الأحد، 9 سبتمبر 2018

الطبع يغلب التطبع، حكاية من الواقع... عن "أبو حسين الحباش"

SHARE
1

عيسى الحجيري
كان المرحوم أبوحسين الحبّاش مناضلاً مقداماً ومقاتلاً صلباً، شرساً جريئاً، في صفوف الحزب الشيوعي منذ بدايات تحول الحزب نحو العمل العسكري القتالي في أواخر ستينيات القرن الماضي،عندما أنشات عدة أحزاب شيوعية فصيل عسكري تحت تسمية "الأنصار" في غور الأردن بالتعاون مع الفدائيين الفلسطينيين الأوائل، ثم نشأ امتداداً له ما سمي بـ"الحرس الشعبي" في الجنوب اللبناني، في قبريخا ووادي الحجير وحولا إلخ.

وبعد الإجتياح الإسرائيلي للبنان ووقوع الجنوب تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، انتقلت مجموعات من مقاتلي الحزب مع أسلحتهم المتوسطة والثقيلة والخفيفة نحو شمال شرق لبنان إلى أطراف مدينة بعلبك وجوارها، وأنشئت مراكز ومستوداعات مختلفة وبشكل خاص في بلدة عرسال وجرودها القريبة والعليا والوسطى وكان ابو حسين من عداد الضبط المشرفين على تلك البنية الإدارية واللوجستية، والمراكز المسلحة ومنها موقع وادي الكوّارة، وهو كناية عن مغاور طبيعية كمغارة جب شقير، ومحافر وكهوف لاستخراج البحص والرمل، وقد جري تحويلها على عجل إلى مستودعات للذخائر والأسلحة ومهاجع للمقاتلين وتأمينهم الإداري، وبعد وقت غير طويل عاد معظم المقاتلين القادمين من الجنوب نحو الحدود الجنوبية للقيام بعمل جديد هو مقاومة الإحتلال بطرق سرية أو ما يسمى بحرب الأنصار التي تعتمد على استعمال كافة الوسائل المصنعة أو المحضرة يدوياً بطرق بدائية وتستخدم فيها كافة الوسائل المتوفرة للقيام بعمليات التخريب، السابوتاج، أو العمليات القتالية لإرباك العدو وإيذائه وإيقاع الخسائربه دون تعرض المقاومين للخسائر قدر الإمكان. وبقي في المواقع عناصر من أبناء المنطقة وجماعات للحراسة والحماية، وكان أبو حسين من عداد الضباط المشرفين على تلك المهام.

كان الوقت صيفياً ربيعياً، والمناخ حاراً نهاراً مع برودة قارسة ليلااً ولا تسمع في تلك الأنحاء إلا أصوات ضبح الواويات ليلاً أو نباح كلاب بعيدة من أسفل الوادي، أو نهيق حمير الرعاة البعيدة، وفي قيظ الظهيرة لا تؤنسك سوى سأسأة زيز أو زقزقة زقزق الحصاد وقوافل الزراقط والدبابير الهائجة بحثاً عن قطرة ماء أو بقايا حلوى.

وفي أحد الأيام كان أبو حسين يتفيأ في ظل شير من الصخر قرب موقع وادي الكوارة عندما شاهد ثعلبان عسليي اللون بأذنابهم الطويلة الفاخرة يلجان بحذر ويختفيان تحت إحدى الصخور ويخرج واحد منهما ويظل الآخر في الخفاء إلى أن يعود رفيقه فيخرج الأول ويبقى الثاني ، أثارت هذه المشاهدة في نفسه السرور والارتياح والتسلية من ضجر الوقت الصامت الذي لا سبيل إلى كسره إلاّ بإطلاق عيارات نارية على الصخور المقابلة في الطرف الآخر للوادي، وشعر بالفرح الداخلي لرؤية هذين الحيوانين وهما يقومان بالمناوبة والحراسة كما يفعل الرفاق واستنتج أنهما يقيمان وكراً لهما ومسكن.


2
حالة الصداقة التي تنشا بين الإنسان وعناصر الطبيعة البرية والبيئة المحيطة، من جماد ونبات وأحياء، غالباً ما تكون أنقى وأصفى وأكثر حميمية وبراءة وحرية منها مع الإنسان، مع أن الصداقة الإنسانية لها شروط ومقاييس وتعقيدات تختلف جوهرياً عن تلك التي تقوم من طرف واحد هو الإنسان مع طرف صامت وغامض ومحايد، فالصداقة الإنسانية تقوم بين طرفين وذاتين هما بمثابة متقابلين وضدين لذلك لها خصائص وتجليات مختلفة تدخلها عناصر، العواطف والانفعالات والغرائز، المحبة والكراهية، المودة والبغض، التقدير والحسد والغيرة، الأخوة والتنافس، المصالح والمنافع، والأعمال والنشاطات الإنسانية المعقلنة.


لم يملك ابو حسين تفسيراً عقلياً لتلك الحالة من الاهتمام التي تكونت بداخله حيال جيرانه وأصدقائه الجدد، فاصبح يرغب بزيارة هذا الموقع والتجول في هذه الشعاب الوعرة الجرداء، وخصوصاً تلك الناحية التي يسكنها الثعلبان، فيأخذ علبة الدخان الفارغة بيده وقضيب من الجرزون او اللوز البري ويذهب شمالاً في اتجاههما ويصطاد بطريقه الجنادب الصغيرة، يراقبها بعد ان تفر من أمامه وبهدوء يلسعها بالقضيب ويضعها وهي ترتعش داخل علبة الدخان ويجمع منها ما يكفي وجبة أو اكثر لفراخ الحجل التي أمسكها منذ مدة في هذا الوادي ويضعها في قفص في بيته، وصيصان الحجل هذه تحب كثيراً وجبة أكل الجنادب الصغيرة أو قطع حبات الحمص الأخضر مع شيء من المقبلات هي كناية عن حصى صغيرة تلتقطها من التراب الأحمر النظيف.

صيد الجنادب هي الحجة المعلنة للذهاب في الشعاب نحو مسكن الثعلبين ذوي العيون البراقة الوحشية، بفرائهما القرمزية العسلية المذهبة وذنبيهما الطويلين الأنيقين، وأنوفهم الرفيعة الحمراء الرطبة، فصار كلما زار المستودعات والحراس يذهب صوب تلك الصخور يتفيأ بها لبعض الوقت ويرقب دوام الثعلبين أكثر مما يراقب نظام الحراسة في الموقع، حتى ان الواويين ألفا منظره وأنسا حضوره فلم يعودا يفران خلف الصخور لدى رؤيته كالسابق، كما انه هو بدأ يحس بضرورة حماية أصدقائه وجيرانه الجدد، وعدم إلحاق أي أذى بهم، خصوصاً كونها حيوانات بريئة ولا تؤذي الإنسان أو حيواناته الأليفة، وهي تغتذي من الثمار البرية والعنب والحيوانات الصغيرة كالفئران والجراد او السحالي والجرابيع والحيات إذا أمسكت بها، أو بقايا الطيور والحيوانات النافقة، فلم يخبر أبو حسين أحداً آخر عنهم بل بالعكس بدأ يشدد على عدم إطلاق أية نيران وخصوصاً نحو تلك الجهة، ويطلب من الرفاق عدم التجول في تلك الناحية لأنه زرع فيها أفخاخاً وشراكاً ضد الحيوانات واللصوص والمتطفلين ولا يريد لأحد ان يقع فيها.
وفي أحد الأيام عندما اقترب من مدخل الوكر المحفور بين الصخور سمع أصوات صيصأة ونعيصاً تشبه أصوات جراء القطط الحديثة الولادة تخرج من عمق الوكر، فعرف للفور وفهم ان الجيران قد ولدا وخلفا جراءً وصار عندهم أسرة وأنهما إنما يتناوبان على رعاية صغارهما فزاد شعوره بالعطف عليهما وشعر داخلياً بحالة حنان غامضة حيالهما...


3 

غادر أبو حسين هذا العالم كما حضر إليه لا يملك من زينته غير الجزء الثاني منها كما يرد في الآية القرآنية * المال والبنون، زينة الحياة...*، عاش وترك هذه الحياة مع قليل من موارد الرزق، والأقل من وسائل العيش ومن إمكانية تلبية الحاجات الضرورية للبقاء، وقليل من القدرة على العلاج لولا بعض كرام النفس حوله، وهو كمثلنا جميعاً نحن أولاد المناطق النائية تتحكم بمصيرنا الصدف ويتلاعب بنا الحظ والزمن، والفرص السعيدة أو التعيسة حتى ان بقاءنا أحياء هو مصادفة (إذا أبقينا جانباً مسألة الجبر والاختيار والقضاء والقدر).


أن تسقط فوقك رافعة (ونش) بكل ثقلها الذي يبلغ عدة أطنان من الحديد وتعصرك فتصبح كحبة خوخ معصورة وتبقى حياً فهذه مصادفة عجيبة، وأبو حسين تعرض في أحد الأيام لمثل هذا الحادث يوم كان يعمل في أحد المقالع وتعطلت الرافعة ثم سقطت فوقه وهو يحاول إصلاح العطل في أسفلها ومع ذلك بقي حياً، وانقلب به التراكتور في إحدى المرات وبقي حياً وقطع مسارات وطرقات ملتوية ومتعرجة وشديدة الوعورة والخطورة خلال سنوات المقاومة والحرب الداخلية وبقي على قيد الحياة حتى قضى على فراشه كميتة المقعدين العاجزين عن تأمين الضروري من العلاج.

لو تحدثت عن منطقة نائية في بلد مثل كندا أو السودان او روسيا الاتحادية لتبادر إلى ذهن مستمعك أنك تتحدث عن مسافة بعدة آلاف من الكيلومترات، أما لو علم أن طول لبنان من أدنى نقطة في جنوبه إلى أقصى نقطة في شماله هي حوالي مئتي كيلومتر وبعرض حوالي خمسين كيلومتر أو يزيد قليلاً وأنت تحكي عن منطقة نائية مثل عرسال أو عكار لأصابه العجب أو ابتسم سخرية وهزءاً من توصيفك.
تبعد مدينة "سيمفوروبل" في شبه جزيرة القرم عن عاصمة روسيا الاتحادية اليوم، عاصمة الاتحاد السوفياتي السابق حوالي ألف ومئتي كيلومتر، وهي مدينة هادئة ورائعة ولها مرفأ على البحر الأسود، وهي عاصمة القريميا الإدارية لكنها ليست نائية، وقد وصلها أبو حسين بالقطار من مدينة موسكو في ثمانينيات القرن الماضي في مهمة تدريبية مرسلاً من الحزب وهناك تعرض لحادث مريع عندما استدرجته مجموعة من الشباب يكونون عصابة إلى أحد الأحياء في المدينة وحاولوا قتله بالخناجر والسكاكين ونجا أيضاً بصدفة غريبة بمرور أحد رجال الشرطة قبل القضاء النهائي عليه ونقله إلى المشفى.

كان مغرماً بالطبيعة، كما نحن جميعاً أبناء البراري والنوائي، بكل تفاصيلها الحية والميتة، بدأ يرعى ويداري وكر الثعالب، ويرمي بالقرب منه ما يزيد عن حاجته وحاجة جماعته من لحوم معلبة وبقايا أطعمة، مع علمه بأنها أعداء للدجاج وكل الطيور الأليفة وهو يفتني بعضها في داره الصغيرة في عرسال.

وكبرت جراء الثعالب داخل خمها العميق شيئاً فشيئاً وكان يعرف ذلك من تزايد أصواتها وضجة تحركاتها، ثم يوماً بعد يوم بدأت تطل برؤوسها من فتحة الوكر صغيرة بحجم الفئران أو صغار الهررة لتعود وتختفي بسرعة نحو الداخل، وعندها صمم أبو حسين بينه وبين نفسه على أسرها وتربيتها، وهكذا كان إذ نصب لها شركاً أوقع به ثلاثة منها من أصل الستة الموجودة في الخم، حملها في صندوق خشبي إلى بيته في عرسال.
(يتبع)
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: