الجهاد المتنقل: دور المقاتلين الشيشان في الصراع السوري

يوليو 31, 2014 اضف تعليق


شكل امتداد الصراع السوري وتشابكه، وتداخل أطراف خارجية بيئة محفزة لاستدعاء النموذج الأفغاني، إذ إن الصراع تم الترويج له لدى بعض الدوائر على أنه صراع إسلامي، ويحمل طابعا مذهبيا، ومن ثم تدفق على سوريا العديد من المقاتلين الأجانب لتصبح سوريا حلقة جديدة– مثلما كانت أفغانستان من قبل – في منظومة الجهاد العالمي، وهي الظاهرة التي استرعت انتباه مراكز الفكر والرأى الغربية في الآونة الاخيرة.
وفي هذا الصدد، يلقي جيدو ستينبرج Guido Steinberg من خلال مقاله المعنون بـ "قاعدة الشيشان: الجماعات القوقازية والمزيد من تدويل النضال السوري"– والمنشور من جانب المعهد الألماني للشئون الدولية والأمنية في يونيو 2014 – الضوء على المقاتلين الشيشان الموجودين داخل سوريا. ويسعي الكاتب إلى تقديم رؤية تجمع بين الجانب التاريخي، من خلال تتبع نشأة فكرة الجهاد الشيشاني، والجانب التحليلي عبر تقديم خريطة للمجموعات القوقازية المقاتلة داخل سوريا، وينتهي إلى توصيات لكيفية تعاطي الدول الأوروبية مع التهديد المحتمل الذي تمثله تلك المجموعات على المجتمعات الأوروبية.
نشأة الجهاد الشيشاني
يشير ستينبرج إلى أن فكرة الجهاد الشيشاني- وهو المصطلح الذي يستخدمه– ارتبطت تاريخياً بفكرة التحرر، حيث ظل الجهاديون الشيشان وغيرهم من القوقازيين لسنوات يسعون لتحرير إقليمهم من الحكم الروسي. فمع اندلاع الحرب الشيشانية الأولي، خلال الفترة من 1994 إلى 1996 ، بزغت فكرة الجهاد لتحرير الدولة، لاسيما أن القوميين الشيشان لم تكن لديهم القدرة على تحقيق الاستقلال منفردين، وهكذا تدفق المجاهدون على الشيشان باعتقاد راسخ بأن الجهاد أو النضال في القوقاز يعد جزءا من حرب مقدسة لتحرير إقليم مسلم يخضع لاحتلال روسي.
ومع انتهاء الحرب، تزايد الصراع على السلطة بين الرئيس المحسوب على القوى العلمانية القومية، أصلان مسخادوف، والتيارات الإسلامية بزعامة شامل باسييف، الذى كان يكتسب المزيد من النفوذ، خاصة أنه كان الأكثر تواصلاً مع المقاتلين الأجانب الذين وصلوا للشيشان للمشاركة في العمليات القتالية، وكان يتزعمهم السعودى ثامر السويلم، المعروف باسم خطاب. وخلال السنوات التالية، تمكن خطاب بمعاونة باسييف من تأسيس معسكرات لتدريب المقاتلين الشيشان والأجانب على السواء.
وأثناء الحرب الشيشانية الثانية التي اندلعت في 1999 وانتهت في عام 2002 تقريباً، باتت التيارات الإسلامية الجهادية هي التى تتصدر العمليات القتالية ضد القوات الروسية. بيد أن الحركات الجهادية تعرضت لانتكاسات شديدة، عقب مقتل خطاب وعدد من القيادات الأخرى. كما أن روسيا تمكنت منذ عام 2002 من تشديد القيود على العناصر الجهادية، وتجفيف منابع الدعم الخاصة بهم إلى حد كبير، وهذا الأمر أدى إلى تطورين شديدى الأهمية في فكر الجهاديين القوقازيين بوجه عام، أولهما أن العمليات العسكرية انتقلت إلي الدول الأخرى بالجوار ليصل الأمر إلى تنفيذ عمليات داخل روسيا نفسها، من أهمها حادث مسرح دبروفكا في موسكو فى أكتوبر 2002 ، وحادث مدرسة بيسلان بأوسيتيا الشمالة فى سبتمبر 2004.
أما التطور الآخر، فهو أن التيارات الجهادية في الإقليم منذ عام 2007 باتت منضوية تحت لواء تنظيم الإمارة الإسلامية في القوقاز، الذي هو بمنزلة تحالف فضفاض يتكون من جماعات محلية فردية، من أهمها جماعة داغستان. وقد نفذ التنظيم العديد من الهجمات على البنى التحتية، واستهدف رجال الأمن والقضاء وغيرهم بصورة شكلت تهديدا لجمهوريات منطقة القوقاز وروسيا.
خريطة التنظيمات القوقازية في سوريا
لا يمكن إغفال أن الضغوط التى تعرضت لها العناصر الجهادية في منطقة القوقاز أفضت إلى تحول في تفكير تلك العناصر، وتحولت إلى فكرة "الجهاد العالمي" الذى لا يقتصر على المشاركة في عمليات قتالية داخل القوقاز، ولكنه يمتد ليشمل أراضى أخرى. وهكذا، وجدت تلك العناصر في سوريا مقصدا رئيسيا لها. وعزز من هذا التوجه التحالف القائم بين نظام بشار الأسد وروسيا، حيث رأى الجهاديون الشيشان (القوقازيون بوجه عام) أن المشاركة في الحرب ضد النظام السوري يمكن أن تكون بمنزلة حرب غير مباشرة ضد موسكو.
ويذكر ستينبرج أن هناك تقديرات في مستهل عام 2014 تقول إن العدد الإجمالي للمقاتلين في سوريا يتراوح بين 80 ألفا و 100 ألف، منهم ما لا يقل عن ثمانية آلاف مقاتل أجنبي، وإن كانت بعض الجهات الأخرى تقدر المقاتلين الأجانب بـ 17 ألفا. أما الجهاديون، فيقدر عددهم من 10 آلاف إلى 30 ألفا. ويعد المقاتلون القوقازيون كبرى المجموعات غير العربية الموجودة في سوريا، ويترواح عددهم بين عدة مئات وصولاً إلى 1500 مقاتل.
ويرجع ستينبرج بدايات الظهور القوقازى في سوريا إلى منتصف عام 2012 ، وهو ما تزامن مع تحولات جوهرية في بنية حركة التمرد السورية، حيث تعززت وضعية التيارات الإسلامية الجهادية هناك، وتنامت معدلات وصول المقاتلين الأجانب إلى الداخل السوري. وفي السياق ذاته، كانت المعارضة السورية تعاني معضلة حقيقية تتمثل في غياب قيادة مركزية موحدة تضمن وحدة الهدف والتحرك، وسرعان ما حدث الانقسام بين التيارات المقاتلة في سوريا ليتطور إلى صراعات بينية.
وتعد العلاقة بين جبهة النصرة، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام نموذجا على هذه الصراعات. وبالرغم من أن كلا التنظيمين انبثق عن تنظيم القاعدة في العراق، فإن الصراع بينهما يحمل طابعا أيديولوجيا. ففي حين يتبني تنظيم الدولة الإسلامية أيديولوجية جهادية أكثر تطرفاً لا تتسامح مع أى انحراف عن العقيدة الجهادية السلفية، نجد أن جبهة النصرة تتجنب العنف غير الضرورى، وتتعاون مع مجموعات غير جهادية.
وقد كان لهذا الصراع بين جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية (الذى تطور لصدام مسلح) انعكاساته على المقاتلين القوقازيين بسوريا، حيث كان عليهم أن يفاضلوا بين كلا التنظيمين، خاصة أن أغلبهم (القوقازيين) ينشط في حلب وإدلب، وهما من المعاقل القوية للتنظيمين. وبوجه عام، تنطوى خريطة المقاتلين القوقازيين على أربعة تنظيمات (بحسب المقال) تتباين من حيث حجمها، وإن كانت جميعها تتسم بسمة مشتركة، هى التدريب الجيد على المعارك، فهى بمنزلة قوات النخبة في الحركة الجهادية بسوريا، وهى:
1) جيش المهاجرين والأنصار
يعد من أكثر التنظيمات القوقازية شهرة في سوريا، وكانت النواة الأولى لهذا التنظيم كتيبة المهاجرين التي ظهرت بشكل معلن في سبتمبر 2012 خلال القتال في حلب، ويقودها أبو عمر الشيشاني. وفي الشهور التالية، تم تأسيس جيش المهاجرين والأنصار، وظل أبو عمر قائد التنظيم، وتركزت عمليات التنظيم على الاستيلاء على قواعد الجيش النظامي السوري.
ومن أهم العمليات التي قام بها التنظيم، بالتعاون مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، الاستيلاء على القاعدة الجوية بميناغ في أغسطس 2013 ، وكانت هذه العملية المشتركة دليلا على التحالف بين أبى عمر الشيشاني وتنظيم الدولة الإسلامية، خاصة أن بعض التقارير أشارت إلي تعيين أبى عمر كأمير لمنطقة شمال سوريا بتنظيم الدولة الإسلامية.
2) تنظيم صلاح الدين الشيشاني
أثار التحالف بين أبى عمر الشيشاني وتنظيم الدولة الإسلامية حفيظة صلاح الدين الشيشاني الذى يعد من القادة المهمين في تنظيم أبى عمر، وهو ما دفعه إلى الانفصال، وتأسيس تنظيم منافس استخدم أيضاً مسمى "جيش المهاجرين والأنصار"، مع إضافة "الإمارة الإسلامية في القوقاز". وقد ذكر صلاح الدين الشيشاني حينها أنه ترك تنظيم أبى عمر لعدم توافق يمين الولاء لتنظيم الدولة الإسلامية مع يمينه السابقة لتنظيم الإمارة الإسلامية في القوقاز، وزعيمها دوكو عمروف.
ويضيف ستينبرج أن دعم دوكو عمروف لصلاح الدين الشيشاني أعطى لتنظيمه زخما كبيرا. فمنذ ربيع 2013 ، تحتفي المواقع الإلكترونية لتنظيم الإمارة الإسلامية بمشاركة القوقازيين في القتال بسوريا، والإعلان عن اختيار عمروف لصلاح الدين كممثل لتنظيم الإمارة الإسلامية في سوريا. وقد اختار صلاح الدين التعاون مع جبهة النصرة في تنفيذ العمليات القتالية ضد القوات النظامية.
3) تنظيم سيف الله الشيشاني
كان ثاني الانقسامات التي حدثت، إثر التحالف بين أبى عمر وتنظيم الدولة الإسلامية، خروج مجموعة بزعامة سيف الله الشيشاني الذي كان من القيادات الرئيسية المعاونة لأبى عمر الشيشاني. وتذهب بعض المصادر إلى أن الخلافات بين أبى عمر وسيف الله كان مردها التنافس الشخصي على النفوذ والقوة، فضلا عن اعتراض سيف الله على التطرف الذي يتصف به تنظيم الدولة الإسلامية.
وسعى تنظيم سيف الله الشيشاني إلى التمركز في منطقة حلب بالقرب من الحدود التركية، والتنسيق مع تنظيم جند الشام. ومع نهاية عام 2013، أقسم سيف الله بالولاء لجبهة النصرة، ولقي مصرعه في فبراير 2014 بعد معارك مع القوات النظامية ليخلفه في التنظيم محمد الخراساني الذى حافظ على الولاءات والتحالفات نفسها، سواء مع جبهة النصرة، أو جند الشام.
4) تنظيم جند الشام
يعد التنظيم الوحيد– على خلاف التنظيمات الثلاثة الأخرى – الذى حافظ على الاستقلالية، وابتعد عن شبكة التحالفات التي سعت إليها التنظيمات الأخرى، وإن كان هذا لم يمنعه من التعاون المتكرر مع جبهة النصرة والجبهة الإسلامية. ويدين تنظيم جند الشام بسمعته إلى حد كبير لقائده مسلم أبو وليد، الذي يمتلك خبرة قتالية كبيرة، ويحظى بسمعة جهادية متميزة اكتسبها من خدمته تحت إمرة القائد الجهادى الشهير خطاب أثناء حرب الشيشان الثانية.
وتتركز عمليات التنظيم في شمال محافظة اللاذقية في المنطقة الجبلية بالقرب من الحدود التركية، وقد شارك في عمليات هجومية على قرى علوية بالجبال الساحلية، بالإضافة إلى عمليات في حلب وضواحيها الشمالية، منها الهجوم على سجن حلب في مطلع شهر فبراير الماضي.
المأزق الأوروبي
يفترض ستينبرج أن التنظيمات القوقازية المشاركة في الحرب داخل سوريا ستشكل تهديدا مستقبليا للدول الأوروبية وتركيا، إذ إن العديد من العناصر المنضمة لتلك التنظيمات نشأت في الشتات خارج موطنها الأصلي عقب الحروب الشيشانية. صحيح أن نسبة كبيرة منهم انتقلت لسوريا من جورجيا وتركيا، ولكن هناك أيضاً نسبة لا يستهان بها انتقلت من داخل دول أوروبية مثل النمسا، وألمانيا، وفرنسا، وبلجيكا، والدول الإسكندنافية.
وفي هذا السياق، فإن استرجاع أرقام المقاتلين الأوربيين في سوريا يشير إلى تصدر النمسا القائمة، حيث إن أكثر من نصف المقاتلين (عددهم الإجمالي نحو 100 مقاتل) القادمين لسوريا من هذه الدولة من ذوى الأصول الشيشانية، كما انتقل من فرنسا نحو 80 مقاتلا من أصول قوقازية، وهناك أعداد أقل من بلجيكا، والدول الإسكندنافية، وألمانيا.
ويكمن التهديد المحتمل للدول الأوروبية في الخبرات القتالية التي سيكتسبها المقاتلون الشيشان (القوقازيون بوجه عام)، وأساليب حرب العصابات، وهو ما سيشكل تهديدا للأمن الداخلى للدول الأوروبية. كما أن القتال في سوريا سيتيح للجهاديين القوقازيين فرصة سانحة لإقامة شبكات اتصال عابرة للحدود الوطنية، يمكن أن تتطور لتستدعي التجربة الأفغانية إبان عقد الثمانينيات من القرن المنصرم، وما أفرزته من تكوين لتنظيم القاعدة، بيد أنه هذه المرة سيكون تنظيم القاعدة داخل أوروبا.
ويخلص الكاتب إلى ضرورة تبني الدول الأوروبية عددا من الإجراءات لمواجهة هذا التهديد المحتمل، منها التخطيط المشترك بين الأجهزة الأمنية الأوروبية لكيفية مواجهة هذا التهديد، والتنسيق مع تركيا، لاسيما أن الأراضي التركية تعد مصدرا لدعم المقاتلين الشيشان، وهو ما يتطلب إقناع القيادة السياسية التركية بحتمية تخفيض مستوى دعمها للتنظيمات الجهادية الشيشانية. وبالرغم من الخلافات السياسية بين الدول الأوروبية، وروسيا، ونظام بشار الأسد، فإن ستينبرج يتعاطي مع كلتا الدولتين من منظور براجماتي بحت، إذ إن المصلحة تحتم على الدول الأوروبية التواصل مع الطرفين. فمن ناحية، تمتلك روسيا خبرة طويلة في مواجهة الحركات الجهادية القوقازية بصورة يمكن أن تخدم الأجهزة الأمنية الأوروبية. ومن ناحية أخرى، لا يزال نظام بشار الأسد قادرا على تقديم معلومات عن العناصر الجهادية، تستفيد منها الدول الأوروبية.
جيدو ستينبرج
مجلة السياسة الدولية
محمد بسيونى عبد الحليم، باحث فى العلوم السياسية

نوستالجيا الزمن الناصري

يوليو 26, 2014 اضف تعليق

محمد الحجيري

صور عبد الناصر على واجهة المجلات وإن كانت قليلة فهي تؤرخ لمراحل مهمة في التاريخ العربي الحديث، ومن بين الصور التي انتشرت أخيراً وتبادلها هواة الإنترنت صورة نادرة تظهر عبدالناصر واقفاً في لحظة خشوع وحزن أمام قبر حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين. الصور التي احتلت غلاف مجلة «التحرير» في عددها الصادر يوم 16 فبراير 1954، وكان ثمن المجلة آنذاك 20 مليماً، تظهر الزعيم وسط حشود الإخوان أثناء الاحتفال بذكرى البنا، ومن خلفه ظهر الصاغ حسين سالم، وحسن الباقوري. وتظهر صورة أخرى «البكباشي» وهو ينصت لكلمة عبدالرحمن البنا يتحدث في ذكرى شقيقه. يُذكر أن عبد الناصر انقلب على الإخوان بمجرد تمكنه من السلطة.
مجلة «المصور» المصرية كان لها دورها في نشر صور لعبدالناصر، وهي الأكثر توفراً على صفحات الفيسبوك، وصورها تتعلق بلقاءات عبد الناصر السياسية مع زعماء عرب وأجانب، وهي قلما لجأت إلى التفنن في تصميم أغلفتها كأن مهمتها كانت نقل الخبر فحسب، وربما يكون أبرز غلفها ذلك الذي عنونته «ابن الشعب»، عبارة راجت بقوة في زمن الشعبويات.

مصر ناصر

كان عبد الناصر أكثر رؤساء مصر الذين تكرر ظهورهم بانفراد على غلاف مجله «تايم» الأميركية رغم أنه كان أكثرهم عداء للولايات المتحدة. كانت المرة الأولى في 26 سبتمبر 1955، حمل الغلاف آنذاك صورة لـ{البكباشي» بزيه العسكري ومن خلفه نقوش فرعونية. ثم كانت أزمة قناة السويس وإعلان عبد الناصر عن تأميمها في يوليو 1956 سببين كافيين ليظهر الرجل، الذي بدأ يتحدى أميركا والغرب ومصالحهما مجدداً على غلاف المجلة الأميركية بعد أشهر من هذا التاريخ. في 27 أغسطس 1956، وضعت المجلة على غلافها رسماً لناصر كان فيه أكثر سعادة عما كان عليه في الغلاف السابق، وأرفق بعبارة «ناصر مصر» ووراءه مجدداً نقوش للفراعنة مع وضع بندقية حديثة في يد أحد الجنود المرسوم في النقوش. وظهر للمرة الثالثة على غلاف «تايم» بعد الوحدة التي وقعها مع سورية عام 1958 وعلى خلفيته هذه المرة صورة علم مصر الأخضر تزينه النجوم الثلاث ولم يحمل الغلاف سوى كلمة «ناصر».
وعندما ظهر عبد الناصر مجدداً على غلاف المجلة في مارس 1963، لم يكن مبتسماً هذه المرة ولكن اختارت له «تايم» صورة جانبية وظلله أبو الهول على المنوال نفسه، واكتفت بعنوان من كلمتين: «مصر ناصر».
كانت المرة الأهم، التي ظهر فيها عبد الناصر على غلاف التايم في 16 مايو 1969، وكان العدد يحمل مقابلة مع ناصر في ظل حرب الاستنزاف، التي قامت بها مصر ضد إسرائيل بعد هزيمة 1967. كان البورتريه مختلفاً هذه المرة فأظهر ملامح جامدة وعينين تحملان إصراراً كبيراً.
بعد مدة قصيرة، وضعت «التايم» صورة عبد الناصر على غلافها، لكنها هذه المرة لم تتحدث عنه بل كانت تتناول مستقبل العالم العربي بعده، ففي الأول من أكتوبر 1970، اليوم الثالث لوفاته في 28 سبتمبر، خرج ستة ملايين مصري يشيعون عبد الناصر، في مشهد لم تعرفه مصر سابقاً. وبحسب مجلة «تايم»، لم تعرف القاهرة مثل مشهد جنازة عبد الناصر في تاريخها، وإن المشيعين كانوا مثل نهر من الحزن وهم يهتفون «لم يمت جمال عبد الناصر.. كلنا جمال عبد الناصر». وراح العالم يراقب بذهول وهو لا يصدق كيف يحزن شعب بهذ القدر على قائد مات بعدما سبب له أعظم كارثة سياسية في تاريخه الحديث، حين انهزمت جيوش ثلاث دول عربية أمام إسرائيل، ورحل ولا تزال إسرائيل تقبع على ضفة القناة وقد احتلت سيناء كلها وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان السورية، كيف ما زالت في قلوب هذا الشعب مشاعر الحب والتقدير لهذا القائد الذي سبب لهم كل هذا الخراب؟ سؤال ربما لا يفهمه الغرب حتى الآن.

«بوست»

إحدى الصور المميزة لعبدالناصر والتي شاهدناها من بين صور الأنتيكا، تلك التي رسمها الفنان الأميركي نورمان روكويل (1894 - 1978)، خصّيصاً لتُنشَر على غلاف مجلة «ساترداي إيفينينغ بوست»، بتاريخ 25 مايو عام 1963. هكذا كان مثقّفو الولايات المتحدة الأميركية يحتفون بشخص جمال عبد الناصر، في ذروة الفترة التي كانت بلادهم تناصبه العداء فيها سياسياً.
نورمان راكويل، الذي قال عنه عبد الناصر «رغم اختلافنا مع أميركا إلا أننا لن ننكر النباهة والنبوغ على فنانيها أمثال راكويل»، ينتمي إلى بقايا فن البورتريه الصحفي الجاد، كذلك نستطيع أن نصنف فنه على أنه جزء من فن الرسم التوضيحي الذي كان يصاحب معظم الكتب والمعارف. من هنا كانت المعادلة شديدة الاتزان في فن راكويل الذي كان مفعماً بالحيوية والإمتاع وكأنه جزء من مقطع قصصي أو روائي، بالتالي استمرت ريشته لخمسة وستين عاماً تغذي المطبوعات الأميركية سواء كانت صحفية أو غيرها.

زهير دبس... عشرة عبيد زغار

يوليو 25, 2014 اضف تعليق

لم تكن المسافة طويلة بين منزلنا ومنزل بيت عمّي حسن حيث كنّا «نحضر» مسلسل «عشرة عبيد زغار»، بل كانت عبارة عن «ممشى» صغير يفصل بين المنزلَين ولا يزال، لكنّ قطعها بعد انتهاء المسلسل ليلاً كان يتطلّب جهداً كبيراً وحبس أنفاس، خوفاً من أن يكون أنطوان ملتقى وزوجته لطيفة اللذان كانت شخصيّتهما ووجهاهما الأكثر تأثيراً ورعباً بين الشخصيّات الأخرى من شخصيّات المسلسل يتربّصان بنا. ولم يكن مسلسل الخوف لينتهي عند قطع المسافة القصيرة جدّاً والوصول إلى البيت والإيواء إلى الفراش، بل يستمرّ أحلاماً وكوابيس طيلة الليل. لكن لم يكن ذلك ليمنعنا من المثابرة على مشاهدة المسلسل، بل كان يعزّز الشوق لدينا لمشاهدته أكثر، فننتظر بفارغ الصبر الأسبوع ليأتي ويحين معه الموعد، فنتجمّع من جديد ونتحلّق أمام شاشة التلفزيون الذي كان يقف على قوائم خشبيّة ويغلّفه بيت خشبي أيضاً، والذي كانت تصنع له زوجة عمّي قماشاً مزخرفاً يليق به وبمكانته التي كانت تتوسّط غرفة الجلوس، حيث كانت تضع على سقفه التحف والمزهريّات تقديراً واهتماماً.
أمام إلحاحنا بتشغيل التلفزيون، يتقدّم عمّي فيزيح القماش عنه ويسحب جرّاره الخشبي، وما إن يكبس على زرّ التشغيل حتّى تنفرج أساريرنا وتبين ضحكاتنا فرحاً بمشاهدة البرامج التي كان يبدأ بثّها مساءً فقط وبالأبيض والأسود قبل أن تنتقل في ما بعد إلى الملوّن مع ألوان الـ «Pal» والـ «Secam».
لم يكن هناك من لوحات تحكّم (ريموت كونترول) تتنقّل بين المحطّات، بل كانت يد عمّي الخشنة التي لوّحتها الشمس وشقّقها تراب الأرض هي التي تدير ذلك المفتاح السحري الذي كان صوت تكتكته يُدخل الفرح إلى قلوبنا، متنقّلة بين قنوات تلفزيون لبنان 5 و11 اللتَين لم يكن من محطّات غيرهما، فتتمايل الصورة يميناً ويساراً، ويخشخش صوت التلفزيون، وعلى وقعهما كنّا نحبس أنفاسنا، لتعود الصورة ويستقرّ الصوت فنتنفّس الصعداء. ويبدأ الهرج والمرج وتتعالى الصيحات، ليقطعه صوت عمّي المرتفع بنبرته الحازمة «سمّعونا ياه»! فيبدأ المسلسل وتبدأ القلوب بالخفقان ويعمّ الصمت المكان، إلا من أصوات الممثّلين.
لا أدري لماذا احتلّ «عشرة عبيد زغار» هذا الحيّز من الذّاكرة وارتبط عرضه بحقبة زمنيّة كاملة. ولا أدري لماذا عرضه الآن بالألوان مذيّلاً بعبارة «من أجواء أغاتا كريستي» أثار هذا الجدل الواسع والنقد بين مَن شاهده بالأبيض والأسود بالأمس ويشاهده الآن وبنسخته الجديدة.
البعض رفض مشاهدته بنسخته الحاليّة بالرّغم من الأداء العالي لبعض الممثّلين مخافة أن تخدش هذه المشاهدة ذلك الحيّز الذي احتلّه المسلسل من الذاكرة. فمشهد «الدورسوار» وعليه التماثيل العشرة مترافقة مع الأغنية الخاصة بالعمل، إضافة إلى أداء كميل سلامة وسائر الممثلين، جميعها حفر في الذاكرة مشاهد لا تنسى.
لا أدري لماذا يصبح الخوف جميلاً عندما يرتبط بالذّاكرة ويحتلّ حيّزاً منها. الخوف بالأبيض والأسود يختلف عنه بالألوان، الخوف بالألوان لا لون له... كلّ شيء يختلف في الأبيض والأسود. أغاتا كريستي، العدالة، المجرمون، الوجوه، الديكور، نحن، خوفنا وكلّ شيء... إنّها النوستالجيا التي تحتضن كلّ شيء وتحوّله إلى «جميلاً».
«عشرة عبيد زغار» أغاتا كريستي بالأبيض والأسود، أبقى الذاكرة مكانها وثبّتها هناك عصيّة على اللون، ثبّتها هناك ونحن جزء منها بلا ألوان.. وجوهنا، ضحكاتنا وخوفنا بلا لون. سوى تلك الفكرة التي أرادت أغاتا كريستي أن تقنعنا بها وأن نذهب معها في تلك الرحلة المحفوفة بإشكاليّة معقّدة تحمل عناوين الجريمة والعقاب والعدالة الحتميّة التي لا مفرّ منها... عدالة أغاتا كريستي والمجرمون الذين كنّا نتعاطف معهم أحياناً ويمتدّ خوفهم إلينا لم تستمرّ طويلاً، فأتت الحرب وأطاحت بكلّ شيء، وحوّلت معها كلّ شيء إلى مسرح كبير، يُعرض عليه مسلسل مستمرّ من الجرائم المختلفة. مسرح لا يحتاج إلا إلى جزيرة ومركب ودعوات شوقي شاهين، وإلى صوت عمّي حسن صارخاً: «سمّعونا ياه»!!

ليدي غاغا أيقونة فنية وثقافية معاصرة- محمد حجيري

يوليو 23, 2014 اضف تعليق


احدى الظواهر الكتابية البارزة في العقود الأخيرة، أن بعضهم يلجأ الى «مزج» الفلسفة بالظواهر الفنية (ماريلين مونرو، مادونا، مايكل جاكسون، ليدي غاغا...)، أو الى فلسفة الظواهر الفنية نفسها في مواكبة للتحوّلات الحاصلة في المجتمعات والمدن والتكنولوجيا.

يلجأ الكاتب إلى هذه الطريقة في معالجة المواضيع، إما هروباً من النصوص الجامدة «المتصحّرة» التي لا يستطيع القارئ متابعتها، أو لشعوره بأن عليه تقديم جديد في زمن ما بعد الحداثة، خصوصاً أن الظواهر الفنية باتت شغل الجمهور الشاغل أكثر من القضايا الكبرى و{الثورية». على هذا، يكون تطعيم النصوص التأملية والفلسفية بالحديث عن ماريلين مونرو ومادونا أو جينيفر لوبيز وسيلة لإبقاء النصوص في دائرة الاهتمام والحياة، ولو لمدة وجيزة. ثانياً، تصبح الثقافة عبر هذه المعالجات أمام مشهد جديد وهو أن بعضهم يرفع ظواهر الميديا والكليبات إلى مقام الثقافة وينزل الثقافة – الفلسفة الى مقام الظواهر «الميديائية».

نصل إلى بيت القصيد، وهو أن نيكولا بَيجير أحد كتاب جريدة «ليبيراسيون» الفرنسية، كتب مقالاً عن النجمة ليدي غاغا، تُرجم الى العربية في أكثر من موقع وجريدة، إذ اعتبر أن ظاهرة غاغا تمثّل بالنسبة إلى عدد كبير من المراقبين النموذج الأسمى لحضارة تعرف عجزاً عن الإبداع، ظاهرة تجارية تراهن على نسيان موحد للجموع التي ترضع ما يستهلك ويُرمى. يسأل بَيجير، لكن هل هي فعلاً تمثّل تلك الحالة؟ ويجيب بأن ليدي غاغا تركب الموجة السائدة، باعتبارها كائناً يمثل تشخيصاً للمرحلة التي نعيشها، موجة سائدة تدرك كونها اختزالاً للأزمنة السابقة، ومزجاً ثقافياً متوحشاً وبلا حدود.

بالطبع، يضعنا هذا الاستنتاج أمام فكرة رئيسة هي أننا نعيش زمن «التحويل» أو «الرسلكة» سواء في الغناء أو الكتابة أو الأفكار أو الصناعات أو الموسيقى، وصولاً إلى القمامة. ففي الموسيقى، تقارب كبير في النوتات. وفي الكتابة، ثمة ما يشبه إعادة وضع الكلمات بأشكال مختلفة فيما يبقى المضمون نفسه ليكون القارئ أو الكاتب تحت رحمة «التناص» الأدبي والفكري بشكل مباشر أو غير مباشر. حتى في السينما، بات الشعار الراهن هو إعلان موتها.

ليدي غاغا تجسيد لكل شيء في زمن ما بعد الحداثة. يقول أحدهم: «لا أبالغ إن قلت بأن غاغا هي ظاهرة فنية وثقافية معاصرة، فهي تقدّم لنا عالماً من الأزياء والسينما والتصميم وغيرها من فنون مصاحبة لموسيقاها وأغانيها. فهي مثلاً أسَّست «بيت غاغا»
Haus of GaGa الذي يضم مجموعة من الفنانين والمصممين يعملون معها لإنتاج «الصورة» التي تقدّمها عبر أغانيها المصوّرة وحفلاتها وظهورها الإعلامي. يُذكر أيضاً أن حتى الإسم «غاغا» يذكّرنا بحركة
الـ «دادا» الفنية التي ظهرت في مقتبل القرن العشرين وشكّلت إحدى قواعد نهضة الفن الحديث، وحتى
Haus of GaGa مستوحى من اسم مدرسة الباوهاوس للفن الحرفي الحديث. والنافل أن ليدي غاغا استوحت اسمها من أغنية فريق الروك الشهير «كوين» التي حملت عنوان «راديو غاغا» وليصبح اسمها الدال على أغنيات غريبة التصوير والأزياء والكلمات والألحان أيضاً.

ليدي غاغا واسمها الأصلي ستيفاني جوان أنجلينا جيرمانوتا، وُلِدت في نيويورك عام 1986، تبدو في مؤشرات صعود نجوميتها وكأنها أيقونة الثقافة الأميركية الشعبية الجديدة، فإذا كانت مادونا أيقونة الثمانينات، وبريتني سبيرز وكريستينا أغيليرا تنافستا بقوة على اللقب في التسعينيات من القرن الماضي، فغاغا تبدو أقرب إلى اختصار فنانات اليوم، إذ يشعر الجمهور بأنها مقلَّدة من الجميع مع أنها ليست أكثر من استنساخ للماضي بأساليب جديدة، وهي من دون شك قلّدت مادونا الى درجة أصبحت نسخة أصلية في التقليد.

أكسسوارات

ليدي غاغا الشهيرة بأزيائها الغريبة وتسريحات الشعر الفاقعة اللون، وحتى الأكسسوارات الأكثر غرابة بما في ذلك النظارات المرصّعة بالأحجار الأصلية والمزيفة على حد سواء، تجتر أشياء سبق رؤيتها سواء في الأزياء أو الإطلالات، إذ تستنسخ نجوم البوب روك المعروفين بغرابتهم (مادونا، ماريلين مونسون، كريستينا أغيليرا أو بريتني سبيرز). أما في الأغاني، فقد اتُّهمت بالانتحال سنة 2009 من المغنية الإيرلندية روازين مورفي.

غاغا أيضاً إبنة مستثمر في الإنترنت، وحسب توم كورسون، نائب رئيس «إر سي أي ميوزيك» الذي سألته أخيراً الـ{وول ستريت جورنال»، فإن ليدي غاغا تمثّل حزمة وسائط متعدّدة كاملة. ففي الخامسة والعشرين من عمرها بنت المغنية الأميركية لنفسها دون غيرها مركز «ما بعد بعد الحداثة»، بل إنها تبقى أكثر ممثلاته وفاء.

قد يبدو غريباً الحديث عما بعد الحداثة، وعن صورة غاغا بالنسبة إلى بعض الفلاسفة الكلاسيكيين أو التقليديين. لكن في الواقع تبدو هذه النجمة هي النموذج والأمثولة لتفسير ظاهرة ما بعد الحداثة، وهي القشرة التي تعبّر عن الجوهر أو المضمون. ويعود حدث موت ما بعد الحداثة في الواقع إلى نهاية سنوات التسعينيات، هكذا وفي ظلّ مجتمع يخضع للاستهلاك المفرط ولندوب رقمنة المضامين، يرى الفيلسوف جان – فرانسوا ليوتار، أن ما بعد الحداثة هي مرحلة الطعن في روايات الماضي والحاضر.

عموماً، لم يتّفق المفكّرون بعد على تعريف واحد واضح لما بعد الحداثة، لكن الفكرة الأساسية وراء ذلك المفهوم تقوم على الاعتقاد بأن أساليب العالم الغربي في الرؤية والمعرفة والتعبير طرأ عليها في السنوات الأخيرة تغيّر جذري ناجم، غالباً، عن تقدّم هائل في وسائل الإعلام والاتصال والتواصل الجماهيري، وتطوّر نظم المعلومات في العالم ككل، ما ترتّب عليه حدوث تغيرات في اقتصاديات العالم الغربي التي تعتمد على التصنيع، وازدياد الميل إلى الانصراف عن هذا النمط من الحياة الاقتصادية، وظهور مجتمع وثقافة من نوع جديد.

ثمة فكرة جوهرية أخرى يعود إليها نيكولا بَيجير للحديث عن ظاهرة غاغا وهي مقالة للفيسلوف الألماني والتر بنيامين الذي اعتبر أن إعادة إنتاج العمل الفني تضيّع هالته بسبب فقدان الأصل. والحال، أن هذا الأمر ينطبق على غاغا أكثر من غيرها من المغنيات، فكأن الفيلسوف الألماني كان يكتب ليصفها في زمانه، ومع أن مجموعة أعمال بنيامين تتردد فيها أفكار ملهمة عن الحداثة بكل أوجهها، لكن من المحتمل أنه ما من عمل قد جذب انتباهاً أكثر من مقالته «العمل الفني في عصر إعادة الإنتاج الميكانيكي»، لا سيما في النقاش حول «ما بعد الحداثة». ومع أنها كُتبت بنبرة التحليل السياسي لإعادة إنتاج العمل الفني، لا سيما في عصر الأفلام والتصوير الفوتوغرافي وإمكان وصول الجماهير إليها، إلا أن بنيامين يقدّم في الواقع تحليلاً ذكياً لتغيير أساسي في نوعية العمل الفني الجمالية. فحالما تذوي هالة الأصالة المحيطة بالعمل الفني كونه قابلاً لإعادة إنتاجه، يتغير الإدارك الحسي وتتغير معه صيغة وجود الإنسانية بأكملها. كذلك، تجعل تقنية إعادة الإنتاج المواضيع الفنية أقرب الى الحضور الجماهيري. والأكثر من ذلك، تنشأ معكوسية معينة: أن العمل الفني الذي يعاد إنتاجه يؤدي الى كونه مصمماً لإمكان إعادة الإنتاج.

إلا أنه وفي عصر ما بعد – بعد الحداثة تحذف العينة الأصلية من الذاكرة وتبقى النسخ المطابقة للأصل عرضة لتأويل دائم في دورة تعود إلى نفسها بثبات. وهذا ما يحصل مع الليدي غاغا وهي النسخة، ولشدّة ما استُنسخت حلّت محل الأصل.

ليدي غاغا الظاهرة الغريبة، في كلماتها لا ترثي مشاعر الحب «السيئة» بحسب مزاج هذه الأيام، بل تمضي في مهمة «تبشيع» الأشكال السائدة اليوم عاطفياً، لكنها حتى وإن قاربت السخرية في أدائها للمشاعر المتداولة، إلا أنها لم تتخلّ عن خامة قوية في صوتها وبناء متين في سياق الكلمات حتى وإن جاء سياقاً غريباً، وهي أصبحت مادة للتدريس في مدارس الولايات المتحدة في مادة بعنوان «سوسيولوجيا الشهرة»، وهي على طريقة مادونا التي غنت قبالة صليب المسيح وأحدثت ضجة، فشنّت الكنيسة هجوماً عليها لأنها جسّدت شخصية «مريم المجدلية». كذلك، نجد نجوميتها «ضاربة» بقوة بين فئات من المجتمع، وإذا كان الكتّاب يستعملون ظاهرتها في سبيل تفسير فلسفي، فهي تكتب على يدها اليسرى بالألمانية عبارات من شعر الألماني راينر ماريا ريلكه الذي طالما قيل إنه شاعر الفلاسفة.

وبرأي أحد الكتّاب العرب، كي تستقيم عناصر اعتبار غاغا «أيقونة» الثقافة الشعبية الأميركية، لا بد من اكتمال الحشد الرقمي للشهرة، فهي الشخصية الوحيدة التي جمعت في صفحتها على الـ{فيسبوك» 10 ملايين معجب، متخطّية بذلك الرئيس باراك أوباما.




أحمد بيضون عن وجيه كوثراني"ذلك المقيم في تواريخه"...

يوليو 22, 2014 اضف تعليق



   شهادة قدمتُها للكتاب التكريمي الذي أشرفَت على إصداره باسكال لحود وصدَر في الشهر الماضي عن منشورات الجامعة الأنطونية تحت عنوان "وجيه كوثراني مؤرّخ البنى والتحوّلات".ا 

ذلك المقيم في تواريخه...
أحمد بيضون
أعرف وجيه كوثراني من نصف قرن تقريباً. كان، إذ ذاك، واحداً من الفتيان العامليين الذين أصبحوا بيارتة على نحوٍ لا رجوع فيه. هذا فيما كنت، شأنَ رفاق لي آخرين، لا أزال طريّ العود في البيرتة، ضعيف الأمل في استحقاق النسبة إلى بيروت ولو بالإعارة. فإن المستقرّ الرئيس لأهلي كان لا يزال البلدة العاملية التي جئت منها وإليها كان عليّ أن أعود. وأما وجيه ومعه أقرانه: حسن قبيسي وعفيف بيضون وأحمد بحسون وعادل مطر وناجي بيضون ونفرٌ من أضرابهم، فكان أهلهم قد استقرّوا، بين ثلاثينات القرن الماضي وخمسيناته، في العاصمة: أقدمهم عهداً في قلبها وأحدثهم نزولاً في ضاحيتها الشمالية.  وهو ما منحهم علينا، نحن الطارئين، امتياز الألفة للمدينة والمعرفة بمواضع فيها لا يرتادها إلا العارفون ونقبل عليها بصحبتهم إقبال الموعود بكشوف عظيمة.
وكانت العاملية، مدرسة الشيعة الأولى في بيروت، قد نسجت بين هؤلاء الفتيان أواصرَ لم يفصم بعضها إلا رحيل بعضهم عن الدنيا. وكان رشيد بيضون نائب بيروت الشيعي الذي لم يكن مهتماً بالفصل (ولا بمجرّد التمييز) بين زعامته السياسية ورئاسته الجمعية العاملية ومدارسها قد أقنع – بين من أقنع –  ذوي هؤلاء الفتيان، أو بعضهم في الأقلّ، بنقل قيدهم إلى بيروت لتعزيز الحضور الشيعي في العاصمة وللتصويت له كلما رشّح نفسه للنيابة عنها. وهو ما دأب على فعله ابتداءً من سنة 1947 بعدما نقل ترشيحه من الجنوب، وكان قد سبقه إلى الترشّح عن العاصمة شقيقه محمد سنة 1943.
كان وجيه كوثراني في صلب هذه الشلّة وكنت متطفلاً عليها تُقْتصر أوراق اعتمادي على انتسابي وبعض أفرادها إلى عائلة واحدة عريضة الانتشار. وعليه بقيت معرفتي بوجيه، في مطالع الستينات، مقصورة على ما يأذن به التقاطع بين علاقتينا بهذا أوذاك من معارفنا المشتركين. على أن هذه الحال تغيرت حين انضوينا، وجيه وحسن قبيسي وأنا، في جماعة "لبنان الاشتراكي"، مزمعين تجديد اليسار اللبناني، في أدنى تقدير، وتغيير العالم إذا أسعدَت الحال. وهذه كأس تجنّبها الآخرون من أفراد الشلّة العاملية وتجرّعناها نحن الثلاثة في أوقات متقاربة بين سنتي 1966 و1967. كان "لبنان الاشتراكي" بين ما كانه بيئة أنس ومودّة (قلبها تنافر الأمزجة أحياناً إلى نقيضهما). فكنّا نصل استمتاعنا بما نبذله من نشاط الدعوة والتثقيف السياسيين بجلسات وسهرات في المقاهي والبيوت وبرحلات، أحياناً، أحلّت محلّ الانتماء المدرسي الواحد أسباباً أخرى للصداقة.
وكان لزاماً أن يؤول تكرار هذه المناسبات، على أنواعها، إلى شدّ الأواصر بيني وبين وجيه وإن يكن بقي بيننا ثالث على الدوام: كان حسن قبيسي في معظم الأحيان وكان ناجي بيضون في كثير منها أيضاً. اشتدّت الأواصر إذن ولكن مناسبات اللقاء الحسّي بقيت على شيء من التبعية للوسيط: أي على شيء من التباعد بالنتيجة ولم تنتهِ إلى الانتظام الذي كانت تستحقه المودّة. وقد زاد من التقطّع اختلاف في الخيارات ما لبث أن ظهر في السياسة وفي الشبكة المهنية التي نسجها كلّ منّا لنفسه أو نسجتها له الظروف والفرص المتاحة. هكذا انتهينا إلى نوع من الصداقة قد لا يكون نادراً ولكن ماجَرَياته تدلّ على متانة نسيجه: وهو ذاك الذي لا يستدعي تعمّد اللقاء ولكنه يبدو باقياً على حاله، تجدّد ألَقَه حرارةٌ مستأنفة عند كلّ لقاء وكأن طول العهد بين لقاءين لا يبطل شيئاً ولا يعيد النظر في شيء.
سرّ هذه الديمومة السهلة التحصيل محفوظٌ عند وجيه، على الأرجح، ونصيبي ونصيب غيري منه قليلٌ أو غير حاسم. يكفي أن يكون وجيهٌ هو الطرف الآخر في العلاقة ليكون الأمر على هذه الشاكلة. فهذا الرجل يطوي جانحيه على كنزٍ من الطيبة يكسف كلّ خلاف وعلى ذخيرة من المودّة لا تستنفدها فرقة ولا فراق. ولهذا كلّه تعبير ظاهري ماثل في الخفر الذي يكسو طلعة وجيه وهو يجالس الغريب والقريب وينضح به صوته ولهجته وهو يتحدّث. فإن المصغي إليه يشعر أنه يغالب انخفاضاً أصليّاً في صوته حين يرفعه ويقهر صمتاً أصلياً كان مشدوداً إليه كلّما أخذ في الكلام. وهذه مغالبة للنفس تزكّي الألفة من جانب المحاور إذ تميل به إلى الاطمئنان وتستبعد اتّخاذه سلفاً طرفاً في المغالبة.

**

بمعنىً ما، أمضى وجيه كوثراني عمراً من البحث وموضوع بحثه وجيه كوثراني نفسه. وجد لهذه النفس هُويّات وملامحَ متزامنةً وأخرى متعاقبة.  وهو قد عُني بها كلّها فكرّس لكل منها كتاباً او أكثر ناهيك بالمقالات. ولم يكن التوالي الذي اعتمده لتناولها أمراً مقرّراً سلفاً بل كان يتبع تحرّك الباحث من انتساب فكري وانشغال نفسي-سياسي إلى آخر. فهذا مؤرّخ انتمى إلى مدارات بحثه تباعاً بما هو صاحب دورٍ فيها أو موجّه. فلم يكن اختياره لهذا أو ذاك من المدارات وملازمته إياه مدّة من الزمن،
انسياقاً وراء همّ فنيّ أو معرفيّ وحسب. وإنما كان، قبل ذلك، تلبية لدواعي الانتماء على الصورة التي كانت فيها هذه الدواعي تتقدّم في كلّ مرحلة.ا

ولكن هذا المؤرّخ واجه كلّاً من هذه المدارات لا على أنه مجال للتنزّه المطمئن بل على أنه بؤرةٌ متحرّكة لمشكلٍ أو لمشكلات. وبين مدارٍ ومدار، لم يكن التناول يبقى على سويّة واحدة من الإحكام أو من التبحّر أو من التعمّق. بل إن مسار هذا المؤلّف مسار نضج وتمكّن أيضاً يزدادان من كتابٍ إلى كتاب. ومردّ ذلك، فضلاً عن اكتناز الخبرات وطول المراس، إلى عناية من المؤرّخ راحت تزداد حضوراً بأصول صناعته. حتى ليمكن اعتبار هذه العناية أمراً يتجاوز تحسين الأداة إلى استواء صنعة التاريخ هويّة أخرى للمؤرّخ راحت ميزتها على سائر هوياته تزداد بروزاً على مرّ السنين إلى أن استوت بستاناً وارفاً يتعهّده المؤرّخ وتنتشر ثمرات تعهّده إلى بساتين هوياته الأخرى.ا

إلى الدأب الذي هو ديدن هذا المؤلّف، وهو يظهر، أكثرَ ما يكون الظهور، في اتساع قاعدة الموارد التي يستند إليها كل عمل من أعماله وفي المشقّة التي يقتضيها البحث عن بعضها، اتّسمت أعمال وجيه كوثراني بإقدام واضح في اختيار الموضوع وفي وجهة تناوله. ففي الاختيار لم يردعه تقليد يحصر فئة من الموضوعات بفئة من المؤرخين. وفي التناول لم يتوانَ عن الوقوف في وجه أطروحات كانت تبدو قويّة الشوكة، معنويةً كانت الشوكة أم مادية، إلى حدّ الإرهاب.ا

فمنذ أطروحته الأولى التي كرّسها لجبل لبنان في العهد العثماني الأخير، أصبح، وهو العامليّ،  واحداً من قلائل خرقوا الاحتكار الذي كان يولي أبناء الطائفة، بل أهالي المنطقة أو البلدة أيضاً، نوعاً من الحقّ الحصري في ماضي الطائفة أو المنطقة أو البلدة وحتى في حاضر هذه كلها. كان هذا العمل يجرّ ذيولاً "ماويّة" متحدّرةً من مرحلة في سيرة صاحبه موشكة على الانقضاء. وكان يفتتح همّاً "إسلامياً" ممزوجاً بشواغل التحرر القومي والدولة الوطنية هو ما وسم المرحلة اللاحقة من السيرة نفسها.ا

وحين أصبح الهمّ الإسلامي غالباً، إذ بانت ملامح الحقبة التي اتّخذت عنوان "الصحوة الإسلامية" وبدا الفرع الشيعي منها آخذاً في التصدّر مع استقرار النظام الذي أثمرته الثورة الإيرانية، بقي وجيه كوثراني على مزاجه الجدلي يعاند الطرح الغالب، وهو إذّاك وبعدذاك، طرح الغالبين. وقد تجسّد هذا المزاج، على الخصوص، في كتابين فصل بينهما أزيد من عقد ونصف عقد. الأوّل منهما، وهو الفقيه والسلطان، بدا الشاغل الراهن فيه مستتراً وراء بحث تاريخي مقارن تناول تجربتين متعاصرتين بات يفصلنا عنهما فاصل زمني جسيم هما الدولة العثمانية ودولة إيران الصفوية  ثم القاجارية. ويخلص هذا الكتاب إلى عبرة هي تقارب الفقهين السياسيين السني والشيعي في مرحلة الإصلاح الدستوري بعد أن تباعدا، مسايرَيْن الصراع بين الدولتين، في ظلّ الاستبداد. وهو، بتناوله العلاقة بين الفقه والسلطة في إيران، يوغل في أرض قلّ أن طرقها المؤرخون العرب. فإن القرون العثمانية مفروضة على انتباه هؤلاء بحكم اشتمال الدولة العلية على ولايات عربية تستوي أفقاً غالباً على ذاك الانتباه. وأما الإلمام بالصراع بين تلك الدولة وبين الدولة الإيرانية وبما جريات الصراع في هذه الأخيرة نفسها فبقي مثارَ حذرٍ عند المؤرخين العرب هو الحذر من التوغّل في قارّة غريبة. ذاك حذر كان وجيه كوثراني أيضاً واحداً من قلّة راحت تتجاوزه. ولعل هذا الاقتحام كان قد أصبح لزاماً على هؤلاء ليقابل اقتحام إيران المسرح العربي في غدوات الثورة الخمينية بشدّته المعلومة.ا

هذا الاقتحام يستثير من جانب كوثراني تناولاً صريح الصفة السجالية في الثاني من الكتابين اللذين ننوّه بهما هنا وهو يواجه ما بين "ولاية الفقيه" الذائعة الصيت وما يسميه "فقه الإصلاح الشيعي". وهو يجد هذا الفقه على مقربة منه عند الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي كان كوثراني قريباً إليه لسنوات كثيرة، ولكنه يبحث عن تجلياته أيضاً في الفكر الشيعي الإيراني نفسه فضلاً عن جهود متمادية، في المضمار نفسه، بذلها فقهاء لبنانيون أحدهم لبناني-إيراني في الواقع وهو موسى الصدر. يبرز هذا الكتاب تعدّد السبل التي وجدها فقهاء الإمامية مفضية إلى الإصلاح وتعذّر اختزالها في واحد هو المنطلق من الأطروحة التي استعادها الخميني ووسّع نطاقها وهي القائلة بـ"ولاية الفقيه العامّة".ا

في هذا السجال وفي غيره ينحاز وجيه كوثراني إلى مزاج كان منتشراً في ما يتعدّى الطرح الفقهي بل في مواجهة الإطباق الديني، المتفاقم في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته، على مثالي السلطة والمجتمع. هذا المزاج هو الذي يجد مفاتيحه في مبادئ "المواطنة" و"الديمقراطية" وما راح يسمّى "الدولة المدنية". هذا المصطلح الأخير هو الذي تدرّج نحو اعتماده، في مجال الفقه السياسي، فكرٌ إصلاحيّ بعينه معارضٌ، على الخصوص، لنموذج السلطة الجديد الذي استقرّ في إيران وراحت تبشّر به "الأممية" الشيعية بصيغتها الخمينية. وفي صدارة هذا التيار الإصلاحي أيضاً، وقد جهد وجيه كوثراني في التأسيس التاريخي له، كانت ماثلة، في مضمار الاجتهاد الفقهي، صورة محمد مهدي شمس الدين.ا

وقد يصحّ القول أن هذا الشاغل الجديد يمثل انعطافاً بيّناً في المسار الكوثراني الذي كانت السيطرة الغربية ومواجهة الشرق الإسلامي لها، بمفكّريه المختلفين وبجماعاته المتنافرة معاً، أليفة لمعظم محطّاته الأولى. تلك مرحلة اشتغل كوثراني فيها بأعمال رشيد رضا وما شهده "المؤتمر العربي" في باريس سنة 1913 من خطب وما أسفر عنه من مقررات، إلخ. وكانت "الدولة الوطنية" هي المتصدرة في مدونات كوثراني خلال تلك المرحلة تقابلها "الدولة السلطانية" الآيلة للسقوط. على أن الانعطاف اللاحق إلى النظام "الديمقراطي" أو "الدولة المدنية" ومتفرّعاتهما ليس، بأي حال انقطاعاً عمّا سبق. ولا ينبغي أن يُعدّ الانشغال بمحسن الأمين أو بمحمّد جواد مغنية وموسى الصدر أو بعبد الكريم سرّوش هجراناً للكواكبي أو لرشيد رضا أو لمحمد كرد علي. وإنما هو استحواذ المثال الإسلامي للمجتمع على الدولة على ساحة كان يتصدرها مثال "الدولة الوطنية" وهمّ "التحرّر القومي". وهو، على الأخصّ، بقاء كوثراني، وهو المؤرخ الراسخ القدم في التاريخ، راسخ القدم أيضاً في الحاضر، منخرطاً، مباشرةً أو مداورةً، في صيغة السجال الذي تستدعيه همومه.ا

ساق كوثراني بعصاً واحدةٍ هوياته الكثيرة: عروبتَه وإسلامه وتشيعه ولبنانيته وشاميّته وانتماءه إلى ضعفاء العالم وعثمانيته وحداثته المدنية أو الديمقراطية وحرفته التاريخية. وكانت تبتعد عنه حيناً شاةٌ من هذا القطيع وكان يولي عنايته أخرى يراها محتاجة إلى العناية قبل أن يستعيد إليه التي ابتعدت. وقد أشرتُ إلى ما لازم سيرته من إكباب على إتقان حرفة المؤرّخ: على تعلّمها وعلى تعليمها. وقد يكون أبرز أقرانه العرب في هذا المضمار منذ أسد رستم. وقد تجاوز هذا الأخير بشوط واسع إلماماً بما جاء به الأعاجم والأعارب في نظرية التاريخ وأصول الصناعة التاريخية نظراً وتطبيقاً. وهو قد اشتمل في عيّنته على معاصرين له مجدّدين لم يكن لرستم أن يعرفهم بطبيعة الحال. ولكنه نبش من بين قدماء المسلمين أيضاً وجوهاً مؤرِّخة أو مهتمة بأصول الصناعة التاريخية لم يفطن إلى أهميتها رستم. هكذا بدا كتابه الأخير تأريخ التاريخ، وهو متابعة وخلاصة لجهود سابقة، هديّة إلى الناشئة المؤرّخة، على التخصيص، ولكن إلى شيوخ المهنة أيضاً. فإن في هذا الميدان، لا ريب، كثيراً ممّا يفوت الممارس الالتفات إليه أو استخلاصه من خبرته. وميزة كوثراني أنه ظلّ، فيما هو لا ينفكّ يمارس وينتج، يتعلّم بدأبٍ قواعد الممارسة والإنتاج ويستقصي آفاق الخيارات التي يأخذ منها كلّ مؤرّخ ما يأخذ ويترك ما يترك. وها هو يقدّم في كتابٍ حصائلَ عمرٍ من التعلّم ومن الممارسة ومن التأمّل في الممارسة والتعلّم أيضاً.ا


**

كثيراً ما ساورني تحفّظ أو ارتياب وأنا أقرأ كتاباً أو مقالة لوجيه كوثراني. وكان مصدر التحفّظ أو الارتياب، على الدوام، اختلافاً بيننا في منطلقات وخياراتٍ عامّة. وقد أفضيت، قبل عقود، برأيٍ نقديّ منشور في كتاب وجيه الأوّل. على أننا تغيّرنا كثيراً – لحسن الحظّ – وجيه وأنا، ونحن نعاني وننظر ونشهد. وأشعر اليوم (من غير تحقيق أزعم إجراءه) أننا تقاربنا، من جديد، في الفكر، على غرار ما كانت حالنا في ماضٍ بات سحيقاً. وبهذا التقارب وبدونه أشعر بسعادة خاصة إذ تجاور بلاطتي الأنطونية بلاطةٌ لوجيه. عسى ان ينتشر في البلاط دفءُ صداقة لم تفتر يوماً.ا

مرحباً يا وجيه!ا

بيروت في أوائل آذار 2014

عماد فؤاد: سبع قصائد... وعلامة تعجُّب

يوليو 20, 2014 اضف تعليق
الحصار

ما يحيِّرني
ليس الرَّجلُ الذي ظلَّ صامدًا بين الأسوارِ
تحيطُه الجثثُ ورائحةُ الموتِ من كلِّ ناحيةٍ
ليس الرَّجلُ الذي اتّخذَ من جوعِه سندًا
ومن قلبِه درعًا
ما يحيِّرني
ليست السِّهامُ التي ما تكفُّ عن الطَّيرانِ عاليًا
قبل أن تسقطَ كلُّها في الموضعِ نفسِه
من قلبِه
حتى إنّ السِّهامَ الجديدةَ تضطرُّ إلى أن تفلقَ القديمةَ
كي تنغرسَ عميقًا في النُّقطةِ ذاتِها
من قلبِ قلبِه..
ما يحيِّرني
ليس قلبُه
قبضةُ اليدِ النَّابضةِ التي ظننتُ في البدايةِ
أنَّ السِّهامَ القادمةَ من علٍ
ستفتِّتُه تمامًا
وتجعلَ منه مصفاةً مخرَّمةً
أو تحطِّمُه إلى ألفِ قطعةٍ
ما يحيِّرُني
هم هؤلاء
الذين يربضونَ خلفَ الأسوارِ بصبرٍ
لا ينقصُ ولا يكلُّ
يفتحون أقواسَهم الواسعةَ
ويثبِّتون سهامَهم فيها
ثم يطلقونَها بعينينِ مفتوحتينِ على اتّساعِهما في الشمسِ الحارقةِ
كيف كانوا يصوِّبون بحقِّ اللهِ
وهم لا يرونَ شيئًا من الرَّجلِ القابعِ خلفَ الأسوارِ
كيف عرفوا موضعَ القلبِ
كي يجعلوا سهامَهم
تسقطُ هكذا
طوالَ الوقتِ
في النُّقطةِ
ذاتِها؟!


تسامح


الصَّائدُ الذي كان يتباهى بسرعتِه في اقتناصِ الفرائسِ
الذي لم تضنَّ عليه الحيلةُ باللامعِ والجديدِ والمبتكر
الجالسُ الآن في الرُّكنِ يمسحُ ضوءَ عينيه من مياهٍ غامضةٍ
كبرَ...
لم تعد سرعتُه كافيةً لمباغتِة الضَّحايا الجددِ
صغيراتِ السِّنِ وبريئاتٍ
لكنَّهن يملكن فطنةَ الحرصِ
يحتمين من فخاخِه وأسلحتُهنَّ مخبّأةٌ في الملابسِ
لا يملكن خبرةَ الهروبِ من شباكِه
فهنَّ - أصلاً - لا يقتربنَ منها
لكنَّهنَّ رحيماتٌ به
يدعنه - رغمَ ذلك -
يمرُّ جوارهنَّ في سلامٍ

الصَّائدُ
الذي كان يتباهى بسرعتِه في اقتناصِ الفرائسِ
أصبحَ متسامحًا
بل وامتلكَ بعد كلِّ هذه السِّنين
ابتسامةً راضيةً
بعد كلِّ هزيمةٍ.


رحيق

وأقولُ: يا آدم..
فتطير الفراشات تاركةً للنَّحل مُهمَّة الرَّحيق
ويُزهرُ الصَّبارُ العنيد في الشُّقوقِ

وأقولُ: يا إيليا..
فيتبسَّم الرَّبُّ في الأعالي
وتعود الفراشات برحيقٍ غامضٍ
لتحطَّ على يديّ.


طاعة

محجَّبةٌ
كلَّما ضربَها هواءُ الصُّبحِ
تكورتْ حبَّتا كرزٍ صغيرتانِ
تحت سوتيانها الرَّقيقِ
كأنَّ حبيبها البعيد
همَّ بمدِّ أصابعه النَّحيلةِ
أو حتّى
اكتفى بالنَّظرْ.


!

تحبُّه
ويحبُّها
....
........

لكنَّها
....
........

جعلتْ له
في كلِّ عاصمةٍ
عشيقة!


وقلت إذا...


وكنتُ إذا استدرتُ أراها، وإذا أغمضتُ عينيَّ أراها، وكنتُ إذا سرتُ يمينًا أو يسارًا أو نزلتُ أو صعدتُ أو جلستُ أو وقفتُ أو رميتُ نفسي من الطَّابق العشرين أراها، وقلتُ إذا استطعتُ أن أغمضَ عينيَّ وأتجاهلَ رقودَها عاريةً على كنبةِ الصَّالون أمامي، وإذا نسيت أنَّ لي أنفًا يشمُّ رائحتها، وإذا نسيتُ أنَّ لي يدين تستطيعان تجاهلَ نهديها الملفوفين أمام عينيَّ الآن غافيين في سوتيانها الأسود، وإذا نسيت أنَّ لي عشرة أصابعَ تستطيعُ أن تتجاهل خصلاتِ شعرها المحلولِ، وأنَّ لي لسانًا يقدرُ أن يتناسى طعمَ لسانِها ملفوفًا وساخنًا ومحمومًا، وإذا انشغلتُ بالتَّدخين.. سيجارةٌ تُشعل من أخرى، وإذا أعميتُ قلبيَ النَّابضَ أمامها الآن بغشاوةِ الخمرِ والنَّبيذِ والكحولِ والمارجوانا
فسوف تختفي من أمامي
ستصبحُ كنبةِ الصَّالون فارغةً وخاليةً
كي أتمدَّد أو أتعرَّى أو أتقلَّبَ أو أنكمشَ أو أقفزَ من فوقها على البلاط
لأرجع هذا الصَّبيَّ البريءَ من دمها
هذا الطفلَ الذي يجري فيسقطُ
فيقومُ فيجري فيسقطُ
لاهيًا عن يوم سيجلسُ فيه جلستي هذه
أمام جثَّةِ امرأةٍ تحتلُّ كنبةَ صالونِه الوحيدةِ
يدورُ حولها
وهْي ترمقُه كذئبةٍ ميتةٍ
بعينينِ نصفَ مفتوحتين.


قَسَم


... والتَّفاصيلُ
... والأشياءُ تتراكم فوق بعضها البعض
... والذِّكريات
... وقُبَلٌ لا تعدُّ ولا تحصى
... ودموعٌ جفَّفتْها مناديلُ الوحدةِ مرَّة
    ونسيتها مناديلُ الرَّحمةِ مرَّات
... وألفُ مشاجرةٍ
... وألفُ مصالحةٍ ملفَّقةٍ لأجل عناقٍ يطولُ أو يقصرْ
... ورجلٌ يغادرُ في الضَّبابِ
... وامرأةٌ تتلاشى في الوضوحِ
... ما من لغةٍ يا أبجديّةْ
... وما من أبجديّةٍ
    يا لسان.


وردة

أنا الرَّسولةُ
أوراقي نديّةٌ كي أقولَ إنَّني أنعمُ من خدِّ الحبيبةِ
وأشواكي حادةٌ تنغرسُ في الأناملِ
كي أحميَ نفسي من هشاشةِ نفسي

الرَّسولةُ أنا
يزرعونني في البساتينِ كي أنفثَ العطرَ
أُلقى على الجثثِ وفوقَ القبورِ
تُفرَطُ أوراقي فوق ماءِ الجميلةِ
قبل أن تتحمَّمَ
ويقطفونني في الموتِ وفي المحبَّة.


أنا الرَّسولةُ
نديّةٌ في الأصابعِ
ومجفَّفةٌ ومنسيةٌ
بين صفحاتِ الكتبْ.



شاعر مصري مقيم في بلجيكا
http://www.emadfouad.com

حرب التشيّع بين الفرس والعرب

يوليو 19, 2014 اضف تعليق


رامي زيدان
19 تموز 2014 النهار
ثمة موضوع لافت ومثير للجدل يتم تناوله منذ عقود، وقد زادت وتيرته في الأعوام القليلة الماضية، يتعلق بالتشيع العربي والتشيع الفارسي، أصلهما وفصلهما. من خلال تقصّينا مجموعة من العناوين الصادرة حول هذا الموضع الشائك وتبحّرنا بين سطورها، ربما نتوصل الى ضوء في نفق الأزمة الشرقية. في الواجهة اليوم كتب، من مثل "التشيع السياسي والتشيع الديني" للعراقي أحمد الكاتب، "التشيع العربي والتشيع الفارسي" للعراقي نبيل الحيدري، وقبلهما كتاب "التشيع العلوي والتشيع الفارسي" للمفكر الإيراني علي شريعتي (1933 – 1977). ترتبط هذه الكتب بدراسات أخرى كثيرة تتناول هذا الموضوع الشائك.
القضية الملحة في جانب من هذه الكتب، لا تتعلق بالفقه الديني بل بالبعد القومي والشوفيني والعنصري للتشيع الفارسي، وليس أدل على ذلك من صورة العربي في الأدب القومي الفارسي. مراجعة كتاب "صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث"، تأليف الباحثة الأميركية جويا بلندل، تعطي لمحة عن صورة العرب لدى الايرانيين، فالكتاب يرصد صعود النزعة القومية الايرانية في إيران 1921 - 1979، التي تعتبر أن الاسلام والعرب من أسباب التخلف الايراني، وأنهما يتحملان مسؤولية تدهور الحضارة الفارسية. وقد برز أثر هذه الشوفينية القومية في مرحلة الثورة الخمينية، التي جاءت ببعد ديني ولا تخلو من عصبية قومية. صورة العربي هي دائماً ذلك الهمجي آكل السحالي والحافي القدمين في الصحراء.
يبدو أن النص الديني والفقهي لبعض رجال الدين الفرس أشد فتكا وشناعة في التصوير المتخيل والمختلق لبعض الشخصيات الدينية العربية أو الاسلامية، وخصوصاً عمر بن الخطاب وأبا بكر الصديق وعائشة زوجة النبي. ربما هي لعبة الانتقام من التاريخ بسبب هزيمة الفرس يوماً ما أمام العرب، وهذا ما يبيّنه بقوة كتاب نبيل الحيدري عن "التشيع العربي والتشيع الفارسي".
من يقرأ الكتب التي ذكرناها، لا بد أن يستنبط أصل الصورة المضطربة للجماعات والفرق الدينية الاسلامية في الشرق الأوسط، ولا بد أن يكتشف أصل البلاء وفصله. ما يجمع بين الكتب الثلاثة التي ذكرناها، أن مؤلفيها هم مفكرون وباحثون شيعة، لم يأخذوا على عاتقهم تفسير التشيع و"طبقاته" كما يقول ابن سعد، بل بحثوا في أطر توظيف التشيع في الشأن العام ودوره في مآل "الأمة الاسلامية" و"العربية". فعلي شريعتي وهو مفكر بارز قتل على يد مخابرات الشاه في أميركا عام 1977، حاول عشية الثورة الإيرانية، أن يقرأ التراث قراءة حية ويوظفه في خدمة "المشروع الإسلامي"، فألقى الضوء على نموذجين من التشيع أطلق على أحدهما "التشيع العلوي" وعلى الآخر "التشيع الصفوي"، وانتقد السلبيات التي كان يعانيها المجتمع الإيراني والمجتمعات الشيعية الأخرى، داعياً إلى الإقتداء بنموذج التشيع العلوي "المفعم بروح الوحدة والعدالة والثورة". لكن شريعتي بحسب الباحث العراقي أحمد الكاتب، لم يركز كثيراً على دراسة منشأ الانحراف في الحركة الشيعية التاريخية، وإنما حاول الالتفاف على بعض الخرافات والأساطير المتسربة في الفكر التراثي الشيعي. لم يبحث في أصل موضوع الإثني عشرية، وإنما حاول الالتفاف عليه بالدعوة الى الشورى في مرحلة غيبة الإمام الثاني عشر الكبرى. ولم يبحث شريعتي في أصل فرضية وجود الإمام الثاني عشر المسؤولة عن "تخدير الشيعة ومنعهم من المشاركة السياسية، وانتظار التغيير من السماء، وانما قام بالالتفاف عليها بتقديم تفسير جديد لمعنى الانتظار هو الانتظار الإيجابي الذي يعني العمل والثورة تمهيداً لخروج المهدي". والحال أن من يقرأ الطقوس والروايات التي يوردها المؤلف يحسب أن الاصل الديني ضاع في متاهة الفرق والغلاة والمتطرفين.
ماذا فعل علي شريعتي؟
حاول علي شريعتي وهو الشخصية المثيرة للجدل والمؤثرة في الكثير من المثقفين الذين يمزجون الاسلام باليسار، أن يقدم خلطة ثقافية دينية اسلامية تخرق الطقوس القومية الفارسية وتقترب من العرب، لكنه حورب من كل الجهات. ترحَّم على عمر بن الخطاب، ووصفه بالعدل؛ فأغضب غلاة الشيعة الذين نعتوه بالوهّابي المتسنِّن، وكان متأثرًا بالفكر الماركسي، ومنظّرًا عن العدالة الاجتماعية؛ فنعته آية الله الكوراني بالثوري الشيوعي المتغرِّب. وقد أثار كتابه "التشيع العلوي" جدلاً كبيراً في إيران وتحركت ضده سلطة الفقهاء لتصدر الفتاوى بتكفيره، لأثره النقدي والتحليلي والواقعي الذي هزّ مضاجعهم وهدد سلطتهم وسطوتهم. لا نريد الدخول في تفاصيل افكار شريعتي فهي كثيرة، لكن علينا التأمل قليلاً في ما أورده في كتابه "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"، الذي أفاض فيه في إلقاء الضوء على تسييس الدين - التشيع نموذجًا- الذي تم على يد الصفويين في إيران كجزء من لعبة كبرى أرادت رفع شعار آل البيت في مواجهة المد العثماني السني، ولم تجد خيرًا من رفع سلاح الدين المسيّس كذريعة لتوحيد الفرس خلفها، وإضفاء صبغة قومية عليه! يلاحظ شريعتي أنه في مقابل "التشيع الصفوي" كان "التسنن الأموي"، وهما وجهان لعملة واحدة. فالتسنن الأموي يستغل عنوان المذهب السني لإمرار المخططات الرامية لفرض الهيمنة على مقدرات الشعوب، وتبرير أعمال السلاطين. "التشيع الصفوي" وقرينه "التسنن الأموي"، كلاهما مذهب اختلاف وشقاق؛ الحقد والضغينة من خصائصهما، يمثلان الإسلام الرسمي، وكلاهما دين حكومي، الأول لتبرير الحكم الصفوي والثاني لتبرير الوجود الأموي في موقع الخلافة. نظرة فيها الكثير من الدقة إلى الواقع المرير الذي نعيشه، وتشخيص مسبق لأنظمة تهلك شعوبها في سبيل مصالحها. كان شريعتي خارقا للتابوات القومية، لكن السؤال: لو بقي علي شريعتي حياً الى ما بعد الثورة الخمينية، ماذا كان ليكتب عنها؟ هل يتوافق مع ثقافة "الولي الفقيه"؟ النافل أن معظم المثقفين الذي ساندوا الخميني تعرضوا للتهميش والنفي والاعدام. فالخميني الذي كان محاطاً بالمثقفين في باريس، عاد الى قم واصبح محاطاً برجال الدين والملالي. امام هذا المشهد ماذا يبقى لشريعتي؟ ربما يكون قدره مثل معظم الذين ينظّرون للثورات وسرعان ما تأكلهم الثورات. ربما سلوك الخمينية مع شريعتي كسلوك الشاهية الصفوية التي لم تحتمل آراء شريعتي فالتهمت حياته. الخميني بحسب نبيل الحيدري، لم يكن وفياً حتى مع من كان اعلم منه وانقذه من الاعدام كاظم شريعتمداري، فقد جعله في الإقامة الجبرية حتى وفاته بشكل غامض، بل منع محمد رضا الصدر من الصلاة عليه.
ماذا يقول أحمد الكاتب؟
وإذا كانت نظرة علي شريعتي إلى التشيع لها ايجابياتها، فإن الآراء تختلف حول جوهرها. يقول احمد الكاتب: "ومع تقديرنا للجهد الذي قام به شريعتي، والدور الذي لعبه في تفجير الثورة الاسلامية في إيران، نعتقد أن ازمة الشيعة لم تبدأ من العصر الصفوي، وإنما ابتدأت من تحول فريق من الشيعة من التشيع السياسي الى التشيع الديني في القرن الثاني الهجري". وفي رأي أحمد الكاتب أن تشكل نظرية "الإمامة الإلهية لأهل البيت" التي قال بها فريق من الشيعة في التاريخ، مادة خصبة أو وقود لا ينضب في أتون التفرقة بين المسلمين. فمن جهة يعتقد الإمامية أن تلك النظرية من صلب الاسلام والتشيع، وضرورة من ضرورات الدين، ويصعب عليهم تالياً التخلي عنها. من جهة أخرى، يستنكر المسلمون السنة تلك النظرية وتوابعها كالموقف السلبي من الصحابة وأبي بكر وعمر، وهذا يؤدي الى استمرار التشنج والخلاف بين الطرفين، وربما انقسامهما فسطاطين متعاديين. أحمد الكاتب من جنوب العراق صدرت له كتب مهمة أثارت ضجة في الأوساط الشيعية على وجه التحديد لكنها أثمرت حواراً عميقاً وأفكاراً وردوداً كثيرة في أصول المذهب الشيعي الإثني عشري وصلت الى 100 كتاب في الرد على كتابه "تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه: الإمام المهدي حقيقة تاريخية أم فريضة فلسفية". انه الكتاب الذي استفز عقول المفكرين والمثقفين من المذهب الشيعي حيث نفى العصمة عن آل البيت ودحض نظرية الإمامة من أساسها واعتبر أن الإمام الثاني عشر هو مجرد رؤية مخترعة وليس حقيقة تاريخية. وهذا جزء من منظومة اعماله. في كتابه "التشيع السياسي"، يعتبر أحمد الكاتب أن التشيع ظهر على يد الأمام علي في مواجهة خصومه في الفتنة الكبرى. يومها لم يكن التشيع يحمل أي تمايز ديني في العقيدة أو الصلاة أو الصوم، بقدر ما كان يحمل رؤية خاصة في تفسير الدين بالعدل والمساواة واحترام كلمة الامة. في هذا المعنى كان طابع التشيع هو طابع الأمة الاسلامية كلها. لقد حدث أول شقاق بين المسلمين، ليس بين الشيعة والسنة، وإنما بين الجماهير والحكّام الذين استولوا على السلطة بالقوة، وكان الانشقاق السياسي أقرب إلى التقسيم السياسي الذي يقسم الاحزاب بين يمين ويسار. ثم حدث شقاق آخر في وقت متأخر في صفوف الشيعة أنفسهم بين مَن يتمسك بـ"التشيع السياسي" المعروف في عهد الإمام علي والحسين، وبين مَن أخذ يؤمن بالتشيع الديني الذي يحصر الخلافة في الأئمة من أبناء علي والحسين، ويعتقد بعصمتهم وبارتباطهم بالسماء، وفق نظرية "الأمة الإلهية" التي رفعها أصحابها الى مستوى العقيدة الدينية.
يدعو أحمد الكاتب إلى إلغاء المذهب الشيعي الإمامي الإثني عشري الذي ينتمي إليه الآن معظم سكان إيران وجزء من سكان العراق وبعض البلدان العربية. تأتي شجاعة هذا الموقف في أن الكاتب شخصياً ينتمي بحكم الولادة إلى المذهب الإثني عشري. يقول عن نفسه: "كنت أنا شخصياً قد ولدت ونشأت على الإيمان بتلك العقيدة وأصبحت من الدعاة إليها، ولكني قمت بعد حين بمراجعة تلك العقيدة عام 1990، وذلك أثناء بحثي عن نظرية "ولاية الفقيه" وأصولها التاريخية، فعثرت على نصوص قديمة من مشايخ الطائفة الإثني عشرية، تصرح بعدم وجود أدلة تاريخية قاطعة على ولادة الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري، وبأن الإيمان بولادته ووجوده يقوم على افتراضات كلامية عقلية، فدفعني ذلك إلى دراسة نظرية الإمامة الإلهية من جديد، لأكتشف أنها لم تكن نظرية أهل البيت السياسية، وإنما كانت من صنع المتكلمين والغلاة الذين يلتفّون حول الأئمة".
على أن أحمد الكاتب استخدم طريقة أخرى غير طريقة النصوص لإثبات الفساد في المذهب الإثني عشري، وهي أن الإمام علي شخصياً قد صاهر أبا بكر وعمر، وعمل في جهاز الدولة مع كل من أبي بكر وعمر وعثمان، وأنه أصبح خليفة رابعاً بعد هؤلاء. بحسب المذهب، ذلك غير متاح. فإما أنه كتم الحق، وإما أن المسألة ليست مسألة دينية بل مسألة سياسية. كما أن عدداً كبيراً من آل البيت أنفسهم رفضوا مبايعة الأئمة المنصوص عليهم كما يزعم الشيعة الإثنا عشرية. فهل هؤلاء لم تصل إليهم مثلاً الصحف المنسوبة إلى السيدة فاطمة، أم أن هؤلاء قد كفروا بالأئمة وهم يعلمون أنهم على الحق؟ بل إن معظم آل البيت كانوا في الطرف المغاير للإثني عشرية وفجروا ثورات بدءاً من الإمام زيد حتى طول التاريخ وعرضه، وكان الجمهور ينضم إليهم. كذلك فإن عدداً من الحوادث أفسدت منطق الشيعة الإثني عشرية. يقول أحمد الكاتب تحت عنوان "نهاية التشيع الديني"، إن الحسن العسكري توفي وهو شاب قبل أن يوصي بالإمامة لأحد، وإن نظرية الإمامة الإلهية وصلت، بغضّ النظر عن حقيقة ولادة الإمام الغائب، "الى طريق مسدود وانتهت عمليا بعدم وجود إمام ظاهر من سلالة الحسين منذ ذلك التاريخ" عام 260 هجرية.
ماذا فعل نبيل الحيدري؟
يبدو الباحث العراقي نبيل الحيدري اكثر شمولية ومباشرة في تناول "التشيع العربي والتشيع الفارسي". فهو يوجه النقد اللاذع لرجال الدين ولا يوفر حتى السيستاني والخميني، وقد استطاع أن يغور لسنين طويلة عميقة في أكثر من ألف ومئتي مصدر ومرجع أهمها الكتب الشيعية الأصلية الأولية لدراسة أوائل تلك الظواهر الغريبة وأصحابها الأصليين ثم المراحل التراكمية والتطورية لهذه الظواهر في أكثر من ثلاثين مرحلة، في أخطائها وأخطارها وآثارها فضلا عن تناقضاتها مع القرآن الكريم والسنّة ومدرسة آل البيت التي ترفض الغلو والتكفير والطقوس والبدع. يثبت الكاتب أن التشيع العربي يلتقي مع التسنن المحمدي في الأصول الإسلامية وأركان الدين الحنيف والمبادئ القرآنية كما يحترم الخلفاء الراشدين الأربعة وأزواج النبي. يبحث الكتاب في الأثر الفارسي الذي أدخل في التشيع مختلف الإنحرافات الفكرية والإشكالات العقائدية والبدع على مرّ التاريخ منذ العصور الأولى حيث الإمام علي وأوائل تلك الظواهر الفارسية ومواقف الإمام المعارضة بشدة، وكذلك المراحل اللاحقة لأبنائه واحداً تلو آخر، ثم عصر الغيبة بمرحلتيها الصغيرة والكبيرة، والحركات الفارسية أيام العصر العباسي، ثم مرحلة الدولة البويهية. والمراحل التي لحقتها مثل الدولة العبيدية الفاطمية ثم الدولة الصفوية الفارسية حيث يتحالف الوعاظ مع السلاطين.
لا يغفل الحيدري عن التوسع في محاولات الإصلاح العربية لفقهاء عرب متميزين أمثال محمد حسين فضل الله وهاشم معروف الحسني ومحسن الأمين ومحمد باقر الصدر ومهدي الحيدري ومحمد شمس الدين ومحمد جواد مغنية ومحمد حسين كاشف الغطاء. يتناول الحيدري تأثير الدولة الصفوية فى زمن سطوتها وسلطتها وكيف تسلم الشاه إسماعيل حيدر الصفوي الحكم عام 1501 وجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية ونظر إليه كممثل للمهدي المنتظر والولي الهادي حصراً وحوّل إيران إلى دولة شيعية بالقهر والقوة والسلطان وأحدث نقلة في التشيع محوّلاً إياه إلى عقائد وفقه وثقافة وتقاليد وأعراف وممارسات لتحريفه عن "التشيع العلوي" ومبادئ الإمام علي وحركته الثقافية الفكرية العقائدية الاجتماعية السياسية، مما بات معروفاً بـ"التشيع الصفوي". وقد تجد عرباً انحازوا إلى التشيع الصفوي بل ربما هاجر بعضهم إلى الدولة الصفوية وحجّوا إليها وأيّدوها وأفادوا منها كثيرا. ومن الجانب الآخر تجد فرساً وأتراكاً وقوميات أخرى نقدوا الصفوية وحكومتها وفسادها وجرائمها وانحرافها وانحازوا إلى الإمام علي ومبادئه وما يسمى بـ"التشيع العلوي" مثل علي شريعتي ومحمد تقي القمي ومحمد صالح المازندراني وإبراهيم جناتي وغيرهم كثيرون. لا يقصد نبيل الحيدري الإيرانيين في بحثه، لكنه يتناول تأثير رموز معينة ومحدودة منهم وخصوصا أصحاب القرار في السلطتين السياسية والدينية ودورهم في الانحراف الشيعي ومراحله المختلفة ومنها مرحلة الدولة البويهية الفارسية حيث تحالفت السلطتان الدينية والحكومية، وفيها تشيع غرب إيران، وفيها أيضا ألّف الفرس الكتب الحديثية الأربعة كمرجع أعلى للحديث (الكليني والقمي والطوسي) عن الفرس الذين وضعوا من الانحرافات والبدع الكثير حتى صارت مرجعاً مقدساً لكل من جاء بعدهم، وأسست الدولة الكثير من الطقوس الفارسية كأنها تستلهم من الأمبراطوربة الكسروية وأدخلتها في الدين والعقيدة الشيعية والفكر والتراث. ويبيّن الحيدري أنه كان من الصعب على الحضارة الفارسية والكبرياء الكسروية أن تخضع للعرب وخليفتهم في معركة القادسية وتنكسر عندها شوكتها وغطرستها وتاريخها وثقافتها ودينها لمن تعتبره أعراب الصحراء المتخلفين عن الحضارة والعلم. لكن الإنتقام من الدين والعرب والثقافة ظهر في التغلغل الفارسي والإنتقام من الخليفة، وفي العنصرية ضد العرب. الفرس الذين جاؤوا إلى الكوفة وتشيّعوا، جلبوا معهم تراث تقديس ملوك الفرس، بمعنى أنهم نقلوا هذه الثقافة من حيث الغلو في تعظيم الأئمة والطعن في مخالفيهم.
استنتاجات
ثمة استنتاجات مهمة في الكتب التي بين أيدينا. هي أشبه بالذخائر لأنها توضح الكثير من الأمور الملتبسة والمشوهة سواء في التاريخ أو في الحاضر. ثمة أفكار يغلب عليها الطابع العاطفي السياسي ولا تندرج في إطار البحث العلمي، كأن الكاتب يهدف الى التغيير وليس الى اظهار الحقائق، وخصوصاً حين يرفع أحمد الكاتب شعار "التشيع السياسي" كبديل من "التشيع الديني"، فهذا الرأي يحمل الكثير من التأويلات والتخمينات وثمرته غير مضمونة النتائج. والبارز في قول أحمد الكاتب هو تشخيصه لواقع المسلمين فيقول إنه بدلا من أن يتوحد المسلمون سنة وشيعة وينخرطوا في مشروع نهضوي واحد، راح بعض أصحاب العقليات الطائفية المتحجرة يروج الأفكار والنظريات الشيعية القديمة والميتة، ويشوش على "التشيع السياسي" الثوري والعلوي. في حين ذهب البعض من خصوم الشيعة ليفتش في مقابر التاريخ والكتب الصفراء عن نقاط الخلاف والعيوب التي كان يتصف بها الغلاة من الشيعة وبعض المذاهب المتطرفة والمنقرضة. أما بحث نبيل الحيدري فهو محاولة جديرة لإعادة الاعتبار إلى التشيع الأصلي، أي التشيع كما بصورته في زمن الإمام علي، بعيدا من الانحرافات التي جعلت التشيع يصير ثقافات عجيبة وغريبة من الكراهية والطقوس والتخدير واللعن في العقيدة والفقه والفكر والممارسات. ما بين أحمد الكاتب ونبيل الحيدري يحضر طيف على شريعتي الذي قتل بسبب أفكاره.
نجد في الكتب المذكورة قيمة معرفية والكثير من القضايا الجديدة التي تكشف وقائع ودسائس تقوم بها بعض الفرق الدينية المغالية في تطرفها وهذيانها. للحظة، نستهجن تلك الأفعال، لكن حين نتأمل في تاريخ الأديان، نشعر أنها خرجت عن مسارها، وتحولت فرقها مثل شبكة عنكبوتية، فلم يعد ينفع الحديث عن الاصلاح مع هذه الفرق، ولا العودة الى الأصول، بل ربما أوجبت الأمور التحرر من أسر الدسائس الدينية والالتحاق بأفكار معاصرة تتحدى الشبح الداعشي والحالشي.

خالد زيادة: غياب الأفكار يفسر جانباً من تعثر الثورات

يوليو 16, 2014 اضف تعليق

حاوره: محمد حجيري

http://www.almodon.com/culture/1c0b87f9-ca95-4b10-9ab0-fb8c2304a34f


لا يحتاج خالد زيادة إلى تعريف، وهو الجامع بين البحث الفكري والعمل الديبلوماسي كسفير للبنان في مصر. لم تمنعه الديبلوماسية من طرح أفكاره الجديدة والغنية حول الثقافة والمجتمع والسلطة وحياة المدينة.. وحول هذه القضايا، وأكثر، تحاوره "المدن"..

- أنهيت كتاب "لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب" في خضم انطلاق الثورات العربية... هل ستتبعه بجزء ثان حول ما انتهت إليه هذه الثورات وما أفرزه الحراك من ظواهر؟

* كتاب "لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب"، هو تقاطع بين مسارين تاريخيين. حين شرعت في كتابته قبل سنوات، كانت الفكرة الرئيسة هي إعادة قراءة التيارات الفكرية الكبرى منذ أواسط القرن التاسع عشر، وأثر أوروبا في تبلورها، وكيف تلاشى هذا التأثير خلال العقود القليلة الأخيرة، الأمر الذي أدى من جملة أمور إلى بروز التيارات الأصولية. من جهة ثانية فإن الثورات العربية التي قامت العام 2011، والتي لم يكن أحد ليتوقعها على النحو الذي جرت فيه، جاءت لتؤكد الفكرة الأولى، وهي أنه لا أفكار كبرى تقود هذه الثورات، على غرار الثورات التي عرفها العرب منذ مطلع القرن العشرين، والتي حركتها أفكار الحرية والوطنية والاستقلال، كالثورة العربية العام 1916، والثورة المصرية العام 1919، والثورة الجزائرية في خمسينات القرن الماضي. وغياب الأفكار الكبرى يفسر جانباً مهماً من جوانب التعثر الذي شهدته الثورات العربية، فلم يكن شعار "الشعب يريد اسقاط النظام" كافياً. سقطت أنظمة من دون القدرة على صياغة إجماع حول النظام البديل.
وقد أشرت إلى أن الثورة ليست حدثاً مفرداً، بل هي سلسلة من التغيرات في مدى زمني يمتد لسنوات وربما لعقود. ومَن ينظر إلى الواقع العربي اليوم، يتيقن من أن ما بدأ في 2011، لن نرى له استقراراً في مدى قريب، وأننا إزاء مخاضات عنيفة ستفضي إلى آفاق جديدة. أما بالنسبة للسؤال حول ما إذا كنتُ أُفكر بكتابة جزء ثان للكتاب، فإنني حالياً أعمل على جمع المادة اللازمة لمواصلة الاشتغال على جانب من جوانب ما يحدث اليوم في العالم العربي، خصوصاً لجهة العلاقة بين الأفكار والسلطة والمجتمع.

- في كتاباتك تركيز على أثر أوروبا في العالم العربي، لماذا أوروبا وليس أميركا؟

* كتبت ثلاثة كتب حول علاقة العرب والمسلمين بأوروبا: "اكتشاف التقدم الأوروبي" الذي نشر في مصر بعنوان "المسلمون والحداثة الأوروبية"، والثاني هو "تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا"، والثالث "لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب". وحاولت من خلالها قراءة العلاقة التاريخية المعقدة والمتقلبة بين عالمنا وبين العالم الأوروبي. وذلك للأسباب التالية:
أولا: لأن الجوار العربي – الأوروبي فريد في التاريخ والجغرافيا. فلم يكن لأمة أو شعب أو ثقافة أن جاورت أوروبا على نحو العرب (والمسلمين). ومنذ فتح إسبانيا، مطلع القرن الثامن الميلادين لم يهدأ التبادل بين العالمين، تبادل الحروب والبضائع والثقافة والعلاقات البشرية. وهذه العلاقة راسخة في مخيلتنا وثقافتنا بشكل عميق، ويكفي أن نذكر الحروب الصليبية ثم المرحلة الاستعمارية.
ثانياً: لأن تأثير أوروبا في العالم غير مسبوق في تاريخ الحضارات، لم يحدث في التاريخ الإنساني أن غيرت حضارة العالم برمته على النحو الذي صنعته أوروبان لقد بدلت العالم، ليس بالعلوم والصناعة فحسب، وإنما بالأفكار في الدرجة الأولى، خصوصاً أفكار التنوير التي تبنتها النخب الفاعلة، من الصين إلى الهند إلى العالم العربي إلى أميركا اللاتينية. كما أن أوروبا هي التي أسست العلوم الانسانية والاجتماعية والانتربولوجيا، وهي العلوم التي بدلت المعارف لدى شعوب العالم.
أما بالنسبة إلى أميركا، فمن المعروف أن تقدمها العلمي والتقني، امتداد لتقدم أوروبا، أي أننا نتحدث عن امتداد للحضارة الأوروبية الغربية. وقد أصبحت الولايات المتحدة الأميركية قوة عظمى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وكان لها ولا يزال تأثير سياسي وعسكري حاسم. إلا أن أميركا لم تغير العالم على النحو الذي غيرته أوروبا، خصوصاً لجهة الأفكار والانسانيات. وإذا كانت تنتج الأبحاث العلمية الأرفع، فإن أوروبا واليابان تشاركانها في الثورة التكنولوجية وثورة الاتصالات على قدم وساق.

- في القاهرة أعدت إصدار الكثير من كتبك، ماذا أضافت إليك هذه المدينة ثقافياً؟

* إقامتي في القاهرة منذ سبعة أعوام، أتاحت لي فرصة نشر العديد من الأعمال التي سبق أن نشرتها في بيروت، كما أني نشرت أبحاثاً وتحقيقات أصدرها للمرة مثل ترجمة وتقديم "سفارة نامة فرانسة" للسفير التركي إلى باريس العام 1720، وأهمية هذا النص أنه يتحدث عن باريس قبل الطهطاوي بما يزيد عن مئة عام. كما نشرت مجموعة من الأبحاث حول السجلات الشرعية جمعتها في كتاب واحد.
وقد تنبهت إلى أن السعي إلى ترجمة الأعمال إلى اللغات الأجنبية قد يبدو امتيازاً بالنسبة إلى البعض، لكن نشر الأعمال من عاصمة كبرى مثل القاهرة له أولوية، خصوصاً أن أعمال اللبنانيين وغيرهم من العرب معروفة على نطاق ضيق من عدد محدود من المتابعين.
وهذه المسألة في حد ذاتها بحاجة إلى نقاش معمق، ذلك أن التبادل الثقافي بين البلدان العربية لا يتم إلا خلال معارض الكتاب. وفي مصر نوع من الاكتفاء الذاتي الثقافي إذا جاز التعبير، ذلك أن إنتاج الكتب فيها يتفوق من حيث الكم والنوع على سائر البلدان العربية. وكما أن المصريين يعطون أهمية محدودة لما ينتج خارج القاهرة، فإن اللبنانيين على سبيل المثال لا يتابعون اتجاهات التأليف في ميدان الرواية أو الأبحاث الفكرية والتاريخية التي تصدر في مصر.
صدرت خلال السنوات الثلاث الماضية، عشرات الكتب عن أحداث مصر منذ 25 يناير 2011، كما صدرت عشرات الروايات لأجيال مختلفة من الروائيين، وهي أيضاً غير معروفة وغير منتشرة، وهذا جانب من جوانب أزمة الثقافة العربية في الوقت الراهن، وعنوانها الرئيس الانقطاع وعدم التواصل.
وما استنتجته هو أن العمل ينبغي أن يجري في سبيل وصل ما انقطع، فقد كانت أحوال الثقافة العربية في الأربعينات والخمسينات لجهة التواصل والتبادل أفضل مما هي عليه اليوم.

- أصدرتَ دراسة عن الجبرتي، هل أدخلت مدونات هذا المؤرخ صورة مسبقة في مخيلتك عن القاهرة أو مصر؟

* تاريخ الجبرتي يرجع إلى القرن الثامن عشر وإلى بدايات القرن التاسع عشر، وقد فات عليه اليوم قرنان من الزمن. والسؤال مثير للعديد من الاجابات. فلو تجوّلت في باريس اليوم، لعثرت على المدينة زمن الثورة الفرنسية أي العام 1789. أما بالنسبة إلى القاهرة، فإن المدينة التي يتحدث عنها الجبرتي ما زالت قائمة في الجزء القديم منها، أما القاهرة الحديثة فهي التي نشأ بعض مظاهرها أيام محمد علي باشا، خصوصاً أيام إسماعيل باشا في ستينات القرن التاسع عشر، عدا التوسع الهائل الذي شهدته المدينة خلال العقود الأربعة الأخيرة.
وكل المدن تتغير بمرور الزمن، إلا أن المدن العربية تتبدل بوتيرة شوهت تراثها العمراني. وفي جميع الأحوال فإن أعمال نجيب محفوظ تحدثنا عن القاهرة بطريقة أكثر تفصيلاً، لطبيعتها الروائية، ولأنها تنتهي إلى فترة أحدث، ولأن الأحياء التي تحدث عنها ما زالت قائمة، تستوي في ذلك الأحياء القديمة والشوارع الحديثة التي دخلت في أعماله.
وفي جميع الأحوال، فإن الاهتمام بالجبرتي المؤرخ قد تراجع اليوم. ولا نجد دراسة حديثة تتناول تاريخه، منذ سبعينات القرن الماضي، بحسب معلوماتي، إلا في ما ندر. ولهذا تفسيره. فهناك اهتمام بنوع آخر من المصادر، ذات طبيعة وثائقية تقدم مواد غزيرة عن الفترة التي تحدث عنها الجبرتي. واليوم، مصر مشغولة بمقارنة الفترات المختلفة منذ أصبحت جمهورية، أي سحابة ستين سنة سابقة.

- أصدرت ثلاثية انتربولوجية روائية عن طرابلس وتحولاتها في السابق، الآن أي صورة يمكنك أن ترسمها بكلمات عن هذه المدينة؟

* كتبتُ عن طرابلس في مرحلة انتقال من الحقبة الليبرالية إلى الحقبة القومية، إذا جاز التعبير، وهي الفترة بين الخمسينات والستينات، عشتها وشاركت فيها، وحاولت أن أفهم التحولات التي راحت تطرأ في العمران والعلاقات الاجتماعية. وفي الجزء الثالث، أشرت إلى صعود الحركات الأصولية واضمحلال التقاليد الليبرالية والقومية على السواء.
وقد تحدث في الجزء الأول "يوم الجمعة يوم الأحد" عن أزمة العلاقة بين المدينة (طرابلس) والدولة. ففي روع أهل طرابلس أنها المدينة مع "ال" التعريف، وأن الدولة أهملتها أو اضطهدتها، وقد نشأ هذا الشعور في زمن الانتداب وتواصل في المرحلة الانتقالية وما زال قائماً حتى هذه اللحظة، وفي مواقف الأيام الأخيرة نجد أن هذا الشعور ما زال قائماً ويتلخص في تحيز الدولة ومؤسساتها وأجهزتها ضد "المدينة".
وأسباب هذه المشاعر كثيرة لا مجال لبسطها الآن، إلا أنها تتفاقم في ظل اهتزاز فكرة الدولة وفكرة المدينة على حد سواء. والفترة الذهبية لتعايش الدولة مع المدينة (طرابلس)، في ستينات القرن الماضي والفترة الشهابية، قد مضت، ومنذ ذلك الوقت الدولة في تراجع، وطرابلس تتصدع بنيتها التي يسعى البعض إلى الحفاظ عليها، إن من طريق التشدد أو من طريق استعادة تراثها القريب (زمن الصورة الفوتوغرافية)، أو الدعوة إلى الحفاظ على آثارها.
إذا أتيح الوقت، في ذهني عمل روائي يربط اللحظة الراهنة بأجيال من الوعي المتعاقب يشرح التحولات والثبات في فكرة المدينة.

- See more at: http://www.almodon.com/culture/1c0b87f9-ca95-4b10-9ab0-fb8c2304a34f#sthash.vyUBTz67.dpuf