العلامة علي الأمين: المعارضة السياسية المطالبة بالحقوق ليست من الفتنة في شيء

يونيو 30, 2014 اضف تعليق
محمد الحجيري(جريدة الجريدة)
العلامة السيد علي الأمين أحد الأسماء الدينية البارزة في العالم العربي، له مواقفه واجتهاداته الفقهية في الدين والمسائل الدينية والسياسية، وله رأيه الحضاري والمختلف في قضية الفتنة والمذاهب والتيارات الدينية والحروب بين السنة والشيعة. معه هذا الحوار.
كيف رصد القرآن والسنة الفتنة وما وسائل تصديهما لها؟

وقوع الخلافات داخل المجتمع الواحد أحد الأمور المتوقّعة الحصول في ظلّ اختلاف الآراء والأفكار وتعدّد الرّغبات والطموحات التي تصل إلى حدود التناقض والتّضاد بين أصحابها، وهذا ما يحتاج إلى وضع الأسس المرجعية لمنع حصول التّصادم والنزاعات بين الأفراد والجماعات، ووضع الحلول لها على تقدير وقوعها، وقد تصدّى القرآن الكريم لوضع العلاجات لها بالنهي عن وصولها إلى درجة التنازع بقول الله تعالى {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}. وبالعودة إلى مرجعيّة الحلّ كما في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.
ومن خلال منهج الإسلام في الحكم والتربية الذي يقوم على مبدأ التآخي بين أبناء المجتمع واعتبارهم أمّة واحدة كما جاء في قول الله تعالى {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} وقوله تعالى {إن هذه أمتكم أمّةً واحدة وأنا ربّكم فاعبدون}، وجاءت السنّة النبويّة الشريفة لتؤكد على هذا المعنى ابتداءً من تأسيس المجتمع الإسلامي في المدينة المنوّرة الذي ابتدأه الرسول عليه الصلاة والسلام بعقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وانتهاءً بوصيته في حجّة الوداع {لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض}، ومروراً بكل المواقف والتوصيات القائلة {كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه}. وقد استجاب المسلمون رضي الله عنهم لهذه التعاليم في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله فكانوا خير أمّة أخرجت للناس واعتصموا بحبل الله جميعاً وأصبحوا بنعمته بعد العداوة إخواناً في دين الله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

ما صحة حديث {الفتنة نائمة} وما حجم دوره في ممارسة المسلمين للسياسة؟

{الفتنة نائمة، ولعن الله من أيقظها} هو حديث مشهور، وهو يعبر عن حقيقة تصاب بها المجتمعات، والمقصود منه النهي الشديد عن السعي إليها، وعدم الدخول فيها، وقد نامت فتنة العصبيات والعداوات القبلية  والمنطق الجاهلي الذي كان السبب في حدوث الصراعات الدموية وانتشار الظلم، وقد نامت تلك الفتنة بنعمة الإسلام ومنطقه الذي يقوم على العدل والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات ملغياً التفاضل في العنصر والعدد، وقال {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} و}لا فضل لأبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى}. والمستفاد من حديث الفتنة وغيره أن كل دعوة إلى شقّ الصفوف تؤدي إلى سفك الدماء وزعزعة الاستقرار وتعطيل النظام العام هي من الفتن التي يجب اجتنابها. أما المعارضة السياسية المطالبة بالحقوق والإصلاح فهي ليست من الفتنة في شيء، بل هي معارضة لازمة كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}. وجاء في الحديث الحث على المعارضة السياسية {أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر}.

تحث  الأحاديث النبوية على اعتزال الفتنة، هل هذا أمر ممكن؟

لا شك في وجوب اجتناب الفتنة بالمعنى المتقدم كما يستفاد من الأحاديث، والنهي خير دليل على إمكان اجتنابها، فإن التحذير من وقوع الشيء والدخول فيه يكون في الشيء الواقع تحت القدرة والاختيار، ويمكن اجتنابها من خلال تنظيم الخلافات والتزام القواعد الداعية للحفاظ على سلامة المجتمع وعدم تعريضه للأخطار.
 هل صحيح أن الإسلام أمر باعتزال الفتنة وعدم التورط فيها ولو بتأييد أي جانب من المتصارعين؟

نهت الشريعة الإسلامية عن الفتن كتاباً وسنّة، والاعتزال المطلوب هو الاعتزال الإيجابي الهادف إلى عدم تأجيج نيرانها وزيادة اشتعالها، كما يفهم من بعض النصوص {كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهرٌ فيركب، ولا ضرعٌ فيحلب}، وهذه تعتبر الخطوة الأولى لمحاصرة الفتنة، وأما الخطوة الأخرى فتكون بالسعي إلى إطفائها ومنع استمرارها ولا يكون ذلك بالاعتزال السلبي الصامت الذي لا ينهى عنها ولا يبين وجوه الحق، ولذلك أمر القرآن الكريم بالإصلاح بالعدل بين الفئتين المتصارعتين كما تقدم بقوله تعالى {فأصلحوا بين أخويكم}، هذه هي القاعدة الأساسية، فإذا امتنعت الفئة الباغية عن الاستجابة لنداء الإصلاح وأصرّت على البغي فيجب حينئذٍ مع الإمكان العمل من خلال الدولة الناظمة للأمر على إيقاف البغي والعدوان حتّى تفيء إلى أمر الله وتستجيب لقواعد العدل والإصلاح.

هل الفتنة ترادف عملية الخروج على الحاكم أم هي خاصة بحالات الصراع داخل المجتمع؟

الفتنة بالمعنى الذي يؤدي إلى الفرقة والانقسام بين أبناء المجتمع الواحد والأمّة الواحدة هي شاملة لكل وجوه الصراعات الداخلية سواء كانت في مواجهة جماعة لأخرى أو في الخروج المسلّح على الحاكم، لأن ذلك كله يعتبر من الأسباب الداعية إلى اختلال النظام الذي يعرض المجتمع والأمّة لأفدح الخسائر والأخطار، وقد أثبتت التجارب الكثيرة في الماضي والحاضر حجم المفاسد الكبيرة الناجمة عن الصراعات الداخلية على السلطة بكل وجوهها، والوسيلة الوحيدة المقبولة في حلّ الخلافات الداخلية هي في الدعوة السلمية للإصلاح، وهذا ما يستفاد من وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن النصوص الدينية الآمرة بالإصلاح بين الناس.

الربيع العربي... فتنة أم ثورة؟

حركات الربيع العربي لها أسبابها التي انبعثت من أمورٍ كانت تعاني منها شعوب تلك الدول والأنظمة التي لم تحقق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية لشعوبها، واستبد فيها الحاكم الأوحد والحزب الواحد باتخاذ القرارات وحصر السلطات واتسعت الفجوة بين الحاكم والمحكوم. ولا نشك في أصل شرعية الاحتجاجات على تلك السياسات ولا في حق تلك الشعوب في التعبير عن تطلعاتها نحو الحياة الأفضل. وقد كان لرفض حكام تلك الأنظمة المطالب المشروعة لشعوبهم واستخدام العنف والسلاح الأثر الكبير في خروج الربيع العربي عن طبيعته السلمية إلى ساحات الاحتراب والتقاتل الداخلي.
ولست أرى في الربيع العربي قانوناً يسري في كل الدول والأنظمة العربية وذلك لاختلاف الأمور بين دولة وأخرى وبين حاكم وآخر من حيث العدالة الاجتماعية والحريات السياسية التي يمكن تعزيزها من خلال العمل على المزيد من إشراك الشعب في العملية السياسية وإدارة البلاد عبر المؤسسات التشريعية ومن خلال تعزيز المواطنة بربط المواطن بالدولة ومؤسساتها مباشرة وليس من خلال الزعامات الشخصية والحزبية والمؤسسات الطائفية.

ما يحدث في سورية هل هو فتنة أم ثورة؟

طغيان العناوين الطائفية والمذهبية على الأحداث كان من بين أسبابه قيام بعض التجمعات العلمائية بإصدار فتاوى الجهاد والدعوة إلى نصرة الشعب السوري بالسلاح والمسلحين، وتدخل حزب الله الناتج من تحالف النظامين الإيراني والسوري ورفعه شعار الدفاع عن المقامات الدينية والقرى الشيعية في القصير، ودخول عمليات الخطف لأسباب طائفية ومذهبية... ذلك كله أدّى إلى صبغ الصراع باللونين الطائفي والمذهبي في سورية، ومن أهم تلك الأسباب التي هيّأت لولادة هذا المناخ الخطير اعتماد النظام على الخيار العسكري من أول الأمر واستمراره عليه وانجرار الثورة إلى حمل السلاح مما غيّب المطالب المشروعة للشعب السوري ومنطق الإصلاح وجعل منطق الغلبة هو السائد، وهو منطق يدفع الأطراف المتصارعة إلى الاستقواء بالعصب المذهبي والاصطفاف الطائفي. والمطلوب لإطفاء نار هذا الصراع المدمر للجميع والذي لن تنجو منه مجتمعات وشعوب المنطقة العمل على إنهاء هذا الصراع المسلّح ولزوم اقتناع النظام والمعارضة بأن السلاح لن ينتج سوى المزيد من الدمار لسورية والمزيد من الأحزان والآلام والتشريد للشعب السوري. وللخروج من الاحتقانات الطائفية والمذهبية فقد طالبنا باجتماع المرجعيات الدينية الفاعلة والمعتمدة في مصر والعراق والسعودية وإيران وسائر الدول العربية والإسلامية وإصدار فتاوى تحريم ذهاب المقاتلين إلى سورية، فإن فتاوى التحريم هذه تبطل الحجج الدينية والمذهبية للقتال باسم الدين والمذهب، وتساهم في إزالة الاحتقان الطائفي والمذهبي من النفوس، وتعمل على إخراج كل المقاتلين الموجودين على الأراضي السورية.

يعتبر البعض أن التعددية المذهبية سمحت لمزيد من الفرقة بين المسلمين وبالتالي انتشار الفتن بينهم.

حالة الاختلافات المذهبية التي تتصاعد باتّجاه العداوة بين الطرفين السنّي والشّيعي يظهر منها أنّها ليست ذات طبيعة داخليّة من منطقتنا، لأنّ التعدّدية المذهبيّة والطائفية كانت موجودة في المنطقة منذ قرون عدة، ولم نكن نسمع بالعداوات المذهبية والاحتقانات الطائفية. إن ضعف دول المنطقة وعدم ترسيخها لمنطق المساواة بين المواطنين في الحقوق هو ما يفتح النافذة للتدخّلات الخارجيّة التي تشجّع على نموّ حالات التّصارع المذهبي في المنطقة تحت شعار الحريات وحرمان طائفة لأخرى، وبذلك يضعفون الجميع ويشغلون الأمّة بعضها بالبعض الآخر.
ولذلك فإن المطلوب من الدول العربية والإسلامية وولاة الأمور فيهما العمل على إغلاق هذه النافذة وغيرها من نوافذ تزرع الفرقة والبغضاء في مجتمعاتنا بتعزيز منطق الدولة الحاضنة لكل أبنائها والتي تشكل المرجعية لجميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية، والعمل على إصلاح مناهج التعليم الديني بالشكل الذي يعزز الوحدة الوطنية والولاء للوطن.

http://www.aljarida.com/news/index/2012669693/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86--%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D9%86%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B4%D9%8A%D8%A1#.U7EQBfphf6U.facebook

فاضل العزاوي: ليس لدى العرب عن الربيع سوى اوهام

يونيو 30, 2014 اضف تعليق
برلين - اسكندر الديك(جريدة الحياة)
حين قررت إجراء مقابلة مع الشاعر والروائي والناقد العراقي فاضل العزاوي الذي يعيش في برلين حول آخر أعماله الأدبية والشعرية، ومنها ما سيُنشر له قريباً عن فترة سجنه القاسية في بغداد لثلاث سنوات، وعن علاقته كمثقف بما يجري في بلده وفي العالم العربي الذي شهد «ثورات ربيعية» عدة، فاجأته التطورات الأخيرة التي حصلت في بلده وشملت مسقط رأسه كركوك أيضاً، الأمر الذي جعله يستعيد ذكرياته القديمة وهو يتابع الأخبار والتطورات لحظة بلحظة، ما أعطى الحوار معه نكهة وحداثة متجددتين.
صدر لفاضل العزاوي، الذي يعد واحداً من الشعراء والكتاب العرب المجدّدين والمبدعين، نحو ثلاثين كتاباً في الشعر والرواية والقصة القصيرة والنقد والسيرة الذاتية، إضافة الى نقله أعمالاً أدبية من الانكليزية والألمانية الى اللغة العربية وبالعكس. وعمل لسنوات عديدة في الصحافة الثقافية العربية والأجنبية، وأصدر مجلة «الشعر 69» في العراق، ناشراً أعماله الأدبية والثقافية باللغتين الالمانية والإنكليزية في الصحف والمجلات والأنطولوجيات الأوروبية أيضاً، إلى جانب عضويته في هيئة تحرير مجلة «بانيبال» الصادرة في لندن باللغة الانكليزية. وتُرجمت أعماله الشعرية والروائية الى العديد من اللغات الأخرى، وصدرت له ستة كتب باللغة الانكليزية وثلاثة كتب باللغة الألمانية. وكان درس الأدب الانكليزي في جامعة بغداد، واللغة الألمانية في لايبزغ التي وصلها عام 1977 وحصل من جامعتها على درجة دكتوراه عن أطروحته «حول نظرية الثقافة».

* تصدر لك خلال أيام في زوريخ وبرلين عن دار نشر «دورليمان» ترجمة روايتك «آخر الملائكة» الى الألمانية، وهي كانت صدرت بالانكليزية في أميركا وبريطانيا وأثارت انتباه واهتمام نقاد بارزين مثل كولن ولسن. والروائي الألماني المعروف توماس لير هو الذي سيتولى تقديمها للجمهور الألماني عند صدورها. هل تتوقع أن تحظى الرواية باهتمام القارئ الألماني أيضاً في وقت تتجه كل الأنظار الآن نحو ما يجري في العراق؟
- ما من كاتب يمكن أن يتنبأ مقدماً بما سيكون عليه مصير كتابه حين يكون بين يدي القارئ، فللكتب مصائرها مثل البشر تماماً، وثمة دائماً عوامل كثيرة قد تؤدي الى رواج كتاب ما او عدم رواجه، وهي عوامل قد لا تكون مرتبطة بالضرورة بمستوى العمل ذاته. فلكي ندرك القيمة الحقيقية لكتاب ما علينا أن ننتظر طويلاً حتى نتأكد من أنه قادر على إثارة اهتمامنا حتى بعد غياب مؤلفه. رواية «آخر الملائكة» نُشرت قبل 22 سنة، ومع ذلك لم تفقد أسئلتها أهميتها وراهنيتها، وثمة نقاد رأوا أنها تنبأت بالمصير الذي آل اليه العراق. منذ الفصول الأولى في الرواية يلتقي بطل الرواية الشاب ثلاثة من الملائكة الذين يحملون الربيع في أكياس من القنب على ظهورهم، قاصدين مدينة كركوك البعيدة في رحلة تستمر عقوداً من الزمن. وفي النهاية يصل الملائكة وينثرون الربيع في كل مكان، لكننا سرعان ما نكتشف أنه كان ربيعاً كاذباً، مثلما يكتشف بطل الرواية أنه قد أفنى حياته كلها وهو يتبع ملائكة لم تكن في حقيقة الأمر سوى شياطين مقنعة.

* في الفصل الأخير من الرواية يعود بطل الرواية برهان عبدالله من منفاه الذي استمر ستة وأربعين عاماً الى مدينته بعد تحررها من الدكتاتوريات وانتهاء الحروب. هل كنت تتحدث عن نفسك وأنت تتطلع الى الربيع المقبل الذي قلت أنه سينتهي الى ما يشبه يوم القيامة؟
- كتبت الرواية قبل ربع قرن من الزمان، حينما كانت الديكتاتوريات العسكرية العربية طاغية وفي أوج قوتها، ومع ذلك كنت واثقاً من نهايتها مهما طال بها الزمن. في الفصل الأخير من الرواية يختلط الواقع بالحلم، حيث يبدو أن الجنة تحل على الأرض أخيراً وينتهي تاريخ الموت نفسه، لكننا نكتشف أنها جنة قائمة في الوهم، تقودنا الى الجحيم والربيع ينتهي بالصقيع. ولسوء حظنا يبدو أن ما استشرفته الرواية قبل عقدين من الزمن لم يكن أسوأ كثيراً من الواقع المرير الذي نعيشه الآن.

المثقف و«الربيع العربي»
* هذا يقودنا الى الحديث عما يسمّى بـ «الربيع العربي»، بخاصة أنك من الذين ناضلوا طوال عقود من أجل أهداف تتعلق بالحرية والديمقراطية، فهل ترى أن التفاعل أدبياً مع هذه الحركة مخاض سيأخذ وقتاً أطول، أم أن المهمة ستتعلق بالجيل اللاحق من الشعراء والأدباء الذين شارك قسم منهم فيها؟
- ما كان يمكن للربيع العربي الذي بدا في أول الأمر ربيعاً حقيقياً او ما يشبه الربيع أن يصل أخيراً الى العالم العربي من دون عمل العشرات من الكتاب العرب المبدعين الذين قاوموا الديكتاتوريات في بلدانهم وايديولوجياتها القائمة على الأوهام والأكاذيب، وأوحوا في كتاباتهم بعالم عربي أكثر حرية وديمقراطية وإنسانية وحداثة وارتباطاً بالروح الإبداعية في عصرنا. وبهذا المعنى أفهم أن كل عمل مبدع، أكان في الماضي ام في الحاضر، هو إسهام في عملية التغيير التاريخية. ليس مهماً في نظري أن تكتب قصيدة او قصة عن حدث ما، وانما أن تكون مبدعاً وخلاقاً ومكتشفاً في رؤياك حين تتعامل مع أي قضية في الحياة. لا يتعلق الأمر في نظري بالتفاعل او عدم التفاعل مع ما يسمى «الربيع العربي» وانما بأن تعرف كيف تنتمي الى روح زمنك.

* ما تقوله يشير الى أن الربيع العربي قد اُجهض او أنه مهدد بالإجهاض على الأقل، ولكن لماذا حدث ذلك بعد أن كان زلزالاً وجدانياً كبيراً شمل دولاً محورية في العالم العربي؟
- لا أعتقد أن الربيع العربي قد أجهض، وانما حلّ في أرض لم تجهز أساساً لاستقباله. كانت الديكتاتوريات العربية خلال حكمها الطويل قضت على كل حركة ديمقراطية منظمة، مثلما مهدت الطريق أمام صعود حركات راحت تتاجر بكل ما تعجز السلطة عن التصدي له او تتخذه هي نفسها قناعاً لها. فالربيع العربي لا يعني فقط التصدي للديكتاتوريات وإسقاطها وانما إقامة أنظمة حديثة قائمة على الحرية والعدالة والديمقراطية. لقد تعفنت الديكتاتوريات العربية الى الحد الذي دفع الملايين من الناس في النهاية الى القتال ضدها، ولكنها حين سقطت وجد الناس أنفسهم أمام سؤال المستقبل الكبير: والآن الى أين؟ وهو سؤال حاول كل من مسه الضرر في الماضي أن يجيب عنه وفق هواه. لم تكن هناك رؤية واضحة لمنظر الربيع العربي وانما أكداس من الأوهام. فاذا ما قارنا الربيع العربي بالربيع الذي مر على أوروبا الشرقية وجرف أمامه شتاء الاشتراكية الستالينية القارس فسنرى بوضوح أن الناس هناك قد كانوا عرفوا ما يريدونه منذ البداية: الديمقراطية كبديل للديكتاتورية. أما في العالم العربي فامتلك الناس شجاعة رفض الدكتاتورية، ولكنهم عجزوا عن الاتفاق على النظام الذي يؤسسونه. ولذلك أسبابه بالطبع: فقد انحسر دور الحركات الماركسية التي كانت تملأ الساحة ذات يوم، بعد موت الاتحاد السوفياتي بالسكتة القلبية، الى الحد الذي لم يعد فيه الحزب الشيوعي العراقي مثلاً قادراً حتى على ايصال نائب واحد الى البرلمان، مثلما تبخرت الحركات القومية التي هيمنت طوال عقود من الزمن على السلطة والشارع معاً في العديد من البلدان العربية وقادت بلدانها من هزيمة الى أخرى. كما يصعب الحديث أساساً عن وجود حركات ديمقراطية مؤثرة وفاعلة، فقد ارتبطت الديمقراطية لسوء الحظ في أذهان الجماهير الشعبية بالسياسات الغربية الداعمة للديكتاتوريات العربية طوال عقود الحرب الباردة ولإسرائيل دائماً، وأخيراً بالاحتلال الأميركي الذي جاء يبشر العرب بديمقراطية طائفية جعلتهم يعودون 14 قرناً الى الوراء. في ظل هذا الواقع المأسوي الذي انتهت فيه المواطنة لمصلحة الطائفة والقبيلة لم يعد أمام الناس الغرقى ما يتشبثون به سوى قشة صائدي الأرواح الذين هبطوا بالمقدس من عليائه وحولوه من سفر للمحبة الى ايديولوجيا قائمة على القمع والإرهاب والموت. صحيح أن الانتفاضات العربية أثارت إعجاب العالم كله، ولكنها بدل أن تقدم ما يقنع الناس بدعواها قادتنا الى المزيد من الفوضى التي أطلقت كل وحوش تاريخنا من كهوفها. المشكلة ثقافية قبل كل شيء: علينا أن نختار بين أن نكون مبدعين ضمن شروط عصرنا او أن نموت مغلولين في سجن ماضينا.

*تنشر لك مجلة «كيكا» في عددها المقبل جزءاً كبيراً من كتاب جديد تعده للنشر بعنوان «الشاعر في السجن» عن تجربة السجن التي عشتها في العراق لمدة ثلاثة أعوام، وهو الجزء الذي ستُنشر ترجمته الى الانكليزية أيضاً في عدد مجلة «بانيبال» المقبل. هل يمكنك أن تحدثنا عن مشاريعك الجديدة؟
- أنجزت في الأعوام الأخيرة العديد من الكتب التي لم أنشر سوى بعض نصوصها. هناك ديوان جديد تنقصه قصائد قليلة ليكتمل ورواية منتهية منذ بضعة أعوام بعنوان «في الطريق الى الجنة»، وديوان شعر كبير باللغة الانكليزية يفترض أن يصدر خلال العام المقبل في أميركا بعنوان «قوافل كثيرة مرت من هنا»، وكتاب تأملات وأسفار نُشرت أجزاء وافرة منه في العديد من المجلات والمواقع الالكترونية بعنوان «الرائي في العتمة». أما كتاب السجن الذي سينشر هذا العام فهو مشروع قديم كنت قد بدأت بكتابته في الحقيقة حين كنت في السجن، لكنني تركته عند بعض زملائي عند إطلاق سراحي، خشية أن تعثر عليه الشرطة إذا ما جرى تفتيشي وتصادره. ثم حين عدت لأستعيده لم أعثر له على أثر.

المثقف والمهجر
* لست أنت المثقف الوحيد الذي اضطر إلى ترك بلده في هذا العالم. ترى ما الذي اكتسبته من إقامتك الطويلة في ألمانيا بشقيها الاشتراكي والرأسمالي؟ وبصورة أدق: ما الذي تقدِّره فعلاً في الفضاء الأوروبي ولا تجده لا في العراق او في أي بلد عربي آخر؟
- شكراً لله انني لست المثقف العربي الوحيد هنا، فأنا أحتاج أحياناً الى أن أجلس في مقهى مع صديق عربي وأتذكر بلاداً تحولت الى حلم مستحيل. إنني مدين بالكثير لألمانيا التي منحتني الأمان وحررتني من الخوف في أن أعتقل بسبب نشر قصيدة او حتى أن أقتل لرأي أكون قد أبديته عن طيش او بحسن نية. لقد اعتقلت ذات مرة في بغداد، وكنت طالباً في الجامعة، بتهمة التشرد. ومؤخراً كشفت نائبة في البرلمان العراقي أنهم اعتقلوا شخصاً في الخامسة والسبعين من عمره ومكث أعواماً في السجن من دون محاكمة بدعوى انه قناص. في أوروبا التي أعيش فيها منذ حوالى 37 عاماً أدركت الطاقة الحقيقية للحرية التي لا تتحقق بترداد الأناشيد الحماسية، كما هي العادة عندنا، وانما باحترام حق الإنسان في أن يقرر مصيره بنفسه.

* إلى أي حدّ تأثرت كتاباتك شكلاً ومحتوى بعالمك الألماني والأوروبي الذي تعيش فيه منذ زمن طويل، وكيف؟
- أتاح لي العيش في المانيا، والإقامات الطويلة في العديد من البلدان الأوروبية، وأسفاري الأدبية الى أميركا وبلدان كثيرة أخرى في العالم أن أكون على تماس وثيق ليس فقط مع العديد من الثقافات الكبرى في عصرنا، وانما أن ألتقي أيضاً وأعقد صداقات وصلات وثيقة مع العديد من الكتّاب البارزين، وهي علاقات تركت تأثيراتها بالتأكيد على كتاباتي. وإذا كان ثمة ما تعلمته من هذه العلاقات فهو إدراك أن العمل الأدبي يتطلب جهداً شاقاً لا ينبغي للكاتب أن يقصِّر في بذله. وهنا أيضاً أدركت أن اتقان المرء للغات الأخرى يجعل لغته الأم التي يكتب بها أكثر دقة ورهافة، وربما ساعده ذلك أيضاً في امتلاك لغة منقاة من الحشو والفضفضة البلاغية. إنني أعي تماماً تأثيرات اللغتين، الانكليزية والألمانية، على لغتي العربية، وهي تأثيرات يهمني أن أقول عنها إنها تأثيرات متبادلة، إذ إنني أكتب وأنشر نصوصي باللغتين الانكليزية والألمانية أيضاً. وفي رأيي أن لغتي العربية استفادت كثيراً من معرفتي بهاتين اللغتين، سواء من الناحية الأسلوبية او طريقة بناء الجملة او دقة التعبير.

http://alhayat.com/Articles/3292992/فاضل-العزاوي--ليس-لدى-العرب-عن-الربيع-سوى-اوهام

حين سقطت أمّ كلثوم على خشبة المسرح

يونيو 28, 2014 اضف تعليق
15 شباط 2014
يسع المرء أن يلاحظ أن "الست" أم كلثوم لم تكن على سمت واحد في صورها، ولم تبق داخل إطار صورة المغنية السلطانية الجامدة و"الأيقونية" الواقفة على المسرح بغنائها المتعالي الجبار كأنها فرعون الصوت الذي ينصاع له الجسد والروح. ثمة الكثير من صورها "النادرة" (انتيكا) التي تكسر الإطار السائد وتفككه. صور نادرة مع أن الندرة أصبحت ممجوجة في زمن الـ"فايسبوك" وطوفان الانترنت. صور بين "الباباراتزي" والشعبوي والإجتماعي والحيوي والمرح. كل صورة لها حكايتها أو ذاكراتها الخاصة. إنها صور فاطمة إبرهيم البلتاجي، ابنة قرية طماي الزهراية المصرية الفقيرة، التي أصبحت سيّدة الغناء العربي وكوكبه، وانحفر صوتها في ذاكرة الشعب العربي ووجدانه.
ثمة الكثير من الصور اللافتة والمثيرة التي انتشرت أخيراً لأمّ كلثوم، تبيّن جوانب من حياتها الخاصة التي لم نألفها ولم نعهدها لها. في صورها هذه التي تسمّى "نادرة"، تبدو خارج دائرة الأيقونة التي كرّسها صوتها وعلاقتها بالنظام الناصري وجمهور الراديو والحفلات، وازداد وقع ايقونيتها مع جموح الفنانين التشكيليين في رسمها، والكتاب والكاتبات في تدوين سيرتها ومسارها، إذ جعلوها امرأة وفنانة "اسطورية" تغلب عليها "الخوارق" و"المعجزات" وصار صوتها يوازي "صوت مصر"، بحسب ما ذكرت الاميركية فيرجينيا لويس دانييلسن في كتابها عنها.
صور أم كلثوم خارج الكادر المعروف، تجعلنا نتوقف هنيهات في تأملها، كأننا أمام كائن "مقدس" يكسر التابوات من خلال بعض اللقطات المدججة بالمعاني. صورها هذه تزيد من وهجها وروحية صوتها، على عكس ما يتوهم البعض انها تؤثر سلباً في سلطانها. تبين الصور أن "ثومة" لم تكن مجرد مطربة جامدة لا تقبل المرح. واحدة تظهرها وهي تتراقص وسط مجموعة من السيدات يحملن الدف بسعادة وفرح لمشاركتها لهن الرقص. الصورة الأكثر تعبيراً التي وصفت بـ"الشقاوة"، هي التي يحملها فيها شاب وسيم هو ابن شقيقتها على شاطئ البحر، وقد حصدت الكثير من الإعجاب كونها تظهر جانباً مرحاً من حياة "كوكب الشرق". نراها أيضاً تحمل "نربيش" المياه (خرطوم) وتسقي حديقة منزلها، وفي صورة اخرى نراها مع طفلة ترقص أمامها وتنظر إليها بإعجاب وقد أصبحت الطفلة في ما بعد الفنانة شريهان. احتفلت شريهان بنشر هذه الصورة على طريقتها الخاصة، وهي التقطت أثناء رقصها في حفل زفاف شقيقها الفنان الراحل عمر خورشيد. كتبت تعليقاً على الصورة، قائلة: "كوكب الشرق" سيدة الغناء في مصر والعالم العربي، أم كلثوم تنظر بسعادة للأخت الصغرى لعمر خورشيد ‫شريهان‬‬‬‬، وهي تتراقص على لحن للموسيقار المبدع بليغ حمدي، بناءً على رغبتها. وكانت أم كلثوم أعطت شالها الحرير لشريهان، لتستعين به على الرقص في حفل زفاف شقيقها عمر خرشيد إلى السيدة أمينة السبكي. ختمت شريهان تعليقها بالقول: "يا لها من أيام وذكريات ولحظات مصيرية في عمري، لم أقصدها ولكنها نحتت شريهان".
ثمة لقطات أخرى "نادرة" كثيرة جمعت أم كلثوم بسياسيين في قامة جمال عبد الناصر وأنور السادات والشيخ زايد الذي قدم إليها هدية ثمينة، وأدباء أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، وفنانين مثل محمد عبد الوهاب وفيروز وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ والقصبجي، كانت هي على قائمتهم، وفي كل الصور تبدو السلطانة ومحور الجالسين أو الواقفين والمحيطين بها.
ثمة صور لإعلانات ترويجية خاصة بحفلاتها وفي بروفات أغنياتها، أو وهي على المسرح تؤدي أدوارها، وصورة تظهر فيها وهي ترتدي البنطلون والجاكيت والكاب، في رحلة إلى مدينة الأقصر عام 1924، وصور أخرى مع أحد الأطفال وهو يُشربها بيديه المياه الغازية، وصورة وهي طفلة في الثالثة من عمرها، وصورة مع طفل سوداني. زارت أم كلثوم ومعها فرقتها مدينة حلب عام 1931، وأقامت فيها ثلاث حفلات، ونزلت في فندق بارون وغنت في مسرح الشهبندر الجديد. التُقطت لها صورة نادرة في محلات "شاهين" في حلب، وكيل شركة "أوديون" للأسطوانات الموسيقية التي كانت تسجل أم كلثوم عليها أغانيها. في تلك المرحلة كتب أحمد الأوبري مقالاً في مجلة "الحديث" الحلبية يقول فيه، عقب استماعي إلى مطربة المشرق أم كلثوم، التي قدمت إلى حلب وأحيت فيها ثلاث حفلات كانت تسترعي انتباهي الأحاديث والأقوال التي كانت تدور على ألسنة الناس قبل قدومها ولا شك في أنك كنت تسمع بعضهم يقول: إن أم كلثوم خارقة من خوارق الطبيعة. وآخرين يدعون: أن غناء أم كلثوم شيء لا يستطيع الإنسان وصفه. وغيرهم يؤكد: أن من يستمع إلى أم كلثوم يظل مختلجاً سكران "مسطول" يحلم طوال ليله ولا يفارقه الحلم حتى صباح اليوم الثاني. سواهم يحكم: بأن أم كلثوم في الاسطوانة غيرها فوق التخت فمن سمع الاسطوانة لم يسمع أم كلثوم. لا قياس. لا تشبيه. وغير ذلك من الأقوال.
هناك مجموعة صور قد نراها للمرة الاولى وفيها تظهر أم كلثوم بالألوان، ملامحها وتعابير وجهها واضحة وجلية أكثر مما كانت تظهره الصور القديمة بالابيض والأسود. هذه الصور الملونة تكسر نمطية الحنين والانتيكا في الصور السائدة لأم كلثوم.
هناك صور تظهر البعد الإنساني لا الأسطوري لأم كلثوم. القصة ليست في الصور بل في حكاية بعضها. لهذه الاسباب تداول هواة الانترنت بعض الصور أكثر من غيرها، كأنهم يتداولون نكتة أو نهفة أو طرفة أو "كوميديا سوداء". الهواة يحوّرون الصور عن مسارها وطبيعتها، "وعظمة" أم كلثوم الغنائية وجديتها في الغناء، تجعل صورها "غير المألوفة" قابلة لتكون أداة للمرح أو اللعب، منها صورتها عندما سقطت على مسرح الأولمبياد في باريس. تقول الرواية المرافقة للصورة إن أم كلثوم ذهبت لتغني في باريس عام 1968، بعد هزيمة عام 1967، لتؤكد قدرة مصر على النهوض والوقوف على رغم الهزيمة. وقد سقطت وهي تغني "الأطلال"، وعندما انطلق صوتها الصداح بهذا البيت:
"هل رأى الحب سكارى مثلنا كم بنينا من خيال حولنا".
في تلك اللحظة، استبد الطرب بأحد الشبان المخمورين من الجمهور، فانطلق مسرعاً وصعد إلى خشبة المسرح، وركع أمام أم كلثوم على ركبتيه وأمسك قدمها اليمنى بكلتا يديه، عازماً وبإصرار على تقبيلها، ورفضت هي، وحاولت تخليص قدمها من بين يديه، فشدّتها إلى الوراء، وبين شدّها وتشبث يدي الشاب بها، تهاوى جسدها، وسقطت على خشبة المسرح. ولا شك أن سقوط أم كلثوم كان مؤلماً وموجعاً جداً لها، لكن المهم أن الحادث كله من لحظة سقوطها إلى وقوفها وعودتها إلى الغناء لم يستغرق أكثر من ثلاث دقائق، فصبرت على الألم، ونهضت لتواصل غناء "الأطلال" وحولت أم كلثوم الحادث المثير، إلى نكتة، لتخرج الجمهور من حالة الارتباك. بمجرد وقوفها عادت سريعاً لتغني "هل رأى الحب سكارى مثلنا"، في حين أن الشاب في أيدي رجال الأمن يقودونه إلى خارج المسرح، وغنّت صدر البيت على هذا النحو "هل رأى الحب سكارى بيننا" وهي تشير بيدها إلى الشاب، فضحك الجمهور وانطلق يصفق ويهتف لها بحرارة أشد انبهاراً بمقدرتها على تجاوز الحادث بسرعة.
صورة أخرى لأم كلثوم مع معجبة تقبلها بطريقة خاطفة على فمها، كانت أشدّ وقعاً لدى جمهور مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت، إذ بدت أم كلثوم ممتعضة وتحاول أبعادها عنها. لكن الكاميرات استطاعت التقاط هذه اللحظة الغريبة التي تظهر جنون بعض الأشخاص وهوسهم بأم كلثوم، ولم يلتقط مصور تلك الصورة تكملة ما حصل وماذا جرى بعد تلك القبلة. فماذا حصل بين أم كلثوم والمعجبة، هل كانت قبلة عابرة أم كانت بداية لإشكال؟ أيا يكن التخمين حول ما جرى، يمكن القول إن قبلة المعجبة لم تكن مجرد قبلة. فقد فاجأت الجمهور الذي سرحت مخيلته في توهمات كثيرة. نشرت صورة نادرة لأم كلثوم وهي تتناول غداءها من الطنجرة (او القدر) مع عازف القانون محمد صالح أثناء جلسة عمل (بروفة) لإحدى أغنياتها. ظهر في الصورة محمد عبد الوهاب. بدت "كوكب الشرق" وهي تأكل بملعقة مباشرة من الطنجرة من دون استعمال صحن خاص في حين أنّ عبد الوهاب كان ينظر إليها مستهجناً كأنه يشتمها وهو المتأنف الاريستوقراطي. أم كلثوم تأكل بطريقتها الريفية البدائية كأنها تنتهك اريستوقراطية الموسيقي وتعرّيها. نظرة "الموسيقار" إلى "ثومة" كانت غريبة، كأنها امتحان للعلاقة بينهما، أو امتحان للمطربة الكبيرة الآتية من الريف الفقير مع الاريستوقراطي البرستيجي الذي ينظر الى كل شي من رأس منخاره، ويعود ذلك لهوسه بالنظافة، هو الذي كان يغسل الصابون قبل استعماله ويغسل يديه قبل الأكل وبعده. وكان يضع منديلاً على أنفه، حتى لا يشم رائحة كريهة قد يكون مصدرها أي انسان.
نالت الصورة الكثير من التعليقات التي أشادت بعفوية المطربة الراحلة وبساطتها. فهي على رغم مكانتها الفنية، كانت تأكل من الطنجرة وليس بالشوكة والسكين، وتوقّف البعض عند عبد الوهاب وعلّق أحدهم بأنّه حين شاهد أم كلثوم تأكل بهذه الطريقة، قال: "والله العظيم ما حلحّن لك حاجه!".
أم كلثوم القوية وصاحبة "الصوت الصوت"، والجبارة المسيطرة على الحياة الفنية مدى عقود، كانت ايضاً تعيش القلق والتوجس، كأن السميعة سلطة من نوع آخر لا تقل أهمية عن سلطة الصوت أو مصدر متعة الاصغاء، أو كأن "الست" لا تشعر باعتزاز إلا اذا امتلأت الكراسي وحبس الجمهور أنفاسه وهو يسمع صوتها، هي المطربة الزعيمة كان لها طقوسها الخاصة التي لا تحيد عنها قبل صعودها على خشبة المسرح ومقابلة جمهورها. فهي تطمئن الى كل كبيرة وصغيرة من عازفين. ترتيب جلوسهم. تحرص أيضاً على أن يظهروا بشكل منسق متناغم، وهي اذ تقف على المسرح وتغني يبدو الجمهور كأنهم نسخة واحدة، أو جمهور متحد بنسخة واحدة من خلال الإصغاء. في صورتها النادرة تتلصص على جمهورها من خلف الستار قبل أن تظهر على خشبة المسرح. كأن سلطانها لا يسمح لها إلا بالفوز. هي لعبة الاحتراف طبعاَ، تلك اللعبة التي اجادتها مطربة اللوعة والغياب، وربما نجحت في هذا المجال بقوة الصوت قبل كل شيء، وبقوة الزمن.

محمد عبد الوهاب رجل المستقبل

يونيو 28, 2014 اضف تعليق
محمود الزيباوي
28 حزيران 2014 (ملحق النهار)


بدأ محمد عبد الوهاب مشواره الفني في مطلع العشرينات، ولُقِّب سريعاً بـ"رجل المستقبل". صعد المطرب الشاب سلّم المجد بخطى ثابتة، ووصل إلى القمة في الأربعينات، وتابع مسيرته بعد مرحلة تململ في الخمسينات، وبات "موسيقار الأجيال". رافق الناقد الياس سحاب عبد الوهاب في العقود الأخيرة من حياته الفنية الزاخرة، وسجّل ذكرياته الحية التي تحفل بالأخبار والمواقف المثيرة.

بدأ محمد عبد الوهاب مسيرته الفنية في مطلع العشرينات، وحظي برعاية شخصيتين كبيرتين من أبرز أعلام مصر الحديثة: الأمير يوسف كمال باشا، سليل أسرة محمد علي الحاكمة، ومؤسس "مدرسة الفنون ااجميلة" في عام 1905 و"جمعية محبي الفنون الجميلة" في عام 1924؛ وأمير الشعراء أحمد شوقي الذي تبنى المطرب يوم كان فتيا يافعا، ورافق صعوده منذ عام 1924 حتى رحيله عن الدنيا في تشرين 1932. تأثر عبد الوهاب في شبابه بهاتين الشخصيتين الفذتين، واكتسب منهما الكثير، انسانيا وفنيا، كما صرح بذلك مرارا خلال حياته الطويلة. في نهاية آذار 1926، وصفت مجلة "المسرح" المطرب الصاعد محمد أفندي عبد الوهاب بـ"الملحّن ذي المستقبل البسّام والمغنّي الذي أصبح حديث الخاص والعام"، وفي نهاية شهر آب، تحدثت المجلة عن نتاج عشرة ملحنين يعملون في مصر، ووصفت محمد عبد الوهاب بـ"رجل المستقبل". أثبت عبد الوهاب بسرعة أنه "رجل المستقبل"، وصعد سلّم المجد بخطى ثابتة، واحتل المركز الأول في سماء الغناء العربي.
في تلك الحقبة، لُقّب النجم الصاعد بـ"مطرب الأمراء والعظماء" ثمّ أضحى "مطرب الملوك والأمراء"، وكتبت مجلّة "الستار" في وصفه في تشرين الثاني 1927: "هل نحن في حاجة إلى تعريف محمد عبد الوهاب، البلبل الصدّاح، والطائر الغرد الذي يحلّق الآن في سماء الفن الغنائي؟ أراد محمد عبد الوهاب أن يظهر على المسرح كممثل ومنشد في آن واحد، فاتفق في الموسم الماضي مع منيرة المهدية وقام بدور مارك أنطوان في رواية كليوبطره، لكن السيدة منيرة لم يرقها أن يهتف الجمهور للمطرب الشاب أكثر مما يهتف لها، ففعلت ما هو مشهور في الوسط المسرحي، وفسخت الاتفاق الذي عُقد بينها وبين عبد الوهاب. ويُقال الآن إن عبد الوهاب يتفاوض مع بعض المطربات لتكوين فرقة جديدة تقوم بتمثيل روايات الأوبرا، وفي هذه الأيام يحيي مطربنا النابغة حفلات غنائية يُقبل عليها الناس إقبالاً عظيماً". تلاحقت الحفلات الغنائية وتخطّت حدود مصر، وتعاظم إقبال الناس عليها في الداخل كما في الخارج. نافس المطرب في فضاء الغناء والطرب التقليدي حامد مرسي وصالح عبد الحي، وتميّز بألحانه التي حملت نفساً حديثاً. في تشرين الأول 1930، عبّرت المطربة "الناشئة" نجاة علي عن إعجابها بهذه التجربة في حديث نقلته مجلّة "مصر الحديثة"، وقالت: "للأستاذ عبد الوهاب طريقة في فن التجديد لم يطرقها غيره من الموسيقيين، وقد كان للمرحوم الشيخ سيد درويش رأي في التجديد، دلّ على جرأة كبيرة، كما دلّ على روح موسيقية ثائرة، وقد استطاع رحمه الله أن يمزج بين النغم الشرقي والغربي في جرأة نادرة، حتى أخرج لنا ألحاناّ ذات صيغة موسيقية لم تألفها الأذن الشرقية قبلاً. لكن خطة عبد الوهاب في التجديد غير ذلك. وقد سألناه بسطها للجمهور فأبى معتبراً هذا سرّ مهنة، وكل ما استطعنا الوقوف عليه منه أنه لا يقتصر في ألحانها على مزجها بالهارموني، فهذا ليس كل التجديد، ولكنه يخلق من الأنغام المتداولة شيئاً جديداً، ويبتدع لها طريقة جديدة، كما أنه يحطم بعض القيود التي جعلت موسيقانا في ركود، وهذا كله من آثار النهضة الموسيقية في مصر".
ابتدع عبد الوهاب "شيئاً جديداً"، وحطّم الكثير من القيود، وأثار مبكراً سجالاً تردّد صداه على مدى عقود من الزمن. علت أصوات حرّاس المدرسة التقليدية في مواجهته، وفي مقدمهم زكريا أحمد وصالح عبد الحي اللذين سخرا في بعض الأحيان من أسلوبه، غير أن عبد الوهاب استمر في مغامرة التجديد، ووصل في نهاية الأربعينات إلى قمة مجده. تابع الفنان مشواره في الخمسينات مجارياً تحولات العصر فنياً واجتماعياً وسياسياً، وقدّم أعمالاً اختلف النقاد في تقويمها. في كتابه الصادر حديثاً عن "دار نلسن" تحت عنوان "مع محمد عبد الوهاب"، يتطرّق الياس سحاب إلى تلك المرحلة التي يرى فيها "مرحلة القلق الفني لعبد الوهاب في عقد الخمسينات"، ويربط بينها وبين "تحولين مهمين في حياته الشخصية والفنية: طلاقه من زوجته السابقة وأمّ أولاده السيدة إقبال نصار، واقترانه بالسيدة نهلة القدسي. واعتزاله الغناء رسمياً مع أوركسترا، في مطلع عقد الستينات". بحسب الباحث، كان لهذين الحدثين المهمين "أبلغ الأثر في ذلك التوتر الفني الذي أصاب عبد الوهاب للمرة الأولى والأخيرة في حياته، بظاهرة الشحّ الفني، وظاهرة تذبذب المستوى، بعد ان كان ملتزماً طوال حياته المستوى الفني الرفيع". فرّط صاحب "الجندول" بمستواه الفني الرفيع أحياناً في تلك الفترة، لكنه خرج بأعمال كبيرة "في صميم تلك الفترة القلقة المتوترة"، ومنها "نشيد الحرية"، و"دعاء الشرق"، و"الروابي الخضر"، و"النهر الخالد"، و"الصبر والإيمان"، و"بفكر في اللي ناسيني"، واستعاد من خلال هذه الأعمال "عافيته الفنية، ومستواه الفني الرفيع"، وجاء ذلك في "مرحلة الصعود القومي وتأميم قناة السويس وبناء السد العالي وقيام الوحدة بين مصر وسوريا"، وهي الحقبة التي شهدت ولادة أعمال وهّابية وطنية رفيعة من طراز "أغنية عربية" و"الوطن الأكبر" و"ذكريات" التي أدّاها عبد الحليم حافظ.



قبس من السحر
التقى الياس سحاب بعبد الوهاب شخصياً للمرة الأولى في عام 1958، وتعاقبت اللقاءات بعد ذلك بين بيروت والقاهرة على مدى عقود من الزمن رافق خلالها الناقد ولادة أعمال الفنان في الفترة الأخيرة من حياته، وهو اليوم يستعيد هذه الذكريات في كتاب يحمل الكثير من المفاجآت الفنية. يبدأ الكاتب مسلسل الذكريات مع قصيدة "لا تكذبي" التي ألّفها كامل الشناوي، وغنّتها نجاة الصغيرة بتوزيع علي اسماعيل في فيلم "الشموع السوداء" عام 1962. بعدها غنّى عبد الحليم حافظ هذه القصيدة على طريقته الخاصة، ثم سجّلها عبد الوهاب بصوته على العود. يقول الكاتب في حديثه عن هذا العمل: "كنت صريحاً منذ البداية في التعبير عن تفضيلي لتسجيل نجاة الصغيرة، رغم الشهرة المدوية لعبد الحليم حافظ في تلك الأيام، لأني اعتبرت أداءها اقرب إلى المزاج الوهّابي الذي طبع اللحن من بدايته إلى نهايته، وهي الروح التي خرج عليها تماماً أداء عبد الحليم حافظ، المتوتر أصلاً، وغير المرتاح. ثم حدث أن نزل إلى الأسواق تسجيل ثالث للقصيدة بصوت عبد الوهاب بمرافقة عوده المنفرد، فمسّني عند سماع هذا التسجيل قبس من السحر، كعادتي أمام أيّ عمل متميز لعبد الوهاب، وقلت في نفسي: هذا هو لحن "لا تكذبي"، مؤدى كأجمل وأرقى ما يكون الأداء. ولم أكتف بهذه المشاعر، بل وجدتني أحمل القلم وأكتب مقالاً شديد الصراحة في مقارنة مكشوفة بين التسجيلات الثلاثة. وأعترف أنني كنت وأنا دون الثلاثين من عمري، أعبّر عن آرائي الفنية والسياسية بلا أي قفازات ديبلوماسية".
نشر الياس سحاب مقالته في "الحوادث"، وسارع صاحب المجلة سليم اللوزي إلى ارسالها إلى عبد الوهاب الذي ردّ برسالة صغيرة من لندن مكتوبة على ورق الفندق الذي كان يقيم فيه، معبّراً "من عاصمة الضباب" عن تقديره البالغ للنقد الذي كتبه سحاب عن أدائه لقصيدة "لا تكذبي". دُهش الناقد الشاب بهذه الرسالة بقدر ما سعد بها، وتساءل: "هل ما زال الموسيقار الكبير حريصاً، وهو في قمة مجده، على سماع تقدير لعمل فني يقوم به، حتى من صحافي وناقد ناشئ؟".

اللوازم الموسيقية الخارقة
بعد "لا تكذبي"، ينتقل الكاتب إلى سلسلة الأعمال الوهابية التي شدت بها أم كلثوم، وأولها طبعاً "أنت عمري" في شباط 1964. انتظر الجميع بلهفة هذا اللقاء الأول، ومنهم الياس سحاب الذي لم يُعجب باللحن عند سماعه للمرة الأولى، ثم عاد و"اكتشف" عمق جمالياته عند الاستماع إليه للمرة الثانية. كتب الناقد مقالة أولى من وحي السماع الأول، وكتب مقالة ثانية من وحي السماع الثاني، ونشر المقالتين تباعاً في عددين متلاحقين من "الحوادث"، وبعد اسابيع، التقى بعبد الوهاب في بيروت، وتحدث معه عن "انت عمري"، وقال له إنه لاحظ "ان الإعادات الجميلة التي كانت تؤديها أم كلثوم، كانت تفتقر إلى حرية في التصرف الغنائي بعيداً عن اللحن الأصلي، كما كانت تفعل في ألحان السنباطي وزكريا أحمد"، وسأله "عن السر الفني الذي صاغ به اللحن، حتى جاء مقيداً لحرية أم كلثوم المعتادة في التصرف". ابتسم عبد الوهاب يومها موافقاً وأجاب: "ليس هناك سر، لقد عالجت معظم مقاطع اللحن بتداخل مركّب بين تقطيع الجملة اللحنية من جهة وتقطيع الايقاع من جهة ثانية، ما عدا مقاطع قليلة تركت لها فيها شيئاً من حرية التصرف. والذي يستمع إلى تسجيل الحفلة الأولى لـ"انت عمري" يلاحظ عند وصولها إلى عبارة "ليه ما قابلنيش هواك يا حبيبي بدري"، أن اللحن يفترض إعادة كلمة ليه عدداً محدداً من المرات، فلما حاولت أم كلثوم التصرف وتجاوز هذا العدد المحدد لحنياً وايقاعياً، خرجت عن الإيقاع السليم، وأخرجت معها الفرقة الموسيقية، التي اضطرت للملمة الوضع والإعادة". إثر هذا الكلام، تطرّق عبد الوهاب إلى المقالين اللذين كتبهما الياس سحاب حول "أنت عمري"، وقال للكاتب في لهجة من المداعبة الحازمة: "علشان تاني مرة تسمع كويّس، قبل ما تتفلسف وتكتب".
بعد "أنت عمري"، تكرر اللقاء بين أم كلثوم وعبد الوهاب، فكانت "على باب مصر" في العام نفسه، وتبعتها في العام التالي "انت الحب" ثم "أمل حياتي". ولدت "فكّروني" في 1967، و"هذه ليلتي" في 1968، و"أصبح عندي الآن بندقية" في 1969. خرجت "ومرت الأيام" في 1970، ثم "أغداً ألقاك" في 1971، وشكلت "ليلة حب" نهاية هذه السلسلة الوهابية في 1972. احتل لحن أغنية "انت عمري" عند صدورها مركز الأغنية الأولى في كل محطات الإذاعة من المحيط والخليج، وأفردت الصحافة صفحاتها لسماع أهل الاختصاص بها. قوبلت هذه الأغنية "بهجوم شديد من بعض تلاميذ عبد الوهاب خاصة كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي، وذلك في سلسلة من التصريحات الصحافية والإذاعية والتلفزيونية". بعد سنوات، التقى سحاب بكمال الطويل ومحمد الموجي، واعترف الملحنان له صراحة بإعجابهما الشديد بلحن "انت عمري"، واعتبرا أن هجومهما عليه عند صدوره كان بدافع "عداوة كار عادية". وقال الموجي في هذا الصدد: "هل تذكر ان لحني العاطفي الأول لأم كلثوم "للصبر حدود" قد ظهر في مطلع شهر يناير من العام 1964، والذي حدث انه لم يكد يمر شهر على بداية استيعاب الجمهور لحن "للصبر حدود"، والإعجاب به، حتى ظهر لحن "انت عمري" ككاسحة ألغام فنية، لم يترك فيها عبد الوهاب ضرباً من ضروب ابتداع اللوازم الموسيقية الخارقة إلا واجترحه. ماذا تتوقع مني بعد ذلك؟ هل أقول له: سلمت يداك؟".
في كلامه عن الألحان التي وضعها عبد الوهاب، يقول الياس سحاب إن أقوى هذه الأعمال "وفقا لقوة اللحن واحكام البناء الموسيقي فيها" هي أولا "على باب مصر" ثم "انت الحب" و"أنت عمري"، وقد وافق عبد الوهاب على هذا الرأي، كما أعجب برأي الكاتب في لحن "أغداً ألقاك" حين أبدى إحساسه "بأنه لحن وضعه عبد الوهاب لمزاجه الخاص وليس لمزاج جماهير أم كلثوم".

ليونة وعذوبة
من أمّ كلثوم، ننتقل إلى وردة الجزائرية وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة، وآراء عبد الوهاب فيها. عن صوت وردة، يقول: "إنه صوت يعطيك عند الإستماع إليه الشعور بالصحة والعافية". ويعلّق سحاب: "بقدر ما في هذه الإجابة من إشادة بنقاط القوة في صوت وردة، فإن فيه غمزاً خفياً من نقاط الضعف، وإن كان عبد الوهاب كعادته، يطرح في تصريحه نصف الحقيقة بوضوح، ويترك للمستمع اكتشاف النصف الآخر للحقيقة". عن صوت فايزة، يقول عبد الوهاب "إنه صوت حار وشهواني، يطربه كثيراً عندما تتحكم به وتسيطر عليه". "أما جوابه عن السؤال عن صوت نجاة الصغيرة، فكان أغرب الأجوبة، فقد أجابني بصوته وحركات يديه: إنها أكثر مطربة لديها علاقة بين هنا وهنا. وكان في "هنا" الأولى يشير إلى الدماغ، وفي "هنا" الثانية يشير إلى الحنجرة. في إشارة واضحة إلى أن نجاة الصغيرة أكثر مطربة تحسن إدارة صوتها بعقلها. وعلى ما في هذه الإشارة من مديح واضح، فإن فيه غمزاً واضحاً من ضيق المساحات الصوتية في حنجرة نجاة، لكنها تعوض ذلك بحسن إدارتها لمساحات صوتها المحدود".
في هذا الباب، يصف الكاتب وصفاً حياً مباشراً طريقة عبد الوهاب المتأنية في تسجيل ألحانه من خلال عرضه لجلسة إعداد المونتاج الأخير لأغنية "بصراحة" التي أدّتها فايزة أحمد، في حضور نصري عبد النور، مهندس الصوت الذي لازم الملحّن في تسجيلاته حتى وفاته، ويروي كيف ولد التسجيل الرسمي لهذه الأغنية من ستة تسجيلات مختلفة، و"كيف فرض عبد الوهاب على مهندس الصوت في كلمة الافتتاح في الأغنية "بصراحة"، اختيار حرف "الباء" من تسجيل، وبقية كلمة "صراحة" من تسجيل آخر، لأن كلمة بصراحة التي اختارها كانت الأجمل بين التسجيلات، لكن حرف "الباء" فيها كان يشوبه شيء من الجفاف في أداء المطربة الكبيرة، فاختار للكلمة حرف "الباء" من تسجيل آخر، لأنه كان أشد ليونة وعذوبة".

الدعاء الأخير
في الحديث عن "أجواء حرب 1967"، يقدم الياس سحاب شهادة مثيرة حول حذر عبد الوهاب من الشعراء "اليساريين" سياسياً، مثل فؤاد حداد وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي ومحمود جاهين، ذلك أن الملحن "بطبيعته السياسية المكوّنة في أوساط الوفد القديم" كان يتجنب التعامل مع شعراء مقربين من ذوي الاتجاه اليساري الواضح، أو أنه يفضل الابتعاد عن هذا التعامل. يتوقف الكاتب أمام نشيدين من كلمات الأخوين رحباني، "طول ما أملي معايا" و"سواعد من بلادي"، ويقول إن الأول سُجّل في بيروت بتوزيع منصور رحباني وبمصاحبة كورس الرجال في الإذاعة اللبنانية، والصحيح أنه سُجّل مع كورس "الفرقة الشعبية" الرحبانية في ستوديو بعلبك.
في المقالات الأخيرة من الكتاب، يستعيد الكاتب الألحان المطولة التي وضعها عبد الوهاب في السبعينات لكل من عبد الحليم ووردة وفايزة ونجاة، وتحمل هذه الاستعادة باقة أخرى من الأخبار غير المتداولة. يستعرض الكاتب آراء عبد الوهاب وعلاقاته الخاصة بأصوات كبار المقرئين: علي محمود، درويش الحريري من الجيل الأقدم، ثم محمد رفعت ومصطفى اسماعيل من جيله، وأخيرا محمد عمران الذي "اكتشفه" عبد الوهاب في عزاء عبد الحليم حافظ عام 1977، وبات صوته المفضل حتى رحيل الموسيقار في أيار 1991. بختم سحاب كتابه بالحديث عن آخر ألحان عبد الوهاب، وهو "الدعاء الأخير" الذي نعرف قسماً منه في تسجيل تلفزيوني عنوانه "لبيك اللهم لبيك"، وقسماً آخر سجلته نجاة الصغيرة بتوزيع يحيى الموجي...http://newspaper.annahar.com/article/146073-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D8%B1%D8%AC%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84

«الجاسوس الجيد» يتناول إخفاء موسى الصدر واغتيال إسرائيل أبو حسن سلامة

يونيو 28, 2014 اضف تعليق
ابو حسن سلامةhttp://www.alhayat.com/Articles/3257079/-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D8%B3%D9%88%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%AF--%D9%8A%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%88%D9%84-%D8%A5%D8%AE%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9
أمل مدللي(جريدة الحياة)
كتاب «الجاسوس الجيد» للكاتب كاي بيرد يروي قصة حياة الجاسوس الأميركي روبرت آيمس ومقتله في تفجير السفارة الأميركية في بيروت في عام 1983 مع سبعة ضباط آخرين في الـ «سي آي أي»، كاشفاً أسرار ثلاثين سنة من العمل الاستخباري الأميركي في المنطقة، من أول قناة اتصال بين الأميركيين ومنظمة التحرير الفلسطينية والتي كانت نواة عملية السلام، إلى أيلول الأسود وميونيخ والثورة الإيرانية. لكن أهم ما في الكتاب هو سرده بداية الحوار الأميركي- الفلسطيني عبر قناة الاتصال التي فتحها آيمس مع علي حسن سلامة (أبو حسن) أحد قادة الثورة الفلسطينية الذي اغتالته إسرائيل في بيروت في عام 1979، وادعاء الكتاب أن إيران كانت وراء اخفاء الإمام موسى الصدر عندما طلب الإمام محمد بهشتي من القذافي منع الصدر من مغادرة ليبيا لأنه يشكّل خطراً على الخميني.
يقول الكاتب الذي استقى معلوماته من مراجع قريبة من أبو حسن سلامة ومن عائلة آيمس وأصدقائه وزملائه في الـ «سي آي أي»، أنه عندما أراد أن يعرف ماذا حدث للصدر استعان بصديقه أبو حسن سلامة ليتحرى له الأمر، فآيمس الذي خدم أيضاً في إيران في تلك الفترة أراد أن يعرف خبايا اختفاء الصدر لأنه كان يعلم «مدى تأثيره على ملايين الشيعة ليس فقط في لبنان، وإنما في إيران البلد الذي كانت قد بدأت تظهر عليه ملامح ثورية في الشوارع». عاد سلامة بملف كامل يتحدث عن ظروف اختفاء الصدر بحسب معلومات منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس ياسر عرفات، لأن الخميني كان قد طلب من عرفات المساعدة في جلاء ملابسات اختفاء الصدر.
وبحسب هذه المصادر دعا الرئيس الليبي السابق معمر القذافي الإمام الصدر والإمام محمد بهشتي الإيراني الحليف المقرب من الإمام الخميني والذي كان يقود «المركز الإسلامي» في ألمانيا لزيارة ليبيا لأنهما كانا على خلاف عقائدي، ففي حين يؤيد بهشتي إقامة الدولة الشيعية الدينية كان الإمام الصدر يعارض الفكرة ويعتبر أن العقيدة الشيعية تحرم على رجال الدين الشيعة ممارسة السلطة السياسية مباشرةً.
يضيف الكاتب بحسب المصادر الفلسطينية أن بهشتي لم يأت إلى ليبيا، بينما أتى الصدر وجلس ينتظر للقاء القذافي، وعندما طال انتظاره أياماً في فندقه ولم يستقبله القذافي قرر الرحيل، فتوجه إلى المطار مع رفيقيه. في هذه الأثناء اتصل الإمام بهشتي بالقذافي وطلب منه أن يمنع الصدر من السفر بكل الطرق الضرورية، وأكد بهشتي للقذافي أن الصدر عميل غربي. أمر القذافي رجال أمنه بإجبار الصدر على تأجيل مغادرته وأن يتم إقناعه بالعودة إلى الفندق، لكن رجال أمن القذافي أساؤوا معاملة الصدر وأهانوه، فحصل جدال واعتداء على الصدر ورميه في سيارة. تدهورت الأمور وخرجت عن السيطرة فتم أخذ الصدر إلى السجن بحسب الرواية.
ويقول الكاتب نقلاً عن مصادره إن القذافي غضب عندما علم بما حدث، لكنه شعر أنه لا يستطيع الإفراج عن الصدر من دون إحراج سياسي له، لذلك مكث الصدر في سجن في طرابلس الغرب لمدة شهور، وأخيراً طلب عرفات من القذافي الإفراج عن الصدر. في هذا الوقت كان الإمام الخميني قد عاد إلى إيران حيث كان يكتب مع بهشتي دستور إيران الإسلامي لما بعد الثورة. وعندما ألحّ عرفات على القذافي، قال القذافي إن عليه أن يقوم باتصال هاتفي، فاتصل ببهشتي الذي قال له إن الصدر يمثل خطراً على الخميني، وأخبر المصدر الفلسطيني آيمس أنه جرى بعد ذلك إعدام الصدر ورفيقيه ودفنهما في الصحراء.

أبو حسن سلامة
لكن الجزء الأهم والمحور الرئيسي للكتاب هو علاقة آيمس بأبو حسن سلامة- الأمير الأحمر، كما كانت تسميه الموساد- الاستخبارات الإسرائيلية، فآيمس لم يكن جاسوساً عادياً بل أمضى معظم سنوات عمله في منطقة الشرق الأوسط وتكلم العربية بطلاقة وأصبح من الأصدقاء المقربين لأبو حسن سلامة وللفلسطينيين، ما أدى إلى اتهامه بالتعاطف معهم على حساب مهنته. وهو وصل إلى رتبة عالية في جهاز الاستخبارات الأميركية وكان البيت الأبيض (والرئيس الأميركي) يستمع إلى نصحه حول المنطقة، كما لعب دوراً في إعداد مبادرة الرئيس رونالد ريغان للسلام.
بدأت قصة آيمس مع الفلسطينيين وأبو حسن سلامة عندما قام صديق لبناني لآيمس هو مصطفى الزين بتقديمه إلى سلامة في عملية تعارف استخباراتي تذكر بالقصص البوليسية المشوقة، أقنع آيمس الزين الذي كان يطلق عليه اسم «النبي» بأن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون شخصياً أعطى موافقته على فتح قناة اتصال مع منظمة التحرير الفلسطينية لكي يقنعه بتعريفه بسلامة.
الموعد الأول بين آيمس وسلامة كان بواسطة الزين في مقهى ستراند في شارع الحمراء، وكان السيناريو أن يمر آيمس إلى جانب المقهى في وقت محدد، فيشير الزين لسلامة أن ذلك الرجل هو قناة الاتصال لكي يعرفه من دون تبادل الكلام.
ولكن عندما توقف آيمس فجأة بالقرب من سلامة وقف سلامة وصافحه والتفت إلى الزين قائلاً: «هذا رجلي». وهكذا بدأت عملية استغرقت سنوات وعاشت عمراً تخطى حياة سلامة ولا تزال حتى اليوم، وتعرف بعملية السلام.
وأصبح سلامة مصدر معلومات رئيسي لـ «سي آي أي» حول المنطقة، خصوصاً كقناة اتصال مع عرفات الذي أطلعه سلامة على كل تحركاته، وحاول آيمس التأثير في سلامة لكي تتحول منظمة التحرير إلى حزب سياسي وليس منظمة فدائيين، كما حاول سلامة التأثير في واشنطن من خلال آيمس ليقنعها «أن من غير الواقـــعي تجاهل القضية الفلسطينية». وينـــقل الكاتب عن ضابط في الـ «سي آي أي» أن طموح سلامة كان أن يحــــول القـــناة السرية إلى علاقة ديـــبلوماسية حقـــيقية وأن تتــطور العــلاقة إلى اعتراف بالمنظمة.
ويقول الكاتب إن سلامة كان «يؤمن أن نضاله الثوري سينتهي إلى طاولة المفاوضات». ونقل الزين عن سلامة في حديث بينهما حول نهاية المطاف قول سلامة: «يجب أن تُحل بتسوية سياسية عادلة بيننا وبين الإسرائيليين».
وحصل اتفاق عدم اعتداء غير رسمي مع منظمة التحرير أدّى إلى حماية السفارة الأميركية والمصالح الأميركية في بيروت، ولكن، كانت الـ «سي آي أي» تريد أكثر من ذلك، كانت تريد تجنيد أبو حسن سلامة وأن تضعه على قائمة عملائها في المنطقة.
يروي الكاتب محاولات تجنيد سلامة المتكررة وفشلها كما الفشل في إقناع آيمس بمحاولة تجنيده لأنه كان يعتقد أن سلامة لن يقبل. أرسلت الوكالة ضابطاً آخر لمحاولة تجنيد سلامة. ويقول الكاتب إن اللقاء كان مع سلامة في روما وقام بترتيبه مصطفى الزين، وروى أن المسؤول الأميركي عرض على سلامة 300 ألف دولار شهرياً للعمل مع الوكالة. ويروي الزين أنه اتفق مع سلامة على رد مناسب على مسؤول الوكالة. فعندما اجتمعا في مطعم فخم قام سلامة وغادر المطعم بينما قال الزين للمسؤول الأميركي: «لقد أخبرني سلامة بكل شيء»، قال إنكم على استعداد لتمويل منظمة التحرير بـ35 مليون دولار سنوياً والاعتراف بالمنظمة، لقد أرسل سلامة رسالة إلى عرفات بهذا الخصوص والرئيس مسرور بذلك. يقول الزين إن المسؤول غضب وغادر المطعم.
وتروي زوجة سلامة للكاتب أنه كانت محاولة تجنيد أخرى بعد عملية ميونيخ من الـ «سي آي أي» عبر عميل آخر لإعطاء سلامة شيكاً أبيض والطلب منه كتابة الرقم الذي يريد، لكن سلامة غضب ورمى الشيك على الطاولة وغادر اللقاء معتبراً إنها إهانة «وأنه لا يمكن أن يكون عميلاً لأحد وليس فقط للأميركيين». ونقل عنه قوله: «لا أحد في هذا العالم يمكن أن يعطيني شيئاً لا تعطيني إياه ثورتنا».
وظلت قناة الاتصال بين أبو حسن سلامة والأميركيين سراً لم تعرفه حتى إسرائيل، إلى أن خاف كيسنجر من نتائج التعامل سراً مع منظمة التحرير فأطلع الملك حسين والرئيس السادات وقادة عرب آخرين وأخبر سفير إسرائيل في واشنطن.
يقول الكاتب إن الإسرائيليين «صدموا وسوف يقومون بكل شيء لكي يمنعوا محادثات جديدة بين أميركا ومنظمة التحرير». واعتبروا أنها خطوة أولى للاعتراف بالمنظمة، واحتجت الموساد رسمياً لـ «سي آي أي» وطالبت بإلغاء اتفاق عدم الاعتداء فرفض الأميركيون، وكان الموساد لا يزال يحاول اصطياد أبو حسن سلامة منذ عملية ميونيخ بعدما اتهمه بأنه كان وراءها.
ويرد الكاتب أنه «في منتصف 1973 رأى عرفات أن القناة التي بدأها سلامة وآيمس وصلت إلى قيادة الـ «سي آي أي» وإلى البيت الأبيض ووفرت إمكانية وفرصة الحصول على الاعتراف الأميركي بالمنظمة وبحق تقرير المصير الفلسطيني والدولة. بهذا المعنى انتجت علاقة آيمس بسلامة ثلاث زيارات إلى أميركا واجتماعات بينه وبين الـ «سي آي أي» في واشنطن وأماكن أخرى في الولايات المتحدة. وفي إحدى الزيارات رافقت سلامة جورجينا رزق التي أصبحت في ما بعد زوجته، وزارا هاواي وديزني لاند.
وأخذت قناة سلامة- آيمس تثمر، فعندما ذكر الرئيس كارتر في عام 1977 «وطن للاجئين الفلسطينيين» كانت المرة الأولى التي يستخدم فيها رئيس أميركي هذه الكلمات. ويقول الكاتب إن سلامة أخبر آيمس أن جماعته سعداء بكلمات الرئيس، وتحدث لآيمس عن «المنزل الذي سوف يبنيه لنا إلى جانب منزله في القدس».
ويرصد الكتاب كيفية تحرّك المنظمة في منتصف عام 1974»، سريعاً وبعيداً عن استراتيجية الكفاح المسلح لتصبح حركة سياسية تسعى للحصول على الشرعية الدولية. وكان تتويج ذلك زيارة الرئيس ياسر عرفات إلى الأمم المتحدة التي فاوض أبو حسن سلامة الأميركيين حول تفاصيلها بما فيها إصرار الأميركيين أنه لا يمكن أن يحمل عرفات مسدسه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي انتهت بأن يحتفظ عرفات ببيت المسدس على خصره من دون المسدس.
القسم المتعلق باغتيال أبو حسن سلامة في بيروت يتحدث عن النقاش الذي دار داخل الـ «سي آي أي» حول سلامة وما إذا كان يجب حمايته من الموساد أم لا، في ضوء رفضه أن يصبح عميلاً.
يقول الكاتب أنه في عام 1978 اقترب مسؤول في الموساد من مسؤول كبير في الـ «سي آي أي» في مؤتمر في لندن وسأله مباشرة عما إذا كان سلامة يعمل لـ «سي آي أي»، لكن هذا المسؤول لم يجب على السؤال ومشى.
عقد اجتماع في الـ «سي آي أي» وجرى فيه نقاش «جاد» حول الموضوع، ويقول الكاتب إنهم قرروا في النهاية أن لا يجيبوا على سؤال الإسرائيليين، لأن لا جواب هو أفضل من نعم أو لا. ويضيف الكاتب أن عدداً من ضباط الوكالة اعتبروا أن ذلك غلطة كبيرة، وقال أحدهم: «لا جواب هو جواب». ورأى كثيرون منهم أنه كان يجب على الأميركيين حماية سلامة.
عرف آيمس بسؤال الإسرائيليين فأرسل تحذيراً لسلامة وطلب من رئيسه في الـ «سي آي أي» أن يرسل رسالة إلى الإسرائيليين تحذّرهم أن لا يمسّوا بسلامة، ولكن الكاتب يقول: «إن هذا المسؤول رفض».
وجرى حديث داخل الوكالة عن إرسال سيارة مصفحة لسلامة وإرسال بعض آلات التشفير للاتصال بالوكالة وتحسين أمنه ولكنها وصلت بعد موته. ويقول الكاتب إن «الإسرائيليين أصروا على أن سلامة مستهدف منهم، وأنهم سيتركونه حياً فقط إذا تسلم الموساد معلومات تؤكد أنه يعمل لـ «سي آي أي». آيمس لم يكن يستطيع أن يعطي هكذا جواب لأن سلامة لم يكن عميلاً لـ «سي آي أي» في شكل رسمي. وحاول آيمس جاهداً أن يحصل سلامة على إذن من عرفات لكي يخبر الإسرائيليين أنه يعمل للوكالة لئلا يُغتال. فرد سلامة أنه لا يمكن أن يقبل بذلك، لأن الإسرائيليين سيعلنون ذلك على الملأ، فينتهي سلامة داخل المنظمة، لقد كان في وضع صعب فاختار المخاطرة.
كثيرون حذروا سلامة من أن الموساد سيغتاله وكان أحدهم بشير الجميل الذي أرسل له أكثر من تحذير وأحدها كان قبل لحظات من انطلاق موكبه من منزله للمرة الأخيرة وقبل اغتياله بلحظات تقول «إن اغتياله سيتم خلال يوم أو يومين».
في 19 كانون الثاني (يناير) 1979 اغتال عملاء إسرائيل أبو حسن سلامة بسيارة مفخخة في أحد شوارع بيروت. توجه عرفات خلال جنازة سلامة إلى مصطفى الزين وقال بمرارة «إن أصدقاءك لم يستطيعوا حماية ابني، لقد أعطيتهم أهم ما لدي، أعطيتهم يدي اليمنى، كيف يمكن أن يحصل هذا»؟
هذا السؤال كان موضوع نقاش الأسبوع الماضي خلال ندوة حول الكتاب، تحولت إلى ما يشبه تأبيناً لآيمس من زملائه الذين حضروا الندوة في معهد ويلسون في واشنطن. قال في الندوة الكاتب ديفيد أغناطيوس من «واشنطن بوست»: «عندما نُقل الخبر إلى الرئيس كارتر قيل له: لقد قُتل رجلنا في بيروت». وتدخّل زميل لآيمس قائلاً: «كان يجب على الأميركيين القيام بشيء ما لإبعاد أيدي الإسرائيليين عن سلامة».
النقاش حول مقتل سلامة حاول استشراف سبب الاغتيال: هل هو ميونيخ أم أكثر من ذلك؟
ينقل الكتاب عن بروس رايدال الذي كان مسؤولاً في الـ «سي آي أي» قوله: «اعتبر الإسرائيليون أن علاقة سلامة السرية مع الأميركيين كانت الخطوة الأولى لرؤية عرفات في البيت الأبيض، لقد كانوا يريدونه ميتاً لهذا السبب وحده.


* مستشارة إعلامية لبنانية - واشنطن

تطور اللغات واللهجات / الموصل نموذجا

يونيو 27, 2014 اضف تعليق

  
آثار مدينة الحضرة بالقرب من الموصل 
 دراسة تاريخ اللغات اداة هامة في دراسة تاريخ الأمم ومصدر للكشف عن الكثير من الحقائق التي يجهلها المواطن العادي والتي قد تناقض معتقدات يظنها البعض حقائق لا لبس فيها. وسبب هذا هو اضمحلال الذاكرة التي يدعي البعض بأنها لاتموت بينما يبين التاريخ ان انتقال الذكريات من جيل الى آخر يقل مع زيادة عدد الاجيال حتى تنتهي في قبور النسيان كما يتغير تفسيرها حسب ناقلها لأغراض شخصية أو دينية أو سياسية. ويفاجأنا عامل آخر في اختفاء الحقائق التاريخية، وهو قلة ما كتب عن بعض المواضيع وحتى في بلدان عرفت بغزارة الكتابة في العصور الوسطى.
لا يعرف الكثيرون مدى التغير الكبير للغات واللهجات والذي قد يكون سريعا أيضا لأسباب تتعلق بالسياسة أو الهجرة أو الاحتلال. فمثلا كانت اللغة التركية في العهد العثماني تختلف عن تلك الحالية بسبب احتواء اللغة التركية العثمانية على عدد كبير جدا من الكلمات العربية وعدد أقل من الكلمات الفارسية ويعزى هذا الى انعدام الحضارة لدى القبائل التركية التي دخلت الشرق الاوسط في العصور الوسطى وكان أول احتكاكها بالحضارة هو مع بغداد التي كانت عاصمة العلم والثقافة آنذاك فاقتبسوا الأحرف الهجائية وكلمات عربية كثيرة جدا كونت أكثر من نصف اللغة التركية العثمانية بالاضافة الى مظاهر أخرى من الحضارة العربية مثل الملبس والمأكل والدين حيث أعتنقت أغلبية القبائل التركية الدين الاسلامي ونمط الحكم حيث اسست السلطنة العثمانية على اساس الخلافة العباسية واستمر الحال على هذا المنوال حتى عهد مصطفى كمال اتاتورك، الذي حكم تركيا بعد انهيار الدولة العثمانية واعلان الجمهورية التركية عام 1922، حيث اراد ابعاد تركيا عن العرب وتقريبها من الغرب فأسس جمعية اللغة التركية عام 1932 لغرض التخلي عن الأحرف الهجائية العربية واستبدالها بالأحرف الهجائية اللاتينية والتخلي عن الكلمات العربية الموجودة في اللغة التركية واحلال كلمات تركية محلها ومع ذلك فأن المطلع على التاريخ التركي يلاحظ بسهولة التأثير الأجنبي الضخم على الحضارة التركية فسنان، أشهر معماري في التاريخ التركي، كان من أوروبا الشرقية وأغلبية رؤساء الوزارة لم يكونوا أتراكا بالاضافة الى اغلبية الصناع المهرة وحتى أشهر الموسيقيين الذي كان عراقيا يدعى عثمان الموصلي وأخيرا رائد الشعر الرومانسي التركي الحديث أهمت هاشم (أحمد هاشم) الذي كان في الحقيقة عراقيا من أسرة الآلوسي الشهيرة مع الأخذ بنظر الأعتبار وجود شكوك كبيرة حول أصول مصطفى كمال اتاتورك التركية نفسه.
الانكليزية كانت لهجة ألمانية
وهناك مثال آخر وهو كرواتيا، فعندما اعلنت استقلالها عام 1991 من الأتحاد اليوغوسلافي الذي كانت عضوة فيه مع صربيا حاولت كرواتيا الابتعاد عن صربيا بقدر الامكان واحد اشكال هذه المحاولات كان لغويا فكرواتيا وصربيا يشتركان في اللغة فأخذت كرواتيا تحاول تجنب المفردات التي تكثر في اللهجة الصربية. وهناك اللغة الأنكليزية التي بدأت كلهجة المانية لتتغير بسبب هجرة الاسكندنافيين اليها ثم احتلال النورمانديين الناطقين بالفرنسية لها وهي الآن لغة مختلفة عن الألمانية على الرغم من انتمائهما الى نفس العائلة اللغوية.
اما فيما يخص منطقة الشرق العربي، ففي خلال السنوات الخمسين الماضية مثلا تغيرت لهجة بغداد من ناحية الكلمات والنغمة الى درجة ان بغداديا من خمسينات القرن العشرين سيعتقد ان اللهجة الحالية في بغداد ليست بغدادية على الاطلاق بل من احدى قرى جنوب العراق. ان الافلام السينمائية والتلفزيون وغيرها من وسائل الاعلام قامت لسبب ما باختلاق تاريخ خيالي عن بغداد زمن العباسيين بالأزياء الخلابة ذات الألوان لسكانها البالغ عددهم الملايين (حسب تصورهم) بينما في الحقيقة لا يمكن ان يكون قد تجاوز مائة وخمسين الفا آنذاك لمعرفتنا بحجم بغداد القديمة بسبب مواقع ابوابها القديمة المعروفة. ولا ينكر أحد مكانة بغداد ايام العباسيين، فقد كانت عاصمة العلم والحضارة في العالم آنذاك وأغناها ثروة وهي التي كانت عاصمة للعالم الاسلامي لفترة أطول من أية مدينة أخرى ولكن كان هذا في العصر العباسي أي في العصور الوسطى ولذلك فانها لم تكن افضل من مدن العالم الحديث التي كل منها الآن أكثر رفاهية من بغداد آنذاك. ولكن ماذا عن لغة سكان بغداد ابان الحكم العباسي؟
اذا اخذنا وسائل الاعلام مأخذ الجد فاننا سنفترض ان سكان بغداد كانوا يتكلمون اللغة العربية الفصحى وبدون اية اخطاء في القواعد واللفظ، أي انهم كانوا بالغي التعليم، وبالتالي فقد كانوا أكثر تعليما من سكان العراق الحاليين. ولكن هل هذا معقول.

لا يلاحظ الدارسون كم تغيرت لهجة بغداد على مدى العصور بسبب الهجرة اليها أو احتلالها أو لتأثيرات سياسية ولكنهم يزيدون في عدم ملاحظتهم عندما لا يقارنون لهجات المدن العراقية الأخرى التي كانت وثيقة الصلة ببغداد وخاصة تلك التي لم تكن هدفا لموجات المهاجرين مثل بغداد والتجمعات التي بقيت منعزلة نسبيا في المدن التي سكن فيها مهاجرون مثل البصرة وبغداد نفسها. فمثلا ان التجمعات المسيحية الموجودة في البصرة وبغداد لا تتكلم اللهجة السائدة في مدنها بل لهجة مشتركة وكذلك التجمعات اليهودية في نفس المدينتين. واما منطقة الأعظمية الشهيرة في بغداد فقد كانت في بداية القرن العشرين ضاحية لبغداد وتكلم سكانها آنذاك لهجة قريبة من لهجات المسيحيين واليهود ثم تغيرت لهجة الأعظمية عندما احاطت بها بغداد. ان المجتمعات المسيحية واليهودية في بغداد والبصرة ومنطقة الأعظمية امتازت دائما بعزلة نسبية عن محيطها الاجتماعي مما جعلها اقل تعرضا للتغييرات اللغوية وتمتاز لهجاتها بقربها الشديد من لهجة سكان مدينة الموصل الحالية. ولكن لماذا تختلف لهجة الموصل عن بقية لهجات أغلبية المدن العراقية؟ انه من المعروف ان الدولة العباسية كانت تحد من دخول القبائل العربية الى العراق من شبه الجزيرة العربية وكان هذا عاملا هاما في الحد من الغارات على السكان المحليين وتخريب المزارع ودخول اللهجة القبلية الى العراق ولكن عندما احتل المغول التركمان الهمج بغداد عام 1258 وانهوا الخلافة العباسية اصبح العراق مفتوحا على مصراعيه ومستباحا، فدخلت القبائل العربية من جنوب العراق جالبة معها لهجاتها واستمر زحفهم تدريجيا نحو الشمال ليصل تأثيرهم اللغوي الى بغداد الا ان هذا التأثير لم يدخل الى الموصل الواقعة في أقصى شمال العراق كما انه لم يخترق التجمعات المسيحية واليهودية الضيقة في البصرة وبغداد. وهذا يدل ان لهجة الموصل الحالية هي من بقايا لهجات العراق في العصر العباسي وان لهجة بغداد القديمة كانت كثيرة الشبه بها وبذلك فلو انتقل مواطن بغدادي حالي في الزمن الى بغداد العصر العباسي وتكلم مع مواطن منها فسيعتقد انه يتكلم مع مواطن من مدينة الموصل الحالية.
الموصل – العراق
زيد خلدون جميل
jamil@y.net.ye
المصدر: صحيفة القدس العربي
22/06/201

حرب عبد الوهاب وأم كلثوم استمرت أربعين سنة!

يونيو 27, 2014 اضف تعليق






إبراهيم سلامة عن السفير

في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي ـ شهدت القاهرة حدثان فنيان بارزان: الأول هو افتتاح أول إذاعة رسمية لاسلكية في المنطقة العربية في العام 1934 وقد دشنها الملك فؤاد الأول في كلمة مقتضبة تلاها آيات من الذكر الحكيم ت.د.، الحدث الثاني كان مؤتمر انبعاث الموسيقى الشرقية، وقد تداعى لعقده مجموعة كبيرة من محبّي ومقدّري الموسيقى في طليعتهم الدكتور طه حسين والدكتور علي مصطفى مشرفية والسياسي الذواق مكرم عبيد، ومعهم طلعت باشا حرب مؤسس «بنك مصر» ولفيف من كبار القوم من أمثال لطفي السيد وأمين بك بارودي ومحمد المهدي وغيرهم وغيرهم.
التأم المؤتمر الموسيقي العربي الأول والأخير في ربيع العام 1934، مثل مصر: الشيخ زكريا أحمد ومحمد القصبجي والآنسة أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وصالح عبدالي.
مثّل العراق: محمد أفندي القبخي ويوسف عمر وعفيفة اسكندر. بينما اقتصر الوفد اللبناني على إيليا بيضا وإيليا ربيز والشاعر بشارة عبدالله الخوري (الأخطل).
تبارى المتبارون وغنى المغنون والمغنيات. وكانت أصواتهم وأصواتهن تذاع من «إذاعة مصر اللاسلكية»، التي كانت تسمع (بضم التاء) في جميع دول الشرق العربي.
ثم خرجت القرارات الرسمية للمؤتمر ونصها: اختيار أم كلثوم «كأجمل صوت لانبعاث الأغنية العربية».
كما تقدم «القبنجي أفندي بمقام جديد أضيف إلى المقامات الشرقية السائدة آنذاك وعرف «بالمقام اللامي» الذي ذاع صيته وغناؤه في بلاد الشام تحت اسم «المقام البغدادي» وكان أبرع من غناه إيليا بيضا وشقيقه شكر الله والآنسة اسمهان فيما بعد.

أم كلثوم كوكب الشرق؟

في العام 1927 زار الشيخ زكريا أحمد مدينة بيروت برفقة المغنية الشابة آنذاك «توحيدة» وبعد ان قضى شغله مع آل شاهين الذين كانوا يتاجرون بالأسطوانات وآلات الموسيقى اتجه إلى مرفأ بيروت ليركب السفينة العائدة إلى الاسكندرية ـ وفيما كانت السفينة تبحر لمع في عينيه «يافطة» تلمع في سماء بيروت عنوانها «كوكب الشرق». وكان هذا الكوكب الأرضي عبارة عن نادي للتسلية ولعب القمار في وسط ساحة البرج الذي صار يعرف فيما بعد «بنادي الشرق» وهاكم التفاصيل:
سرح الشيخ زكريا مع هذه اليافطة، ثم تذكر فجأة أن معظم المطربات والمطربين في مصر لهم ألقاب: فمنيرة المهدية لقبها «سلطانة الطرب»، فتحية أحمد «مطربة القطرين» وفاطمة رشدي «ساره برنا ـ الشرق».
فلمعت في رأسه فوراً أن يكون لقب أم كلثوم «كوكب الشرق»، بدلاً عن «الآنسة أم كلثوم ابراهيم البلطجي» وصمم ألا يتورط هو شخصياً في الاقتراح نتيجة العلاقات المتوترة دائماً بينه وبين الآنسة. وخطط أن يكون السنباطي هو الهامس والمقترح للقب بسبب العلاقة الحميمة بينه وبين أم كلثوم (كلاهما بلديات من منطقة سبلوين في محافظة الشرقية).
وهكذا كان وابتداء من العام 1935 صار اسم أم كلثوم «كوكب الشرق». لكن القصة لا تمر عادة مع أم كلثوم بسهولة. فهي معتدة بنفسها وشديدة الذكاء ومقدامة في تصرفاتها الاجتماعية والفنية.
في صيف العام 1936 سافر «حسن الجاك» للمرة الثالثة إلى القاهرة وفي نيته أن «يقنع» أم كلثوم بإحياء حفل غنائي في بيروت في سينما «ماجستيك» التي كان استأجرها لفترة زمنية طويلة. والسينما تقع في وسط ساحة البرج ولا يفصلها عن «نادي كوكب الشرق» سوى عشرات الأمتار.
غنت «الست» وأبدعت كعادتها. ومن بيروت من ساحة البرج شدت بلحن السنباطي الشهير «يا ظالمني». كان علية القوم كعادة في الصف الأول ولاحظت من بينهم القاضي الظريف سامي الصلح ورفيقه البريزيدان نقولا طراد وغيرهما من الشخصيات اللبنانية والسورية لكنها ـ وهي شديدة الملاحظة والذكاء ـ لاحظت أن لقبها «كوكب الشرق» يلمع في عينيها وهي منسجمة في الغناء.
وعندما أقفلت الستارة وجاء وقت المصافحة والتهنئة اقترب منها سامي الصلح وهنأها بحرارة بالغة. عند ذاك فاجأته بهذا الطلب البسيط. قالت له: «موش عيب يا سمي بك يكون لقبي عبارة عن خمّارة ولعب ورق وما يستتبع ذلك». فتجمّد سامي بك في أرضه، وقال لها: «بعد يومين لن يكون «كوكب الشرق» إلا مع الآنسة أم كلثوم».
وبالفعل بعد يومين ـ وعبر صداقاته في بلدية بيروت آنذاك طلب من رئيس البلدية تغيير نادي «كوكب الشرق» إلى أسم جديد هو «نادي الشرق» فقط. واستمر حتى الحرب الأهلية حيث كان العبقري «شوشو» يقدم مسرحياته الساخرة في الطابق الأرضي من العمارة نفسها.

نقيبة الموسيقيين

في منتصف الثلاثينيات فازت في فرنسا «الجبهة الشعبية» ذات الميول الاشتراكية بزعامة «ليون بلوم» وقد أبلغت بذلك من صديق عمرها أحمد رامي ومن منافسة ذي الميول الاشتراكية الشاعر الكبير بيرم التونسي. فدعت إلى اجتماع طارئ في بيتها الجديد في «الزمالك» دعت إليه السنباطي والشيخ زكريا والقصبجي ومحمود الشريف الذي سيصبح فيما بعد «زوجها المحروم» وطرحت عليهم فكرة إنشاء نقابة للموسيقيين أسوة بالدول الأوروبية المتحضرة. وافق الجميع. تبرّع أحدهم بتقديم طلب الرخصة. وبعد أسبوع عاودوا الاجتماع وبايعوا «أم كلثوم» بمنصب النقيب وبذلك كانت أول امرأة تتولى نقابة فنية في بلاد العرب كلها.
ولمّا انتهت ولايتها بعد أربع سنوات جدّد لها الموسيقيون الثقة وانتخبت للمرة الثانية.

صراعها مع عبد الوهاب

في الوقت نفسه ـ أي منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي ـ استطاع محمد عبد الوهاب أن يتصدر ويفرض نفسه «المطرب الأول» أو كما كان يصفه التابعي «بمطرب الملوك والرؤساء» وبذلك أزاح صالح عبد الحي من الواجهة لتبدأ المواجهة بينه وبين أم كلثوم. غنى عبد الوهاب للملك فاروق أغنية شهيرة مطلعها «الفن من يعرفه» فردت أم كلثوم بأغنية شهيرة عنوانها «مليكي يسعد أوقاته». وذلك في عيد ميلاد الملك فاروق. طار عبد الوهاب في العشرينيات من ذلك الزمن إلى بغداد مع أستاذه أحمد شوقي وأنشد «يا شراعاً وراء دجلة يسري»، وذلك بحضرة الملك فيصل الأول ملك العراق وسوريا في ذلك الزمان. فردت أم كلثوم وطارت إلى بغداد في أواخر الثلاثينيات.
ولأسباب بروتوكولية لم تغن في قصر الملك «قصر الزهور»، بل غنت في «فيلا رئيس الوزراء نوري السعيد» ولأنها رفضت بعض عروضه سحب منها لقب «باشا» وأهداه لليهودية سليمة مراد التي سافرت فيما بعد (منتصف الخمسينيات إلى إسرائيل) وكانت مطربة عراقية جميلة الشكل.
في مطلع الخمسينيات ـ دائماً من القرن الماضي ـ شعر عبد الوهاب بأن أوتاراً معينة في صوته قد اختفت وكان يُرجعها أمام اصحابه إلى «لطشة هوا»، وكانت غير ذلك. وجاءت حادثة مدينة طنطا غربي القاهرة حيث قوبل غناؤه لقصيدة «كليوباترا» بشلال من البيض والبندورة ـ فاحتجب فترة عن الغناء وانصرف للتلحين فقط.
سعى كثيراً للقاء غنائي مع أم كلثوم لكن الجواب كان يأتيه «الوقت مش مناسب» والذين توسطوا لهذا اللقاء كانوا كثراً، من أبرزهم طلعت باشا حرب مدير ومؤسس «بنك مصر» والصحافيان الشهيران محمد التابعي ومصطفى أمين.
وحتى «يكتمل النقل بالزعرور» صدت عبد الوهاب عن محاولة ترشحه لنقابة الموسيقيين، وتربعت على عرشها للمرة الثالثة على التوالي (1938ـ 1948).
في شتاء العام 1964 تظاهرت أم كلثوم بأنها اقتنعت أخيراً بغناء لحّنه عبد الوهاب. ظاهر الأمر كان ضغط الرئيس الراحل عبد الناصر على الطرفين ـ خصوصاً على أم كلثوم التي كان عبد الناصر مداوماً حتى لا نقول مولعاً بصوتها وأغانيها.
لكن وراء الأكمة ما وراءها وإليكم التفاصيل:
في العام 1961 كانت أم كلثوم تنشد آخر أغنية للشيخ زكريا مطلعها «هوا صحيح الهوا غلاّب ما اعرفش أنا»، كلمات الشاعر المبدع بيرم التونسي. وسنداً لرواية الصحافي البارع محمود عوض في كتابه «أم كلثوم» الصادر في العام 1968 (وكان الراحل الزميل مقرباً من أم كلثوم) لأنه هذا الأخير (شرقاوي ومن محافظة سبلوين).
اجتمع في منزلها في الزمالك، كما هي العادة، زوجها الدكتور حسن الحفناوي وصديق العمر أحمد رامي وابن أختها المهندس محمد الدسوقي (الذي كان مديراً لأعمالها).
وضعوا «الفيديو» الذي سجله الدكتور حسن كما هي العادة. وعندما وصلت أم كلثوم إلى مقطع «جاني الهوا من غير مواعيد، وكلما جاء حلاوته تزيد ما اعرفش يوم حيا... بعيد».
هنا طلبت أم كلثوم اعادة القطع مرة ثانية فسألها رامي: «فيه ايه يا ثومة» أجابت: «ولا حاجة». لكنها ردت السؤال لرامي «ما لاحظت حاجة؟». قال رامي وهو ديبلوماسي في الكلام «هوا في شوية تعب عند كلمة «ياخدني بعيد، بعيد عني قلبي بالافراح».
في اليوم التالي استفردت بالأستاذ عوض وبابن أختها الدسوقي، وسألت الأول: «إزاي علاقتك مع كمال الملاّخ» فأجابها عوض «تمام تمام». أضافت أم كلثوم «سمعت أن له نسبياً عاد لتوه من أميركا وهو دكتور بارع في مسائل الحلق والفم والأذن، هل أمّنت لي موعداً معه بدون علم الصحافي ملاّخ» (تقصد كمال الملاخ الصحافي في جريدة الأهرام).
حضرت أم كلثوم إلى عيادة الطبيب الذي فوجئ بالزيارة وبعد الفحص على آلات أميركية استوردها معه قال لها الطبيب: «وضع أوتارك ممتاز، والنفس كذلك، لكن أنتِ تعرفين يا ست أم كلثوم هناك أوتار تختفي من الحنجرة أو تتعب بسبب العمر أو نتيجة لأمور أخرى».
بعد أسبوع ـ يضيف الصحافي محمود عوض ـ رنّ هاتفه الخاص في جريدة «أخبار اليوم» وكان الهاتف الست أم كلثوم التي سألته فوراً «ممكن يا محمود تلاقيلي تلفون محمد فوزي المطرب». أجاب عوض «بعد ربع ساعة يا ست». وهكذا كان، حضر محمد فوزي إلى منزل أم كلثوم وكعادتها رحّبت به وامتدحت نوع أغانيه الخفيفة الظل. فشكرها فوزي ثم قال: «أنا بتصرفك يا ست». أجابت: «عندي هذه القصيدة لمأمون الشناوي وعنوانها «أنساك يا سلام. أنساك دا كلام». فرد فوزي «كلام جميل أتمنى أن ألحّنها لك قريباً».
مرّ أسبوع كامل، عاد فوزي إلى بيت الست ووضع «المذهب» لأغنية «أنساك يا سلام. أنساك دا كلام» وانتظرته في الاسبوع الثاني فلم يأت. هنا اتصلت هاتفياً بزوجته مديحة يسري فأجابتها: «محمد تعبان. تعبان قوي يا ست».
وفي اليوم التالي توجهت الى منزل فوزي وهناك عرفت أنه مصاب بمرض خطير فاتصلت أولاً بعبد القادر حاتم الذي وعدها خيراً ـ لكنها عادت واتصلت «بالرئيس» وقالت له «إن محمد فوزي مريض جداً وأرجو أن تهتم بالأمر». فأمر عبد الناصر تسفير فوزي إلى أميركا حيث أمضى أكثر من ستة أشهر ليُغادر بعدها هذه الدنيا.
في هذه الأثناء كانت أم كلثوم تتصل هاتفياً بمحمد فوزي مرة كل أسبوع. وفي أحد المرات سألته: «من تقترح ليوزع لحنك الجميل «أنساك يا سلام»؟. فردّ فوزي عندي تلميذ موهوب جداً أنصحك بالتعاون معه اسمه بليغ حمدي.
وهكذا ضمنت أم كلثوم ـ كعادتها ـ اثنين من الملحنين: عبد الوهاب وبليغ حمدي.
وصارت في السنوات العشر الأخيرة من حياتها تنوّعت وتوزّعت أغانيها بين عبد الوهاب «إنت عمري» وبليغ حمدي صاحب «سيرة الحب» حتى وافاها المرض إياه فأصيبت بالكلية وكانت ترفض الذهاب إلى المستشفى وتعاند وتقول لرامي: «أريد أن أموت وأنا أغني على المسرح».
لكن الموت لا يرحم. توفيت في يناير من العام 1975 أي بعد أسبوعين فقط على وفاة فريد الأطرش الذي أسلم الروح في 26 ديسمبر من العام 1974 في بيروت.
كانت أم كلثوم في الغناء كالمتنبي في الشعر. لا أحد قبلها ولا أحد بعدها وكل من قلّدها كان مصيره الفشل وضياع الوقت. إنها الصوت المعجزة الذي لا يتكرر إلا كل ألف سنة.

الحقد الكلثومي


بالرغم من شهرته العالمية والمصرية بوجه خاص، تطوع محمد افندي القصبجي بتأليف فرقة موسيقية كاملة لأم كلثوم التي وصلت من «طماي الزهر» في محافظة الشرقية وهي ترتدي سروالاً وعقالاً كالرجال. حتى أن منيرة المهدية في عتابها للفنان الراحل أبو العلا محمد قالت له وهي تعاتبه: «ما تفهمونا هيَّ صبي والا بنت». وكان نجم هذه الفرقة الجديدة عازف الكمان الحلبي سامي الشوا الذي خلفه بعد وفاته المصري كمال المغناوي وتولى القصبجي نفسه آلة العود وعبده صالح آلة القانون. ولحن لها أجمل الألحان بمعاونة صديقه الشاعر أحمد رامي، لعل أبرزها: «رق الحبيب» التي تعتبر محطة خارقة في مسيرة أم كلثوم. لكن القصبجي بعد خناقته الشهيرة مع أم كلثوم حول فيلم «عايدة» الذي أراده فيلماً أوبرالياً يرفع منزلة أم كلثوم إلى مستوى «ماريا كسالاس لكنه فشل فشلاً ذريعاً مع تلميذه النجيب فريد غصن. فانكسر الود بينه وبين الست. ومنذ العام 1942 أطلت على القاهرة المغنية الساحرة الجميلة اسمهان. فالتف حولها عبد الوهاب، داوود حسني رياض السنباطي ومنهم «قصب» كما كانت تناديه أسمهان. فلُحِّنت لها أجمل الألحان منها «يا طيور»، «أسقنيها بأبي أنت وأمي»، « ليت للبرّاق عينا». فجن جنون أم كلثوم وركنت له في الزاوية. بعد وفاة اسمهان حاول «قصب» أن يعيد العلاقات مع أم كلثوم فلحّن لها أكثر من عشرين لحناً كانت ترميها في درج مكتبها. وبقيت مقاطعة له حتى وفاتها في العام 1975.
بل أكثر من ذلك عزلته من قيادة الفرقة الموسيقية وكلفت عبده صالح بذلك وبقي القصبجي عواداً في فرقتها حتى وفاته في أواخر الستينيات. وهو يعتبر بحق أكثر المجددين والمبدعين في الموسيقى الشرقية. لكن الحديث الشريف انطبق عليها وهو «إن كيدهن عظيم».

محمود الحجيري(*): يوم أُحرق متحفي

يونيو 27, 2014 اضف تعليق
عند مطلع ذلك الفجر المشؤوم اشعلت النار عمداً في محلي الكائن في احدى الساحات  بعد الصقت اوراق على الجدران المحيطة تحمل البصمات الاسلامية بتهمة اني ابيع المنكر، ورغم تدخل الجيران والدفاع المدني فقد اتت النيران على كافة محتويات المحل تحت نظر القوى الأمنية من مخفر البلدة وصولا الى كافة الاجهزة بشكل مباشر وغير مباشر أي عبر مخبريها، وقد اتت النار على ما يقارب 2000 كتاب، وقد كانت هذه المكتبة عبارة عن مكتبة عامة يقصدها العديد من اهالي البلدة لاستعارة الكتب وخاصة الطلاب حيث كانت تستقبل العشرات منهم سنويا من اجل البحث والتزود بمعلومة، وحوالي 250 لوحة فنية وقطعة انتيكا وأرشيف تاريخي استغرق جمعه عشرات السنوات من جهد و" بحبشة " في ذاكرة الناس والوثائق والملفات بالإضافة الى محتويات المحل من اجهزة كهربائية وبضائع معدة للبيع والشراء وما لحق بالبناء من اضرار جسيمة وقد قدرت الخسائر المادية بحوالي 50 الف دولار عدا الخسائر المعنوية والأدبية، حيث كنت ازعم اني منجز ثلاثة كتب جاهزين للنشر وكنت افتش عن ممول او مساعد لنشرهم  الاول يتضمن تاريخ وحكايا وعادات محلية، والثاني يتضمن نصوص تشبه الشعر او الخواطر الانسانية والوجدانية والأخير عبارة عن موسوعة للأمثال الشعبية يتضمن 2500 مثل مبوبين حسب المضمون والاهتمام. وكانت المكتبة شبه مكتبة عامة مفتوحة امام الطلاب والباحثين عن معلومة وقد استفاد منها العديد من ابناء البلدة، وفي صباح ذلك اليوم استدعوني مخفر البلدة وفتح محضر بما جرى واخذوا اقوالي ورفعت دعوى ضد مجهول،E
بقيت حوالي الاسبوع في حالة ذهول ولست مصدق ما جرى، وعندما "امتصيت" الصدمة بدأت في التفكير بإعادة الترميم والانطلاق من بين الرماد وبقوة وزخم اشد، اتيت بعمال لتنظيف المحل وإزالة سواد القلوب الحاقدة وما تركته على الجدران، وعندما بداؤا بالعمل سألوني : ماذا تريدنا ان نترك هنا؟ اجبتهم: لا شيء !! وعندما وصلوا الى رماد الكتب ظهر كتاب "مذكرات غاندي " مع مجموعة اخرى لم تحترق فتدحرجت دموعي لا اراديا، واعتبر هذه اللحظة اصدق لحظة تأثر بحياتي ولم اعرف سبب ذلك في تلك اللحظة اهو حزن وتأثر على مكتبة عامرة اغتصبها الحقد والظلامية او هو حزن على مبادئ وقيم غاندي اللاعنفية في لحظة دفن شناعة الجريمة، وبدأت عملية الترميم بالإمكانيات المحترقة من بين الرماد، فقدمت نصائح من اصدقاء وأقرباء برفع طلب مساعدة الى البلدية علها تتحمل جزء من المسؤولية وتساعد , وبعد الاسئلة والاستفسارات حصلت على معلومات مضمونها أنه في حال توافق المجلس البلدي واقر المساعدة فأنها ستتراوح بين 500 الف والمليون ليرة في احسن الاحوال، فعدلت عن الفكرة من اساسها ولم ارفع الطلب للبلدية لاعتبارات خاصة مقارنة بالرقم الموعود اذا اقر. جاءني صديق بزيارة وأهداني نصيحة بان ارفع طلب الى القائمقام كونه ممثل الحكومة في المنطقة وتحت اشرافه الهيئة العليا للإغاثة في منطقته، هذا حسب زعم الصديق ومعلوماته التي تقبل النقاش، حصلت على نسخة من التحقيق الرسمي حول الجريمة وذهبت زحفا باتجاه مدينة الشمس قاصدا مكتب القائمقام في السرايا، استقبلني بالترحاب وكان على علم بما حدث من خلال الاجهزة الامنية واخذ من يدي الملف وبدأ يقرأه وقبل ان ينتهي تافف مع ابتسامة وقال : العمى بقلوبهم شو معتبرينك شيعي؟  حتى عاملين فيك هيك؟ فضحك مساعده وهو احد اقربائي وقال: اهم! حضرته بيكون شيوعي، وعندما شرحت لسعادة القائمقام سبب زيارتي وما قاله لي الصديق اعتذر وقال : هذا ليس من اختصاصنا ولا يوجد فروع اقليمية لهيئة الاغاثة عليك بتقديم طلب للهيئة العليا للإغاثة في بيروت، وخرجت من المكتب وانا اجر اذيال الخيبة ورائي مع بريق امل يشع من منارة بيروت .
بعد عدة ايام  قصدت مدينة النور عندما صاح الديك ووصلتها قبل بدء دوام العمل شربت القهوة مع حرق عدة سجائر وأكثر من ساعة من الزمن قبل ان اقصد احد "الاصدقاء " الذي تعرفت عليه في جولة تسكع سابقة وهو من حاشية الرئيس سعد الحريري ومن خلال الصور التي يزين بها مكتبه كان من حاشية الرئيس الشهيد الحريري، شخص يميل الى الكبر وقور محترم عنده من الادب وحسن الاستقبال وانتقاء الكلمات بدراية مما يفرض على محدثه الاحترام الزائد ومحاولة مجاراته وتقليده، وعندما دخلت الى مكتبه رحب ترحيب حار ووقف من مكانه وتقدم مني خطوات قائلا: اهلا بصديقي! وصافحني ودعاني للجلوس واخذ مكانه ونظر الي وسألني: خير شو في حواليك؟ فناولته مغلف يضم نسخة من تحقيق الامن الداخلي اخذه وبدأ يقرأه  وبعد لحظات توقف وتأملني وسألني: انت تبيع البيرة؟ فأجبته نعم وتابع قراءته مع هزة من رأسه يمينا ويسارا قائلا: الله يكسر اياديهم، فأجبته هذا الكلام لا ينفع يا حاج، انهى قراءته ومسك سماعة تلفون ثابت وحاول الاتصال ثلاثة مرات لكن بدون مجيب، وقال : ما حدا عم يرد... سألته: انت بمن تتصل يا حاج ؟ فأجاب : برئاسة مجلس الوزراء، ابتسمت ضمنا وتخيلت وصولي الى هدفي على يدي "صديقي" الحاج، وضغط على زر منبه لتدخل علينا سكرتيرته  وطلب منها تصوير الملف وغابت لحظات وعادت تحمل نسختين من الملف فأخذهما وقال لها: عليك بتذكيري لنرسل هذا الملف الى رئاسة مجلس الوزراء لاحقا . ونظر اليي وقال : ولا يهمك يا صديقي، انشاالله رح يمشي الحال . وقفت فوقف مديت يدي لأودعه واشكره فقال: عيب هذا الكلام انت أخي خرجت من مكتبه وانا بكامل سروري، وغبت اسبوع كامل وصباح اليوم الثامن دخلت الى مكتب " صديقي" بذات الطريقة والاستقبال رحب بي وأخذت مكاني وبادر الى مسك الملف المعتصم على حافة طاولة المكتب وسألني: ماذا فعلت ؟ ابتسمت وقلت : انا من سيفعل يا حاج ؟ انا منتظر فعلك، فهز رأسه مع ابتسامة وقال: بسيطة ! وبداء بكتابة رسالة وضعها في مغلف صغير وكتب على بطاقة " الى حضرة الاخ العزيز اللواء يحي رعد رئيس الهيئة العليا للإغاثة "وناولني الرسالة  وقال عليك بالذهاب الى الهيئة العليا للإغاثة وتسلم هذه الرسالة لسيادة اللواء واخبرني بما يجري معك .

وصلت الى بناية ستاركو ودخلت الى مقر الهيئة سألت عن اللواء فقالوا غير موجود ولن ياتي اليوم، دخلت الى مكتب فشعرت اني افسدت جلسة رومانسية وانسجام وقد واجهنى الشاب بطريقة فظة وقال بحزم : اللواء مش موجود والله معك، خرجت من هذا المكتب وسرت في ممر طويل علني اجد ضالتي فالتقيت بدركي فبادر الى سؤالي: من تريد ؟ فأخبرته بقصتي، اخذ الرسالة مني بعنف وقال : الحقني؟ سرت خلفه ودخل مكتب عش الغرام وقال بلهجة فوقية ظاهرة وحازمة: شرف سجل طلب لهذا الرجل , فلم يناقش من صدني قبل لحظات، وسجل الطلب وأعطاني رقمه على ورقة وشكرت الدركي وغادرت باتجاه "صديقي" وعندما وصلت الى مكتبه وجدت عشرات الاشخاص يطلبون المساعدات متجمعين على المدخل اشبه بمظاهرة وفي صالون الانتظار لا يوجد مكان فارغ فذهبت مباشرة الى السكرتيرة وطلبت منها تصوير ؤقم الطلب وإعطائه لـ"صديقي" الحاج ولم تمانع بل اضافت " تكرم عينك " وغادرت باتجاه بلدتي وانا متسلح برقم طلب من الهيئة العليا للإغاثة ومدعوم ومبارك من "صديقي" وهو صديق الشيخ سعد رفيق الحريري وقاعدة معادلة تاريخية ممتعة صديق صديقي صديقي انه العز والمجد بعينه !!!!!

وفي صباح اليوم التالي اتصلت بـ"صديقي" على رقمه الخاص . وهذا مضمون الاتصال الحرفي :

_ صباح الخير حاج

_ اهلا بصديقي صباح النور كيفك شو الاخبار

_ الحمد الله , يا حاج مبارح كان عندك عجقة كبيرة ما قدرت فوت لعندك ,فأرسلت لك رقم الطلب مع السكرتيرة

_ ايه صحيح , ولا يهمك وصل رقم الطلب

_ من بعد فضلك , بدك تحكي مع حضرة اللواء رعد حتى يمشيه

_ تكرم عينك اليوم بحكي معه , بس انت عم تفوتني بالحيط

_ معقول يا حاج ؟ انا قد اني فوتك بالحيط ؟ انا عم اتدرى بالحيط , بس كيف ؟

_ لأنه يا صديقي الشيخ سعد موصيني ما اشتغل الا لأولاد بيروت

_ عفوا يا حاج على الازعاج وتحياتي للشيخ سعد


وما زلت احتفظ بالرقم .


ناشد ثقافي 

حسن خضر(*): أحبتْ يهودياً، وما علاقة محمود درويش بالأمر؟

يونيو 27, 2014 اضف تعليق


هي أحبت جارها اليهودي وتزوّجته. لا بأس. فهذا شأنها. وقد أخرجت فيلماً وثائقياً عن الموضوع. طيّب. وعندما جوبه الفيلم، بانتقادات فلسطينية، قررت أن تعمل فيلماً وثائقياً عن محمود درويش. لا بأس. محمود درويش شخصية عامة، لا يملكه أحد ولا يحق لأحد ادعاء ملكيته، ولكن استباحة سيرته ليست بالحق المكفول.
ومن سوء الحظ أن هذه الحقائق لا تُحترم كما ينبغي. فقبل سنوات قام ممثل عديم الموهبة، يعرف القيمة التسويقية للاسم وتاريخه، بتمويل وتمثيل مسلسل عن محمود درويش. واليوم، تُستباح سيرته في فيلم (تخيّلوا) بعنوان "سجِّل أنا عربي". وكما نعلم، وتعلم المُخرجة، فإن للعنوان، كما للسيرة وصاحبها، قيمة تسويقية عالية.
وهي القيمة نفسها التي تتناوب لعبة التجلي والخفاء في ثلاث لغات هي العربية، والعبرية، والإنكليزية، يُراد لها التعريف بالفيلم وترويجه على الإنترنت، وفي مقابلات صحافية. وكلها تتراوح ما بين حب الشاعر القومي ليهودية إسرائيلية، و"نبش" تاريخه العاطفي السري، والعثور أخيراً على "ريتا" بشحمها ولحمها ورسائلها.
لم يكن دافع الفيلم إعجاب المخرجة بشعر محمود درويش، كما تقول صحيفة هآرتس، بل "لأنه أحب يهودية". وهذا ما يتجلى، أيضاً، في كلامها عن تجربة نجمت عن عرض فيلم أخرجته عن علاقتها بجارها اليهودي في قرية عرعرة، حين طالب الجمهور الغاضب بوقف الفيلم بعد ربع ساعة. "لم أعرف كيف خرجتُ حيّة من هناك"، تقول لهآرتس، ولكنني: "وقفت وقلت لهم محمود درويش أحب يهودية، وكتب لها قصيدة ريتا والبندقية". ولسان حالها في النص الغائب: إذا كان الشاعر القومي قد فعلها فلماذا لا أفعلها.
وهنا بيت القصيد، وغاية المُراد من رب العباد، إذ ينبغي لمحمود درويش أن يقوم بدور المُحلِل في علاقة عاطفية خاصة. ولم يكن لدور كهذا أن ينجح في خدمة الفيلم وصاحبته دون استباحة محمود درويش نفسه، وسيرته العاطفية والشعرية.
وهذا ما يتجلى في ثلاثة أمور:
أولاً، لا أسرار خاصة في حياة محمود درويش، وقد سأله كثيرون: لماذا لا تكتب سيرة شخصية، وكان رده الدائم: سيرتي في نصوصي الشعرية والنثرية. وهذا صحيح، ويمكن التدليل عليه بأدوات ومفاهيم النقد الأدبي، ناهيك عمّا ينجم عن معايشة تكاد تكون يومية على مدار سنوات طويلة من إطلالة على الشخصي والحميم.
ثانياً، لا وجود لريتا، في الواقع، فقد كانت نسيجاً شعرياً من وجوه كثيرة. وأزعمُ بأنني أعرف، شخصياً، أكثر من امرأة يمكن أن تدعي بأنها المعنية بالأمر. والأهم: لم يعش محمود درويش، أبداً، قصة حب على طريقة روميو وجولييت.
ثالثاً، لا معنى لريتا الواقعية، أو المتوهّمة، خارج حضورها المجازي باعتبارها علاقة مستحيلة، على أنقاض بيت العائلة، بين ابن الضحية وابنة الجلاّد.
وهل يعني هذا أن الحد الفاصل بين الكولونيالية وضحاياها غير قابل لعبور الاستيهامات الإيروسية من الجانبين؟
الجواب: لا. فهذا الحد يشهد في بلادنا عبوراً، يومياً، من الجانبين، على مدار عقود. وهذا ما لا يمكن اختزاله في المعطيات الإحصائية لدى الباحثين في علوم الاجتماع، ولا يمكن توثيقه طالما أن أغلب العلاقات تبقى طي الكتمان. ومع ذلك، يمثل الأدب والفن الذي ينتجه الفلسطينيون والإسرائيليون ما يشبه الصندوق الأسود، ومن خلاله يمكن النظر إلى خصوصيات العبور من الجانبين.
صناديق الأدب والفن لا تشتغل على طريقة الصناديق السوداء في الطائرات. ففي الأدب والفن لا تقل طريقة التشفير نفسها أهمية عن الواقعة المعنية. فلا قيمة للقاء رجل بامرأة (والعكس صحيح) يعبران الحد دون طريقة التشفير، وهذا ما يمنح الواقعة دور المادة الخام، فيما يمكّن ما سينتح عنها لاحقاً من الانتماء إلى الأدب والفن.
وبها المعنى، لا قيمة لريتا خارج صورتها المجازية، طالما أن في الصورة المجازية ما يمكنها من عبور الفردي الخاص (الذي لا يعني أحداً) إلى الأدبي والفني العام الذي يحقق "الإمتاع والمؤانسة"، على طريقة شيخنا التوحيدي.
وهذا، إذا حضر، لا يمكن أحداً من استباحة محمود درويش شخصاً ونصاً، وينبغي له أن يغيب ليصبح فعل الاستباحة ممكناً. لذا، كان ينبغي لريتا أن تكون سراً ينتظر الاكتشاف باعتبارها كينونة واقعية، وفيزيائية، تماماً، طالما أن في حضورها المجازي ما لا يمكن المُخرجة من تحويل محمود درويش إلى مُحلِل في حكايتها العاطفية الخاصة. ينبغي أن تكون ريتا واقعية ليصبح مجازها الدرويشي باطلاً. تقول لهآرتس: "هذه أوّل مرّة يعرف العديد الناس هوية ريتا الحقيقية".
تُستمد ضرورة إبطال المجاز الدرويشي من حقيقة أنه لا يستقيم مع الحكاية العاطفية للمخرجة نفسها، بل فيه كل ما يميط اللثام عن حكايتها باعتبارها مجازاً مضاداً. في الواقعة الدرويشية تقف البندقية عائقاً بين عيني الفتى وابنة الجلاّد، أما في الحكاية العاطفية الخاصة فيتوّج عبور المُخرجة للحد بعقد الزواج، وبما هو أهم: في الفيلم الذي يوثق علاقتها العاطفية بحبيبها اليهودي الإسرائيلي، يحضر الحبيب في طريقه للاحتفال بعيد الاستقلال، بينما تذهب المُخرجة الفلسطينية لإحياء ذكرى النكبة.
لا بأس. كان يمكن للمُخرجة أن تتوّج عبورها للحد بالزواج، وأن تدافع عن حقها في الحب، بصرف النظر عن الهويات القومية والدينية، والصراعات السياسية، ولكن ما علاقة محمود درويش بهذا كله؟ ولماذا ينبغي لحمولته الرمزية والقومية والثقافية في المخيال الثقافي الفلسطيني والعربي والعالمي أن تُوظّف في خدمة حكاية لا تستقيم واقعة، ومجازاً، وحقيقة، مع حكايته وسيرته؟ استباحة، لا أكثر.

هي أحبتْ يهودياً وتزوجته، وما علاقة محمود درويش بالأمر؟
* رئيس تحرير مجلة الكرمل الجديد

ت

ت