١٩٧٩؛ سلتا ١٩٨٧ أ و ب ؛ بلوك ١٩٧٢، ٢٠٠١). وبحسب نظريتهم الاسطورية فإن الشخصيات التي تتداولها الاغاني والاساطير الشعبية ترسم صورةً خيالية ومثالية للشقي. وكما يقول احدهم: «ان قوة وتأثير الاسطورة والخيال اشد وقعاً بكثير من الحقيقة الاجتماعية التاريخية» (سلتا ١٩٨٧أ: ٨). فالشقي الاسطوري يتواطأ مع الشعب كي يحارب سيطرة النُخب، لكن مثل هذا الشقي لم يكن له أي وجود في حقيقة الامر. من هنا فإن هؤلاء النقّاد يرون أن «الشقي الاجتماعي» كما طرحه ووصفه هوبزباوم ما هو إلا «نسيج خيالٍ وأنموذج منمّط من أنماط المخيلة البشرية» (بلوك ١٩٧٢: ٥٠٠). ويقول كاسيا، وهو احد هؤلاء النقاد، ما يلي (كاسيا ٢٠٠٦: ٢٢٠): هؤلاء الاشقياء النبلاء، ابطال الانتقام والشرف بل وما يشبه القداسة، هم على هامش المجتمع، ويجري الحديث عنهم دوماً وكأنهم على أفق الماضي أو كأنهم بقايا من عالم الحنين الذي فقدناه الى الابد. فكلما اقتربنا منه ازداد عنا بُعداً. وعلى العكس، ثمة «اشقياء معاصرون» منخرطون في اعمال إجرامية كمثل فرض الخوّات أو اللصوصية العادية او القتل... «فالشقاوة الاصيلة» تبدو على الدوام وكأنها تنتمي الى الماضي وليس الى الحاضر.



هذه النظرية الاسطورية تبدو جديرةً بالتصديق لأسباب عدة. اولاً، إن قصة «روبن هود» تتلاءم وتتماشى مع بعض الانماط الاخلاقية الشائعة. لذا يبدو من الممكن أن يلجأ القصّاص الى استخدام المادة التاريخية الخام لأشقياء حقيقيين من لحم ودم، فيصوغون تلك المادة على شاكلة صورةٍ لما كنا نتمنى أن يفعله هؤلاء الاشقياء. ثانياً، إن الشقي شخصية مثيرة للاهتمام ولها حضور طاغ، لذا فهي تصلح كمادةٍ طبيعية للأسطورة. ثالثاً، يخرق الأشقياء التقاليد والعادات الاجتماعية ليحتلّوا مكاناً خارج الدائرة الاجتماعية لأفراد المجتمع، فينتجوا تبعاً لذلك نمطاً حضارياً اجتماعياً دونياً وفريداً. رابعاً، حياة هؤلاء الأشقياء تمتاز بتفاعلها الكثيف مع السلطات كما ومع الذين يسلبون أموالهم. والناس شغوفون باستحضار مغامرات أبطال خياليين كي يهربوا من حياتهم اليومية الرتيبة. لذا، ولأنّ الشقي/البطل يوفّر قصصاً مسلّية تخاطب تطلعاتنا الاخلاقية، فهذا بدون شك أحد الاسباب التي تمنح الشقيّ مكانته الاجتماعية المرموقة.

بعض الملاحظات حول هاتين النظريتين
في ما يختص بنظرية الاسطورة، نرى من السابق لأوانه أن نستنتج أن قصص الأشقياء ما هي إلا قصص مفبركة في فترة زمنية لاحقة وتهدف الى التسلية، وأنها لا تفيد شيئاً يُذكر حول مزيّة تلك القصص. فلو كانت «الشقاوة» لا توفر أية مزيّة أو قيمة تذكر للمجتمع، من الصعب أن نتخيل أن العنف الذي مارسه هؤلاء قد جرى التغاضي عنه أو نسيانه لمجرد كون الأشقياء جديرين بالاهتمام. وبكلام آخر، فإن المجرم المضطرب عقلياً، وعلى سبيل المثال، يستجلب صورةً ما في المخيلة الشعبية لكنه لا يصبح بطلاً في الأغاني الشعبية ولا يحظى بالحمد والاعتزاز من جانب الناس. وكما قال هوبزباوم، فإن من غير المحتمل والمرجّح أن تستمر تلك النظرة الايجابية للشقاوة عبر الزمن لو لم تواكبها بعض المظاهر والسيمات الايجابية.
إن المقاربة الماركسية التي طرحها هوبزباوم، وكذلك المقاربة الاسطورية التي طرحها نقّاد مقاربته جديرتان بالاعتبار. فالتحليل الذي أجراه هوبزباوم للروابط التي تربط الاشقياء بالطبقات المسحوقة يؤكّد أهمية البحث التاريخي لاستكشاف تأثير بنية السلطة على العلاقات بين أفراد الطبقات الاجتماعية المختلفة. أما معارضو هوبزباوم فقد ذهبوا وبحق الى أن ثمّة اختلافات جوهرية بين الأساطير التي تُحكى عن هؤلاء الأشقياء الأبطال وبين ما كانوا عليه في الحقيقة والتاريخ (فندرود ١٩٨٩؛ سلتا ١٩٨٧ أ: ٣، ٨؛ درايسن ١٩٨٣؛ هارت ١٩٨٧). إذ إنّ الأشقياء في الحقيقة كانوا أشخاصاً انتهازيين يمارسون العنف ويسلبون الاغنياء المستغلِّين بقدر ما يسلبون الفقراء المستضَعفين. لذا، ليس من الجليّ الواضح كيف يمكن لهؤلاء أن يكونوا قد أفادوا مجتمعاتهم. وهذا الأمر يفسح المجال لمقاربة اقتصادية المنحى لظاهرة الشقاوة بغية إلقاء المزيد من الضوء على ظاهرة الشقي البطل، وذلك بتحديد الآليات التي يوفّر الأشقياء من خلالها الفوائد الاجتماعية لمحيطهم.
إن التحليل الاقتصادي للشقاوة يتطلب اعتبار التأثيرات الإيجابية لهذه الظاهرة على كل فردٍ من أفراد المجتمع. أي الضحية المجرم والغريب عن الجماعة معاً. وهذا التحليل ينحصر بتحليل إيجابي لأفعال الأفراد. ونحن نشارك هوبزباوم الرأي أن الشقاوة لها وظيفة اجتماعية في ما يختص بالطبقات الاكثر عوزاً، وذلك من خلال تداخلها وتصادمها مع النُخب التي تستفيد من التوزيع القسري للثروة. غير أن التحليل الاقتصادي للكلفة والفائدة الاجتماعية للشقاوة لا ينطلق من الافتراض أن الأشقياء لهم مصلحة في جلب المنافع للآخرين كما في حالة «الشقي النبيل» عند هوبزباوم. وهذا التحليل لا يفترض كذلك وجود روابط واعية مُدرَكة بين جماعات معيّنة في المجتمع كتلك التي توجد مثلاً بين الفلاحين والأشقياء. ولا يفترض أيضاً أن ظاهرة الشقي/البطل توجد في الغالب في سياق النمط التَبَعي للإنتاج.
وفي هذه المقالة نرمي الى تحليل تكوّن الاسطورة في ما يختص بشقيّ من منطقة بعلبك ومن ثم نقترح في خلاصة البحث بعض التفسيرات الجديدة لظاهرة ملحم قاسم.

ملحم قاسم: مصادر لسيرة حياته
في صيف العام ١٩٨٩ وفيما كانت الحرب الدائرة في لبنان تقترب من نهايتها من خلال جولة أخيرة وعنيفة من القتال، وفي مدينة زحلة بالذات، جاء رجل ليركن سيارته في مكان لا يُسمح الركون فيه فإذا بشرطي للمرور يتقدم نحوه، ذاك الشرطي الذي كان وزملاؤه يجوبون الشوارع على امتداد أربعة عشر عاماً بلا أية سلطة تُذكر. وكان من الواضح أن الشرطي كان على معرفة مسبقة بمرتكب المخالفة، فتقدّم نحوه وصاح به بلهجة هزلية «من أنت يا ترى؟ هل أنت ملحم قاسم؟». كانت مدينة زحلة تمثّل، على الأرجح، الحدّ الجنوبي الذي انتشرت في أرجائه قصص ملحم قاسم فيما كان الحد الشمالي يصل الى سفوح سلسلة جبال لبنان الغربية ليطال بلدة قرطبا على المقلب الآخر للسلسلة.
في هذه الدراسة استخدمنا سبعة مصادر شفهية تتراوح بين امرأة عمرها تسعون عاماً وبين شاب في الثلاثين. ووضعنا لهذه المعلومات التي استقيناها التصميم الآتي: (١) سيرته المبكرة، (٢) أعماله «البطولية»، (٣) شخصيته وتصرفاته، (٤) السياق التاريخي، (٥) الأسطورة ووظائفها.
وجدنا بعض الغموض والتضارب في تصنيفه بين أجيال عشيرة آل المصري: هل هو جد النائب في البرلمان اللبناني شوكت المصري أم هو والد او جدّ النائب نايف المصري؟ أمّا اسمه الكامل كما يرد لدى مصادرنا الشفهية فهو ابو علي ملحم قاسم المصري. وجاء في أحد تلك المصادر أنه ولد في العام ١٨٧٠ وتوفي في العام ١٩٦٦. وقال لنا مصدران إنه ولد في قرية بريتال التي كانت قرية فقيرة يقطنها الرعاة وفقراء الفلاحين والتي اشتهر سكانها بالغزوات التي كانوا يشنّونها على البلدات المجاورة. ويبدو أن عائلته كانت فقيرة للغاية إذ لم يكن لديها كما قال أحدهم سوى «بضع غنمات وعنزات بالكاد يعتاشون منها». ويقال إن ملحم قاسم ارتكب أولى جرائمه، أو أولى معاركه ضد «الأتراك الظالمين» كما في رواية أخرى، في الثانية عشرة من عمره. ثم نصل الى تلك اللفظة المحورية التي تصف بداية حياة الأشقياء: «طفر، أو طفش، بالجرد»، والتي تعني أن الشقي هامَ على وجهه في البراري.
ما الذي دفع ملحم قاسم الى ذلك؟ ثمّة عدة روايات حول هذا الموضوع، كما أنّ تلك الروايات تحكي عدة طفرات في أعقاب العمليات التي قام بها.

أعماله «البطولية»
ثمة اولاً عمل «بطولي» قام به وهو ما زال في فترة مبكرة من حياته وكان يرعى غنم أبيه «الأحمر» فإذا به يختصم مع راعٍ آخر. وكان ملحم قاسم يحمل قربة ماء فضرب بها الراعي الآخر وأرداه. «هكذا بدأت حياته» كما قال أحد مصادرنا. ولنا أن نفترض أن هذه الحادثة هي التي سبّبت أولى طفراته الى الجرد.
وهناك رواية اخرى تسرد كيف أنه حارب الاتراك واكتسب احترامهم الى أن استدعاه جمال باشا (١٨٧٢- ١٩٢٢) الشهير بالسفاح، وكيف أنه دخل على جمال بلا وجل رغم أنه كان حينئذ قد قتل العديد من الأتراك. ولما هدّده جمال بقطع رأسه حمل ملحم قاسم كرسياً وطوّق جمال به. عندها اعترف جمال بشجاعته وأهداه سيفه، طالباً منه أن يلتحق بالجيش التركي كي يحارب الأشقياء. لكنّ ملحم رفض التخلي عن لباسه العربي وارتداء الزي العسكري التركي، بل على العكس من ذلك أضحى حامياً لكافة طفّار المنطقة، كما نجح في استصدار عدد كبير من الإعفاءات من الخدمة العسكرية لأبناء المنطقة، بما في ذلك لعدد كبير من مسيحيي مدينة زحلة.
ثمة رواية أخرى عن طفرة ثانية، وهي أنه كان لملحم قاسم ولد شاب كان ينوي تزويجه. وذهب هذا الشاب من مكان الى آخر لجمع الهدايا المعتادة في مثل تلك المناسبات وهي على شكل أضحية. وعند وصوله الى منازل عشيرة بلّوق، طالبهم الشاب بالهدية لكن العشيرة رفضت، فنشب قتال قُتل فيه ابن ملحم قاسم. هجم ملحم قاسم على عشيرة بلّوق وقتل احد شبابهم ثم فتح صدره واستخرج قلبه ومضغه مضغةً ثم لفظه. وهناك قصيدة «عتابا» طويلة صنّفها ملحم في تلك المناسبة، واستطاعت إحدى مصادرنا، وهي المرأة البالغة التسعين من العمر، أن ترويها لنا بسهولة تامة.
نأتي الآن الى أشهر مغامراته والتي تُروى بصيغتين اثنتين بينهما بعض التفاوت في التفاصيل. الرواية الأولى هي على الشكل التالي: بعد خروج الأتراك من البلاد العربية جاءت حكومة الانتداب الفرنسي وكانت مصممة على القبض عليه فارسلت قوة عسكرية قوامها جنود من السنغال الذين طوّقوا قريته ثم ألقوا القبض عليه، ونصبوه على بعد مئة متر ثم رفعوا بنادقهم لإطلاق النار عليه. وجاء جندي سنغالي ليوثقه الى عمود خشبي فعمد ملحم قاسم الى قضم أذن الجندي السنغالي الذي فر هارباً، كما فر ملحم قاسم الذي كان لا يزال مربوطاً بالعمود الخشبي. هذه الحادثه جرت على ما يُروى قرب نهر الليطاني. وصل ملحم قاسم الى ضفاف النهر وكان لا يجيد السباحة، فصاح بصوت عال «يا علي!» فوجد نفسه على الضفة الأخرى من النهر. وانتهى الأمر في ما بعد الى العفو عنه فعاد الى قريته.

وفي رواية أخرى...
أما الصيغة الأخرى من هذه الرواية فهي على الشكل الآتي. وقع ضابط فرنسي في حب شابة اسمها سيسيليا من قرية طليا المسيحية، فوعد الضابط عروسه أنه سوف يجزّ رقبة ملحم قاسم ليلة الزفاف. عمد الضابط الى إصدار عفو خادع عن ملحم وأبنائه الذين كانوا قد أصبحوا طفّاراً كوالدهم ودعاهم الى القدوم الى طليا لإتمام المصالحة مع الفرنسيين. رفض الأبناء الحضور الى طليا لعدم ثقتهم بالفرنسيين، لكنّ ملحم قاسم ذهب الى طليا برفقة أحد أتباعه الذي كان مسؤولاً عن تقديم القهوة لزوّار ملحم قاسم. ولدى وصوله الى طليا، أشبعه الضابط ضرباً وأخبره أنه سوف يجزّ رقبته على باب منزل سيسيليا، لكن هذه الأخيرة اعترضت راجيةً من الضابط أن ينفّذ وعيده في مكان آخر لأن عائلتها كما قالت لن تعرف الأمن من جانب سكان المنطقة إذا حصل الأمر أمام منزلها. وافق الضابط وأخذ ملحم مع التابع له وبصحبة خمسة وعشرين جندياً الى بيدر القرية بنيّة تنفيذ الإعدام.
أوثق الجنود يدي ملحم قاسم وقالوا لتابعه أن يهرب إذا استطاع. غير أنهم أطلقوا النار عليه أثناء هروبه وأردوه. طلب ملحم قاسم سيجارة من الجنود فتقدم نحوه ثلاثة لتلبية طلبه. دخّن ملحم نصف سيجارة ثم طلب من الجندي الذي قدّم له السيجارة أن يعود الى مكانه في صف إطلاق النار. كان ملحم قاسم يؤمن بالإمام علي، وقبل إطلاق النار عليه خاطب الإمام علي كما يلي: «ايها الإمام، اليوم يومك. إذا لم تنقذني من هؤلاء السفلة، فأنت لست الامام علي». ثم خطى خطوة فخطوتين وثلاثة واربع فأصبح على بعد ثلاثمئة متر من العسكر، لكنه تعثّر بشجيرة توت ووقع أرضاً وهو لا يزال موثوقاً. ولمّا تقدم الضابط ليخنقه تمكن ملحم قاسم من التقاط أذن الضابط وقضمها بالكامل، فصرخ هذا من الألم وولّى هارباً. وفي هذه الأثناء جرى اطلاق نار بين بعض العشائر البدوية المقيمة بالقرب من المكان، فظنّ الجنود الفرنسيون أنّ فصيلاً من المقاتلين جاءوا لنجدة ملحم قاسم فلاذوا هم أيضاً بالفرار. أمّا ملحم قاسم فقد تابع سيره حتى وصل الى منزل المركيز موسى دي فريج أحد ملّاك الأراضي المسيحيين المرموقين في المنطقة. فك المركيز وثاقه وأهداه بندقية وذخيرة وقال له: «يا ابا علي، انت أخي». ثم تابع ملحم قاسم رحلته حتى وصل الى قرية حور تعلا حيث كانت تجري مراسم تقبل التعازي لتابعه المقتول، ولم تكن الأنباء قد وصلت بعدُ أنّ ملحم قاسم كان لايزال حياً. تقبل ملحم التعازي ثم خاطب الحاضرين قائلاً: «إن الرصاصة التي من شأنها أن تقتلني لم تخترعها أية امّة من الامم بعد».
لاحقاً شنّ الفرنسيون غارات عدّة على حور تعلا، غير أن ملحم قاسم استطاع أن يصدّ تلك الهجمات على الدوام.
وهناك أيضاً قصة تُروى عن ملحم قاسم وأبناء عمومته، وكانوا على شاكلته من الأشداء. دعا ملحم قاسم رجلاً يدعى ابو قطريب إلى تناول الغذاء، كما دعا اليه ايضاً أبناء عمومته. وخلال الغداء بدأ ابو قطريب بإنشاد «عتابا» فقام أحد أبناء عمومة ملحم وأطلق النار على ابو قطريب وأرداه، فقام ملحم وفي إصبعه خاتم ولكم ابن عمه لكمةً شديدة أردته على الفور، ودارت على الأثر معركة قُتل فيها سبعة (او اربعة في رواية اخرى) من ابناء عمومته. والمغزى من هذه الحادثه حسب المصدر الذي روى القصة، هو ضرورة احترام الضيف.

شخصيته وسلوكه
وصف أحد مصادرنا شخصية ملحم قاسم كما يلي: «كانت عادته أن يخاطب الناس من فوق، كائناً من كانوا، حتى لو كان رئيساً للجمهورية. لم يكن يهاب أحداً ولم يكن يحترم اي مقام اجتماعي». وخالفه مصدر آخر إذ قال: «على العكس، كان يحترم الجميع». وقيل لنا إنه كان في حال دائم من العوز «فهو يجمع المليون وما يلبث أن يصرفه». وقد باع أملاكه الشاسعة بأكملها بسبب كرمه المستفيض. تزوج إحدى عشرة امرأة من عشائر شتى ولأسباب سياسية، كما أنه أسّس قرية حور تعلا التي كانت في ما سبق ديراً، فأطلق هو عليها اسم حور تعلا. وقيل لنا إن جميع أراضي قريتي حور تعلا وسرعين كانت ملكاً له لكنه وهبها كلها فقد كان «حاتم طي الثاني».
وتصفه بعض المصادر بأنه كان محباً لوطنه لبنان وانه لم يسرق أحداً ولم يستغلّ أحداً قط، ولم يقتل احداً عن سابق تصور وتصميم، ولم يعتدِ على أحد، فهو كما قيل لنا «كان يأخذ من الغني ويهب الفقير. أرجو الانتباه! كان يأخذ من الغني لكنه لم يسلبه. كان يتلقّى الهدايا من وجهاء المنطقة ويوزعها على الفقراء. وقيل لنا «إنه لو أراد حقاً أن يجمع الثروة لنفسه لكان اليوم يملك جميع أراضي منطقة بعلبك، غير أنه كان زاهداً». ويوصف بأنه كان رجلاً جميلاً وخالياً من أية عاهة جسدية.
وكان على ما يبدو يتصل بالنسب بعشيرة الشمّاط السورية. ففي صيغة أخرى لقصتّه مع جمال باشا أعلاه، جاءه في أحد الايام رجل من آل الشماط طالباً حمايته لأن جمال باشا كان قد أصدر حكماً بإعدامه، فقيل لذاك الرجل: «لا سبيل الى خلاصك سوى اللجوء الى ملحم قاسم». أعطاه ملحم قاسم الأمان واصطحبه لمقابلة جمال باشا. ولدى وصولهما انحنى الرجل وركض لتقبيل يد جمال باشا، فعاجله ملحم قاسم برفسة شديدة في قفاه قائلاً: «أنت هنا معي ولا يجدر بك أن تقبّل يد أي إنسان». تبسّم جمال باشا وربّت كتفه وقال له «إبق معي». وقال لنا مصدر آخر: «كان ملحم قاسم السلف والبادر للثوار السياسيين في منطقة البقاع كامثال توفيق بك هولو، وعشيرة عكاش، وفياض شهاب، وعباس ياغي وآل اسماعيل».
وثمة ناحية هامة أخرى من نواحي شخصيته هي علاقاته مع المسيحيين والتي وصفها أحد مصادرنا كما يلي: «كان المسيحيون يؤمنون به وقالوا إنه كان يحمل على زنده علامة الصليب التي منحته المنعة والحماية. وكان هو من أتباع الإمام علي ومريم العذراء، كما أنه عمّد جميع أبنائه في كنيسة طليا». وكان مُحصّناً ضد الرصاص «فقد كان الرصاص ينهال عليه فيعمد الى نفضه عن عباءته».
لكن أحد مصادرنا رسم صورة أقلّ إعجاباً بكثير بأعماله وشخصيته إذ وصفه بأنه «لص ومحتال». فقد كان يسطو مع أبنائه وأتباعه على مخازن الجيش الفرنسي في بلدة رياق فيسرق المؤن العسكرية ويدّعي أنه مناضل من أجل الحرية. وكانت عصابته يمتلكها الزهو والفرح حين تنجح في سرقة الذخيرة، وخصوصاً سرقة السكّر الذي كان على شكل الكوز والذي كان نادر الوجود في المنطقة، وكانت العصابة تبيع تلك المسروقات في مدينة بعلبك.
وهذا المصدر ذاته روى قصة عن ملحم قاسم وكاهن مسيحي كما يلي: «كان ملحم قاسم والكاهن في رحلة معاً من رأس بعلبك الى بعلبك، فقال ملحم للكاهن: قل لي، كيف هي قسمة الجنة؟ فأجابه الكاهن: ١٢ قيراط للموارنة و١٢ قيراط لكافة الطوائف الدينية الاخرى. اما الشيعة فلهم قيراطان فحسب. عندها سأله ملحم قاسم اذا كان بإمكانه أن يشتري لنفسه فقط أحد قيراطي الشيعة، فأجابه الكاهن: نعم، هذا أمر ممكن والقيراط ثمنه ليرتان ذهبيتان. ولدى وصولهما الى بعلبك قال ملحم قاسم للكاهن: بما ان الشيعة جميعهم وهم على ما هم عليه من الكثرة لا يملكون سوى قيراطين، فإني أرغب أن ابيعك حصة الشيعة بالكامل في الجنة والثمن هو الذي حددته أنت، اي ليرتان ذهبيتان للقيراط». ثم أرغم الكاهن على دفع أربعة ليرات ذهبية. ومنذ ذلك اليوم يقول الناس إنّ لا مكان في الجنة للشيعة لأن ملحم قاسم قد باع حصتهم للموارنة.

خلفية تاريخية
يبدو أن الفترة الانتقالية بين العهدين التركي والفرنسي كانت غنية بـ«الأشقياء» فنجد فيها عدداً من الاشقياء المشهورين في جبل لبنان كما وفي الجنوب اللبناني. لم نجد الكثير من المعلومات عن ملحم قاسم في الوثائق الرسمية أو الصحافة أو المذكرات. ثمة صورة سريعة له في مذكرات رستم حيدر السياسية الفائقة الأهمية (حيدر ١٩٨٨: ١٢١) والذي كان ابن البقاع ووجيهاً مرموقاً وقائدآً قومياً بارزاً ومقرباً من الامير فيصل، وكان في أواخر أيامه وزيراً كبير الأهمية للمال في العراق. ولدى وصفه لأيام فيصل المبكرة في سورية وتحديداً في أواخر العام ١٩١٨، يدوّن رستم في مذكراته «عتابا» أنشدها ملحم قاسم ويضيف: «ثم مدح البعض وأخذ ثلاث مجيديات وذهب». والتحقير هنا واضح، فرستم وأمثاله لم يكنّوا الكثير من الاحترام لملحم قاسم وأمثاله إذ كانوا في أحسن الأحوال ذوي طرافة لكنهم في أسوأ الأحوال مصدر إزعاج للنضال الوطني.
وهناك ايضاً صورة له في الصحف يقف أسيراً الى جانب جندي سنغالي تبدو أُذُناه سالمتين. لكننا لم نلتفت كثيراً في دراستنا هذه للسياق التاريخي إذ انصبّ اهتمامنا على الأسطورة ووظائفها، وهو الموضوع الذي نتجه إليه الآن.

الاسطورة ووظائفها
يبدو مما تقدم أنّ أسطورة ملحم قاسم تتماشى بشكلها العام مع النموذج والوظائف التي اقترحها هوبزباوم، أي استعادة الريف لرجوليته. وفي الوقت ذاته توحي اسطورة ملحم قاسم وبطولاته بوظيفة تتخطى التاريخ. وفي ما يختص بملحم قاسم بالذات، يجدر بنا أن نتساءل عن المدى الذي ساهمت به الحرب الأهلية اللبنانية في إحياء الأسطورة وإضفاء مغزى جديدٍ عليها، وكذلك نستخلص ما إذا كانت هذه الأسطورة بالذات تضيف بعض الإضافات الى النموذجين الهوبزباومي والاسطوري أو تعدّلهما، كما وردا أعلاه.

في ما يختص بالحرب اللبنانية، تجدر الإشارة الى أن منطقة البقاع الأوسط والشمالي، باستثناء مدينة زحلة، لم تعانِ نسبياً من ويلات الحرب ما عانته المناطق الأخرى من البلاد. فقد كان للدولة شبه وجود فيها، كما في قصة شرطي السير في زحلة أعلاه، وكذلك أيضاً بسبب الوجود العسكري السوري. وفي واقع الأمر كانت هذه المنطقة هادئة نسبياً وملجأً لبعض الناس الذين فرّوا إليها هرباً من الحرب في بيروت وغيرها من المدن. لكن ولكونها شبه دولة، كانت أيضاً مجالاً واسعاً للهزل والاستخفاف بالسلطة. وكنا حين نستمع الى مصادرنا يتملكنا شعور قوي بأن أولى وظائف هذه الأسطورة ما قد نسميه «الشقي المهرّج» الذي يهزأ من السلطة ومن الدولة عامة من خلال مغامراته وتملّصه من سلطانها واستبدادها. أما الوظيفة الثانية والتي تبرز بوضوح في بعض القصص فهي وظيفة ملحم قاسم كالشقي الذي يعالج ويداوي الانقسامات الطائفية الدينية، فهو صديق مخلص للمسيحيين في منطقته، وهو من أتباع الإمام علي ومريم العذراء معاً وكأنه زواج تم في الجنة. والوظيفة الثالثة والتي تتعلق بالحرب أيضاً، هي وظيفة «الرجل الاخض» أو «الخُضر» الذي يظهر ثم يختفي بطريقة عجائبية فيثأر للظلم وينشر الازدهار ويساهم في تخفيف المظالم الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعه. وهنا يبدو الشقي وكأنه وليّ من الأولياء من ذوي الكرامات. أما الوظيفة الرابعة فهي ليست استعادة الرجولة للريف بقدر ما هي التأكيد في زمن الحرب على رجولة أهل المنطقة والتي لم تكن بارزة في الحرب الدائرة من حولهم. من هنا فإن الأسطورة قد تفيد نوع من أنواع التحذير للأعداء المحتملين، بما معناه أننا نحن ايضاً، كما كان ملحم قاسم، قادرون على ارتكاب العنف عند الضرورة. وهنا يبدو الشقي وكأنه مُذكّر أو نذير: لا تقتربوا من منطقتنا أيها الأعداء. والوظيفة الأخيرة هي محبة لبنان والتي تشمل التوق الى الحفاظ على وحدة أراضيه في بلدٍ مهددٍ بالانشطار.

عن مجلة بدايات
http://bidayatmag.com/node/177