الخميس، 16 أغسطس 2018

إسلامفوبيا في كوبنهاغن

SHARE
شاكر الأنباري *



قبل أشهر كنت أجلس في مقهى كاسترو، الواقعة في منطقة نوربرو، وهي منطقة تمتاز بكثرة الأجانب فيها، الشرقيين المسلمين خصوصاً، وفجأة سمعت لغطا بعيدا، وأصواتا عالية، وحركة غير طبيعية في الشارع. وبعد دقائق شاهدت تظاهرة ضخمة تتقدم صوب مركز المدينة. الواضح أن المتظاهرين إسلاميون، بدا ذلك واضحا من ملابسهم التقليدية، ولحاهم، واللافتات المكتوبة بالعربية والدانماركية، وكلها تؤكد على نصرة الإسلام والدفاع عن الرسول، وكانت هناك مجموعة كبيرة من النساء تسير خلف الرجال، وهن جميعا إما محجبات أو منقبات. التظاهرة الأصولية، تجاوزت الألف متظاهر، كانت محروسة من رجال الشرطة.

وقبل فترة أيضا، وخلال شهر محرم، شهد الشارع ذاته مواكب حسينية مرافقة بالرايات، وطقوس البكاء واللطم والسواد، نساء ورجالاً، تحرس تلك المواكب شرطة دنماركية من راكبي الدراجات. وكالعادة تم قطع الشارع لتسهيل سير المناسبة ونجاحها. وفي أحوال مثل تلك، يقف الدنماركيون بعيون مندهشة وفضولية تجاه ظواهر مثل تلك، تجري، مستجدة، في شوارعهم. 
الدنماركيون فضوليون، وكشعب صغير منزو في شمال أوروبا، تغازل هكذا أنماط من الظواهر غروره الحضاري، فيتقبلها كي يثبت للعالم أنه يمتلك تعدديته الحضارية، وغرائبه، وتسامحه، وإرهابه، ومتطرفيه. لكن هذا الغرور الحضاري لشعب صغير سرعان ما اصطدم بحقيقة مرعبة، هي أن الإرهاب وصل إلى شوارعه الخلفية، ولم يعد يحدث في دول بعيدة. إذ أقدم شاب فلسطيني لا يتجاوز عمره الثالثة والعشرين سنة على مهاجمة اجتماع لمفكرين، وسياسيين، ومثقفين، في المركز العالمي للثقافات وسط العاصمة. وكان الاجتماع حول الحركات الإسلامية المتطرفة وحرية التعبير، وحضره الرسام السويدي لارس فيليكس، الذي أشعل فتيل أزمة عارمة قبل سنوات، حين رسم كاريكاتوراً للرسول محمد. كما حضر الاجتماع السفير الفرنسي في الدانمارك وذلك بعد أيام من هجوم شارلي إبيدو في باريس. الأصولي المسلم قتل شخصين في ذلك المركز، ثم هاجم كنيساً يهودياً في الصباح الباكر، ثم طاردته الشرطة الدانماركية وقتلته في منطقة نوربرو ذاتها. 

هذا الحادث أعاد طرح مسألة وجود الأجانب في الدنمارك وجدوى برامج الدمج، وما هو مستقبل المسلمين في البلد، وانشغلت الميديا الدانماركية، والشرطة كذلك، بالحدث أسبوعاً كاملاً، وما زالت ذيول القصة تتردد كل يوم. منذ تدفق الأجانب إلى الدنمارك، قبل أكثر من عقدين، ولأسباب تتعلق بالحروب والاضطهاد السياسي والفقر والحريات الشخصية... وقضية الاندماج تأخذ حيزاً واسعاً في اهتمامات الرأي العام الدانماركي، بمؤسساته وإعلامه وقوانينه، باعتبار أن هذه الظاهرة جديدة على مجتمع ظل، ولمئات السنين، يتمتع بخصوصيات معروفة، كاللون الجسدي الواحد، ونمط التفكير، واللغة، والتراث. وكانت معظم الخطط والدراسات تركز على دراسة هذه العينة من البشر للوصول إلى نمذجتها، وإيجاد طريقة للتعامل معها ضمن المحيط الدنماركي والاسكندنافي عموماً. فكانت هناك إحصائيات عن عدد الوافدين، ومناشئهم، وخلفياتهم، ودولهم، وميولهم نحو الجريمة والاستيعاب. وكلما حدثت قضية تخص الأجانب تعاد الحسابات والدراسات، لتنقص أو تزيد من الصيغة النهائية للنمذجة. إلا أن ثمة أمراً واحداً يغيب عن أذهان المهتمين في هذا المجال، هو أن التعامل مع الأجانب عملية متصلة ومستمرة ومتحولة، لها جذورها في ضفتين هما ضفة المجتمع ذاته، والعينة الأجنبية القابلة للتحول والتغير على مر السنين، أي الأجانب ذاتهم. 

المجتمع الدانماركي استوعب كتلة الأجانب الوافدة من دون شك، وكانوا عراقيين، لبنانيين، فلسطينيين، إيرانيين، صوماليين، وأخيرا سوريين، فهو صار يألف انكسار الواحدية اللونية، واللغة غير الفصيحة، والدين الآخر، والاهتمامات التي تخرج عن إطار المجتمع الاسكندنافي. لم يعد الفرد الدانماركي يعاني صعوبات كبيرة في فهم أفكار الأجنبي الذي يعبر عنها بلغة متعثرة، كما كان يحدث قبل عشرين سنة مثلاً. والسبب من دون شك هو إلفة الأذن الدانماركية لتقعرات اللسان غير البلدي حينما يتكلم بلغة أحفاد الفايكنغ، إضافة إلى إلمام الفرد بنمط تفكير الشخص المستقر بين ظهرانيه، وألمّ بشكل عام بالخلفيات الثقافية والحضارية. وهذه الظاهرة المستجدة استغرقت عقوداً من الزمن لكي تصل إلى ما وصلت إليه اليوم. 
وعلى صعيد اللون فإن الفرد الدنماركي صار يرى الشعر البني، والعيون السود، والبشرة غير الذهبية، في كل مكان تقريباً. لم يعد الأمر محصوراً في الشارع، فهناك البنوك والباصات والشواطئ والمدارس والمؤسسات، وكلها تضم الدانماركيين الجدد، سواء من الجيل السابق أم من الجيل الجديد، وهذا ما جعل العين الدانماركية تألف تعدد الألوان ذاك، فلا تحتج عليه أو تستنكره، كونه صار حقيقة ماثلة، تقبلها المجتمع ذاته سواء على مضض أو بقناعة. أما في ضفة الأجانب، أو أبنائهم من الجيل المولود على أرض هو. سي. أنسن، وكيركورد، وكيم لارسن وعروس البحر، فالفرد الدانماركي تحول من شخص غامض، عليه اكتشافه والتعامل معه بحذر، إلى شخص يجاوره في العمل ومقاعد الدراسة ومحلات الترفيه. طبعاً من دون نسيان تلمسه العام لتاريخ البلد ورموزه السياسية والثقافية والفنية والتاريخية. صفة الغموض زالت عنه، وحوله الأجنبي، بعد طول معايشة، إلى نموذج، له صفاته المعروفة وذائقته وميكانيزماته الذهنية وآراؤه السائدة المعروفة. 
بقول آخر، إن سليلي المغتربين الذين ولدوا هنا ودرسوا في المدارس والمعاهد والجامعات، وكوّنوا صداقات، أحبوا وعشقوا وتزوجوا، امتلكوا أيضاً المفاتيح الصحيحة أغلب الأحيان للفرد الدنماركي العادي. المفاتيح المحكومة بزمنها، ومكانها، ومستواها التعليمي.
لم يبق الفرد الدنماركي غريباً على الدنماركيين الجدد. صار واحداً منهم بنسبة ما، وإن اختلفت الألوان، والاهتمامات، والأديان، والخلفيات الثقافية. والملاحظ أن علاقة السلم الأهلي هي المتحكمة اليوم بهذين البعدين. وإذا ما نشبت أزمة هنا أو هناك، أو شذّ نموذج من النموذجين عن المسار، فهذا لا يربك العلاقة السلمية بينهما، هو فقط يشحذ الذهن كي يعيد ترتيب دراساته وقراءاته لظاهرة الأجانب في البلد. الدانمارك من دون شك ليست البلد الوحيد في أوروبا الذي مر بهذه العملية المتواصلة الخاضعة لفعل الزمن، إنما ينطبق عليها ما ينطبق على معظم العالم الغربي الذي تحول إلى عالم متعدد الثقافات، غير صاف دينياً ولا لغوياً. وثمة اندماج فرضته الحياة على التعددية تلك. هذه الحقيقة لا يحاول بعض السياسيين الدنماركيين، أو الأوروبيين، قراءتها بدقة، كونهم ظلوا محكومين بالنمط القديم من التفكير الذي يحاول إرجاع ساعة الزمن إلى الوراء. وهو نمط لن ينجح بالتأكيد، مهما بدا ناشطاً. وكذلك حال قسم من العرب والمسلمين المقيمين في أوروبا. بعض المتطرفين يلم حوله عدداً لا بأس به من الجالية العربية والإسلامية، يعيد نسف جسور التواصل بين الحضارة المشرقية والغربية، فهو عادة ما يفجر قنابله الإعلامية بين الحين والآخر. القنابل التي طالما أصابت ذوي الأصول الأجنبية بجراح شبه قاتلة، يدركها من يعيش في الدنمارك.

النمذجة السلبية، وهي فكرة شائعة في الاستشراق الغربي عن العرب والمسلمين، راحت في العقود الأخيرة تتضاءل بسبب احتكاك المواطن الأوروبي مع المشرقيين: عرفوا تنوعهم، وعلمانييهم، وأصولييهم، وقابلياتهم الثقافية والفنية، ومنظوماتهم الدفاعية التي بنيت على أساس مجتمعات سابقة. الا أن بعض الأصوليين لا يريد لتلك الصورة، عن العربي والمسلم، أن تزول. يرتاح اليها مثلما يرتاح غريمه العنصري الأوروبي المتشبث بالمركزية الأوروبية، وصراع الحضارات، وسيادة الحضارة الغربية ودونية ما عداها.
ومثلما شقت الحركات الأصولية، الشائعة اليوم، المجتمعات الشرقية بين مؤيد ومعارض، حسب الدين والطائفة، كداعش وحزب الله والحوثيين والقاعدة والنصرة وكتائب أبو فضل العباس والإخوان المسلمين، وغيرهم، زلزلت أحداث كوبنهاغن الجالية المسلمة برمتها بين مؤيد ومعارض، مثلما حركت نوازع الإسلامفوبيا في نسيج المجتمع الدانماركي. هناك بين التيارات اليمينية والفاشية من صار يحسب عدد المسلمين في الدانمارك حتى سنة ألفين وخمسين، حيث سيشكلون ربما نصف السكان، ويمكنهم أن يحولوا الدانمارك إلى بلد إسلامي تحكمه الشريعة. وهذا يثير الرعب والخيالات المجنحة المنبعثة من مشاهد القتل، وجز الرؤوس، وتدمير الآثار، وتحجيب النساء، وذبح المسيحيين، ومحاربة الفنون، كما يبث على الفضائيات هذه الأيام. 
لقد ودع القتيل عمر الفلسطيني إلى المقبرة، كما قيل، أكثر من ألف شخص، رغم أن عمر كان مرتبطاً، قبل أشهر من ارتكاب الجريمة، بعصابات المخدرات، وله تاريخ جنائي لدى الشرطة. ويقرأ هذا الرقم، الضخم نسبياً، على أنه تأييد واسع لما قام به من قبل المسلمين في الدنمارك، في حين تكدست باقات الورود في المكان الذي قتل فيه. وقيل أيضا أن ثمة من غرس العلم الفلسطيني في ذلك المكان، وروى لنا صديق الحادثة مؤكدا الخبر، وقد قام بمهاتفة السفير الفلسطيني في الدنمارك منبهاً إياه على وجود العلم، وخطورة الزج باسم فلسطين في حادث مثل هذا، وما يعكسه من نظرة سلبية من قبل المجتمع الدنماركي. وتمّت إزالة العلم فوراً، يؤكد ذلك الصديق.

(*) كاتب روائي عراقي
عن الفايسبوك
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: