الخميس، 13 سبتمبر 2018

محمد خضير... العشار 3

SHARE

______________

1. صانع المفاتيح:
لا قيمة لشيء مستنسَخ، مفتاحاً كان أم صورة من ماض غارب؛ غير أنّ محترفي فكّ الأقفال يتباهون بحرفتهم التي ورثوها عن أرباب الصناعات الدقيقة ومشاغل الخيميائيين المستترين وراء جدران سميكة، ومواقد مشتعلة. أزعم هذا بالرغم من معرفتي عدداً منهم لبّوا رغبتي في المقارنة بين مغاليق الأبواب الأثرية وشفرات الكتب المؤلفة في أزمنة الحظر والحصار. أحملُ كتابي المغلق إلى واحد أخصُّه بسرّي وأنقر بقبضتي على غلاف الكتاب، فيما صانع المفاتيح منعكِف بنظارتيه على المفتاح الذي يبرُدُه باهتمام شديد.
كان صاحبي فنّاناً، يختلف عن الآخرين باعتكافه على صنعته في منزله، الذي ورثه عن جدّه، الأسبق في المهنة. أسأله عن كثرة الصنّاع في أسواق العشار ودرجة احترافهم، فيقول: "أغلبهم من الهواة الذين يستعينون بآلات ميكانيكية حديثة على صناعتهم، مزيفون ليس إلا" ثم يرفع بصره نحوي "لكنهم لازمون للسوق بعد أن أثقلت الأسرارُ سكّان المدينة. أتلاحظ شبكات المفاتيح المعلقة في أحزمتهم تشدّهم للأرض؟"
-" كتل مبهمة، لا أميز سرَّ امتلاكهم للمفاتيح"
- "انت واهم. هذا عصر الشكّ الكبير"
-"لكنه عصر سيبرانيّ لا يعبأ بالملكيات الثابتة"
-"لا مكان لحفظ سرّ ما. كلنا مُقفَل على شيء وحيد لا يريد إشاعته. وهذا ما لا يدركه الصّناع المزيفون. يستنسخون المفاتيح جهلاً بحقيقة السرّ"
-"أتحتفظ بمفتاح لنفسك؟ ما نوع هذا الشيء الثمين، الوحيد من نوعه؟"
-"أنا المفتاح الأكبر. أقول هذا لأني أؤمن بالسرّ الأعظم"
-"أليس هذا سرّاً مشاعاً؟"
-"نعم. هو كذلك. لكن لا أحد يعتقد بذلك، صنّاع المفاتيح لا يعترفون بوجود مفتاح واحد لكل الأقفال لا يمكن استنساخه، فهم يخدعون زبائنهم الذين تعذبهم ملكياتهم التافهة بكثرة المفاتيح".
لا يزور فنّانَ المفاتيح زبونٌ يعترف بملكيته المشاعة. الخوف والاستئثار يلبيان غرورَ صنّاع المفاتيح المتكاثرين حول بيته؛ إذ كلما تعددت المفاتيح زادت مجهوليةُ السرّ الأعظم. إنهم وزبائنهم أحرار فعلاً، بينما الفنّان المعتكف على مفتاحه يزداد غوصاً في لجة الشكّ العظيم، بالرغم من شيوعه. يقودني هذا الاستنتاج الى الالتفاف حول عقدتي المستحكمة في ضمير الأغلبية لأفتحها. وما دمتُ لا أعرف كُنه المفتاح المناسب، فسأتخبط كثيراً قبل أن أشارك صاحبي -فنّان المفاتيح- سرَّه الأعظم.
أعود الى عقدتي، فأختار منها مفتاحاً أنفذُ به الى عمق التاريخ الشخصي لبيت المفاتيح وصاحبه. أستدلّ من عدد المفاتيح المعلقة على جدران الإيوان الأمامي لبيت الجدّ الموروث، وأشكالها الغريبة، على الهوية الغامضة- المشاعة لسيّد المفاتيح. كان جدّه قد جُنّ قبل أن يلقي بجسده في بئرٍ تتوسط البيت، إملاقاً وإدقاعاً؛ وليت الفقرَ والهجران وحدهما قتلا الأب أيضاً. فسِرُّ الصناعة لا تتيح إلا تخمينات تغطي المفاتيح بصدئها، يعكف الابنُ الوارث على جَلْوِها وإشاعتها بدأب مهلِك، لظنّه مصيراً آخر غير معروف للآخرين الهواة والمحترفين. فما لا يدركه زبون، أنّ المفتاح الأكبر سيخفّ وزناً، لكنه سيثقل شكاً وارتياباً، وتلتفّ سلسلتُه حول كاحل فنّان المفاتيح، فيما يتوجه هو الآخر حثيثاً نحو بئر الدار.
أزورُ، بعد انقطاع، بيت المفاتيح، فألفي الباب مقفلاً؛ وليس غيري مَن يخمّن نهاية الثيمة المعقدة لحياة صاحبي الفنّان. أستعينُ بصنّاع السوق لنحت نسخة مفتاح، أفضي بها الى مغارة صانع المفاتيح؛ ببديهة لصّ احترفَ الارتياب بالملكيات المحجورة؛ فيعجزون ويرهبون: لن تجد من يفتح الباب -أيها الصديق المرتاب بمفتاح السرّ الأعظم. سنغرق كلُّنا لو حاولنا استنساخ مفتاحٍ لا يُستنسَخ واحدٌ مثله، بيدٍ أو بآلة ميكانيكية
__________________________

2. راقصة الملهى القديم

راقصة الملهى القديم في ساحة أمّ البروم، الشحّاذةُ على رصيف الملهى المهدوم، رحلت في ليلة البارحة الماطرة، وراء زوجها المخبول إسكندر، ورُمِيَ عفشها في وسط الطريق. الإشهار الاستعراضي أمام عيون المارة والشرطة يحدث في تزامن مشروط بالصدفة. النقود والمظهر اللائق/ وغير اللائق يتحكمان بحركة السائرين اللامبالين في ساحة التقلبات اليومية العجيبة. سيحلّ في مكان الشحاذة شحّاذ آخر، يجلس تحت إعلان تجاريّ كبير، واعداً باحتمال، مزوِّداً مؤسطِّري المرايا العاكسة بعجائب جديدة، تبدأ ب"طقطق" وتنتهي ب"السلام عليكم".
كانت الراقصة وزوجها المخبول يسكنان فندقاً خرِباً من فنادق "البجاري" معروفاً بفندق الغرباء، مع شلّة من خربندية السوق: الحدّادين والنجّارين والكوّازين والشوّائين والسقّائين والقلائين والهرّاسين والصبّاغين وسواهم من الحمّالين والمكدّين والطرقيين والمدَروشين، وعشرات من الزغلجية الذين لا مهنة لهم. وكانت غرفة الزوجين في أعلى الفندق، بينما ينحشر الحِرفيون والغرباء في غرفه السفلى، قلما التقوا بهما واجتمعوا معهما في باحة الفندق الوسطى، حتى تلك الليلة التي عُرِفت في سجل صاحب الفندق "كنهير" بالليلة الخرقاء.
في تلك الليلة، هبطت الراقصة أمُّ الهديل، تغطي وجهَها الذابل بطبقة من مساحيق التجميل، وترتدي حلّة الرقص المزرّدة بأفلُسٍ ذهبية، وتطوّق عنقها بثلاث قلائد خرزٍ ملوّنة طويلة؛ يتبعها زوجها إسكندر ذو الوجه المحتقن بالدماء والكحول، يحمل بيده عُود الراقصة المدسوس في كيس قماش، وباليد الأخرى مجموعة دفوف وصنوج. وقبل أن يطأ الزوجان أرض الباحة، نبّه كنهير الخربندية الجالسين والمنطرحين على الأرائك إلى وصولهما بأعلى صوته: "وي.. وي، أهلاً بحمامة الفندق الصلعاء!". وبدلا ً من أن يستكين النزلاءُ الملاحيس لهذا الهتاف، انبهروا لظهور الراقصة المفاجئ، وتحركت لقالق بطونهم وعصافير رؤوسهم، وأفسحوا في أريكة الصدارة للزوجين، وتزغللت نظراتهم المتنقلة في ملابس الراقصة وحليّها، وفينة زوجها الحمراء وما يحمل بيديه. أما ما زاد في انبهار الحلقة بعد استقرار الزوجين في مكانهما، فتلك العبارات التي طفرت من فمها المحمَّر وحطّت على أسمال الخربندية، ورئيسهم الأروط الذي حيّته بعبارة : "يا روحي!". ثم وزعت تحياتها على الحمّال أبي زهرة: "حبّة قلبي"، والدرويش الرعّاش المكنّى بسعفة الريح: "يا سيدي"، والغاغة الآخرين بألقابهم الحميمة.
هدأت الأرواح الضالة، حين حضنت أمُّ الهديل العود في حضنها، وجسّت أوتاره جسّاً خفيفاً، وغنّت بصوت أبحّ أغنية من مقام الحبور والانبساط. ثم ما لبثت أن خرجت بلحنها وغارت بصوتها وراء الأسرار الدفينة لكل ملحوس، وانتقلت لأهزوجةٍ سوقية ذات إيقاع راقص، فهاجت البلابل وانخرقت الأسمال، وطار الصواب، وعاد كل ذي طبيعة إلى فطرته وخُرقه وجنونه. أمرهم الفندقيُّ كنهير إلى النهوض والتحلّق حوله، وصار يدور بهم كالمصروع. خفّوا واندرجوا في الدور تباعاً، يقودهم ترنيمها واصطكاك الصنوج في أصابعها، وضرب الدفوف في يد زوجها. نادوها لتلتحق بهم، فنهضت كطائر كسير الجناح، واهتزت وسطهم فبرقت أفلُس حلّتها، وانفرطت خرزات قلائدها، بعد أن تناوشتها الأيدي الرعّاشة حولها.
راقب كنهير الفندقيّ رفسات الأيدي والأرجل، وخشخشات الصدور، وهيام الوجوه، ثم صرَع الأجسام وانطراحها وغياب الحسّ عنها. جاءت أمّ الهديل وانحنت بوجه مطمئن وولهٍ قديم ترشّ الماء من جرّة استعارتها من كنهير، ومسحت الوجوه المهضومة وندهت على المصاريع برقة: "يا روحي، حبة فؤادي، نور عيني، زهرتي". مشت أمّ الهديل بين السَّحنات والثياب، وصعدت إلى غرفتها، وكانت هذه الليلة الخرقاء عهدها بزوجها إسكندر وفينته الحمراء، فلم يلحق بها وغاب بين الوجوه والأسلاب، كما سقطت هي طريحة الفراش. داس خربندية السوق جسدَها الذابل، وسلبوها حلّتها وعُودَها، حتى جاء اليوم الذي أخرجها "كنهير" وألقاها على الرصيف مع عفشها القليل.
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: