الخميس، 13 سبتمبر 2018

محمد خضير...العشار 2

SHARE


_____________
1. الجسر:
أقيس مسافة جسر (المقام) بعدد النسوة الشحاذات، وكمية الخردة المعبأة في جيب بنطالي. أربع شحاذات وثماني قطع نقدية معدنية، تسقط اثنتان منها في كلّ كفّ من الأكفّ الأربعة المبسوطة، في رأس كل شهر، ولا أعلم إن كان ارتطام القطعتين النقديتين سيثير عجباً في عيني الرأس المغطى بالعباءة، إذ أكون قد ابتعدت قليلاً باتجاه الشحاذة الثانية، بل أجزم أنّ رنين القطع النقدية معهود لدى الشحاذات الأربع، فهنّ جزء من الجسر الخشب، وعمرهنّ من عمر إنشائه على نهر العشار في العهد الملكي، وتاريخ سكّ القطعة النقدية الممهورة برأس الملك غازي البارز من جهة، وقيمة الأربعة فلوس المحفورة على الوجه الثاني منها. كما أنّ المنظر كلّه، بما فيه القبة القديمة لجامع (مقام علي) التي يتجه إليها الجسر، وبضعةُ مشاة قادمين من جهة المصرف المقابل للجامع، في هذه الساعة من شهر حزيران 2017، لا يثير انتباه أحدٍ غيري. وأغرب ما خالطَ نظري بين مشاة الجسر عددٌ من رواة القصص، لا يقلّ عمر كلّ منهم عن مئة سنة، ذائبين جميعهم في فضة الشمس المجلوّة. 
أعبئ جيبي في العادة من صندوق النقود الفضية القديمة قبل خروجي من البيت، وأذهب لأقيس مسافة الجسر، أو في الحقيقة مسافة الأسلوب الذي سأباري به قصص المشاة المئويين، الذائبين في فضة الشمس. في هذه الأثناء أكون قد توسطتُ الشحاذات الأربع، منتصف الجسر، شحاذتان على يميني وأخريان على يساري. أسقِطُ النقود في أكفهنّ وأترقب الرواة المئويين، يستندون مثلي على سياج الجسر في الجانب الثاني. أولِعُ سيجارة أستخرجها من علبة فضية تحمل علامة (بلاك كات) وأنفث دخانها منحنياً على مجرى النهر. سيكمل المشهد بظهور الرواة المئويين قبالتي، وسط المسافة، ويسطع الأسلوب الذي يخاطرونني به عبر الجسر. يطفح النهر بالماء، وتعكس مويجاته الشواخصَ حول ضفتيه، وكان قبل قدوم الرواة المئويين ناشفاً، تخنق وجهَه الأزرق الآسن النفايات من كل نوع. كلّ شيء في فضاء الجسر ينقلب إلى أعجوبة، سرعان ما تزول فجأة. 
بيّنت أسلوبي في قياس مسافة الجسر بمساعدة الشحاذات ورواة القرن الماضي، وصار عليَّ أن أبين طريقتي في تجديد مياه النهر المتوقف عن الجريان. هنا يتدخل عقِب سيجارة البلاك كات، المجتلَب من عصر الاستعمار، ليقطع المسافة المتخيلة بعنف شمسي. قذفتُ عقِب السيجارة فسقط بطيئاً واستقرّ فوق غطاء النفايات الكثيف. أفيق على تلاشي المشهد مع ارتفاع أذان الظهيرة من الجامع القريب، فأواصل عبور الجسر، مخلّفاً الشحاذات المغطَّيات بعباءاتهن، غير واثق من انكسار أسلوبي في عيونهن، حين أنقِّدهنّ جزءاً من راتبي الذي تسلّمته تواً من المصرف في طرف الجسر الثاني. 
************
2. مجنون المهفّات:
كانت لي مهفّة خوص، سُفَّ عليها اسمي. كنا نروّح عن أنفسنا الحرَّ والملل معا، فتداعبنا نسمات الأصابع البليلة لسفّافة المراوح، وتقرّب الينا ساعة النعاس. أستدعي سفّافتي فتسرع نحوي يجذبها الاسمُ المسفوف، المفضل بين أفراد العائلة، وتندسّ في فراشي. أحسُّ بهم يتقلبون حولي على الأسرة المتجاورة على سطح الدار، يحاولون عبثاً تبديد الحشرات وفتات الأفكار الثقيلة التي تجثم على أجسادهم. رويداً تستسلم النفوس، بعناق أم بغير عناق، مطلع الفجر. يهدأ الصراع، وتنسحب سفّافتي قبل انتشار النور، بينما كفّي القابضة على عصا المهفّة ترتخي وتسقط على الوسادة الرطبة.
أسرِع في صباح اليوم التالي متفقداً عُشّة السفّافة في زاوية متطرفة من السوق، فأجدُها تكوّم حولها تلاً من مهفّات الخوص الموسومة بأسماء العشاق الحالمين بلقاءات صيفية تحت ناموسيات مكللة بالنجوم. أقعي أمامها وأشكو انقطاع طيفها البليل، فتستنكر وقاحتي. ألحّ عليها بالقول، فتستمع هنيهة لتهويمتي التي تشبه تهويمة النعاس. أقول لها: كلّ مَن في المدينة يتكلم بهذه الطريقة البطيئة التي يخالطها الفُحش، حينما تكون في قبضتهم مهفّة من سفيفها. تقول: "اخسأ وابتعد.. أيها الممسوس".
كانت سفّافة الأسماء في منتصف صعودها الى قمة النضج والاتمار. "هل أكنيكِ بتمرة؟". تنهرني: "هيا انصرف. أنت رجل فاحش. انصرف". أراقب أصابعها اللينة تسفّ أمتاراً من ليالي الأرق والانتظار: "أم إنك تينة مفلوعة؟". تصمت قليلاً ثم تردد بقوة: "انصرف.. هيا انصرف أيها المجنون!"
أنصرِفُ بعد أن لبّت طلبي بسفّ اسمي ثانية على نسق خطٍ مغاير. أحثها على تنويع الاسم على مهفّتي، في الزيارة القادمة لعشّها، فتقول: "اسمك شائع ينتشر على المهفة من خط متصل، لا تستغرق الأصابع في سفّهِ سوى دقائق". أقول: "اجعليه أطول". ثم أقهقه. تقول: "أمرك عجيب. انت الوحيد الذي يريد طرد النوم من عينيه. أنت رجل مسفوف حقاً". استفسر عن معنى الكلمة الأخيرة، فتقول: "فاسق". ثم تنهرني بعصا مهفة قصير.
يتوافد المؤرَّقون الذين يقيّدهم القيظُ الى أسرّتهم المكشوفة، الناضحة بالرطوبة، على عُشّة السفافة طلباً للاسم الشافي على مهفّاتهم. تشير إليَّ من بعيد وتتخرّص لهم عني: "هل جفاكم النوم مثله؟ ذاك هو مجنون المهفّات! إنه أكثر المترددين على كوخي. تزوج أربع نساء هجَرنَه جميعهن. صار يبحث عن خامسة عن طريق الاسم المسفوف. هل جئتم لتطلبوا ما جُنّ من أجله!"
***********
3. الحائط الوردي:
بمحاذاة شارع المركبات العام، الواصل بين جنوب المدينة وشمالها، يمتد جدارٌ طويل، ملطّخ بالتجريبات الجرافيتية المضطربة. الضميرُ المكبوت يلطّخ الأبصارَ بملاحظات شتى من هياجنا السياسي الراهن. هياجٍ فضائحيّ مدوَّر من أزمة الى أزمة.
تفصيلة من جدار الجرافيتيات الصبيانية الساخطة، تركّب تخطيطاً لشعارات سياسية ناضجة على خلفية إحساسٍ جماعيّ، هيجانِ روحٍ بلا مأوى ولا هدف. شعارات الأمس النزقة، تختلط بعبارات خليعة سافرة، ورومانسيات ثوروية غاربة. الجدار الذي عُدِيَ بشعارات الوقت السياسي المجدب، ينقل عدواه للأبصار العابرة خطفاً او مهلاً، مازجاً المسموحَ بالممنوع، النظامَ بالفوضى، الكهولة بالشباب.
خرجتُ على عادتي كي التصق عن قرب بالجدار الجرافيتي المخبول- وكنتُ ألمحه عن بُعد في ماضي الأيام- أتحسّسُ خبَلَ الصبيان المعبّر عن هياجٍ مستتِر يوشك أن يطيح بالأمتار القليلة الباقية من العقل الاجتماعي والسياسي لمجتمع الجذامير الشعبية. تنتشر الأشكال المتعانقة مع حروف الهوية الملتوية على سرّها الدفين. أسيرُ على منهج محلّلي الرُقيمات الطينية فأستدلّ على هويتي المنقّبة بين مئات المنقبين الباحثين عن حلّ لشفرات الجدار. الجدار يحيط بتاريخ مخلخلٍ من أساسهِ.
لكن صراعاً دهرياً يتدخل دائماً في عرقلة التنقيب الدورية، فهناك من يصبغ الجدارَ بلون وردي ويهيئه لإعلانات جديدة، وشعارات واعدة، عاقلة حتى حين، مجنونة في كل الأحيان. لكن الصباغين أشخاص لا يعرفهم أحد أيضا، ولا تراهم عين. وظيفتهم الوحيدة: إدارة الوعي الطافح بالسخط والعصيان. بذا تستمر حياةُ الجدار ورسومُه، وتجتذب اللعبةُ أجيالاً من العابثين والمتمردين يجربون ردودَ الفعل المنقّبة في خطوط الجدار الكونكريتي.
أولئك الصبيان الغاضبون يحوّلون الرسومَ الجامدة الى حياة متحركة يشحنونها بالغضب نفسه، والسخط الذي لا يعرف حدوداً. صبيان الأمس (بما يكفي من الرسوم) يتظاهرون ازاء الحائط (بما يكفي من النضج). الحائط الوردي يتكلم لغة أخرى، يحمي ظهور أولاده الأشقياء (بلغة كوكتو أو محمود درويش).
الحائط لا يتزحزح عن مكانه، التاريخ يعيد رسومه، لكنّ الرسومَ تتحرك الى أمام. أمّا حين يتوقف كل شيء عن الحركة فالجدارُ سيتحرك، يستنهض ذاكرته المضطهدة برسوم جديدة؛ يستعيد شخصاً (بلا اسم) يحمل سطل الطلاء كي يرسم ما تتوق إليه نفس رجل كهل ألقته الجموع المتظاهرة إلى حافة الجدار. أقف أمام هذا الرسم (الكهل بصحبة عائلته من الأرانب) وأهتف متعجباً: "يا للوقت! كم يعدو مثل أرنب".

SHARE

Author: verified_user

0 facebook: