بريجيت باردو التي غيرت نظرتنا الى العالم

أغسطس 31, 2014 1 تعليق
«ربما لم تغير النجمة بريجيت باردو ش

يئاً في هذا العالم غير انها غيرت نظرتنا الى العالم...» بهذا الكلام كتب أحد الصحافيين الفرنسيين مقالة الى جانب تحقيق واسع حول الفنانة الفرنسية التي تبلغ في ايلول المقبل الثمانين. عاشت باردو كل أفلامها وقصص الحب والصداقات التي عرفتها وهي حاضرة دائماً في وسائل الاعلام. ثم عاشت احزانها وشيخوختها واهتماماتها الجديدة البعيدة عن الفن ومشاغله في عزلة شبه تامة حتى انما صرحت منذ فترة قصيرة بما صدم محبيها: «انا اليوم لا اذكر حتى انني عملت في السينما...» مؤكدة بذلك ان ثمة ما يشغلها اليوم في حياتها الشخصية، فهي أسست جميعة خاصة للرفق بالحيوانات تعنى ايضا بكل التفاصيل التي تتعلق بالحيوان، وفي حديث لها الى «باري ماتش» أجابت على مجموعة اسئلة قد يرغب اي محب لأعمالها بأن يطرحها عليها:

*هل ان ادارك للمؤسسة التي انشأتها هو ما يجعلك تتماسكي وتتمتعين بنشاطك؟

ـ هذه المؤسسة التي أديرها تأخذ كل وقتي وإن كنت محاطة بفريق عمل يساندني في كل المهمات. اما فكرة ان استمر في شغفي لعملي وفي نشاطي اليوم فهذا يمنع واقع الشيخوخة، الذي غالبا ما يترافق مع الملل بسبب التوقف عن العمل، وغالبية المسنين يموتون نتيجة الفراغ.

* لقد خصتك مجلة «باري ـ ماتش» 39 مرة بغلاف يتناول 39 حدثاً مهماً في حياتك. ما هي أهم هذه الأحداث؟

ـ زواجي من غونتر ساتش وايضاً من برنار دورمال وأخيراً زواجي من حيوان الفقمة الأبيض الصغير.

* انت رمز لتحرر المرأة في مرحلة معينة وحتى اليوم، وإذا اردت ان تضعي النقاط على الحروف اخيرا ولمرة واحدة، ماذا تطلبين؟

ـ نقاط حول ماذا؟ قضية تحرير المرأة، أنا لم اعمل على ذلك، فأنا عشت كما رغبت ان اعيش واستمر في ذلك، فأنا حرة دائماً انما غير مستقلة عن الرجل الذي أحب.

* عندما تنظرين الى الوقت الذي يمر سريعاً، ما الأمر الذي تندمين عليه؟

ـ انا احترم قانون الطبيعة في الحياة ولا اعارضه، والوقت علمني الكثير وانا حاليا اشعر بهدوء وطمأنينة.

*في فيلم «الحقيقة» للمخرج كلوزو، لعبت دور المرأة التي تقتل بسبب الحب. هل يشبهك هذا الدور؟


ـ قليلاً، مع فارق انني لم اقتل احداً في حياتي. وأنا لعبته على طريقتي وبما يشبهني اذ مررت فيه من الوقاحة الى قمة الانهيار واليأس، وفعلاً كنت على وشك الموت من ذلك.

* قدرتك على تحديد ما تريدينه جعلت الكثيرين ينزعجون من ذلك...

ـ واستمر في صدم ضعيفي النفس، لأنني لن أتوقف عن قول كل ما افكر فيه، ان كان ذلك يعجب الغير ام لا..

* بنظر الفاتيكان، انت كنت تجسدين الشيطان في مرحلة ما، هل جرحك ذلك؟

ـ آه، أجل، فهذا امر لا مزاح فيه. أما الآن فمعظم الذين يكتبون لي يقولون العكس ويعتبرونني «قديسة»! لا يجب المبالغة في امور كهذه.

*هل احببت في حياتك كما رغبت في ذلك؟

ـ آه، أجل، أحببتها كثيراً وبشغف وبجنون او باعتدال... ولا زلت أحب، فهذا امر في طبيعتي.

*اذا اقمنا لائحة بالرجال الذين احببتهم واردنا ان نبقي على واحد فقط، من تختارين؟

ـ القادم!

*انت جسدت شخصية مريان، فهل جعلك ذلك تشعرين بقوة بانتمائك الفرنسي؟

ـ انا فرنسية من ابعد جذوري الفرنسية وانا فخورة بذلك، ولكنني اردد دائماً بأن بلدي الجميل يتراجع لأنه يسكت عن امور كثيرة تجعله في هذا التراجع.

* إذا وصلت مارين لوبان الى تحمل مسؤولياتها في فرنسا، هل ترضين بمنصب مستشارة في شؤون الحفاظ على الحيوانات؟

ـ مارين تعرف واجباتها وليست بحاجة الى نصائحي. وأتمنى ان تنقذ فرنسا، وإذا وصلت فستكون جان دارك القرن الواحد والعشرين!

*حين
 كنت في خضم نجاحاتك، ادرت ظهرك للسينما وكان ذلك عام 1973. ولولا توليك رئاسة المؤسسة الخاصة بالحفاظ على الحيوانات، ماذا كنت تفينعلين؟

ـ لولا مساندة الحيوانات لي، لما تمكنت من الاستمرار في الحياة. أنا حاليا انقذ حياة الذين انقذوا حياتي في مرحلة سابقة.

*منذ ديغول، كل الرؤساء الفرنسيين اطلقوا وعوداً لك واستقبلوك، فهل تنفذ شيء؟

ـ ليس بالوعود يمكننا ان نجعل الامور تتقدم. بت لا أطيق الوعود، أريد أفعالاً.

*يبدو انك تنتظرين هديتين من مانويل فالس في عيدك الثمانين...

ـ لست انتظر ذلك من فالس. فأنا سأطلب الهديتين بمناسبة بلوغي الثمانين من السلطة ومن الرئيس بشكل رسمي، ولا اريد شيئاً آخر. اولاً سأطالب بتغيير القانون الذي يحسب الحصان «حيوانا للإيراد» ليكون حيوانا مرافقا فقط للانسان وايضا رفض قتله. ثانياً سأطالب بالغاء القانون الذي يقضي بضرب الحيوان قبل قتله في المسالخ حيث يعمل على جعل الحيوان فاقداً للوعي قبل قتله! أطالب بهاتين الهديتين من السلطة منذ ثلاثين عاماًّ وإذا مت قبل نيلهما سأكون قد خسرت حياتي من دون ثمن او هدف.

* بصراحة، كيف تشعرين وانت تقتربين من الثمانين؟

ـ حياتي مليئة بالانشغالات الى درجة انني لا أفكر كثيراً في هذا الأمر، بعضهم يفكر من أجلي بهذا الموضوع، اما أنا فأعيش كل يوم بيومه.

*هل يمكن القول انك اصبحت جدة من الدرجة الثانية وفخورة بذلك؟

ـ هذا صحيح..

* بعد موتك، هل ترغبين بالاستراحة هنا في مادراغ؟

ـ اجل، فقد حصلت على الموافقة بأن أبقى بشكل ابدي هنا الى جوار حيواناتي في مادراغ. وهل سأجد السلام الذي فقدته في حياتي؟

* ما الذي ترغبين بأن يحتفظ به وكأنه وصية منك بعد رحيلك؟

ـ الحب الذي أشعر به تجاه حيواناتي والاحترام الذي يستحقونه.

عن جريدة المستقبل.

فروج الفينيق اللبناني

أغسطس 31, 2014 اضف تعليق
من أعمال على الرافعي على أحد جدران بيروت، طائر الفينيق اللبناني ليس أكثر من فروج مشوي

كمال اللبواني: تعقيبا على مقال د. محمد حبش… ليس دفاعا عن ابن تيمية(2-2)

أغسطس 29, 2014 اضف تعليق
قرأت للأستاذ الشيخ محمد حبش في كلنا شركاء مقالا أخلاقيا وانسانيا عن فتاوى التكفير، وقد استعرض فيه مجموعة من هذه الفتاوى المختلفة المصادر والتي تبيح القتل على المذهب، وارتكاب جرائم ضد الانسانية، واعترض عليها كلها وبقوة، لكن من دون أن يشرح لنا كيف تصدر مثل هذه الفتاوى، وما هي الظروف
التي تحيط بصدورها، وما مدى شرعية وأحقية من يصدرها، ولا إن كانت تعتبر من الدين الواجب الاتباع (هي بالذات، أو كل فتوى بشكل عام) … وقد سبق في القسم الأول أن شرحنا الظروف التاريخية، وهنا سنحلل ونستنتج.
(رابط مقال د. محمد حبش) هنا
راب
ط القسم الأول: هنا
قبل الثورة دعا شاب علوي صديقه السني في الجامعة للذهاب معه للضيعة في عطلة الأسبوع، وقبل أن يصلوا إلى جهينة (ضيعة كريم الشيباني) تذكر مشكلة سيقع فيها وهي أن اسم صديقه عمر، لكنه خجل أن يطلب من زميله ادعاء اسم آخر، فذهب لأمه هناك وبدأ يشرح لها كيف أن عمر بن الخطاب رجل صالح وتقي ونصر الاسلام وتزوج ابنة علي بن أبي طالب ذاته… وكل ذلك كمقدمة لتعريفها باسم صديقه الظريف الذي حظي بالترحيب كما يحدث لكل ضيف في كل ضيعة سورية، لكن والدته فاجأته بقولها (ميمتي إذا كان عمر هالقد منيح… قرد ليش سموه عمر لكن!!) وبعد الثورة لقي عمر مصير كل من دخل سجون فرع الأمن العسكري 215. ولا ندري كم يعاني صديقه أيضا، لأن جيل كامل من شباب سوريا شطب من الاحصاء.
فشيطنة الاسم، وتنميط المجموعات، وتبسيط القضايا والحكم عليها وفقا لمنطق واحد يعتمد مبدأ التضاد (أبيض /أسود، خير/ شر) هي أحد أهم أسباب تسطح التفكير وعجزه عن مقاربة أي موضوع مقاربة عقلية محيطة متعددة الجوانب… هي الوحيدة القادرة على إخراجنا مما نحن فيه.
1-في التحليل
نحن لا ندري ما هي ظروف فتاوى الشيعة بحق الناصبة، ولا ندري إن كانت شرعية أم عسكرية هي الأخرى. ولا نستطيع أن ننكر اضطهادهم المتكرر، كونهم من فلاحي العراق الذين دخلوا الاسلام، وأرادوا أن يتمايزوا داخله بما يتناسب مع طبيعة حياتهم وعملهم واجتماعهم حول زعيم ديني اقتصادي سياسي (رأس كنيس)، فنصب أهل السنة والجماعة (الناصبة) أنفسهم أوصياء على الاسلام والوحي والسلطة، فاضطهدوهم وفرضوا عليهم الخراج رغم اسلامهم (على اعتبار أن دجلة والفرات أنهار خراجية، فاستمر الولاة باستعمال دهاقنة كسرى ذاتهم، واستمر فرض ذات الخراج الذي تجاوز الثلث) كما ورد في كتاب الخراج لأبي يوسف القاضي والموجه لهارون الرشيد، في حين أعطي المال لأهل الكوفة المهاجرين من نجد وأغلبهم من المرتدين سابقا، والذين تخلوا عن كل وسيلة عيش غير رواتب الأمير وصاروا دائمي التمرد عليه (حتى أرسل لهم الخليفة الأموي واليا هو الحجاج بن يوسف ليضع حدا لتمردهم الذي لا ينتهي والذي خطب فيهم خطبته الشهيرة)….
لقد وجد الفلاحون في التشيع لعلي وآل البيت، و في قصة خلافهم مع أبناء عمومتهم الأمويين… وسيلة لمنازعة العرب البدو على الشرعية والسلطة التي احتكروها بينهم كفاتحين، وليس كأخوة في العقيدة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، فقاموا بنقل رموز القداسة وزرعوها في ديارهم وأرضهم، عن طريق تقديس دماء وأضرحة ومقامات آل البيت، و أعادوا بناء ثقافتهم واجتماعهم التي تتمحور حول تقديس المكان والارتباط به ككل فلاح يزرع الأرض، لكن ضمن إطار العقيدة الاسلامية، متمايزين عن البدو الذين يعيشون الكلمة ويحملونها معهم في ترحالهم، فالميل لتقديس شكل القرآن ونطقه عند البدو، استبدل بالميل لتقديس الضريح والمكان الخاص بأهل الوحي عند الفلاحين المتشيعين، الذين جعلوا للقرآن ظاهر وباطن، ليتاح لهم فسحة في التباين والتمايز…
وكلها رموز استعملت في التعبد والتوحد الرمزي حول المقدس. تختلف هذه الرموز باختلاف الثقافات، التي تختلف باختلاف وسائل العيش والانتاج المجتمعي. فحيث وجدت الزراعة انتشر التشيع بين الناس، وحيث البداوة أو التجارة سننوا… بينما لجأ فقراء وفلاحي المدن السنية للتصوف والتجمع حول تكاياهم وقبور أوليائهم، وأعادوا القدسية للمكان من دون تشيع لعلي، وباستخدام أولياء محليين ومغمورين، وباستخدام قيم الزهد بكل ما يطمع به غيرهم، خاصة وأن مسألة السلطة والثروة في المدن محسومة سلفا لمثلث السلطة السنية التي تقوم على (تجارها المتحالفين مع مستبديها وظلامها برعاية شيوخ التوافق والتبرير)، فحالت الصوفية دون تمدد التشيع في كل المجتمعات الزراعية التي نمت بسرعة مع استقرار السياسة (شمال العراق وسوريا وتركيا ودلتا النيل والمغرب) وهو ما ساهم في تقويض الخلافة الفاطمية. كان هذا قبل أن يحدث التشدد والغلو الشيعي على يد الصفويين بعد هزيمتهم وعزلتهم في بلاد فارس التي صبغوها بصبغتهم بالحديد والنار والتطهير، ونقلوا المرجعية من النجف إلى قم التي لا تحتوي أيا من رفات آل البيت، ولا يزال التنازع بين المرجعيتين جدي وجذري حتى الآن، (اقرأ في هذا الصدد كتاب على شريعتي الذي صفاه الخميني: اسلام علوي اسلام صفوي). حدث هذا التشدد والغلو الصفوي الذي وصل حد عصمة الولي، وتأليه الفقيه، بالتزامن مع انطلاق الحركة الوهابية (البدوية) التي عارضت وبقوة كل ما يجسد به المجرد والمعنوي المتعالي، ورغبت في تدمير كل المقامات، تماشيا مع طبيعة الصحراء التي تقوض كل شيء فلا تبقى الا الكلمة، والتي جعلت من العروبة أمة لغة، ومن تاريخ العرب مجرد قول على قول…
وهكذا نستطيع أن نرسم التوزع الطائفي والمذهبي تبعا للجغرافيا والاقتصاد ونمط الانتاج، فحيث وجدت الزراعة وجد التشيع (بمن فيهم فلاحي المدينة المنورة)، أو التصوف فيما بعد، وحيث وجدت البداوة والتجارة والمدنية وجد التسنن حتى في ايران التي بقيت سنية حتى مرحلة قريبة (مرحلة التشدد والغلو الصفوي بعد هزيمتهم على يد العثمانيين)، وعلى طرق القوافل بين المدن توزعت القرى السنية… وهو ما نشهده على طريق دمشق حمص القديم الذي يسير مع الأنهر عبر نهر بردى ثم سردا ثم العاصي، أو طريق دمشق صيدا صور عكا عبر مزراب البقاع ونهر الليطاني، أو طريق اللاذقية حلب عبر الحفة وصلنفة .. وكل مدن الساحل السوري اللبناني سنية، بعكس قراها… وهذا المبدأ بالتوزيع بقي صحيحا قبل أن تنهار التركيبة التقليدية وتنزاح مجموعات السكان بين الريف والمدينة في هجرات جماعية متبادلة بفعل الصناعة والرأسمالية والحداثة.
بعد هذا التحليل التاريخي المختصر نرى أن الأجدر بالنقد هو فكرة الفتوى ذاتها، أي عملية تحويل السياسي لديني عقيدي موروث. وتحويل الاسلام الذي يدعو لعقد سلم عالمي ينهي حالة الوحشية والطواغيت، تحويله لمجرد طائفة سياسية تناحر غيرها وتوظف الدين الذي هو لله، في السياسة والحرب والمصالح الجزئية، ثم تستخدم المذهبية المزعومة (وهي ترجمة لاختلاف اقتصادي) في تبرير المجازر والجرائم ضد الانسانية، وفي التشجيع على ارتكاب البشاعات باسم الدين الذي أرسله الله رحمة بالعالمين كافة.
السؤال الذي يطرح نفسه والذي لم يوضحه لنا الأستاذ محمد حبش مدير معهد النور للدراسات الاسلامية سابقا: ما هو حكم الفتوى شرعا، وهل يجوز اتخاذ قرارات سياسية واعتبارها كجزء من الدين، لمجرد أن شيخا معمما أطلقها، ولماذا كل هذه الاضافات المسيسة على الدين؟
الشيعة عادة وبسبب نمط تنظيمهم الاجتماعي (كومون ديني اقتصادي سياسي. يشبه الكنيس المسيحي التاريخي الذي له أب روحي، والذي جمع كل من لا تربطهم روابط الدم البطريركية في أخويات دينية اقتصادية اجتماعية كنسية) لا يفصلون بين سلطة الدين وسلطة المجتمع والسياسة والاقتصاد… فتقليد الامام، وولاية الفقيه هي شكل اجتماعهم التقليدي في العصر الاقطاعي، والسلطات موحدة بشخص متّبع… هو رمز وحدة الجماعة، ضمن نظام بطريركي لا يعتمد أخوة الدم القبيلة بل أخوة الايمان، فنمط الاقطاع عندهم هو نمط الإقطاع الديني السابق للعصر الرأسمالي، وهو موجود ذاته عند الصوفية بطرقها المختلفة و النقشبندية تحديدا، وبقي سائدا حتى قيام المجتمع المدني والنظام الطبقي والدول الحديثة التي تربط كل مواطن مباشرة بها، وتقلص دور الترابط الأهلي لصالح الترابط المدني والمؤسساتي…
(الفارق بين الأهلي والمدني هو أن الانتماء الأهلي يحدث رغم ارادة الانسان ومفروض عليه كهوية تربطه بعرق وقبيلة ومكان وحي وأسرة ودين وطائفة… بينما الانتماء المدني يبنى على روابط العمل والفكر والمصلحة والمؤسسات النقابية والحزبية والثقافية والفنية. وما ينتج عنها من مؤسسات الدولة السياسية القانونية وهي في أغلبها اختيارية وقابلة للتغيير.) وضحت ذلك لأن أغلب السياسيين المتزعمين اليوم يستخدمون مصطلح المجتمع المدني والدولة المدنية من دون فهم.. لأن معنى الدولة المدنية هو أن تقوم الدولة على الروابط المدنية (المواطنة) وليس الأهلية أي دولة (القبيلة والعرق والطائفة والمحاصصات) ومع ذلك يبنون الائتلاف والمجلس الوطني على محاصصات طائفية وعرقية وعشائرية … تحت شعار الدولة المدنية الذي يشهد على العته المعرفي السائد عندهم.
بينما السنة الذين هم على الأغلب بدو لديهم نظامهم القبلي الذي يحفظ لهم تمايزهم ضمن الدولة، أو تجارا في مدن يعتمدون على سلطة ملك المدينة ذاتها أو سلطانها… فهم يفصلون عادة بين سلطة الملك الذي يعتمد في ملكه على القوة الغير مستقرة أساسا (ابن خلدون)، وبين سلطة الدين الذي يهتم بالشأن الاجتماعي والأخلاقي، وبين النشاط الاقتصادي وسلطة المال المتحررة من كل ذلك، وبالتالي لا يقبلون بهذا التداخل في السلطات، الذي يستخدمه الحاكم ليعطي لقراراته السياسية طابعا مقدسا ويشرعن الاستيلاء على الثروة، متحولا لطاغوت يفسد حياة مدينته التي كانت بسبب نظامها المتمايز هذا، هي النظام الأرقى الذي جعلها تقود الحضارة قبل العصر الرأسمالي. فمسألة العلمنة غير مطروحة عند السنّة لغياب الدين عن ساحة السياسة في كل التاريخ السني منذ معاوية. والذي استمر حتى بعد التحول الرأسمالي الحديث…
حتى ظهر علينا الاخوان الذين أعادوا ادخال الدين في السياسة باسم تحديث الدين، فولدوا الأرضية للدولة الحديثة الدينية المستبدة، الذي استفادت منه السلفية الجهادية وطبقته داعش التي أتحفتنا بخلافتها المشهودة، وهكذا قدموا جميعا الاسلام كنمط متجدد للوحشية والهمجية.
في حين ستحتاج أوروبا الاقطاعية لثورة اقتصادية وسياسية وثقافية كي تحطم المجتمع الأهلي الاقطاعي الكنسي المتداخل مع الدين، وتبني المجتمع المدني الطبقي على حسابه، والذي يشترط ابعاد رجال الدين عن السياسة … وهو ما أتاح لهم تحقيق قفزة سياسية واقتصادية وعقلية جعلتهم، في مقدمة الحضارة بعد أن بقيت بيد المدن السنية طول العصور الوسطى كأرقى اجتماع انساني في عصره.
فرجل الدين عند السنة تاريخيا منفصل عن السلطة (الماجنة عادة)، فهو رجل مجتهد عارف ومدرس لطرق الايمان ومعرفة الله وتهذيب الضمير والسلوك(وهو ما طبقه شيوخ الصوفية بامتياز الذين ابتعدوا عن السلطة والمال)… وليس له سلطة تنفيذية غير النصح والمشورة… فما له اليوم وما للشأن السياسي الذي تطبقه الشرطة، ولماذا هذا الدمج الأرعن بين الديني والسياسي عبر ظاهرة الافتاء المبتدعة التي تقلد الشيعة… والتي تهدف لإدخال القرارات والمصالح السياسية في صلب العقيدة، وهو من فعل العقل الديني التحديثي لسيد قطب وسعيد حوى… لكي تستعمل كأنها استمرار للوحي الذي انقطع واختتم…
ولهذا نرى اليوم أن ألد أعداء الاسلاميين (وليس المسلمين) الطامحين بشدة للسلطة الدنيوية باسم الدين… هو العلمانية التي تحرم رجال الدين من أي سلطة سياسية وتفصل بينهما، وهو ما ميز المذهب السني المديني تاريخيا، والمسيحي الشرقي أيضا. عملا بقول المسيح: أعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله… فالإسلاميون الجدد يربطون العلمانية والدولة المدنية التي هي تاريخية بالكفر بالله، وليس ممانعة سلطة مشايخهم المحدثة!!. مع أنها تحرر الانسان في علاقته مع ربه من سياسات الحكام ومصالح الفقهاء المنتفعين على موائدهم، وتعطي لكل متدين الحق في التعبير عن دينه بخياراته السياسية الحرة. أنظر كم هو مقذذ منظر (مفاتي أو مفتيي مصر وهوانمها أو بطارنتها يرقصون معا ويطبلون ويزمرون في عرس الديكتاتورية المتجددة). والأنكى منهم مفاتي سوريا وعلمائها وهم يبررون للقاتل ما يفعله ويصفونه بالجهاد (جهاد البراميل) وهو ما ذكره الأستاذ محمد حبش الذي كان يعمل ضمن مؤسساتهم بالتفصيل في مقاله موضوع البحث …
فهل تبقى شيء يحترم في أي فتوى تصدر عن أي شيخ… قديما كان أو حديثا..؟؟ ولماذا إن تكلم الجربا أو هادي أو كيلو فهي تقع في باب الرأي السياسي مع الهامها وانتمائها لثقافة الثقافة، وإن تكلم البغدادي والجولاني وزهران وأبو عيسى والشقفة مرشد الاخوان فهي فتوى شرعية، وماذا عن جمال معروف هل هو مفتي أم قائد ؟!… وهل يوجد في ديار المسلمين مفتي يفتي دون الرجوع للمخابرات الذين يكتبون له خطبة كل جمعة…
وطالما أن الله لم يفرط في الكتاب من شيء، وطالما أننا نملك العقل ونعرف اللغة ونستطيع الوصول لأي معلومة عبر النت… فلماذا كثرة الكلام وحشر الأنوف واصدار الفتاوى التي تخص الشأن السياسي جوازا وبطلانا… أليس هذا لمصادرة حق الناس في التفكر والاختيار الحر باسم العلم الذي يتحول لوسيلة استبداد… ويحرم الناس من حقهم في اختيار سياسييهم وسياسات دولهم ومحاسبتهم… ألا يجعل هذا من العلمانية شرطا للديمقراطية، وليس كما يُدعى مرادفا للكفر… وما لنا وما قاله فلان وعلتان، فهو حر يقول ما يريد، ونحن أحرار نسمع ما نريد، ثم نطبق ما نرى أنه الصحيح بمسؤولية تتبع الحرية كشرط لازم بها ولها، لذلك نرى أن كل عالم (رجل دين) هو مجتهد يقدم رأيا وشهادة ولا يجوز أن تسمى فتوى… لكي لا يتم دمجها بالحديث والكتاب وتصبح جزءا من الدين، بل تبقى رأي شخصي يتحمل من يتبعه مسؤولية اتباعه، ولا يشفع له أمام الله والقانون أحد… حيث لا تزر وازرة وزر أخرى.
(إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهدى )
إن ادخال الدين في السياسة كمن يدخل المربع بالمدور، والثابت بالمتغير، والأخلاقي المتعالي بالمدنس الشهواني، وأهم طريقة لهذا الخلط هي أخذ السياسة من فم الفقهاء كفتاوى، فالمفتي هو أداة الديكتاتور ولسان التزييف وبوابة لدخول النار. لأن (أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار.) وكل حقيقة سياسية هي حقيقة احصائية، وليست معرفية ولا تجريبية.
فتسمية فقيه توافق تسمية ديكتاتور… ومن ذا الذي يعطي شهادات العصمة والعلم ؟؟ وهو يعلم أن فوق كل ذي علم عليم…
ومن يحكم على نزاهته بعد أن غلف نفسه بألبسة الدين، وزين كلماته بنصوص مجتزأة مقطوعة عن سياقها ومقاصدها… وكما قال أحدهم في وصف رجال الدين : قمصانهم بيضاء لكن قلوبهم وأيديهم سوداء … فمصيبة شعوبنا أنها عطلت عقلها وسلمت أمرها لمشايخها وعلمائها فباعوها للسلطان الرجيم والثري الجشع، واليوم للأجنبي السيد… حتى لنستطيع أن نقول بشرك من عطل عقله واتبع، والغى مسؤوليته التي استخلفه الله عليها وأهمل الأمانة التي أشفقت منها الجبال، وهي أمانة العقل والحرية، وباع نفسه في سوق النخاسة، وتحول من حر لا يعبد الا الله، إلى إمعة لغيره من البشر، لأنه كسول في طلب الحق وتحمل المسؤولية والجهاد، فطلب العلم والنصيحة شيء لا يلغي الحرية، بل هو جزء منها، أما الاتباع دون تبصر فهو ضدها ونقيضها…
حتى نقول إنه  لا مخرج اليوم مما نحن فيه من تجديد للبؤس والتخلف والقمع والوحشية… إلا بسحب الشرعية عن مهنة الفقه، وتجريد رجال الدين من أي سلطة مقدسة تتجاوز حق التعبير بالتي هي أحسن (الكلمة)، أما إعطاء هذه الكلمة قوة تنفيذية وسلطة عبر الافتاء ومؤسساته، فهو تخليد للعبودية والاستبداد عبر الاتباع الملزم المتسبب بالتخلف أولا، ثم في اتهام الدين بأنه هو سبب ودافع من يمارس الارهاب والوحشية، ويسيء لهذا الدين الذي هو رحمة وهدى للعالمين.
لذلك أقول إن  كل هذا التحشيد الاعلامي والفقهي الذي يستخدم من كل الأطراف في الحرب الأهلية الاقليمية الدائرة اليوم، هو ليس من الدين في شيء. بل هو صراع سياسي وصراع مصالح على السلطة والثروة، وتوظيف للدين بهدف تحويل الصراع القائم بين الشعوب وبين الحكام والنخب على السلطة والثروة والحقوق، إلى صراع مثالي ديني مذهبي قومي بين الشعوب والمكونات لا يمكن حسمه، خدمة لبقاء السلاطين والمستبدين الممتدين من إيران وخليج العربان إلى شمال افريقيا وعموم خلافة اسلام ستان في العراق والشام. فأي وجه قدمنا به ديننا أيها الفقهاء… ومع ذلك تتبرؤون من المسؤولية… إن ظاهرة الشحن الطائفي والاستبداد والارهاب وتدهور الدول نحو الحرب الأهلية والفشل التي تسود عالمنا الاسلامي، لهي تعبير واضح وصريح لفشل فقهي كامل يستدعي إقالة الجميع.
فالدين إيمان وعقيدة لا تدخل القلب بقوة السيف، والله أرسل لعباده الكتب وليس الجيوش، وتنافس الأديان هو تنافس عقلي فلسفي قيمي وليس عسكري… كما أن الله يمكن أن يعبد بطريقة أخرى غير القتل والسلب والتهجير والجريمة ضد الانسانية المحرض عليها بالفتوى الدينية… ولن يكون صعبا إيجاد شيخ يفتي بأي شيء تريده في كل زمان ومكان… فكيف إذا امتلكت أدوات الشيطان (السلطة، والعسكر، والمال؟)… أي السياسة. فمن يدخل الدين في السياسة أملا في تديين السياسة ورفع سويتها الأخلاقية، سيقع في العكس وهو تسييس الدين وافراغه من مضمونه الانساني والقيمي المتعالي، ونزوله لمستوى الصراع الأعمى على المصالح المباشرة…
أي باختصار نحن نعترض على الفتوى كمبدأ يكرس تسييس الدين، وبالتالي نعترض على نقدها أيضا… لأنهما جاءا من مؤسسة واحدة هي بحد ذاتها مشكلة وأداة تخلف واستبداد… أقصد هيئات العلماء ودور الافتاء التابعة لشعبة الأمن السياسي قسم الأديان… أو للسي أي إي وال إم أي سيكس…لا فرق… فأكثر مهنة مجزية ومريحة فيها المال والجاه والعز والرفاه وطيب الطعام، هي مهنة الشيخ رجل الدين، الذي يحتكر الدين والدنيا ويترك لغيره اما الاتباع والطاعة أو تهمة الكفر…
فهل الدين مهنة...؟ أم هو فرض عين. وهل يوجد إنسان ليس له دين حتى لو كان ملحدا… أليس الدين هو أساس وجود المجتمعات الانسانية، فكيف يتم اختصاره في شيخ ورجل دون غيره… أعتقد أن كل مبررات القيام بثورة على الهيئة الدينية المتعفنة وصلاحياتها وأدواتها أصبحت متواجدة، وهو ما سبق حدوثه في أوروبا وسمح لها بالانتقال من التخلف نحو الحضارة، فأطلق طاقات الابداع لدى البشر الأحرار، وتركتهم أحرار في دينهم فصار الصدق أساس حياتهم العادية البسيطة، وليس النفاق والشقاق الذي نتعلمه من مشايخنا، الذين يكذبون علينا ونكذب عليهم في ثقافة التكاذب التي تميزنا عن غيرنا من الأمم.
{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا {

لماذا يتوقف المبدعون فجأة عن الكتابة؟

أغسطس 27, 2014 اضف تعليق
بيل هايس
ترجمة ـ أحمد شافعي

بدأت كتابة هذه المقالة قبل خمس سنوات، ثم توقفت. ولم يكن عجزي عن الانتهاء منها قد أدهشني في وقتها بوصفه مفارقة، بل بوصفه دليلاً على أن ما كان داخلي ـ مهما تكن طبيعته: عصارة، أم موهبة، أم إرادة ـ قد زال. ثم إن إكمالها كان على أية حال ليدحض الحجة الأساسية التي أحاول الوصول إليها، وهي أن عدم الكتابة قد يكون جيداً للكتابة، بل قد يجعل من المرء كاتباً أفضل.

توقفت عن الكتابة العمدية. في يوم لا أستطيع أن أعيِّنه بالتحديد بدأ عدم كتابتي، مثلما لا يستطيع أحد أن يعيِّن في أية لحظة غلبه النوم: فأنت لا تعرف ذلك إلا بعد أن تصحو. ولا أنا شعرت في البداية أني نضبت. كانت السطور تخطر لي ثم تهرب مني، مثلما يفقد كلب الاهتمام بتربيتك له ويهتم بيد أخرى. هذا يحدث من الطرفين. فلما توقفت عن الاهتمام بالسطور، توقفت السطور تدريجياً عن المجيء. وقبل أن أنتبه، كانت سنتان قد مرتا بلا كلمة تقريباً.

لم أفتقدها، ومع ذلك كنت أشعر أن شيئاً ما مفقوداً: ربما أقول إنه طيف صوت. لقد كنت أسعى وراء الكتابة منذ طفولتي، ونشرت أشياء في أماكن كثيرة، وألَّفت ثلاثة كتب كاملة. كنت أدنو من الخمسين، فكان غياب التوقعات ومواعيد التسليم للمرة الأولى منذ عقود أمراً لطيفاً من ناحية، ومزعجاً أيضا من ناحية. هل للمرء أن يعتبر نفسه كاتباً وما يقوم به بالفعل هو عدم الكتابة، يوماً بعد يوم؟

لم أكذب قط. حينما كان يسألني أحد كنت أقول إنني لا أعمل على شيء، وأقول لا، ما من شيء في المحرقة الخلفية، ولا شيء في الفرن، ولا شيء في مرحلة الطهو، أو التقطير، أو النقع؟ (وما كل هذه التعبيرات المطبخية أصلاً؟). ثم إنني لم أكن جائعاً.

في حفلة ذات ليلة، كان كل شاب ذي مظهر فني وشارب كشارب إيرول فلين يحذرني من ألا أطيل فترة الراحة أكثر مما ينبغي. قال أحدهم: "إذا ذهبتْ فإنه ذهاب بلا رجعة. أنا توقفت سنة 1999، والآن لا أستطيع أن أكتب بياناً صحافياً إلا بطلوع الروح".

لا أستطيع أن أقول إن ذلك لم يفزعني. ماذا لو لم أستطع فعلاً أن أكتب أو أنشر من جديد؟

قلت لنفسي، لن أعدم في هذه الحالة رفقة جيدة. فبعد "سر جو غولد" لم ينشر جوزيف ميتشل شيئاً جديداً طوال الإحدى وثلاثين سنة الباقية من حياته. وإي إم فورستر لم ينشر روايات بين "طريق إلى الهند" ووفاته بعد 46 سنة. وهناك من بعد ذلك سكان قاعة الشهرة: جيه دي سالنغر الذي لم ينشر شيئا طوال النصف الثاني من حياته، وهاربر لي التي يكفي صمتها في ما بعد الطائر الطنان لإعلانها القديسة نصيرة اللافنانين من كل صنف ولون.

لكن لنكن واقعيين: أنا لست كهؤلاء، وعدم الكتابة ليس وسيلة لكسب الرزق. لذلك حصلت على وظيفة (لا علاقة لها بالكتابة) ثم انتقلت إلى مدينة جديدة، وعثرت على وظيفة أخرى لها علاقة هذه المرة بتمويل المنظمات غير الربحية، وأخيراً انضممت إلى برنامج يؤهلني لأن أصبح مدرب لياقة بدنية محترفاً. كانت المحاضرات تجري في قبو قاعة جمنازيوم. واشتركت في البرنامج بهدف التسلية، ومن الناحية العملية، بهدف أن يكون بمثابة خطة بديلة لكسب الرزق في حالة فصلي من العمل (وهو احتمال غير بعيد). والمفارقة أني عثرت هناك على طريق الرجوع إلى التفرغ للكتابة، وعلى إطار للتقدم في ذلك السبيل، ووجدت التصديق لما كنت أفعله بالغريزة.
تدريبات اللياقة البدنية اليوم تقوم بصفة عامة على ستة مفاهيم أساسية (برغم أنها قد تحمل أسماء مختلفة بحسب الوكالة المتخصصة في تقديمها) وجدت لكل واحد فيها مثيله في الكتابة.

أولا: هناك مبدأ التحديد. وينص هذا المبدأ على أن ما تتدرب من أجله هو ما تحصل عليه: فلو أن ما تريده هو القوة، تدرب على القوة. باختصار، كن محددا. وهذا أول دروس الكتابة، صح؟ الأمر كله في التفاصيل.

بعد ذلك: مبدأ الحمولة الزائدة، أي تدريب جزء من الجسم فوق مستوى طاقته المعتادة. عليك أن تعطي لجسمك دافعا دائما لكي لا يعتاد الجسم على المهمة الموكولة إليه، وإلا فليس لك أن تتوقع تغييرا. وكذلك مع الكتابة: ادفع نفسك، جرِّب أشياء جديدة، وذلك ما أسميه بالتقاطع بين التدريب والإبداع.

يفضي بنا هذا إلى المبدأ الثالث: مبدأ التقدم. ما أن تبرع في مهام جديد، واصل التقدم. لا تعلق مكانك: لا عند فقرة، ولا عند تمرين. وإن فعلت ذلك، هذا سيفضي بك إلى السكون. فعندما لا يتلقى الجسم تكليفات بمهام جديدة، فإنه يركن إلى السكون وليس ذلك بالمكان الذي يطيب لأحد الوجود فيه. فها هنا يصبح كل شيء مسطحا. لذلك، لا ترتح هنا أكثر مما ينبغي، فذلك سوف يظهر على الصفاحة أوضح مما يظهر على المرآة.

وحينما يذهب الحافز، تنعكس المكتسبات: فاستعمل حوافزك أو اخسر مكاسبك، وهذا هو مبدأ الانعكاس. تماما كما أن الحركة في أي اتجاه هي خير من عدم الحركة على الإطلاق، فلتلجأ إلى المشي إذا صعب عليك الانضمام لدرس الجري ـ لا بد أن يجد المرء شيئا ما يفعله، بل أي شيء، ليبقي محرّك الإبداع دائرا. وقد حدث بعد أن توقفت عن الكتابة مثلا أن اشتريت كاميرا وبدأت ألتقط صورا بدلا من الكتابة.

وهناك أخيرا مبدأ الراحة، وذلك هو المبدأ الذي وجدت فيه عزاء من نوع خاص. فلكي تحصل على مكتسبات اللياقة، سواء هي القوة أم السرعة أم التحمل أو أي غرض تريده (راجع مبدأ التحديد)، عليك أن تعطي نفسك وقتا وفيرا للراحة.

لقد كنت أعمل بعيدا عن الكتابة طوال عملي في الكتابة، ومن ثم لم يكن ذلك المبدأ جديدا بالنسبة لي. والإفراط في التمرين بدون الحصول على راحات كافية قد يؤدي إلى إصابات، وإنهاك مزمن، وألم. ولكنني لم أكن لاحظت من قبل هذا المبدأ ساريا بالنسبة للكتابة. ومثلما يحتاج الجسم للراحة، كذلك تحتاج إليها المقالة، والقصة، والفصل، والقصيدة، والكتاب، بل حتى الصفحة الواحدة.

في بعض الحالات، لا تكون الكتابة وحدها هي التي تحتاج للراحة القصيرة بل الكاتب أيضا. وأنا هنا أنقل عن دليل التدريب الصادر عن المجلس الوطني للقوة واللياقة، وهو من الكتب الدراسية التي كنا نستخدمها في برنامج التدريب الذي انضممت إليه. هنا يُعرَّف الإنهاك بـ "العجز عن الأداء برغم الحوافز الغذائية المستمرة (وما قد يطلق عليه لاعب كمال الأجسام العجز عن التمرين، هو ما قد نسميه نحن نضوب الكاتب).

ويمضي الدليل فيقول إنه "بازدياد معدل الإنهاك في وحدة المحرك، يصبح التأثير أكبر وأوضح، مما يؤدي إلى تناقص الأداء بما يتناسب مع مستوى الإنهاك. وفترات الراحة تمكِّن النسيج العامل من اجتناب الإنهاك لفترات زمنية طويلة. عبر فترات الراحة، يتسنى للنسيج العضي أن يعيد بناء احتياطات الطاقة لديه، ويصلح أي تلف ناجم عن إنتاج القوة، ويسترد مستويات ما قبل الإجهاد استردادا كاملا".

الترجمة: لا تعمل وأنت تتألم، لن يزيدك هذا إلا ألماً. أمهل نفسك وقتاً كافياً لتجديد الطاقة.

كم ينبغي أن تطول هذه الفترة؟ ما يصدق على النسيج العضلي يصدق على الأنسجة الإبداعية. وقاعدتي الذهبية في التمرين هي 2 إلى 1: في مقابل كل يومين من الأعمال القوية، يوم للراحة. غير أنه في "حالات المستويات العليا من المجهود"، وبحسب الدليل الذي بين يدي، قد تستغرق الراحة التامة وقتا أطول. وهذا ما حدث في حالتي. كنت أحتاج إلى راحة طويلة، طويلة للغاية.

ثم استيقظت ذات صباح، وقد خطر لي سطر. ثم لم ينسرب بمرور الوقت بل مكث. واتبعته كأنه طريق. وساقني إلى غيره، وإلى غيره، وسرعان ما بدأت القطع تصطف في رأسي، اصطفاف سيارات الأجرة الخاملة بجوار الرصيف، متأهبة للذهاب إلى حيثما شئت اصطحابها. ولم يكن اصطفاف الصفحات بتلك الطريقة هو الذي جعلني أدرك أن فترة عدم الكتابة انتهت بالنسبة لي. بل تبدل المنظور.

صرت أرى أن الكتابة لا تقاس بالصفحات مثلما لا يقاس الكاتب بحجم النشر. فلكي يكون المرء كاتبا عليه أن يلتزم تجاه المجهود الشاق، مثلما يلتزم المرء (لا سيما في كبره) تجاه الحفاظ على لياقته وصحته طالما أمكنه أن يجري. وهذا يعني بالنسبة لي أن يبقى المرء فاعلا من الناحيتين البدنية والإبداعية، ويبقى على فضوله واهتمامه بتعلم مهارات جديدة (وفور انتهائي من كتابة هذا المقال على سبيل المثال سأذهب إلى آخر دروس الغوص التي أتلقاها لأصبح غواصا مؤهلا)، ويعطي نفسه بالطبع الكثير من الوقت للراحة، ولتكن أياما أو حتى أسابيع. وأعرف أن الكاتب الذي بداخلي، شأن الرياضي الذي بداخلي، سيكون بهذه الطريقة أفضل حالا.

*كاتب المقال هو مؤلف كتاب "خبيرالتشريح: قصة تشريح غراي الحقيقية" و"شياطين المنام: سيرة مؤرق" وكان في وقته من أكثر الكتب مبيعا في أمريكا"، و"الجالونات الخمس: تاريخ شخصي وطبيعي للدم".

*عن نيويورك تايمز

التفسير النفسي لوحشية داعش

أغسطس 26, 2014 اضف تعليق


إيان روبرتسون*
ترجمة عصام عيدو**
26 آب 2014
«قطع الرؤوس والأفعال الشنيعة المتطرفة الأخرى تعتبر أفعالاً غير واردة أو لا يمكن تصورها وتصديقها، ولكن يمكن لخليط متماسك ومناسب من العوامل أن يساهم في تحول أي شخص إلى متطرف».
على الرغم من أن مقاتلي ’الدولة الإسلامية في العراق والشام‘ قاموا بذبح الآلاف وسبي النساء والأطفال، فإن الكثير من الغربيين يميلون لرؤية هذه الظاهرة كنُتوء فريد من نوعه في سياق الأصولية الإسلامية. فقد حصل أيضاً مجازر متعدّدة، منها اجتياح مدينة البوسنة في 11 تموز 1995 على أيدي القوات الصربية –المسيحية ظاهرياً– والتي ذبحت بدم بارد ثمانية آلاف مسلم فيما يعرف بمذبحة سربرنيتشا، والإبادة الجماعية التي قامت بها قبيلة هوتو ضد قبيلة توتسي في رواندا، والجريمة الجماعية التي قام بها الخمير الحمر ضد السكان الكمبوديين، والإبادة النازية لليهود والغجر والمعاقين، وقائمة الوحشية بقدر ما هي طويلة بقدر ما هي محبطة ومحزنة للغاية.
ولكن يبقى السؤال، ما هي جذور الوحشية إذا لم يكن بإمكاننا عزوها أو ربطها بدين واحد أو أيولوجيا واحدة معينة؟
1) الوحشية تستدعي الوحشية: ربما يكون الجزء الأول من الجواب بسيطاً بقدر ما هو مرعب، وهو أن نقول إن الوحشية تستدعي الوحشية. فثلاثية القسوة والعدوانية وانعدام التعاطف تُعدّ ردود فعل مشتركة من قبل الناس الذي عوملوا بشكل قاسٍ1. على سبيل المثال، كثير من السجانين القساة في المعتقلات النازية كانوا في السابق معتقلين في معتقلات كابوس Kapos السيء السمعة، وكذلك فإن الأطفال –وخاصة الذكور– الذين تعرّضوا لاعتداء جنسي يصبحون على الأرجح بدورهم معتدين جنسياً عندما يصلون سنّ البلوغ، هذا مع ملاحظة أن الغالبية ليست كذلك2. بتعبير آخر، فإن الضحايا غالباً ما يستجيبون للصدمة بأن يصبحوا هم أنفسهم جناةً معتدين.
2) الانغماس في الجماعة: لكن صيرورة الضحية مجرماً أو معتدياً لا تكفي أن تكون تفسيراً وحيداً للوحشية. فعندما تنهار الدولة بقانونها ونظامها ومجتمعها المدني، لن يكون هنالك إلا مصدر واحد للبقاء هو الجماعة، سواء كانت هذه الجماعة دينية أو عرقية أو سياسية أو قبلية أو عشائرية أو كانت –في هذا السياق– هيمنة بهيمية من قبل زعيم عصابة يستمدّ بقاءه من الأمن المتبادل الذي توفره الجماعة.
الحرب توثق علاقة الناس بجماعاتهم، وهذه العلاقة التوثيقية التي تقوم بها الحرب تسكِّن الخوف الجنوني وحجم المصيبة التي يشعر بها الفرد عندما تنهار الدولة. كما أنها توفّر تقديراً للذات لبعض الناس الذي يشعرون بالمهانة نتيجة فقدهم المكان والمكانة التي كانوا يتمتعون بها في مجتمع منظم نسبياً. وحينها فإن الهويات الجماعية والفردية تبدأ بالاندماج جزئياً، كما أن تصرفات الشخص تبدأ بالتماهي مع الجماعة لدرجة أن تصبح تعبيراً عن إرادة الجماعة بقدر ما هي تعبير عن إرادة الفرد. وعندما يحدث هذا، فإن بإمكان الناس أن يقوموا بأشياء مرعبة لم يكونوا ليتخيلوا أنفسهم سابقاً أن يقوموا بها لولا ما حدث، فبسبب اتحاد الفرد والجماعة طيلة استمرار التهديد الخارجي فإن الضمير الفردي لا يحتل إلا جزءاً صغيراً في الجماعة المنغمسة في الحرب. إنها الجماعات التي تكون مؤهَّلة للوحشية أكثر بكثير من أي فرد لوحده.
يمكن مشاهدة هذه الوحشية في وجوه مقاتلي ’الدولة الإسلامية‘ الشباب عندما يتسابقون على شاحناتهم، والتلويح بالرايات السوداء، والابتسامات العريضة على وجوههم، وقبضات الأيدي المرتفعة المشدودة، والابتهاج الناتج عن ذبح «الكفار» الذين لم يعتنقوا الإسلام، والذي نراه تقريباً عبارة عن خليط بيوكيميائي عالٍ ناتج عن خلط هرمون أوكسيتوسين oxytocin مع عينة أكبر من هرمون تِستوستِرون testosterone. هذه الخلطات الطبيعية تفعل فعلها أكثر بكثير من الكوكايين والكحول في قسم كبير من الجماعة، فهي تشحن المزاج الشامل للحالة التفاؤلية والتصرفات العدوانية الممتلئة بالطاقة. ولأن الهوية الفردية تنغمس بصورة عامة في هوية الجماعة، فإن الفرد سيكون على استعداد أكبر للتضحية بنفسه في المعركة أو التفجير الانتحاري لأجل ذلك. وما هذا إلا لأن انغماس الفرد في الجماعة يعطيه شعوراً باستمرار الحياة حتى لو مات هو كفرد.
عندما يندمج الناس ببعض، فإن مستويات الأوكسيتوسين ترتفع في الدم، وفي المقابل ستكون تداعيات هذا الارتفاع نزوعاً وقابلية أكبر لشيطنة وإذلال الجماعة المخالفة3. هذه المفارقة التي تقوم على نكران الذات الممنوحة للجماعة الموافقة تسهّل للفرد بشكل كبير تخدير تعاطفه وإحساسه بالجماعة المخالِفة التي يراها بناء على ذلك أشياء أو مجموعة من الأجسام المستهدفة. وعليه، فإن القيام بأفعال وحشية تجاه هذه الأشياء سيكون أمراً مستحسناً كونهم حيوانات أو غير بشر.
3) الجماعة المخالفة بوصفها أشياء: وهنا حقيقة مرعبة عندما نتأمل الصراع السنّي الشيعي في العراق والشام والذي يمكن تحليله بأنه تثبيت لقبلية الجماعة الموافِقة مقابل الكراهية التي تزداد ضدّ الجماعة المخالِفة، وذلك كله في سياق تحديد وتعريف ديني لكلا الطرفين المتنافرَين. حتى عندما يكون العنف تجاه المجموعات الأخرى تدميراً ذاتياً كما نشاهد بشكل مأساوي في الشرق الأوسط فإن الجماعات الدينية تؤيد وتدعم درجة من العدوان تجاه الجماعات المخالفة التي كانت غائبة في جماعات غير محددة دينياً4.
4) الثأر: ربما يلعب الثأر الذي يحتل قيمة كبرى في الثقافة العربية دوراً في إدامة الوحشية. وبالطبع فإن الثأر والانتقام للوحشية يجلب مزيداً من الوحشية في دوامة عنف غير متناهية. لكن في المقابل فإن هذا الثأر، على الرغم من أنه يشكل محفزاً قوياً، فإنه أيضاً مضلِّل ومخادع، لأن الدليل على تحقق الغاية من الثأر ضد أحدهم بعيد عن إزالة وتخفيف الحزن والغضب الذي ولَّده. إن الثأر في النهاية يديم الثأر ويمجده5.
5) القادة: ختاماً، سيقوم الناس بأفعال وحشية إذا أخبرهم قادتهم بأنها أفعال مقبولة ولا سيما إذا وهب هؤلاء الناس أنفسهم للجماعة نفسها. إن الإبادة الجماعية في رواندا بدأت شرارتها بسبب سلسلة من البرامج الإذاعية من قبل مجموعة صغيرة من القادة توجهوا بها إلى السكان، الذين شُحِنوا بدورهم بهذه البرامج وانخرطوا في جرائم وحشية ضد أصدقائهم وجيرانهم السابقين الذين كانوا من الجماعة المخالِفة. وكذلك الأمر في الاتحاد السوفييتي، نجد جنود جيش الاتحاد قاموا باغتصاب جماعي عندما غزوا ألمانيا سنة 1945 بناء على أوامر تلقَّوها من كبار القادة العسكريين. وفي سياق داعش، فإن مقاتلي ’الدولة الإسلامية‘ كذلك قاموا بذبح المسيحيين والإيزيديين غير المسلحين بناءً على توجيهات من قادتهم بأن ما يفعلونه أمر شرعي ومستحسن.
القادة، على اختلاف مستوياتهم وطبقاتهم بدءاً من القبيلة إلى الوطن، مسؤولون عن هذه الوحشية، وهم القادرون بالتالي على وقفها، وهذا ما شاهدناه في رواندا، فقد اختار القادة وضع حدّ لهذه الوحشية بعد الضغط الذي قام به المجتمع الدولي. لكن المعضلة كما رأينا تبقى قائمة عندما يمضي القادة بإثارة وتشجيع الوحشية وليس إزالتها أو تخفيفها. وحينها لا يمكن للبشرية التدخل أو الوقوف ضدها.
 …
*إيان روبرتسون، أستاذ علم النفس في كلية الثالوث Trinity في دبلين، ومدير مؤسس سابق لمؤسسة علم الأعصاب في الكلية.
**عصام عيدو، محاضر زائر في كلية اللاهوت، جامعة شيكاغو.
  1. لمعرفة المزيد عن هذه الثلاثية (بالإنكليزية): http://labs.uno.edu/developmental-psychopathology/ICU/Kimonis,%20Frick,%20Boris,%20Smike,_et_al.,_2006,_CU_high-risk_preschool_sample.pdf. []
  2. للمزيد حول هذا الموضوع (بالإنكليزية): http://bjp.rcpsych.org/content/179/6/482.full.pdf+html. []
  3. لمعرفة المزيد عن وظيفة هذه الهرمونا، مراجعة المقال التالي (بالإنكليزية): http://www.pnas.org/content/early/2011/01/06/1015316108.abstract. []
  4. للمزيد (بالإنكليزية أيضاً): http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/24264940. []
  5. للاطلاع أكثر عن التداعيات المتناقضة للثأر، هنا: http://www.colgate.edu/portaldata/imagegallerywww/184416d4-5863-4a3e-a73b-b2b6b86e7b60/ImageGallery/Carlsmith.Wilson.Gilbert2008.pdf. []
موق الجمهورية