الدعاية وتاثيرها على الشعوب ...

A فبراير 25, 2014 اضف تعليق



جينيا اوبليش - معز محي الدين ابو الجدايل 

الاعتماد الاساسي للأنظمة الديكتاتورية هو الخوف. – الخوف : الحافز الرئيسية للسلوك البشري، يتم استخدامه كأداة للخضوع المجتمع البشري منذ نشأته حتى الوقت الحاضر. يمكننا ان نقول ان الديكتاتوريات الحديثة هي استمرار لتطور الحضارة. بالطبع مع التعقيد المتزايد للعلاقات الاجتماعية ، هو أمر ضروري لخلق مجموعة متنوعة من أدوات القمع، يناظرمستوى الثقافة المعاصرة، لأن استخدام واحدة منها لن يؤدي إلى النتائج المرجوة. وأي من الأنظمة السياسية ملتزمة بضمان هذا لخلق آليات فعالة للقمع والترهيب، ان وسائل الإعلام في الوقت الحاضر هي واحدة من الوسائل الرئيسية للسيطرة الاجتماعية.

تشتري السلطة وسائل الإعلام كسلعة، لفرض سيطرتها على وعي السكان، بطريقة خاصة لمراقبة المعلومات في الدولة والشائعات كقناة بديلة للاتصال.

تتشكل الشائعات في غياب معلومات رسمية، يمكن لوسائل الإعلام المحافظة الشائعات لاستخدام أو لمنع. هدف الشائعات للحفاظ على المعلومات الرسمية أو دحضها، ويمكن أن تخلق تتابع للرؤية من إعلام المجتمع، كل ما كان المجتمع اقل حرية كلما كان انتشار للشائعات اكبر ، يصبح أكثر عرضة للهجمات الملعومات المستهدفة.

ما هي الحكومات التي تكذب على شعوبها اكثر واكثر!؟

ما هي الدول بسبب كذب وسائل الإعلام الرسمية والشائعات، لتصبح مصدرا هاما من مصادر المعلومات؟.

كيف ستكون الأكاذيب و انفجار اجتماعي؟.

انعدام الثقة في سلطة الدولة هو عدم الثقة في المعلومات الرسمية. إضافة إلى هذا انعدام الثقة والمشاكل الاقتصادية وازدياد الشائعات. سبب رئيسي في تشكيل صورة سلبية عن السلطة القائمة، وبالتالي الانفجار اجتماعي. انعدام الكذب في وسائل الإعلام وعدم وجود الدكتاتورية - واحدة من الأهداف الرئيسية للثورات الحديثة.

كلما كانت الديكتاتوريات قاسية ، كلما زاد الميل السلطة للترويع، لهذا الغاية تكون الأساطير الاجتماعية الأكثر بدائية تسعى لتخويف الناس وإشغالهم عن القضايا الاساسية. وللأسف، بمجموعة من الأساطير يتم بناء المخاوف الاجتماعية إلى حد كبير وقياسية بالنسبة الديكتاتوريات الاخرى.

أولا: الحكومة يشكل صورة عن عدو خارجي، الأسهل والأكثر ملاءمة لهذا الغرض في عصرنا هذا هي صورة الولايات المتحدة الامريكية .



الولايات المتحدة الأمريكية هي العدو الاول للبلاد. لها تاريخها مختلف والأديان مختلفة، وأنواع مختلفة من الدكتاتوريات. باستخدام هذه الصورة يتيح تحويل انتباه الناس من أخطاء السياسة الخارجية للدولة الى مؤامرات الاعداء الاجانب.

ثانيا: مصدر الخوف والتهديدات المرتبطة مع تدفق المهاجرين والقوميين والإرهابيين والمتطرفين الى روسيا الاتحادية لحجب أخطاء في السياسة الداخلية.

وسائل الإعلام الرسمية لبعض الدول الإسلامية يجادلون!. بأن جميع المشاكل في البلدان الديكتاتورية تنشأ من حقيقة أن الولايات المتحدة تتدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول للسيطرة على مواردها الطبيعة.

الولايات المتحدة الأمريكية والأوروبية يشتري النفط والغاز من دول العالم الثالث ، وسارت العملية على الشكل التالي: بانه ظل ثمن هذه الموارد مستثمرا في بنوك هذه الدول!. السؤال الذي يطرح نفسه، من الذي يبيع النفط والغاز بالأسعار العالمية، وإخراج عملته من البلاد لتوضع في البنوك الأوروبية والأمريكية.!؟ النظام في الولايات المتحدة الامريكية واوروبا.....!!!!!؟.

بعد سقوط نظام صدام حسين، وفقا لمصدر وزارة النفط، أصبح امرا فاضحا أن صدام حسين وزع النفط بين أصدقاء. ومن بين الاسماء المذكورة في روسيا جيرينوفسكي من الحزب الليبرالي الديمقراطي، والحزب الشيوعي زيوجانوف... من الذي سرق النفط العراقي؟ الولايات المتحدة أم النظام العراقي تحت تسميات خلابة "الصداقة"؟.

إذا كان في البلد تتخذ الأساطير ثقافة لها فلن يبقى شيء. الأساطير الاجتماعية هي نوع من برامج اجتماعية وبفضل تجارة في الغاز والنفط في روسيا الحديثة ، وبخلق بعض مظاهر الرفاه الافتصادي في روسيا الحديثة وتصبح البلدان النامية نموذجا لها. الهدف بدعم هذا المشروع من أسطورة الألعاب الأولمبية في سوتشي. لم يتم تقييمها نقديا، هل حقا روسيا شهدت نموا اقتصاديا، أم أنها واحدة من الأساطير الحديثة. مدعومة بعناية من قبل السياسة الخارجية الروسية. والسلطة مفتونة باستغلال هذه الصورة الاولومبياد ولا تولي اهتماما للتهديد من الأزمة الاقتصادية بعد المباريات.

وتقوم العلاقات بين الدول أيضا على الخرافات ، بسيطة وواضحة ، بسبب العداء ضد الاستعمار كان قد حقق الاتحاد السوفيتي مواقع سياسية كبيرة ، وبالتالي ، انتقلت الحركة المناهضة للاستعمار بيد النظام السوفياتي. مما سمح للاتحاد السوفييتي بفرض سيطرته على البلاد ذلك ما يمثل مصلحة اقتصادية أو استراتيجية.

اما وجود روسيا في سورية ، يعطيها القدرة للسيطرة على حوض البحر الأبيض المتوسط ، فاليوم والسلطة في روسيا الاتحادية لتبرير دعمها لنظام الأسد، يشرح ذلك أنه إذا سقط النظام القائم في سوريا سوف ياتي الى السلطة في سوريا الإرهابيين الإسلاميين وترتيب حرب أخرى في منطقة القوقاز، بهدف تدمير روسيا. مع يتجاهل حقيقة أن سوريا لم تشارك أبدا في سياسة القوقاز الروسي، وكان لا ترغب في ذلك.

في صميم النظام السوري هناك أسطورة، التفوق الأخلاقي للإسلام على السلطة العلمانية ، في البلدان الإسلامية للحفاظ على ديكتاتورية يستخدم اسطورة اخرى ، تفوق زعيمهم الخاص على قادة الدول الأخرى، في نفس الوقت هو تبرير الديكتاتورية المحلية وسبب تقسيم العالم الإسلامي ، كل من الدول الإسلامية ويقول: "لدينا قائد عظيم. وماتبقى من الزعماء العرب هم خونة، وهذا هو السبب في أننا خسرنا ".

تم اخضاع المجتمع لنظام الأسد إلى الكذب الصريح، بعد حروب عام 1948 و 1967. ادعت وسائل الإعلام العربية أن إسرائيل كانت قد هزمت، على الرغم من أن نتائج هذه الحروب كان العكس. في عام 2006، ادعت وسائل الإعلام العربية مرة ثانية أن إسرائيل هزمت وأخيرا، بعد أن فازت في الحروب السابقة في 1948 و 1967. 1973

يمكن أن تعطيك مثال آخر. في عام 2004 الرئيس الامريكي جورج بوش حاولت الإطاحة بالنظام السوري. ولكن هذه المحاولة لم تنجح.



بعد ذلك، ادعت كل القنوات الإخبارية بأن الرئيس كان قادرا على قهر أمريكا. لترويع السكان في الدول الإسلامية الحديثة و تشغيل الأفكار حول الإسلام، التي تهدف إلى الردع.

يشاع إن العدالة لا يمكن أن تتحقق الا اذا تمت العودة إلى تعاليم الإسلام. ونلاحظ أيضا : "لقد كان لدينا حكومة علمانية، وانظروا الى ما حدث لنا." ولكن لا يعتبر الإسلام باعتباره رمز الثقافية التي يمكن أن تساعد واحدة لفهم الواقع والتكيف مع عالم حيث يحتاج متابعة المعرفة والتكنولوجيا المتطورة

اليوم والتلاعب بالرأي العام، الرئيس بوتين يستخدم ايضا أسوأ أساليب القادة العرب. بعد استسلام الحكومة الروسية للامر الواقع في أوكرانيا، أعلنت وسائل الإعلام الروسية : نجاح الاحتجاجات الأوكرانية انتصار كبير لبوتين (آخر انتصار الجيوسياسية بوتين)

كلما كانت الديكتاتوريات قاسية فالأساطير في أكثر بدائية و تدريجيا الناس لا يثقون في الحكومة، وتكون عدوة نفسها واستنزاف الثقافة الوطنية من قبل وسائل الإعلام الرسمية ، الانكماش الاقتصادي يؤدي الى عدم الثقة وبالتالي إلى انفجار اجتماعي وعدم التنافس الاعلامي "السبق الصحفي" لانها تبيع نفسها ، ويلزمها بان يكون هناك توازن بين المصالح العامة والخاصة. التي اساس التنافس في الاحتراف، لتوفير جمهور أكبر قدر ممكن من المعلومات على نحو أفضل وأكثر اكتمالا، بدلا من الانخراط في التخويف من السكان، وذلك باستخدام الأساطير البدائية الديكتاتوريات.

"المقامة الثلجية في زوابع ميدياوية" لأحمد زعزع

فبراير 23, 2014 اضف تعليق
كتب العنطوز بن ورقة إلى ولده طمبوز بن العنطوز يقول: كان يا ما كان، في قديم الزمان، فتاة من لبنان، برعت في التزحلق بين القمم والوديان، وبزّت في النطنطة البطل جاكي تشان، كانت الفتاة تحمل أيضا إسم جاكي، وهي – إلى التزحلق – من هواة السوشي والساكي، قالت جاكي لصديقتها ذات يوم، هيا بنا إلى فاريا، مع شلة من الشبان والصبايا، لنتصور على الثلج زلطانا وعرايا، فاستهولت صديقتها الخبر، ورجت من جاكي أن تعيد النظر، لا لتحفظ على مبدأ الفكرة، ولا لتهرب من إغراء السكرة، بل ساورها قلق على جاكي أن تأكل – فيما تأكل – لفحة هواء، تقعدها الفراش وتحوجها الدواء، وتعطل عليهما سهرة المساء، لكن جاكي الغزالة ضحكت بابتهاج، وأنكرت على صديقتها التردد والإصطهاج، وطمأنتها أن الشاليه مزود بالشوفاج، والغروب ما حدا فيهم سوفاج، وذكرتها أن هواء فاريا يعبق بالحضارة، ويتقبل العري العلني بفخر وجدارة، فاقتنعت صديقتها بمنطقها الصائب، وانضمت إليها في عرض المواهب، إذ لا تثريب في الأمر ولا عواقب، ونال المصوّر – فيما نال – زوجا آخر من النهد الكاعب، وكان ما كان من أمر الروزنامة، وجرى التزليط والتصوير بخير وسلامة، إلى أن تسربت الصور بقدرة قادر، واشرأبت الأعناق نحو المناظر، وانفلت الكلام من كل أديب وفاجر، وكما يحدث دوما في لبنان، إختلط اللحم بالعسل وبالشوفان، وأفتى في الأمر القرود والغربان، وأرعدت العواصف في فنجان، ولم ينفع إعتذار فوري من الصبية، في تهدئة الخواطر ولملمة القضية، ومما زاد الطين بلة، في أكثر من جريدة ومجلة، مبالغة أهل البيان، في تبجيل حرية الجسد العريان، ومدحه وكأنه النصر المبان، بل حث بعضهم جاكي على المثابرة والصمود، وعلى الإمعان في خلع الثياب بلا قيود، وكأنها اخترعت دواء للسرطان، أو علاجا يعيد النظر إلى العميان، وكأن التعري التجاري محمود ومباح، وعلينا التهليل له بمحبة وانشراح، واندفع البعض في مبادرة فايسبوكية،ِ يستعرضون فيها مؤخراتهم البهية، وكأننا نشتهيها صبحا وعشية، وكأن ليس في الأمر فرية ولا أذية، واستدعي إلى عري جاكي الوضع العام، ونوقشت على ضوئه قضايا العنف والإجرام، فهل يرد على اهتراء السياسيين بتعري الناس العاديين؟ وهل يكافح العنف الأسري، إذا ما قبلنا العري العلني؟ ثم، ما دخل طز بمرحبا، وما دخل الفورينوار بالشوربا؟ وهل يواجه الطيش وسوء التقدير، بغير النصح بحسن التدبير؟ تكأكأ القوم على طيش صبية، ورفعوه إلى مستوى القضية، فما لم يكن خلع السوتيان حسنة لوجه الله، أو وصفة مجانية للتقوية على الباه، فثمة من دفع ليصوّر، وثمة من قبض وتعرى غير متبصر، فإذا لم تستح من تلقاء نفسها الفتاة، فلتفعل ما تشاء في الروزنامات، وهي لن تعدم من يطبل لها ويزمر، وكأن تسليع الجسد فيه ما يحرر.

تنشر بالاتفاق مع الكاتب..

حسين الموزاني... يا زمان الفاكهاني

فبراير 23, 2014 اضف تعليق
عندما عدت إلى بيروت بعد ثلاثين عاماً من الغياب مررت بمحلة الفاكهاني وصوّرت الأماكن التي كنّا نلتقي بها آنذاك نحن العرب المتمردون والثوّار اليساريون الغاضبون على أنظمتهم الفاسدة والعملية والجبانة. وكانت كنافة أبي علي في شارع أحمد الطيبي بمحلة الفاكهاني، والتي تحولت اليوم إلى محل لبيع السكاكر، من الأماكن المفضلة لدينا إلى جانب مقهى أم نبيل وتوليدو، حيث كان عدد كبير من الكتّاب والأدباء المهمشون والمقطوعون يلتقون كلّ يوم تقريباً، وحيث تأسست مجلة "رصيف ٨١" بمبادرة من رسمي أبو علي، ليس صاحب الكنافة، بل الكاتب والقاص الرائع، وعلي فودة وآدم حاتم وغيلان وغيرهم. وكنت قد غادرت بيروت قبل صدور المجلة ببضعة شهور. لكنني أردت التحدث هنا عن حادثة طريفة تتعلق بالشاعر غيلان ربما ذكرتها ذات مرّة. كان غيلان يحمل آنذاك رمّانة يدوية، وكانت الرمّانة من أرخص الأسلحة في لبنان، بل كانت توّزع مجاناً. وكان المقاتل يحمل بندقية رشاشة عادةً أما المناضل، وهو العامل في المجالات المدنية، فكان يحمل مسدساً. لكنني لم أحمل سلاحاً في بيروت وكنت من ألد أعداء الحرب الأهلية اللبنانية والاقتتالات الداخلية العربية ومازالت إلى يومنا هذا. فكان غيلان يلوّح بالرمانة اليدوية في كلّ مكان، وهدد ذات مرّة سعدي يوسف بأن يقذفه بقنبلته الشخصية تلك. فما كان من رجال أمن "فتح" إلا وأمسكوا بغيلان وأودعوه السجن بعد أن صادروا أمواله المنقولة وغير المنقولة والتي كانت عبارة عن حزام جلد. على أية حال جلس غيلان الذي وصفه صادق أحمد، وهو من كتاب الرصيف، وصفه بلهجته العراقية الجنوبية بأنه كان "يهفّج من ديرة لديرة والذبان يغوغي على حلكه!" وذلك لأنه كان واسع الفم ومزبده، المهم جلس غيلان وفرش أوراقه السوداء من فرط القذارة على طاولة المرمر البيضاء في كنافة أبي علي،والذي كان رجلاً نظيفاً ومهذّباً ولطيفاً. وبعدما يأس من غيلان الذي لم يطلب شيئاً حلواً أو مرّاً طيلة ساعات، خاطبه بهدوء شديد: "شو خيي غيلان؟ دخلك عوّقت معاك القصيدي؟!"

 عن الفايسبوك

من الرقة: عن الذين نحبهم جداً

A فبراير 21, 2014 اضف تعليق

قلعة عثمانية في محافظة الرقة
مهند الفياض

إن إدراكنا الراسخ للمقابل يعود للنظرة الأولى، وهي قناعة تكتسب بالعاطفة التي تحكمها المساءلة المنطقية. هناك في شوارع محافظة الرقة الشمالية على جرح سورية الجغرافي، التقيت بهم رائحة الأرض وطمي الفرات تعبق بأعطافهم صمود وانتماء. 

شعرت بالقرب منهم فكرياً مذ عانقت وجوههم، شخوص رائعة، وعزيمة راسخة وإيمان صلد، ما يؤهلهم لدخول القلب بلا استئذان . جمال .... أو "أبو العبد" كما يحلو لأبناء المدينة وأقرانه بمناداته، رجل خمسيني يمتلك حيوية عالية، وروح متوثبة بقلب ومظهر شاب. عاد من مغتربه الأمريكي قبل سبع سنوات تاركاً وراءه عقوداً زاخرة من الاغتراب، قضاها على شواطيء نهر الهدسون في نيويورك .. عاد عاشقاً يغني النهر وليالي الشمال ويحلم بأن تكون الرقة منارة لبلاده في كل ما رآه وعاشه هناك.

وفي مقهى الروتانا العتيق وسط سوق الرقة القديم، وخلف واجهة من البلاستيك، حلّت بديلاً عن الزجاج الذي تناثر مرات بفعل البراميل وصواريخ السكود، عين على الشارع المزدحم بالخوف والسؤال وعين أخرى على شاشة التلفاز، يتابع حديث الأخبار، تشغله الهواجس على مساحة الوطن كله، بقدر ما يملؤه التفاؤل عن الغد الآت. يتمتم مبتسماً: القضية لا تحتمل المساومة، البسطاء قاطرة الفرح والغد رغم الجراح والعتم مشرق، ونحن رهبان الانتصار القادم لا محالة. قاطعته مستفهماً: "هل تفكر في الرحيل وسط هذا الموت الأسود، خصوصا وأنت تملك الجنسية الأمريكية؟ يأتي جوابه حاسماً: قطعاً لا، ليس قبل أن أرى علم ثورتنا يرفرف على قاسيون وساحة الأمويين والبرلمان، ليس قبل أن نهدم كل الخيام، ليس قبل أن نشرب كأس الفرح مع جباهنا المعتقلة في الزنازين والظلام، وعندي أحلام أحلم بثورة زراعية في الجزيرة السورية يضاهي دخلها كل دخل بترول العرب أحلم بأن تكون الرقة منطقة تجارية حرة لقربها من تركيا أحلم بأن نحّول موازنات الدفاع للصمود والتصدي للمدارس والجامعات.

تركته ممازحاً بأن ألقاه مجددا وقد استبدلت واجهة البلاستيك بواجهة زجاجية فاخرة دون تساؤلات عن الغارات وأين سقط السكود ورعب اللحظة. خليل ... شاب ثلاثيني متقد الذكاء ضمن نظرات انضباطية محددة الرؤية بشكل دقيق، لا يحبذ التأويلات، يجيد التحليل لمجريات الحدث، وإسقاطه على نبوءات الغد. مع انتصاف الثورة ترك عمله بالخليج مدرساً جامعياً للغة الانكليزية وعاد للوطن ليضع خبراته العلمية إنجاز على الأرض كمستشار لمنظمات إنسانية أجنبية تعتمده خبيراً في جغرافيا الشمال السوري ويستطيع النفاذ بالمشاريع الإنسانية بين فوضى الصراع المسلح .

يرى خليل أن العمل الإنساني في مشاريع خدمية مستدامة هو أفضل الحلول لإقامة تنمية مجتمعية، ويفضله على إهدار الموارد الإغاثية في صراعات الاقتطاعات السريعة وتوزيعها بشكل عبثي لن يكفي الجائع إلا يوم واحد، ولدينا الموروث العريق في البناء يضيف خليل . "إنها ولادة جديدة تشرق من قلب معاناتنا وعلينا أن نتحمّل درب الجلجة والتاريخ سيبرز حكمه يوماً". يغيب خليل مع اتصال هاتفي مع منظمة داعمة لمشاريع الري في أراضي الشمال السوري. وتبقى الفكرة راسخة بعقلي وأنا أجوب بنظراتي وجوه أهل المدينة لأستشف من خلال قسماتهم وملامحهم :
"كل ما اتسعت رقعة الوجع والدمار ..كلما خرجت منها الاوطام وطدة بالقيم الانسانية الحضارية. والتي تجتهد في كل مرة لإقامة البلدان العظيمة .. هنا الشمال السوري ما بين خروج من قبضة النظام . و يوميات مطرزة بألوان الحرب و الدم . و أمل أهليه بالحياة .. و الحياة أكثر

فايسبوكية أحمد بيضون عن الاستبداد

فبراير 21, 2014 اضف تعليق
يبدو راجحاً أن المستبدَّ يصبح، عند تمامِ استبدادِه، عاجزاً عن الاعتزال. وذاك أن الاستبدادَ يُبْنى على زَعْمٍ هو زَعْمُ تَجَسُّد السلطة أي حلولها في جَسَد هو نفسه الجسد السياسي للجماعة. وعليه يصبح جسدُ المستبدّ هو جسد السلطة أو جسد الجماعة هذا باعتبار الجماعة شيئاً منفصلاً عن مجموع أفرادها: مختلفاً عنهم ومتفوّقاً عليهم. ويُفْتَرَض أن تصيرَ هذه الجماعةُ إلى الموت إذا مات جسدُ المستبدّ. ولذا يتشبّث هذا الأخير، لُطْفاً منه وكَرَماً، بالحياةِ وبالسُلْطةِ معاً.
غير أن المستبدَّ فانٍ بما هو جسدٌ وينتهي أمرُهُ إلى الموت شأنَ سائر البشر، فهل له أن يَتْرُك الجماعةَ تموتُ بموته؟
وَجَد الملوكُ حلّاً لهذه "المُعْضِلة" بالتوريث. فافْتَرَضوا أن وَحْدةَ الدمِ التي تَجْمع الأبَ والابنَ قَمينةٌ بضمان الاستمرارِ لوَحْدةِ الجماعة الحالّة في جسد السلطة الواحد. وكان أن استَقَرّ التسليمُ، في بعض الحالات، بأن للملك جسدين: أَحَدُهُما مادّيٌّ يموتُ والآخرُ سياسيّ لا يموت بل يَنْتقل. وقد وَضَع الألماني كانتوروفكس كتاباً ذاعت شهرتُه سمّاه "جَسَدا الملك" تتبّع فيه مصائرَ هذه العقيدة بين العصر الوسيط المتأخّر في ممالك القارة الأوروبية والعصر الأليزابيثي في إنكلترة. وهذا العصر الأخير هو أيضاً عصر شكسبير ومسرحيته "ريتشارد الثالث" التي يظهر فيها بجلاءٍ مبدأ ازدواج الجسد الملكي هذا.
وحيث كانت "العشيرةُ" أو "البيتُ" عِماداً لتنظيم المجتمع والسلطة، لم تُشْترط بُنُوّة الخَلَف للسَلَف بل فُتِح بابُ التفضيل في نطاق العشيرة. هكذا انتهت سقيفةُ بني ساعدةٍ، مَثَلاً، إلى جَعْل الخلافةِ في المُهاجرين من قريش... وأَقَرّت دولةُ بني عثمان، مَثَلاً أيضاً، الخلافةَ للأَرْشَدِ فالأرشد في البيت العثماني. وكان بعض السلاطين يَعْمِد إلى قَتْل إخوته عن آخرهم ليتاحَ له توريثُ واحدٍ من أبنائه.
وفي عَصْرِنا وجِوارِنا، اعتبَر الرؤساءُ المستبدّون أنفسَهم بمثابة الملوك وجَنَحوا إلى توريث أولادِهم حَصْراً مستفيدين من تَصَدُّع المنظومة القَبَليّة والبِنى الإقطاعية ومن زَعْمِهِم تجسيدَ وَحْدةِ الأُمّة التي ادّعوا استردادها على أنقاض النظام المتداعي .
وكان مفروضاً أن نُقابِلَ بالحَمْد والعِرفان طُغاتَنا الأكارم وهم يَبْذُلون وُسْعَهُم مقدّمين ذَوِي الوَسامة من فِلْذاتِ أكْبادهم لإنقاذ جماعتنا من الانحلال متى رحَلَت عنّا أجسادُهم الفانية وفارَقَتْنا وجوهُهُم الكالحة.

ولكنّ بعضنا شَقَّ العَصا، في الآونة الأخيرة، وأَنْكَرَ الجميلَ، على ما يبدو، فاستَحْقَّ أَفْظَعَ العِقاب.

معين أبو ضهر الفتى «الناري» إبن الـ «بستنجي» والشيوعية... ومُفجَّر السفارة الإيرانية

فبراير 19, 2014 اضف تعليق

 بيروت – حازم الأمين
عن جريدة الحياة
عندما قررت كلثوم عموري إرسال ابنها معين أبو ضهر إلى السويد، لكي يلتحق بإخوته الثلاثة هناك، كان الفتى لم يبلغ السادسة عشرة من عمره بعد. ووالدة معين، كلثوم، هي من قرر وليس والده، ذاك أن إخوة معين هناك هم أبناؤها من زواجها الأول، من ابن عمها الجنوبي الشيعي كحالها والذي انفصلت عنه، هي ابنة العقد السادس، والتي نشأت هي وأشقاؤها وشقيقاتها في منظمة العمل الشيوعي.
لكن معين على ما يقول والده لم يتمكن من البقاء في السويد لأكثر من عام ونصف، عمل خلالها في مطاعم وشركات بناء. أما سبب عودته وفق والده فهو أن «أشقاءه حاربوه لأنه سنّي»، فمعين، والكلام للوالد أيضاً «تعارك وتضارب معهم وغادر منزلهم وصار ينام خارج المنزل».
لا يعرف الوالد السنة التي ذهب فيها معين إلى السويد. كان عمره 16 عاماً وهو من مواليد عام 1992. إذاً، من المفترض أن يكون معين غادر إلى السويد في عام 2008، وعندما غادر كان «شديد الالتزام دينياً، وكان مواظباً على الصلاة بفعل احتضان عمه الحاج له». لكن تدينه وفق والده وصديق والده أبو معروف، لم يكن تديناً سياسياً، إذ إن عمه الذي زوده به، لم ينتمِ يوماً إلى حزب. ثم إن والد معين لا يصلي، ويشير إلى أنه يحب أن يشرب كأساً بين وقت وآخر، وأمه لم تكن إلى حين مقتله محجبة.
لكن عودة معين من السويد، بصفتها إخفاقاً في التحول إلى صيداوي مغترب، لم تكن الإخفاق الأول في حياة الفتى، فقد سبقها إخفاقات مدرسية، وتبعها إخفاقات من أنواع أخرى. وبين هذه الإخفاقات كان لبنان يرتج بفعل أزماته التي بدأت باغتيال الحريري ولم تنته باقتحام مسجد شيخ معين أحمد الأسير في صيدا.

تشابه الأسماء
كان على عدنان أبو ضهر، والد انتحاري السفارة الإيرانية في بيروت معين، أن يطلب شفاعة مضاعفة من وجيه عائلة أبو ضهر على فعلة ابنه، فإضافة إلى ما خلفته فعلة الصيداوي بعائلته الصغرى والكبرى، أربكت العائلة مرة ثانية لمصادفة غير غريبة عن صيدا تتمثل في أن اسم الشاب الانتحاري هو اسم وجيه العائلة وزعيمها نفسه، أي معين أبو ضهر، صاحب المستشفى الشهير في المدينة ونجل الطبيب لبيب الذي لطالما كان من وجهاء المدينة وممثلاً إحدى أكبر عائلتها.
قال عدنان إن «الأستاذ معين» كان حانقاً عشية إعلان اسم ابنه كمنفذ للعملية الانتحارية التي استهدفت السفارة الإيرانية في بيروت صبيحة التاسع عشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2013، فـ «للأستاذ علاقات وطيدة تضررت بفعل تشابه الأسماء»، ومستشفاه يستقبل يومياً عشرات المرضى من الجنوبيين الشيعة، ذاك أنهم يُفضلونه على مستشفى حمود بفعل القرابة السياسية التي تربط صاحبها بحركة أمل و «حزب الله».
تنادت العائلة في ذلك اليوم إلى منزل وجيهها وحضر والد الانتحاري وأعمامه، وأصدرت العائلة بياناً تبرأت فيه من فعلة ابنها وأدانتها.
لكن قصة معين، الانتحاري، على لسان والده وألسنة بعض من يعرفه في الحي، لا تستوي على قوام منسجم، فهو وفقب واحد من أصدقاء الحي «يخاف كثيراً... لكنه حشوري ولا يُقدّر العواقب، وفي إحدى المشاجرات في الحي أقدم على كسر يد فتى من عمره»، وهو وفق والده «ناري وما يطلبه يريده سريعاً، وجسمه مثل النار... نار وطالعة». لكن والده يعود ويُذكر بهدوئه واستقامته. لكن الروايات عنه تعرج على ملمح في شخصيته متقطع لكنه مُلاحظ من أكثر من شخص، وهو وحدته التي كانت تستدرّ بعض العطف عليه. فهو وفق رجل في الحي ابن وحيد لزواج بين رجل وامرأة لكل واحد منهما أبناء من زواج سابق. وهو أخ لتسعة إخوة لا شقيق له بينهم. خمسة من والده وأربعة من أمه. ويقول رجل في الحي إن طفولة معين لم تكن بائسة، على رغم تواضع حال أهله، فـ «والده كان يشتري رضى والدته عبر عدم رد طلبات ابنها الصغير»، وكان رجال في الحي يُنبهونه إلى أن ذلك سيُشعر الفتى بأنه لا يحتاج إلى عمل كي يؤمن مصروفه.
لم يبلغ معين «السلفية الجهادية» في التزامه الديني، وحتى الشريط الذي ظهر فيه معلناً أنه هو من نفذ عملية السفارة الإيرانية، والذي زُينت الصورة فيه بالكثير من أكسسوارات «قاعدية»، كان فيه معين حليقاً ومُستعيناً بذاكرة «سلفية» حديثة التشكل ومضطربة العبارة. وكان كلما تعثّر في استحضار العبارات الدينية استعان بغضبه من «حزب الله» فتقوى عبارته وتتماسك جملته وينتفض جسمه منسجماً مع يده الغاضبة وإصبعه المُهددة.
وواضح أن معين عاش حتى يوم انتحاره في كنف أم غير محجبة وأب غير ملتزم دينياً ولا يُمانع في إشهاره شرب «الويسكي»، وهو لم يُطلق لحيته على نحو ما يُطلقها السلفيون. وهذه كلها ليست من علامات «التسلف». ثم إن الروايات المتقطعة عنه، هي وإن كانت قليلة الانسجام والتماسك، لا تفضي بأي حال من الأحوال سوى إلى أن الشاب كان غضوباً ومضطرباً، إنما لم يكن سلفياً ولا تكفيرياً.
إنه ابن «الغريبة» وأخ «الغرباء»، المقيم في حي بستان الكبير شمال مدينة صيدا. وغربة الوالدة والإخوة في صيدا لم تتصل بمضمونها الطائفي، إلا في السنوات الأخيرة. كانت اضطراباً نوعياً، ذاك أن الصيداوية مزاج أكثر منها مذهباً. وأم معين الشيعية وابنة بلدة تفاحتا الجنوبية غير البعيدة من صيدا تزوجت والده أصلاً في سياق من الوظائف التبادلية التي كانت تؤديها المدينة لمحيطها.
هو «نار وطالعة» على ما يصفه والده، وهو «حشوري» على ما قال جاره، لكنه «وديع وطيب القلب»! هذه أوصاف لطالما يسمعها المرء في أحياء الفقراء عن شبانها، لكنها في حالة معين الانتحاري، تنطوي على يُتمٍ ما يشعر متعقب سيرة الشاب في صيدا بأنه جزء من صورة الشاب في كلام أبناء حيه عنه.
وعلينا أيضاً أن نلاحظ هنا أن الفتية والشبان أبناء العائلات المختلطة طائفياً، غير محصنين من التطرف في لحظات صعود المشاعر الطائفية، لا بل إن الملاحظة قد تفضي إلى عكس هذا التوقع. ففي البيئات الفقيرة يشكل الاختلاط نوعاً من الفصام المُولد مزيداً من العنف. فإضافة إلى أحمد الأسير نفسه الذي طالما ذكر أن والدته شيعية، يمكن أن نُلاحظ أن محمد ابن شقيق الفنان المعتزل فضل شاكر، وهو ابن سيدة شيعية من جنوب لبنان، كان من أكثر مناصري أحمد الأسير تطرفاً، وهو كان له دور في دفع عمه إلى اعتزال الفن، وبقي يُقاتل في مسجد الأسير في عبرا إلى أن قُتل. كما أن مؤذن مسجد بلال الشيخ أحمد الحريري (أبو هريرة) الذي قتل أيضاً أثناء المعارك في المسجد، نشأ وتربى عند خالاته المتزوجات برجال شيعة في منطقة النبطية بعد أن انفصل والداه، ناهيك عن مرافق الأسير وآخرين. وعلينا أن نلاحظ أيضاً أن انتحاري السفارة الإيرانية الثاني عدنان المحمد هو فلسطيني نشأ في تجمع سكني للاجئين الفلسطينيين في محيط بلدة البابلية الجنوبية، وهو ما عرضه وعرض عائلته لعيش واختلاط في كنف شيعي أوسع. ونقل صحافيون زاروا منزل أهله أن والده وضع صورة لأمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله على جدار منزله.

كوابح العنف
هذا في حين يُمكن المرء أن يُلاحظ أن الأسيريين من أبناء العائلات غير المختلطة هم أكثرهم تردداً في الذهاب في العنف إلى مستوياته القصوى، وهم جاؤوا إلى «الأسيرية» من ممارسات مسجدية مدينية تقليدية لطالما شهدتها العائلة الصيداوية المُقفلة. هذه الممارسات الطقسية لطالما كانت امتداداً لجوهر نفسي تقع العائلة في صلب طموحاته، فتُخرج الوالد إلى العمل من الصباح إلى المساء، وتجعل من الأم مُنشِئة وزارعة في وجدان الفتى مشاعر تختلط فيها الأمومة بالذكورة، وينجم عن هذه التنشئة فتية وشبان لا يخلو وجدانهم من جوهر أنثوني كابح للعنف، أو مُخفف منه على الأرجح.
عدنان، والد انتحاري السفارة الإيرانية، من عائلة تعمل في البساتين، وهو وإن كان سائق «بيك آب» كما هي حال أشقائه الستة، أعمام معين، لكن مهنته هذه هي امتداد لمهنة الأهل الأولى في بساتين الحمضيات، فالـ «بيك آب» هو وسيلة نقل الحمضيات بعد قطفها، وعدنان الذي راح ينقل «كل شيء» في بيك آب «ه» كان بدأ عمله في نقل الحمضيات. و «بستنجية» صيدا خرجوا بفعل مهنتهم عن نسق صيداوي من التبادلات وتعرضوا لهواء غير صيداوي أخرجهم في الكثير من الأحيان من سور المدينة غير المحكم. فأقاموا في منازل متفرقة وموحشة داخل البساتين الشديدة الازدحام بالأشجار، والواقعة على أطراف صيدا، اقتنوا كلاباً شرسة وكانوا غرباء خارج بساتينهم.
لم يولد معين في بستان، فالشاب كان ثمرة ما أعقب تلاشي «البستنة» كمهنة وكمزاج. والده لم يعد بستانياً، وصار سائق حافلة صغيرة، ومن هذه المهنة تعرف إلى والدته حيث كان يقطر مطعماً متجولاً في حافلته يبيع فيه السندويشات الرخيصة على مدخل حسبة صيدا (سوق الخضار بالجملة). وهذه كلها علامات تصدع أصابت المهن الأولى للصيداويين، وأفضت بـ «ابن أبو ضهر» إلى لقاء بـ «غريبة» على مدخل الحسبة. وشابت هذا النوع من الاختلاط على أطراف المجتمع الصيداوي، مستويات متفاوتة من الاضطراب الذي كان خارج الضبط. فصيدا مختلطة إلى حد لم تشهده مدينة ومنطقة لبنانية، وكما أن الاختلاط هو ثمرة اشتـراك في عمل ومصالح وعلاقات، هو أيضاً اختلاط مولد للعنف وللاضطراب.
جار معين، أبو معروف وهو من وجهاء الحي، قال إنه لا يصدق أن معين فعلها، «ما عندو هالقلب القوي»، أما والده فسأل عن أشلاء جثة ابنه التي لم تُسلم له. لكن النفي هنا هو حيرة وخوف، ذاك أن ما أقدم عليه الفتى أصاب الصيداويين بذهول. ثم إن الرواية على لسان الوالد وعلى لسان صديقه لا تستقيم في سياق منسجم، فمعين وفق والده «هادئ» و«ناري» في الوقت نفسه. وبينما قال الوالد إن ابنه لم يُقاتل خلال معركة مسجد بلال في عبرا، وإنه لزم المنزل في ذلك الوقت، كشف معين في شريط الفيديو الذي بُث قبل أقل من أسبوعين وكان سُجل قبل تنفيذه العملية، أنه كان يُقاتل في المسجد حين شن الجيش اللبناني الهجوم على المسجد، وقال في الشريط إنه شاهد بأم عينه مقاتلي «حزب الله» يرفعون راياتهم بمساعدة الجيش.
ويبدو أن رواية الوالد غير الدقيقة وغير المحكمة عن ابنه هي امتداد لعلاقة بين الابن والوالد لا يملك الأخير كثيراً من مفاتيحها. فبعد أن عاد معين من السويد، عاد وسافر إلى الدنمارك وعمل شهوراً أخرى في المطاعم هناك، وعاد إلى لبنان. وكان ذلك قبل الهجوم على مسجد بلال بن رباح بحوالى ستة أشهر، كان خلالها معين مواظباً على الصلاة في مسجد البزري في البستان الكبير وكان يؤم المصلين في ذلك المسجد الشيخ الشاب يوسف حنينة وهو من أتباع الأسير ومعتقل اليوم لدى الجيش اللبناني.
والأشهر الستة التي فصلت بين عودة معين من الدنمارك ومعركة مسجد بلال بن رباح في صيدا شهدت الكثير من الوقائع الطائفية التي شحنت شبيبة مساجد الأسير في صيدا، ومن بينهم معين طبعاً. فقد قُتل في هذه الفترة صديقا معين لبنان العزي وعلي سمهون في اشتباك مع «سرايا المقاومة» التابعة لـ «حزب الله» أثناء محاولتهما نزع علم لـ «حزب الله» رُفع في منطقة تعمير عين الحلوة على مدخل المخيم الفلسطيني. هذه الواقعة يؤسس عليها والد معين في عملية تحول ابنه إلى ما صار عليه من عنف وغضب. لكنه تحول ليس جوهرياً ومرتبطاً بحال الغضب التي تُرافق أحوال فتية الأحياء في لحظات التوتر الطائفي. ذاك أنه لم يترافق مع تبدل في زي معين أو في مزاجه الديني.
ثم إن الأسيرية التي كانت تتلقف هذا الغضب وتُعيد تأطيره في عملها المسجدي، لم تكن قد بلغت «السلفية» في ممارساتها ولا في اعتقاداتها. فهي بقيت شعوراً طائفياً حاداً من دون مضامين تكفيرية، وإن كانت سعت إلى ملامسة سلفية دعوية تبليغية.
وحادثة مقتل العزي وسمهون بصفتها الفاجعة الأسيرية «الصغرى»، إذا ما اعتبرنا أن اقتحام المسجد هو الفاجعة «الكبرى»، والتي يحيل إليها والد معين «غضب» ابنه، تكتمل حين يشفع كلامه عنها باعتراف بأن نجله يُمكنه تقدير الواقع أكثر منه فيقول: «هو يعرف أكثر مني في شؤون الحياة، فهو سافر وخاض في الكثير من المشاكل، ويعرف بالدين أكثر مني»! وهنا يتلبس الانتحاري ضآلة والده فتتبدل أدوارهما. وهو تبدل لطالما يلحظه المرء في سير الانتحاريين وسير عائلات «الشهداء» من الجماعات الدينية.
يقول عدنان إنه وبعد معركة مسجد بلال بن رباح بحوالى 20 يوماً، قرر معين السفر إلى الكويت للعمل مع شقيقه هناك. وبعد أسابيع قليلة من سفره اتصل به من هاتف سوري وأبلغه بأنه يعمل في سورية. لا يُجيب عدنان حين تسأله عن قصة السفر إلى الكويت، وعن عدم تدقيقه مع نجله الثاني هناك بقصة توجه معين إليه. فقط قال إنه لا يسأل أحداً من أولاده عن شيء. وعـندما اتصل به مـعيـن من سـورية اشـتـرط الأخير، حتى لا يقطع المكالمة، ألا يسأله أين هو وماذا يعمل. أمضى في سورية 4 أشهر وعشرة أيام. وبعدها نفذ العملية الانتحارية

فواز طرابلسي يكتب عن ايتل عدنان

فبراير 19, 2014 اضف تعليق
فواز طرابلسي
[[منح مدير معهد العالم العربي في باريس الكاتبة والشاعرة والرسامة السورية-اللبنانية اتيل عدنان وساما فرنسيا. مساهمتي في تكريم هذه المرأة الاستثنائية الكلمة التي القيتها تكريما لاتيل في بيروت بمبادرة من مسرح المدينة في ١٣ ايار ٢٠١٠]]

سمعتُ اول مرة بإتيل عدنان وانا لا ازال على مقاعد الدراسة عندما فازت في مسابقة للقصة نظمتها مجلة افريكازي. لم اعد اذكر شيئا من قصة اتيل. ولكن، منذ ذلك الحين، وانا مدمن على ادب اتيل وفن اتيل وصداقة اتيل. صداقة اتيل وصداقة رفيقتها الناشرة والفنانة سيمون فتال.
كلما أعجبني نص لاتيل، اترجمه. كثيرا ما تُشبّه الترجمة بالخيانة. مارست ترجمة اتيل بما هي فعل حب ورغبة في الاستحواذ. فكل مترجم يحمل شهوة مكبوته ومراوغة: ان يكون هو مؤلف النص لأنه ألّفه في لغته.
كيف الحديث عن اتيل في ثلاث دقائق؟ وهي سيدة الضغط والتكثيف في القول؟ يتحدث ماياكوفسكي عن الشاعر يصنّع الاف الاطنان من الكلمات لانتاج مفردة شعرية واحدة: ويضيف «ولكن، قارِن قدح شرار/تلك الكلمة/بالاحتراق البطيء للكلام الخام ». تقطّر أتيل الكلام في عملية طبيعية بل جسدية من غير ما جهد منجمي او صناعي. هذا هو قَدْح شرار كلامها: إسمعها تلّخص ساحر الجاز الاميركي ديوك الينغطن بعبارة من خمس كلمات: «انه يحوّل الضجيج الى مُخمل ».
وهي تمارس عملية التقطير ذاتها في الرسم والتصوير. انظر الى لوحاتها الصغيرة الحجم. ليست منمنمات. تضيق رقعة الصورة لتتسع الرؤيا، مع الاعتذار من النفّري.
من كان يتصوّر ان هذا الوجه الطفلي يحمل كل هذا القدر من الدهاء والفطنة والعمق والمثابرة والشجاعة؟
كاتبة ومناضلة نسوية . نسويتها غير المدّعية هي رهافةٌ وقوة معا. لا تتغرغر بأن الانثى هي الاصل. ولا تغريها أصوليات نسوية متفاحلة ومعادية للذكور. تلعب بالاسطورة لعبًا: المرأة هي ما فقده الرجل منذ آدم. والانِثى هي النقصان في الذكر. كأن الرجل يقضي العمر والدهور لاستعادتها. ولعل إتيل ترجع هنا صدى معادلة كارل ماركس الشهيرة التي تقول: إن المرأة هي مستقبل الرجل. لا تكتفي اتيل بهذا. تلتقط اقوى ما في الرجل لتؤنثه. تقبض على الذكر في أضعف حالاته وأجملها: حالة اللذة. ان الرجل إذ يستسلم للذة، يتأنث. واللذة مؤنث لا محالة.
واتيل كاتب ملتزم. بلا تبرير. هي البرهان الحيّ على ان التزام قضايا الحرية والعدالة والمساواة يغني الادب ولا يفقره. بل هو إلتزام قابل لأن يشكل نقلات نوعية في اشكال التعبير والتفكّر والجمالية. لا خطابة ولا حماس ولا ظفرواية هنا. التجربة اغنى وأوجع. فاتيل عدنان ابنة الجيل الذي هزّته هزيمة حزيران ١٩٦٧ وانتشى بانتصار فيتنام ووضع المخيّلة في السلطة مع طلاب وشباب العام ١٩٦٨ ومجّد تشي غيفارا نموذجا للانسان الجديد وإكتوى بالجرح الفلسطيني قبل ان يهلل للفدائي صاحب الكوفية. وهو ذاته الجيل الذي قدّر لبعض منه ان يعيش ليشهد على احتلال الجيش الاسرائيلي لبيروت والغزو الاميركي للعراق. وهو الغزو سجّلته في نصها المدهش بعنوان «في قلب قلب بلد آخر »، حيث يتضافر الحوار والتكرار والابتكار الاسلوبي، لبناء مشهد اليومي من حياة امرأة تعيش «في بطن الوحش » فيما القنابل تنهمر على بغداد.
لعل اتيل اول شاعر عربي ذكّرته مأساة الهندي الاحمر بالانسان الفلسطيني المقتلع والمشرّد والمجمّع في معازل تسمّى مخيمات . لكن بيروت الاحتلال الاسرائيلي، بيروت المقاوَمة، وبيروت الاقتتال الاهلي، وَخَزتها أكثر من اي حدث آخر للابداع. سجلّت ١٩٨٢ شعرا. وفي «ست ماري روز »، إفتتحت النصوص الروائية عن الحرب. وفي رائعتها «سفر الرؤيا العربي » رمّزت الي هزيمة ١٩٦٧ وذاكرة الحروب الاستعمارية والحرب الاهلية اللبنانية بالصراع بين شمس وقمر. «الشمس بركة دم » تقول وتردف «شاهدتُ بيروتَ المجنونة تكتب بالدم: الموت للقمر ». «سفر الرؤيا العربي » نص متفرّد في النتاج الادبي عن الحروب اللبنانية قررت الشاعرة فيه ان تتحدى اللغة بواسطة الحرب. والحربَ بواسطة اللغة. فككت اللغة الشعرية تفكيكا، لتتشظى مثل انفجار قنبلة او تخلع بيت او تطاير اشلاء. إمعانا في التحدي، خلطت اتيل الكلام برسوم ورموز وتعاويذ في هيروغليفية تقول عجز اللغة امام هول المأساة.
هذه المرأة التي «تفضّل الموج علي البحر»، وجهت رسالة الى الشعراء تقول:
«ايها الشعراء، غيّروا العالم او إذهبوا الى بيوتكم! »
رسالة التحدي هذه موجهة الى جميع من ينتج في الادب والفن والفكر.
إتيل، وانت لم توجدي الا للحب، تعرفين كم احبك.
هذه مناسبة اخرى لتتعرفي على الكثيرين الذين يحبونك ويقدّرون موهبتك ونبلك وشجاعتك.

اتمنى لك الحب المديد.

مايا دياب اقتبست بيونسي وتقول "يا نيالي"

فبراير 19, 2014 اضف تعليق
أطلقت النجمة اللبنانية "مايا دياب" أغنيتها المصورة الجديدة "يا نيالي" من كلمات أحمد ماضي والحان النجم اللبناني زياد برجي ومن توزيع هادي شرارة، ولاقت الأغنية والفيديو الكثير من الاستحسان وعدد كبير من المشاهدات على صفحتها الرسمية على اليوتيوب.
ومن ناحية أخرى لاقى الفيديو بعض الاستهجان والأسئلة إذ لوحظ أن كليب مايا هو نسخة طبق الأصل من كليب الفنانة العالمية بيونسي بعنوان "1+1" والذي أبصر النور في عام 2011

والجدير بالذكر أن الكليب من إخراج هاس غدار وتطل مايا في الكليب وهي ترتدي مجوهرات من شركة Voyageur الراعي الرسمي للعمل .

أنسي الحاج شاعرا ولبنانيا

فبراير 19, 2014 اضف تعليق
تُريد الخرافة، ولعلكَ، بل الأرجح أنك شريك فيها، أنّك نؤوم الضّحى، لا تُغادر فراشك إلا عندما تطمئنّ أن البشر قد أحرزوا قصب السبق في الإعادة والتكرار؛ تتثاءب كثيراً قبل أن تقرّر أنّ المساء، ساعتك الأثيرة، قد دخل حقّ دخوله، فتتهندم كأنّك الضيف الشرف على احتفال سلطاني باذخ يقام مرةً، في العمر، واحدةً لا شريكَ لها، وتمضي إلى مكتبك، ومنه إلى ليلك الحاشد بالجنيّات والشياطين والمُستوحشين والكسالى وأحاديث قلّما يؤتى فيها على ذكر الشعر!

هذا ما تريده الخرافة، ولا سبب وجيهاً لوضعها على المِحك، أو لتمحيصها أو للشك بما تريده ــ أعني بما تريده الخرافة، وبما تريده أنتَ من الخرافة التي استَأمنت عليها سيرَتك وروايتَك، لا مُتكاسلاً، بخفر، بل بخفة النشّال، من تنقيحها كلما بدا لك ذلك، كأني بكَ بدا لك ذلك كلَّما أهلك الزّمانُ جيلاً من حوارييك وأهداك جيلاً جديداً.
لسواي أن يقولَ فيك غيرَ ذلك ولكن هذا، عندي، بعض ما يبقى منك من أول يوم طرقت فيه بابك الباريسيَّ في «النهار العربي والدولي» مُتلمسةً سبيلي في متاهات العمل الصحافي، إلى آخر يوم، قريب، أجاءتني فيه الصدف إلى تصفّح «ماضي الأيام الآتية». بل، كلّي يقين أن لسواي فيكَ غير ذلك، وكلّي يقين، أيضاً، أنَّ المسافة التي تعمّدتَ، دوماً، أن تخطّها خطاً مُبيناً بينك وبين شِعرك ــ (ولو أنَّه آثَرُ عندي، والأرجح عندكَ، أن أقولَ كلماتك) ــ طريقٌ إلى شِعرك، مِنْ طرق شتى، إليه. ليس أنَّ الشعر في مكان آخر بل إنه مكان آخر: مكان آخر تمضي فيه حياة أخرى، وأحيانًا آخرة، على رِسْلِها مُنْتَحِلَةً الحِكْمةَ أو بسرعة الطلقة مُعانقة الجنون، وتدعو، مِنْ غير أن تَدعو، كلّ من يعنيه الأمر، أنْ يحذوَ حَذوك فيمضي فيه، في الشعر، حياة أخرى، وأحيانًا آخرة.
هو كذلك، ولكن الشّعر هذا ليس بالمكان الموهوم أو بالمكان المستحيل؛ و«لن»، مقدمةً ونصوصاً وورثة ذوي استحقاق ـ ومتطفّلين، خير دليل على ذلك. وإن أنسى، لا أنسى يوم أعادت «دار الجديد» نشر الخمسة الأوائل من دواوينك ــ دواوينك «التاريخية» على افتراض أن للصلح بين «الشعر» وبين «التاريخ» محلّاً أو مجالاً ــ إن أنسى لا أنسى بكم من الدقة، بل بكم من الوَسْوَسة، كنت تُصحّح وتستأنف، المرة تلو المرة، تصحيح تلك المسوّدات على قلق متّصل كأن هذه الطبعة ــ أو تلك أو هاتيك ــ هي «الكتاب» الأخير بعينه ونفسه، أو قل كأنّها «الكتاب» الذي يحاسب عليه المرء، يومَ الشّعر، وعلى ما فيه، الحسابَ العسير.
وإنْ أخشى، وحقُّ القَلْب أن يتوجَّس الخيفات، فأخشى ما أخشاه على «الخرافة» أنسي الحاج أن تُصْلَب على خشبة «الشعر» دون سواها، أو أن تُودع في كتاب ــ كائنا ما كان هذا الكتاب. إنْ كان لا بدَّ من ذلك، فأنسي الحاج يستحق أن يُصْلَب على صُلبانَ كثيرةٍ ليس أخشنَها، ولا أقلَّها ارتفاعاً، صليب لبنانيته الهازلة المغرورة في آن واحد، ولو أنها قد تبدو اليوم، لبعضهم على الأقل، من زمن غابر.
أحب أن أتذكر أن أنسي الحاج، بوصفه المدير المسؤول لجريدة «النهار»، استُدْعِيَ ذات يوم، في عز «الوصاية»، أمام القضاء اللبناني، لمُساءلته عن نَشْرِ مقالات ذات صلة بالدّخْلل والحميمية بين «الأجهزة» اللبنانية والسورية (البعثية)، وأحبّ أن أتذكر أن أنسي الحاج، قبل التحاقه بـ «الأخبار» بسنوات، غادر «النهار»، بيتَ أبيه، مُحْنَقاً، فاحتكم في نزاعه ذاك «إلى القارئ»، في كرّاس نشرته «دار الجديد»... أحب أن أتذكر أن «الشعر»، على دِين أنسي الحاج وذمته، هو «العكس مِنْ كلّ ما يَقهر”>

دار الجديد

قراءة في كتاب الرجل الذي يكره نفسه...

A فبراير 17, 2014 اضف تعليق


بقلم مشلين بطرس كاتبة سورية وناقدة ادبية ... تنقيباً عن روايات تشدّ القارئ من أذنه كما يقولون، ولا تتركه حتى ينتهي الكتاب الذي بين يديه، تأتي رواية الرجل الذي يكره نفسه، بعد محيط من الإبداع العظيم، وقبل بحر من الإبداع الكبير، بإنتقال مجازي لأديبنا الكبير (كي يوضح ماسبق في اللاحق، أو ليوضح اللاحق في السابق) كما قال الناقد الفرنسي جيرار جونيت، عندما فسّر ماهية الإنتقال المجازي عن دراسة لعالم البلاغة الفرنسي دومارسيه، فكان الإنتقال في روايتنا انتقالاً مبدعاً، ترك في نهاية الرواية سؤالاً لم يستطع أكبر الفلاسفة اثيات حقيقته، ألا وهو ماذا بعد الموت؟؟؟ فمصطلح الإنتقال المجازي مختص بحقل البلاغة، وقد أُلحق مؤخراً بحقل علم السرديات، وهو مصطلح مرادف للكناية والإستعارة معاً، حسب تفسير عالميّ البلاغة دومارسيه وفونتانيه أيضاً، ليكون دعبس الفتفوت في الرواية كنايةً أو مدخلاً لفتح ملف صالح الحزوم، الذي من خلاله يستطيع الكاتب محاكمة نفسه عن طريق التناص بين الشخصيات التي أوجدها على أرض أوراقه في روايتي النجوم تحاكم القمر، والقمر في المحاق، عندما قال : ((ماكنت أحسب يوماً أنني سأقف هذا الموقف، وأُحاط بهذا الجمع الذي ينقسم إلى اثنين، أحدهما قبيح قبح الموت، يتجنّى عليّ بعيب الكلام، والآخر يدفع عني هذا التجني، كما ولو كنت متهماً....إلخ)) لنجد أن الراوي العالم بكل شيء يقوم بعملية السرد من دون أن يكمم أفواه شخصياته، فنرى أن كل شخصية تعبر عن مكنوناتها بطريقتها الخاصة، وبذلك تكون شخصية دعبس الفتفوت شخصية مركبة، وكأنها لبّ تسكنه نواة مغطاة بقشور يقوم الراوي بإنتزاعها، لنجد هذه الشخصية (دعبس) هي عينها شخصية صالح الحزوم الذي يوحي لنا بأنه الراوي، والذي يدل هو الآخر على المؤلف ذاته، ومن هنا نستنتج أن شخصية دعبس شخصية مفتوحة، امتدت أبعادها إلى شخصيات من روايات عالمية مثل رواية بطل (ايلوموف) للكاتب الروسي غونتشاروف. وبرأي ومن لون رمادي نجد أن الكاتب يجترّ رواياته، ويكررها في فلك ذاته، أما ومن اللون الأبيض، فإنّ هذه الرواية تروج لسابقاتها، وتحرك فضول القارئ لقراءة ثلاثية حكاية بحار، كي يستشف جمالية أحداث هذه الرواية التي جمعت بين صالح الحزوم وكاترين الحلوة بعد غياب كثير، وسط جمع من حيوانات قبيحة وأخرى جميلة، لنكتشف أن تلك الحيوانات تعبر بفنتازيا رائعة عما بداخل دعبس، بالتالي تعبر عما في داخل كل شخص منا، في علاقة جدلية يتصارع فيها الخير والشر، وبهذا يكون (العيش محتملاً، ما دامت هناك إمكانية للإنتحار) وهذا ماشعر به أحد الفلاسفة على لسان دعبس. وتؤكد وصية أديبنا حضورها بقوة بين طيات العبارات على لسان السوسة التي تخاطب دعبس، فتحمل إلينا معاناة الكاتب وتدخلنا في تيار آلامه، لنشعر بقسوة الحياة وظلمها، فتتفجر أوجاعنا وعذاباتنا متماهية مع آلام الآخرين، ساكبة نيرانها في شخصية (دعبس) حتى يشعر القارئ أنه هو دعبس الفتفوت ذاته، ليكون التعميم والفضاءات المفتوحة ما اعتادته ذائقتنا في أدب كاتبنا. غير أن الكره هو الوجه الآخر للحب، فهل تقصّد الكاتب عنوان الكره ليوحي لنا بعمق الحب؟؟؟(في زمن لايستطيع المرء فيه حتى التفكير) ليأتي زمن الرواية متراكماً، ينزل بنا إلى زمن الإنتداب الفرنسي الذي كانت فيه شخصية (تراك) المحقق تلعب دوراً أساسياً، يرمز إلى الرعب والترهيب الذي يلحقه الإنسان بأخيه الإنسان، من دون الشعور ولو للحظة بأن هذا الذي يتلقى التعذيب هو إنسان مثله، دمّ ولحم ، مثلما يتألم هو يتألم المعذّب ويتألم سائر البشر، بغض النظر عن كل محاولة لدفن الإنسانية تحت قبور الدين والأعراق والأحزاب...إلخ. أما الحوار في الرواية، فكان يتمحور بين (الديالوج) و (المونولوج) في آنٍ معاً، وكان أشبه بتحليل نفسي في مكتب دعبس الذي تحول إلى عيادة نفسية تطبق فلسفة فرويد على ذاتها عبر تداعيات، واسترجاعات، واستباقات زمنية قريبة وبعيدة، لذلك لانستطيع مقاربته بالديالوج أو المونولوج كمصطلح يحدد ماهية الحوار هنا، إلا إذا صحّ استخدام مصطلح ((ديالومونولوجي)) مصطلحاً يُطلق على هذا النوع من الحوارات. أما لغة الرواية فكانت حاملاً فنياً وثقّ ابداع كاتبنا، فهي على الرغم من بساطتها وسلاستها، إلا أنها فلسفية عميقة تحمل دلالات مفتوحة على فضاءات لاحدود لها. كما أن الرواية تعد مرجعاً ثقافياً ومعرفياً، وظّفت أعلامها بشكل فني رائع ذكرنا بأدب الكاتب الأرجنتيني بورخيس، وكيفية توظيفه لآراء غيره من الفلاسفة والمفكرين وأفكارهم بطريقة تخدم السرد من دون أن تخرج عن سياقها، ومن هنا نلاحظ أن المعلومات الواردة في روايتنا تتمزقع في سياقها وبطريقة تسدّ القارئ لقراءة أعمال كل أديب أو مفكر كان له النصيب في أن يُذكر بين دفتي هذا الكتاب. فمن لامارتين الذي تمنى أن يلقي نفسه مركب الحياة مرساته، لكنه أشفق بعد ذلك من إيقاف مركب الحياة لأن ذلك جريمة بحق البشرية، في قصيدة (البحيرة) إلى المتنبي وشكسبير، ومن نيرون إلى المعري، ورومان رولان إلى الفنان (فان غوغ) ونتشيه وبودلير وغيرهم من رواد الإبداع اللذين تمّ الإستشهاد بأقوالهم وأعمالهم، فإننا نلاحظ أن الرواية لم تأت على ذكر شاعرة أو كاتبة، أو فيلسوفة كان لها أثر ما في مسيرة التاريخ، وعلى الرغم من تبني الرواية لقضية المرأة والدفاع عنها، بتعرية العقل الذكوري، عندما قال دعبس مخاطباً السوسة: (متاعب المرأة في هذا الشرق، تحتاج إلى كتاب، بل إلى كتب إنها ضحية، المرأة في كل مراحل حياتها ضحية عندنا، كل الظلم الإجتماعي ينسكب عليها، وهي البهية، محرومة لا من البهاء وحده، إنما من مجرد الاعتبار أيضاً)، فإلى متى ستظل التاء المربوطة مغيبة عن ذكر الأدب لها؟؟؟ وهذا سؤال يطرحه الأدب على الأدب نفسه، فمن قضية المرأة إلى قضية المثقف والسلطة، تنتقل هذه الإشكالية التي تطرّق إليها الكاتب بإسلوب حصيف يُفصح عن المعاناة التي يعيشها المثقف بين حلم الكتابة، وواقع السلطة المرير الذي يقضي على كل حلم طور التحقيق، فهل يكون الأدب أيضاً مصدراً آخر لقمع المرأة في هذا المجال كما في كل الحياة؟؟؟ وأخيراً لابدّ من التنويه بأن الرواية تحمل الكثير من المقبوسات القرآنية، وأقوالاً للسيد المسيح، كما تذكر الكثير من أعمال بعض ملوك وأنبياء، وحتى مدناً كسدوم وعمورة اللتين جاء ذكرهما في التوراة، مما يضفي على الرواية جمالاً إبداعياً، يبصم بصمة خالدة على أنها أيضاً مرجع تاريخي يستحق القراءة، وتستحق مكتباتنا العربية الاحتفاء بها كمثل روايات الكاتب حنا مينا.

سوريا :القضايا الاخلاقية، إساءة للمعارضة والثورة والشعب ...!!!

A فبراير 17, 2014 اضف تعليق


في رائعة الكاتب الروسي ميخائيل تشخولوف "الدون الهادئ" الذي يستعرض فيه الاوضاع الاجتماعية التي سادت اثناء فترة الحرب الاهلية في روسيا بين البيض والحمر، والتي تخللتها حالات من القتل والسرقة والتنكيل والحرق والاغتصاب والحب والتغير في التوجه السياسي. يحاول الكاتب تجسيد هذه الحالة التي يعيشها سكان المناطق التي تخضع لقانون المحاربين من خلال شخصية بطل روايته "غريغوري" المقاتل الذي بدل انتمائه عدة مرات اثناء فترة الحرب،لكن تبقى شخصية هذا المحارب المميزة في قتاله مع الاطراف الذي ينتمي اليها مرتبطة بمفهوم الشجاعة القوقازية والجنس الذكوري بالرغم من كونه متأهل من سيدة مميزة وجميلة جدا حسب الوصف وأب لأطفال ،لكنه كان يحبذ البقاء مع عشيقته التي لم تفارقه في مناطق القتال. وأيضا يستعرض الكاتب صورة ثانية لزوجة اخيه التي تحاول ممارسة البغاء مع الصبية الذين بقوا في القرية بعد موت زوجها المحارب ،وفي في غرفة المواشي يكتشف امرها والد زوجها فتقف امامه وتصرخ وتفتح عن صدرها وتقول له خذ انت اذا لا تحب ان يأخذ غيرك ،فينهال عليها بالضرب ويتركها لأنه يرفض هذا التصرف غير الاخلاقي. فصورة الجنس التي تبقى الاساس في استخدام الكاتب لعبارات تجسد الحالة والانتقال والكر والفر في كل الدول التي تسيطر عليها الحروب وخاصة الداخلية . وهذه الحالة من الفلتان الاخلاقي التي تسود مناطق الحروب تم وصفها ايضا في روايات الكتاب السوفيات اثناء الحرب العالمية الثانية ، فالاغتصاب حالة سبي عالمية تمارس في كل مناطق الحروب بسبب السلب والفقر والانحلال الاخلاقي والتدهور الاقتصادي والحاجات الجسدية التي تفرضها الحروب لغياب الرجال . الألمان عندما احتلوا مناطق ودول في الاتحاد السوفياتي كانوا يتعلمون الكلمات الروسية التي تساعدهم في الوصول للنساء وممارسة الجنس معهن. ويكتب احد الضباط الالمان في مذكراته بان العسكريين الالمان قد فهموا منذ البداية بأنه لا يمكن الانتصار على امة اغلب نسائها عذارى. فالاغتصاب الممنهج لم يكن في الاتحاد السوفياتي بل شمل مناطق كثيرة من العالم اجتاحتها الحروب ، وهذا العمل لم يبتعد كثيرا في روايات الامريكيين وأفلامهم في كيفية تعاملهم مع الشعب الياباني والفيتنامي وعن حالات الاعتداء الجنسي والاغتصاب طوال فترة الحرب . لكن الاعلام ووسائله المختلفة يسلط الضوء على صورة المجتمع السوري في فترة الثورة لإعطاء صورة مشوهة عن الثورة من خلال الاضاءة على حالات كثيرة تدل على مدى حالة الشعب السوري الذي وصل اليها ، وحالة الانحلال الاخلاقي لهذا الشعب .طبعا الاعلام وخاصة اللبناني يحاول الإساءة للمعارضة السورية وللثورة نفسها فالمطالبة بالحرية والديمقراطية مرتبطة بالانحلال الاخلاقي وممارسة البغاء والفلتان الجنسي .فالإعلام اللبناني يحاول تصوير الثورة بأنها سبب الانحلال وظهور هذه الظواهر الاجتماعية المرعبة "الاغتصاب والتحرش الجنسي والاستغلال للنساء والاعتداء عليهن وعلى الاطفال خارج بلدهم وتصويرهم عرضة من قبل الجميع للانتهاك الاخلاقي لعدم وجود الرادع والحامي الذي كانت تؤمنه الدولة . فالإعلام اللبناني وتحديدا "قناة الجديد التي تهتم بعرض الفضائح لأسباب خاصة تروج لمثل هذه الافلام الدعائية المأجورة ليس حرصا على النساء السوريات بل شماتة في المعارضة . ففي نشرات الاخبار وفي برنامج للنشر يقوم البرنامج بعرض تحقيقات عن هذه الحالات والتي تكون حقيقية ولكن لا تهدف للحماية والمعاقبة بل لتذكير الشعب السوري بكلمات المخابرات في الافلام التي تسرب اثناء التحقيق والتعذيب مع المعتقلين "بدكم حرية هذه الحرية" . وكأن الجديد في عرضه لهذه التحقيقات يؤمن خدمة خاصة للانقضاض على الثورة وليس على الحالة الاخلاقية التي ليس لها اي مبرر لا في حالات الحرب ولا في حالات السلم. الانحراف في سورية ليس جديدا وهو موجود منذ زمن والفنادق السورية كانت تقدم هذه الخدمات ليس من خلال الاجنبيات بل من سوريات، عندها لم تكن هذه الاصوات مرفوعة بالوقت الذي كان اللبنانيون القاصدون سورية يستفيدون من هذه الخدمات،. ومن كان يستمع الى برنامج اسمه حكم العدالة والذي يعرض على الاذاعة السورية كل نهار ثلاثاء والذي كان موضوعه من مواضيع الحالات الاجتماعية السورية تقدم من ملفات المحكمة السورية في كافة المناطق و كانت تتناول فيه قصص جنسية مروعة ومفزعة فالسورين كانوا يعرضونها بشجاعة ،اما القنوات التي تحاول ممارسة السبق الصحافي في كشف هذه المشاكل لم تقف امام اي فضيحة من فضائح جيش النظام في سورية الذي يمارس المداورة في الاغتصاب للأطفال ومن ثم حرقهم. عرضت قناة الجديد في برنامج للنشر بتاريخ 26 يناير 2014 لقطة مصورة لإحد الرجال السوريين مع قريبة له، يذهب معها لممارسة الجنس في مغارة ويتم تصويرهما بواسطة كاميرات مركبة، يُشكر برنامج النشر ومعده طوني خليفة على محاربة الانحلال الخلقي وهذا يتطلب العمل منا جميع لمنعه وإنزال اقصى العقوباب بالفاعل . ولكن القناة لم تتوقف عن هذه الشراهة عندما وقعت منذ فترة حادثة في منطقة النبطية اعتداء جنسي على فتاة قاصر من رجل ثمانيني ، وعندما كشفت من قبل ابنة عمها الذي حاول هذا الرجل الاعتداء عليها ايضا، رفعت الصوت عاليا وعرف الاب المعاق الذي قرر ايصال الموضوع الى المحاكم .فالقضاء ميع الموضوع بواسطة التحقيق القضائي الذي اصبحت الضحية فيه مجرمة والمجرم ضحية، لم نشاهد القناة ولا برنامج للنشر يتابع هذه القضية اللبنانية . سورية دولة متعددة الطوائف والأعراق والقوميات وتختلف بالثقافة والمفاهيم عن لبنان ولا يمكن ان لا نرى الا هذه الاعمال. هذا شعب يوجد فيه المثقف والمتعلم والمتدين والمبدع من الكتاب والشعراء والأدباء والممثلين والمفكرين الذين نحب ونحترم ونرى ايضا العديد من اصحاب السوابق والمجرمين والمنحرفين والحشاشين والمدمنين والقاتلين والمنحلين اخلاقيا والذين يمارسون البغاء واللواط . فالشعب السوري لا يختلف عن اللبناني وعن العراقي والفلسطيني والأردني،وجميعنا عشنا مأساة الحرب وكانت معاناتنا متشابهة وكان الجوع والقتل والفلتان والانحلال الاخلاقي سيد الموقف. والمخابرات السورية سابقا مارست هذا العمل البشع ضد اللبنانيات تحت شعار أنهن جميلات وجنسيات . فاليوم يتم استغلال السوريات كما استغلت العراقيات في الماضي تحت هذا الشعار بأنهن جنسيات ومثيرات ويتوجهون بالتحديد نحو القاصرات ومحاولة اغرائهن بالمال والجميع يتجه نحو السوريات ويستغل حالتهن ومأساتهن من خلال الاندفاع الجنسي للرجال والكبت الجنسي الذي يعاني منه الرجل العربي والذي يحال الانتقام لرجولته بالزواج من قاصر سورية كي يفك غشاء بكارتها ويعيد الثقة بنفسه بأنه رجل ، فإذا كان الشرف يكمن في غشاء البكارة عند الفتاة ،فأين يكمن اذا الشرف عند الرجل. طبعا الفلتان في المجتمع السوري هو انتكاس طبيعي للثورة ولكن الثورة السورية حالها كحال باقي الثورات العالمية التي مرت بعدة انتكاسات لكن بالنهاية كل الانتكاسات في الثورات تجدد عمرها وتعيد رونقها وزخمها من جديد. احببنا دمشق وياسمينها، حلب وشهبائها ،حمص وعاصيها وميسلون ومعركتها وتاريخها ،ادلب ومعرتها ، تدمر وزنوبتها ، باب الحارة والتاريخ السوري –اللبناني. لقد احببنا نزار قباني وشعره ، محمد الماغوط وكتاباته ،حنا مينا وروايته ، ادونيس ونثره ، علي فرزات ورسمه ، خالد خليفة وقصصه ، سعد ونوس ومسرحه ، ميشال عفلق وفكره ،الكواكبي وفلسفته وصالح العلي وسلطان الاطرش ابراهيم هنانو وبطولاتهم ،نجيب الرئيس وقلمه ، شكري القوتلي وعروبته والدراما السورية .واحببنا أصوات أصالة ،ميادة الحناوي ، القدودد الحلبية فجميعهم سورييون ولم نجد عيوبا في ثقافة هذا الشعب طوال الفترة السابقة ولم يكن الانحراف الجنسي هو السائد. لكن اليوم خرجت هذه المشاكل الى العلن لتعلن بأعلى صوتها انها مشكلة العصر . في سورية ثقافة المناطق والنواحي تختلف عن المدن الكبرى في سورية عادات وتقاليد لا تزال منذ العصور الوسطى بل هناك من يعبد الفرج ومن يعبد الشيطان ومن يعبد الرئيس . بل هناك المخابرات والأمن كانت ومازالت ترتكب المعاصي بحق الشعب السوري يوميا. فالانحلال ظاهرة غير عادية ويجب محاربتها و ضبطها ومنعها وليس استخدامها ورقة ضغط للتشوية والإساءة لقوى الثورة وتجييرها لخدمة النظام لأنها ورقة خاسرة في حال استخدمها الاعلام سياسيا . والسؤال الذي يطرح على هذه القنوات والبرامج كم عدد النساء اللواتي يمارسن البغاء وسط مجتمع يبلغ تعداده 25 مليون نسمة و11 مليون منه تم تهجيره في الداخل والخارج. د.خالد ممدوح العزي ... صحافي وباحث اعلامي مختص بالإعلام السياسي والدعاية .

عدنان بعيون يكتب "في داخلي وحش كاسر"

فبراير 16, 2014 اضف تعليق
في حياتي العملية أنا أنسان جدّي جداً وأقرب ألى الفظ أحياناً وعديم الرحمة بما يتعلق بالمجموعة التي أديرها في المواقع المختلفة, حتى أن البعض أطلقوا علي ألقاب عديدة لن أذكرها هنا, ومن يعمل معي يعلم تماماً مدى قساوتي في إنجاز الأعمال ومن يخطيء فمصيره الويل والثبور وعظائم الأمور. في ملامح وجهي عندما أتجهم ما يثير الرهبة أحياناً فبأستطاعتي بأن أتلون بحسب الحالة التي تتطلب ذلك.

في حياتي الخاصة الأمر مختلف تماماً فأنا أعيش شخصية مزدوجة لا تشبه أبداً حياتي العملية تراني أقرب ألى الجنون والهوس أحياناً وألى حد بعيد أشابه كثيراً مرضى الصرع الدماغي.
أدرك تماماً من أنا وما هو موقعي بين سبعة مليارات بشري على كوكب الأرض فانا لا شيء من ذلك, أنا مجرد ذرة في هذا الكون الواسع لا يسمن ولا يغني من جوع. مجرد أنسان شائت الأقدار بأن يكون في مكان ما وفي زمان ما فأنا لا شيء ولن أكون أي شيء غير شخصية لونتها مدينة عجيبة غريبة وطبعت سماتها أفراد أغرب وأعجب.

كل هذا لأني متصالح مع نفسي أفرغ شحناتي السلبية في حفلة صاخبة راقصة أو برفقة أصحاب أختاروني هم بالصدفة, أحببت مجلسهم وأحرص كثيراً على أن أستمر بصداقتهم ماحييت. في حياتي الخاصة البعيدة عن العمل يحق لي على الأقل بأن أستمتع بسنوات العمر القصيرة فلم أفعل أمراً شائناً ولم أسطوا على أحد ولم أحض على طعام مسكين ولم أنهر سائل. يبكيني طفل ينام وحيداً على قارعة طريق وأتوق للأنتقام ممن ترك أولاده لقدرهم أو سلب مال يتيم فهذه الحياة الدنيا يجب أن تكون الجحيم لأمثالهم.

أنام هانئاً قرير العين كل ليلة, لا أحلم بكوابيس, ولا تظهر علي الشياطين, ولا أكلم نفسي عندما أسير في الطريق. ضميري مرتاح جداً فلم أؤذي أحد حتى من غير قصد, في داخلي طفل يستطيع كائن من كان بأن يحاكيه فيسلب مني بكلمة لطيفة حتى ثيابي التي أرتديها.
وفي داخلي وحش كاسر يجعلني أقرب ألى القتلة المأجورين فأصبح بلا رحمة لمن يتجرأ على الأقتراب من باب بيتي أو حتى يجرؤ بأن يمس فرداً من عائلتي.

محزن جداً عندما أتفاجأ بأن أحد أقرب الناس ألي لا يستطيع أن يتحمل ما أكتب حتى بعض من هذا الهراء الذي أكتبه على حائطي من تفاهات, ولو أن أقرب الناس هم من أفراد أسرتي التي لم تجمعني بهم يوماً ألا الكنية التي أكتسبتها من أجدادي وهم الذين لم ألتق بهم يوماً, فأنا كنت دوماً هذا الخروف الأسود الذي تجرأ بأن يرفع يده بوجه التخلف والجهل وقصر النظر والأنطواء على الذات وكره الآخر.

لا لشيء فقط, لكن لمجرد الأختلاف بالمعتقد والأنتماء والتفكير. أنا الذي تجرأت من صغري أن أسأل وأصر على الجواب. لقد سبب لي هذا الأمر الكثير من الأحراج مع عائلتي وخصوصاً من الدائرة المقربة من العائلة من أنسبائي المباشرين, بعض أبناء العم الذين تعرفت عليهم على الفايسبوك والذين لم ألتق بهم يوماً لم يتحملوا مجرد بعض الكلمات التي صدرت مني فباشروا بأزالتي من لائحة أصدقائهم, وهذا لم يحزنني أبداً ولكن المخزي بالأمر بأن النقاش يصل ألى حدود الشتم والسباب عندما لا يجد المحاور كلاماً مناسباً للرد.

قد أود العمل خادم في مسجد أو شماس في كنيسة أو كاهن في معبد بوذي أو حتى أن أترهبن أو أتصوف فلم أختر مهنتي بمحض أرادتي ولم أختر ديانتي ولا مذهبي ولا أنتمائي هي قد فرضت علي كما فرضوا علي أسمي وشكلي ولون بشرتي ولون عيوني.

لا تعنيني الأرقام أبداً فلم أجيد يوماً علم الرياضيات وأشخص حالتي وكأني مصاب بمرض الديسليكسيا ولا أجيد حتى قراءة الأرقام ولدي حساسية مفرطة خاصة تجاه الأرقام 8 و 14 فأهون عندي بأن أقطع أصبع من يدي اليمنى أو اليسرى على أن أخسر صديق جمعتني به يوماً كسرة خبز يابسة أو شاركته طعام كان قد أدخره لعياله.

تباً لكم ولمذاهكبم وتباً لأديانكم التي فرقت بيني وبين من شاركتهم وساده صنعناها من أحذيتنا كانت لنا أحن من ريش النعام فلم نكن نمتلك يومها غيرها نركن أليها تحت البرد القارص نضحك على بؤسنا ونحلم بغد أفضل.

أبي, هذا ليس ذنبي وحدي فأنت علمتني بأن لا أذعن ولا أستكين ولا أحيد عما أؤمن به ولو كنت جباناً لا أجرؤ على أن أجهر بما يختلج في قلبي من مشاعر فها أنا سأكمل ما بدأته ولو عن طريق الفيسبوك, ولا تقل لي بأنه أضعف الأيمان... أعلم بأنك في عليائك مسروراً, ولو كنت تقرأ ما أكتب فلترحمك هذه التربة الحمراء تحت شجرة الصنوبر في بيروتنا.

وألى أن نلتقي لنا في القصاص حياة...

نتواصل يا رفاقي الفسابكة بعض بضعة من الأسابيع أن شاء ألله أو لم يشأ فهذا شأنه.