728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الخميس، 15 مايو 2014

    مَن لا يموتُ دَهساً_ قصة قصيرة وصور لمريم ميرزادة من إيران


    خاص "الرومي"



    کان ومیضٌ من النورِ الخافتِ يتسلَّلُ إلى داخل الشقِّ الصغير في قطعةِ الرخامِ في أرضِ المطبخ.. كان شقّاً بين الجِدارِ العاموديّ والأرض.. وعندَ حاشيةِ الشقّ، كَومٌ من بقايا فُتاتٍ للخبزِ وأطعمةٍ أخرى جفَّت وتكسَّرت على هذا النحو.. لكنَّ يداً لم تجمِّعها بهذا النّظمِ عندَ ذاكَ الشقّ.. بل قانونٌ آخر.. قانونٌ أصغرُ من مقاييسِ الحياةِ اليوميةِ للبشر.. ونظامُ سَيرٍ لحياةٍ أصغر حجماً... وربَّما شاكلةً..

    جَمعٌ هائلٌ من النملِ يحيا داخلَ الفضاءِ الذي يبدو للناظرِ البشريِّ شقّاً لا غير.. وكَومُ الفُتاتِ كان من عملِهم اليوميِّ الشاقّ.. حيثُ اجتمعوا بعدَ نهارٍ ربيعيٍّ مُنهِكٍ من العملِ الدَّئوبِ، لتناولِ شيءٍ من جمعِ الطعام.. في منظومتِهم المزدحمةِ.. ودبيبُهم الذي لا يُسمَعُ في حيواتِ الكائناتِ الأخرى.. ومنها الناس.. إحتشدَت الأطرافُ الحشريةُ المتشابِكةُ بانتظامٍ مَهيبٍ للإمساكِ بقَضماتِ طعامِها.. ومزيدٌ من الفُتاتِ عندَ بابِ الوكر.. ينتظرُ النملُ نفاذَ المؤونةِ فيخرجُ لمناولةِ معشرِه "الفورميسيديّين" المزيدَ منه..

    سيدةُ النملِ العجوز تكبرُهم سناً.. هي من فصيلة "الفاراو" تبلغُ من العمرِ عاماً كامِلاً.. يُحيطُها الجميعُ بالأمانِ والحماية، بمعزلٍ عن مخاطر الخارج.. فهي ملكتُهم ولا شكَّ أنَّ لديها شيئاً ما يميِّزُها عنهم، وهم يشعرونَ بذلكَ ويقدِّرونَه. تقضي وقتَها متربِّعةً داخل الوكرِ لا تخرج. تُعطي الأوامرَ فقط.. وبقيةُ النملِ ينفذون.. تشكلُ الإناثُ منهم اليدَ العاملة، فهنَّ أسرعُ وأقوى من الذكور، الذين ينحصِرُ في الغالب دورُهم في الخصوبة.. وبخروجها المستمر واليوميّ، تمكنت النملاتُ من استكشافِ كافة زوايا ذاكَ المنزل.

    الجدير بالذكر أنَّ هذا الوكر شهدَ خلالَ السنةِ الأخيرةِ تياراتٍ مائيةً، أثناءَ عملياتِ التنظيف، أودَت بحياةِ جماعاتٍ نمليةٍ لا تقلُّ عدداً عن المتواجدةِ حاليّاً داخل الحائط..

    المنزلُ فارغٌ في هذه الساعة... فيما تحتشدُ فيه، إلى جانبِ الأثاثِ والأغراضِ والأواني ووسائلِ عيشِ البشر، أمورٌ أخرى، لو جيءَ لإحصائِها، لوقفَ الآدميُّ عاجِزاً، آيِساً... ليسَ يدري من أينَ يبدأُ ولا إلى ما يؤول.. المساحةُ، من منظارِ عينِ الكائناتِ الصغيرة أو الميكروسكوبية لا يحوي أيَّ بُقعةِ فراغ.. النملاتُ يخرجنَ ويدخلنَ بحركاتٍ تبدو للرائي البشريّ منتظمةً في سَيرِها.. إلا أنّ رؤيةَ النملِ للحركةِ تبدو أكثرَ سرعةً وفوضويَّةً وازدِحاماً.. من النملاتِ مَن يحملنَ على ظهورهنَّ قطعاً كبيرةً، بالنسبةِ لهنّ، من الموادِّ الغذائيّةِ وفتاتِ الحجارةِ المكسورةِ والتراب من أجلِ تأمينِ بوابةٍ للوكرِ مُحكَمةِ الإنغلاق..

    موضوعٌ كبيرٌ يُناقَشُ هناك في هذه الأثناء.. عددٌ من أعضاء العشيرةِ الفورميسيديَّة الكُبرى يجتمعونَ فيما تنشغلُ الأنواعُ الأخرى بالإتيانِ بالمأكلِ والمشرب..

    تجلِسُ الأمُّ الكبيرةُ "آنا" على منبرِها- حبةٍ من الحجارة كبيرةٍ نسبياً تعاونَ كبارُ النملِ في حَملِها ونقلِها إلى الداخل- وتُلقي كلمتَها على مسمعِ الجميع..

    علينا أن نفكِّرَ في الخروج من هنا.. هذا أمرٌ مسلَّمٌ به.. لا يمكنُنا قضاءُ حياتِنا هنا، وحَشدُنا يزدادُ يوماً بعدَ يوم..

    تجيبُها إحدى النملات: لكن كيف يا أماه؟ ونحن عُرضةٌ لتياراتِ الماءِ في أيةِ لحظة..

    الأم: لا همّ.. سبقَ وقلتُ لكم.. علينا أن نرسلَ فريقاً أولاً.. والفريق أنا أحدّدُ أعضاءَه..

    يجيبُها أحدُ الذكور: على أيةِ أسُسٍ يا أماه؟

    الأم: سأعيِّنُ مجموعةً من المجازفينَ السريعي الحركة، الذينَ لا اعتبارَ للخوفِ عندهم.. إنه مستقبلُنا.. وفي سبيلِ تحسينِه.. علينا بالمجازفة والتضحية بأنفسِنا إن لزمَ الأمرُ في سبيلِ العلمِ والإستكشاف..

    أحدُ الذكور: نعم، أنتِ محِقَّة!! لا يُعقَلُ أن تعيشَ فصائِلُنا المختلفةُ بعشائِرِها هنا.. في رُقعةٍ تكادُ لا تفي لا بالأوكسيجين.. ولا حتى بالتحرُّك..

    إحدى الإناث: أنا أفهمُكم.. لكن هلا أخبرتموني، إن خرجَ رفاقُنا ولم يعودوا، فأيُّ استكشافٍ وأيُّ علمٍ سينفعُنا؟ من سيأتينا به ساعتئذٍ؟!

    الأم: لا تخافي المجموعة كبيرة، وليسَ يُعقَلُ أن يموتوا جميعاً هناك..

    سادَ شيءٌ من القلقِ على الوجوه.. والسكوتُ كان لا بدَّ أن يحملَ علامةَ الرضا.. فلا خيارَ بعدَ كلمةِ الأم الكبرى..

    إيميليا، النملةُ الخائفةُ القلِقة تسيرُ ذهاباً وإياباً من أولِ الوكرِ إلى آخرِه دونَ كلَل.. مطأطئةً رأسَها الكبير وتفكِّر..

    "ماذا لو وقعَ الإختيارُ على صديقي دانيال.. هو نحيلٌ جداً.. لا يُمكِنُه تحمُّلُ مشقاتِ المهِمَّة.. وسوفَ يستسلِمُ لأوَّلِ حادثةٍ تلمُّ به.. ماذا أفعلُ يا إلهي.. كي أجعلَها لا تختارُه! بل لا تراهُ حتّى!!".

    إيميليا نملةٌ تعيشُ طفولتَها السعيدة.. تخرجُ بضعةَ سنتيمتراتٍ وترجع.. لا أحدَ يطلبُ منها شيئاً نظراً لسنِّها.. تجمعُها بدانيال علاقةٌ وطيدة.. صداقةٌ ما.. رِفقةٌ ما.. يسيرانِ معاً طوالَ الوقت.. يتحدَّثان.. تكلِّمُه عن عشيرتِها وكلِّ ما يتعلق بها.. وتشكو إليه مخاوفَها الصغيرة.. وهو مستمعٌ بارعٌ بالدرجة الاولى، وصديقٌ ودودٌ يكنُّ لها الحبَّ وأموراً أخرى غريبة..

    كما لو كان دانيال توأمَ روحِها.. كما لو أنَّ إيميليا ذاك الحضنُ الوحيدُ الذي يستوعِبُ أحزانَه..

    وهي تفكِّر.. دخلَ دانيال من الخارج.. إلتقت عيناهُما فجأةً.. وما عادت تستطيعُ أن تحيدَ بطَرفِها عن عينَيه.. كانت تودُّ أن تأخذَه إلى الخارجِ فتحدِّثُه عن خوفِها الجديد في نزهةٍ ما، كما اعتادا كلَّ يوم.. نظرَ عميقاً إليها.. فهِمَ إيماءَتَها..

    وخرجا متناغِمَينِ والصمتُ ينتظرُ بضعةَ سنتيمتراتٍ أو ميلليمتراتِ حتّى.. كي ينكسِرَ بينهما..

    قلتُ لكَ لا تأتي إلى هنا كثيراً.. لا تأتي كلَّ يوم..

    لكن، أخبريني لماذا إيميليا؟ ما الخَطب؟

    لا شيء، أنا لا أريدُ من أمِّنا أن تراكَ متردّداً علينا يومياً..

    إيميليا.. أنظُري إليّ وأنتِ تحدِّثينَني.. هناكَ أمرٌ كبير.. هيا أنا أسمعُك..

    إسمَع.. دانيال.. الأمُّ تريدُ أن تشكِّلَ فريقاً لإنجازِ بحثٍ في الخارج عن حياةٍ ما، لا أعلم ما هدفُها.. ما أعرفُه أنَّها ستختارُ غداً في الصباحِ عناصرَ الفريق..

    وأنتِ بالتأكيد لا تريدينَني ان أذهب..

    لا طبعاً.. أنتَ تفهم..

    هلّا أخبرتِني لماذا.. ؟

    حسناً لأنَّكَ صديقي، تفهمُني.. و..

    وماذا؟

    نحنُ صديقانِ مقرَّبان.. ونحتاجُ بعضَنا..

    لكن أنا أحبُّكِ..

    دانيال من فصيلةِ التيتراموريّين المعروفين بغريزتهم الإستيطانية التوسعية، وبالتالي يتمتعونَ بقوةٍ جسمانيةٍ عالية.. لكن دانيال، إذ كانَ منذ الصغرِ يخرجُ ويجولُ هنا وهناك.. تعرَّفَ إلى إيميليا، وباتَ يقضي أكثرَ أوقاتِه معها.. والأم "آنا" أصبحت تعتبرُه إبنَها بالتبنّي.. سيَّما وأنها ترمي إلى استغلالِه في تنفيذ مخطَّطاتِها المستقبلية..

    أسرعَت إيميليا في الدخولِ إلى الوكر.. ولم تنطق بكلمة.. كانت رعشةٌ ما تعكِسُ انفعالَها العاطفيّ.. وكأنَّ سعادتَها بالكلمة جعلتها تنسى لما طلبت أن تحدِّثَ دانيال..

    النملةُ الأم: إيميليا، إذهِبي نادي على أبيكِ تيمور..

    إيميليا: لكن أبي تيمور خرجَ مع آبائي الآخرين لإحضارِ المؤونة..

    الأم: لا أعلمُ لما يتصرَّفونَ بما يحلو لهم.. مازالَ أمامَنا فصلٌ كاملٌ حتى الشتاء.. وبدلاً من الإجتماع والتخطيط لتوفيرِ الأمنِ وحياةٍ أفضل، يخرجُ أزواجي كلَّ يومٍ من أجل الطعامِ فقط..

    إيميليا: هاه.. لقد جاءَ أبي تيمور..

    رمقَته الأم "آنا" بنظرةٍ فيها مزجٌ من الغضبِ وشيءٌ من التأسُّفِ والإستهزاء..: هلّا أخبَرتَني من الذي طلبَ منكم طعاماً في هذا الوقت؟

    تيمور: لكن، سيدتي العزيزة أنا أفكرُ بحلولِ الشتاء.. إسمَعي وجدتُ رُكناً يملَؤه الفُتاتُ وحبّاتُ السكَّر.. و..

    آنا: أنا لم آمركُم بذلك.. حسناً أينَ أزواجي الباقون؟

    تيمور: جنكيز ورام سيُحضِرانِ الحبّاتِ الكبيرة مع الإناثِ العاملات... أنا كما تعلمين، أكبرُهم سناً.. وباتت صحَّتي تخونُني أثناءَ العمل..

    آنا: وهذا ما أقولُه.. إستَرِح أنت.. فما زال لدينا متَّسعٌ من الوقت.. أنا أحتاجُكَ في الوقتِ الراهن من أجلِ البحثِ والدراسة.. الإناثُ يقُمنَ بكافةِ الأعمالِ الشاقة..

    تيمور: أيُّ متَّسَع..! هل تعلمينَ ما رأيتُه قبلَ قليل؟

    آنا: ماذا هاتِ لنرَ؟

    تيمور: مستعمَرةٌ هائلةٌ من التيتراموريينَ يحتلّونَ رُكناً كبيراً ويجمعونَ إليه المؤونات والسدود الدفاعية..

    آنا: لا أصدّق.. هنا في الجوار؟

    تيمور: طبعاً... وقد عرفوا مكانَ حباتِ السكر والفُتات، وقد عانَينا الكثير حتّى تمكَّنّا من تخطّي جُموعِهم لإحضارِ حصَّتِنا..

    آنا: لكن ألم تصطحِب معكَ إناثاً عامِلات؟

    تيمور: بلى، لكنَّ إناثَهم أقوى.. أظنُهم من المستعمِرينَ الجدد في هذه المنطقة..

    آنا: حسناً، وهذا سببٌ آخر يجعلُني أتشبّثُ بفكرةِ البحثِ عن حياةٍ خارجَ هذا المنزل..

    تيمور: لكن كيف سنخرجُ؟ على أقدامِنا؟ أنتِ تعلمينَ المسافاتِ التي نقطعُها داخل المنزل.. فما بالُكِ أن نخرجَ منه!! على أطرافِنا مستحيل.. إنسَي الامر..

    أطرَقَت قليلاً.. ثمَّ نظرَت إليه: حبّاتُ السكر يتبدّلُ مكانُها على طولِ السنة.. فمرةً أخبَرتَني أنّها إلى يمينِ حُجرتِنا ببضعةِ مسافات.. ومرةً قلتَ وجدتم من السكرِ فُتاتاً على مسافةٍ أبعد.. واليومَ ذكرتَ مكاناً مختلِفاً..

    تظرَ باستغرابٍ وتساؤل: وماذا يعني هذا؟ هل فيه من دلالة؟!

    آنا: لو كنتم تفكّرونَ مثلي، لما كان هذا حالُنا كلَّ هذه المدة..

    تيمور: حسناً، فلتُكرِمينا بعلومِكِ يا ملكتَنا.. قالها وبه شيءٌ من التحقيرِ البادي على فراستِه النملية الصغيرة... وفي حركةِ شعيراتِه الطرفيَّةِ إلى رأسِه مِراراً..

    آنا: إسمَعني جيداً.. وافهَم ما أقولُه.. السكر والفُتات يتغيرُ مكانُهما.. مَن الذي يغيّرُ مكانَه برأيِك؟ تلكَ الكائناتُ الضخمةُ لا شكّ.. أنا أبصَرتُها من بعيد، ورَصَدتُ طريقةَ تحرُّكِها..

    تيمور: ولكن قد تكونُ جموعٌ من الحشراتِ هي التي تنقلُ حبوبَ الطعام هنا وهناك..

    نظرَت بازدراءٍ ودونيةٍ هذه المرّة: يا لكَ مِن غبيّ! كلُّ هذه الكميات!! وبهذه السرعة!! أيُّ عددٍ من النملِ يلزَمُ لفعلِ ذلك..!؟ لا بدَّ أنَّها تلكَ الكائنات..

    تيمور: ولنفرِض صحيح.. أنتِ تعلمينَ كم تلكَ الكائناتُ مخيفة!! كما تعلمينَ أنها العاملُ الاولُ في وفياتِنا.. من ثمَّ ألا ترَينَ خطواتِها الوحشية.. وكأنَّ الارضَ تحتَنا تهتزُّ حينَ تمشي..

    آنا: هما إثنان.. أنا رأيتُهما.. ولكلٍّ منهما طرفان على الأرض.. وطرفانِ يستخدمانهما في التقاط الأشياءِ الكبيرة من حولهما..

    تيمور: تعنين الأيدي والأرجل؟

    آنا: نعم لا أعرفُ أيُّها يدٌ وأيُّها رجل.. لكن بشكلٍ عام، فإنَّ الأطراف التي على الأرض هي التي تشكّلُ على حياتِنا خطورةً..

    تيمور: وما الذي تقترحينَه؟؟ من الآخِر.. هاتِي ما عندَكِ..



    آنا: علينا أن نرسلَ فريقاً يتمكن من الإقتراب حدَّ الإمكانِ منهما، علَّنا نقتفي خطواتِهما ونعلم إلى أينَ يذهبانِ كلَّ يوم..

    في اليوم التالي بدأوا بالعمل.. الإناثُ العامِلات جهَّزنَ أنفسهنَّ لخوضِ ثنايا الملابس لهذَينِ المخلوقَين البشريَّين..

    خرجَ الجميع.. كانت إيميليا حتى اللحظةِ الأخيرة تُصرُّ على دانيال..

    إيميليا: دانيال، لا تذهب معهم.. تعالَ نهرب أنا وأنت.. فلتَعُد معي إلى عشيرتِكَ القديمة.. ما لكَ أنتَ ومخططاتِ ملكتِنا..

    دانيال: نظرَ إليها مبتسِماً.. إيميليا صديقتي الغالية.. أنا سأعود.. ألستِ واثقةً من بطولتي..؟؟ كم مرةً أنجزتُ أعمالاً عجزَت كلُّ إناثِكُم عن القيامِ بها!!

    إيميليا: أنا لا أشكُّ يا صديقي، لكنَّ هذه المغامرةَ مختلِفة.. والملكةُ لن تتوانى عن التضحيةِ بكمٍّ هائلٍ منا.. في سبيلِ إكتشافاتِها التوسعيَّة!! لمَ لا تفهمُني..!

    دانيال: أنا أكثرُ مَن يفهمُكِ.. ششش.. كفاكِ كلاماً.. إنتظريني..

    ورحلَ دانيال مع الحشودِ في صفٍّ طويل.. كان ما ساعدَهم على بلوغِ جيوبِ ملابسِ البشريَّين قطعٌ من شيءٍ أشبه باللبّانِ أو الحلوى في تلك الجيوب.. وكانت النملاتُ يتبعنَ إحساسَهنَّ وتلكَ الحاسةَ التي يمتزجُ فيها الشمُّ وشيءٌ ما آخر، تختصُّ به هذه الكائنات..

    إيميليا تقفُ عندَ بابِ الوكر.. لا تريدُ الدخول.. حاقِدةٌ هي على الملكة، وآخرُ ما ترغبُ به في تلك اللحظةِ رؤيةُ وجهِها المشؤوم..

    وقفَت تذرِفُ دموعاً تغسلُ حُزنَها وخوفَها، دونَ أن تقتلَها.. لكنَّ دانيال ذهبَ ولم يلتفِت ليرى ما أوقعَه بها فراقُه..!!

    غابَتِ النملاتُ الإستطلاعيةُ أسابيع.. وكانت في كلِّ يومٍ تعودُ إحداها أو إثنتان.. تعودُ متفرِّقةً دونَ الحصول على نتائجَ مُرضية..

    الملكة آنا في اليوم الخامسِ على التوالي أمام حشدٍ من العائدين: ماذا رأيتُم؟ ماذا؟ ألم تأتوا يأيِّ معلومة؟!!

    إحدى النملات: سيدتي، لقد غادرَ البشريُّ هذا المكان الكبير.. لقد شعرنا ونحنُ في جيبِه بذلك..

    آنا: إلى أين؟ ألم ترَوا المكان في الخارج؟

    النملة: لا، بصراحة شعرنا باختلافٍ مخيفٍ في درجاتِ الحرارة.. وبرطوبةٍ ما هناك.. منعَتنا من الخروج من ثنايا سترتِه..

    آنا (وشيءٌ من الذهول وانتظار الردّ على ملامحها): أتعنينَ لم يخرج منكم أحد؟ يا لجُبنِكم..!! عارٌ أنتُم على مجتمع الفورميسيديّن..!!

    النملة (مطأطئةً رأسَها خجلاً وخيبةً): لا، نحن لم نخرج.. لكن صدقيني قد يأتيكِ الباقون بنتيجةٍ ما..

    آنا: الباقون؟!

    النملة: نعم، دانيال وعددٌ من الإناث معه خرجوا وقالوا سيعودونَ إلى الجيب.. لأنهم حفظوا مسيرَه.. قلنا لهم إن البشريَّ يتحرك وإننا لا نظنه الوقت المناسب لخروجِهم، فقد يغير مكانه ولا يجدونَ دربَ العودة..

    آنا: وهل دانيال وأصدقاؤه حَمقى ليخرجوا أثناءَ تحركِ البشريّ الغبيّ؟؟!

    النملة: في الواقع، دانيال قالَ إنها حركةٌ لا يقومُ بها هو برجلَيه، وكأنَّ مركبةً ما تأخذُه من مكانٍ إلى آخر.. واعتقدَ دانيال أنَّنا سنبقى داخل إطار المركبة..

    آنا: وبعدَها؟؟

    النملة: لا شيء.. عادَ البشريّ، ونحنُ بالكادِ عرفنا طريقَ الوكر وعدنا.. ومنّا مَن أضاعَ الطريق.. وما زلنا لا نعرفُ إن كان دانيال ورفاقُه ضاعوا أم مازالوا في المركبة..

    تيمورلآنا: أخبرتُكِ أنها مغامرةٌ أكبرُ منا.. نعيشُ بهناءٍ هنا.. ما لكِ أنتِ وتلكَ المجازفات!!

    آنا (رافضةً كلامَه، وكأنَّ الكبرياءَ أقدسُ لديها من أرواحِ المعشر): هذا ما يجعلُني ملكتَكم.. ويجعلُكم خُدّاماً لي.. إنها حِكمتي..

    مضت شهورٌ ولم يعد فيها دانيال.. ولا رفاقُه..!

    في كلِّ يومٍ تقفُ إيميليا وعيناها أُرهِقَتا لشدةِ البكاْءِ وطولِ مدَّتِه..

    هل دَهسَته مركبة؟؟ أو يدٌ بشرية؟؟

    هل جرفَه سيلٌ صغير.. ؟ أم التهمَه مخلوقٌ غريبٌ آخر؟!!

    ذهبَت إلى منزلِه القديم.. وعندَ الوكرِ حيثُ التقيا لأولِ مرةٍ جلسَت..

    طأطأت رأسَها بعدَما أيقنَت استحالةَ عودتِه..

    ولأنها لم تخبِرهُ من قبلُ وهو لم يعرف.. قالت: دانيال.. وأنا أحبُّك.. لم تكن صديقي يوماً.. أنتَ حبيبي..

    وماتَت..

    ماتَت لأنَّ من النملِ مَن لا يموتُ دَهساً...


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: مَن لا يموتُ دَهساً_ قصة قصيرة وصور لمريم ميرزادة من إيران Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top