الأربعاء، 15 أغسطس 2018

اسمي ليس لي

SHARE

شربل داغر* 


اسمي الأول ليس باسم. إنه يتقدم تظاهرة كبيرة، لدرجة أنني افتكرتُ الخروج منها بعد أن وجدتُني فيها، من دون أي شعار بخصني، فيما تعلو صلوات الشفيع بألسنة غيره.

لَمّا عشتُ في فرنسا، كان يبادرني أكثر من فرنسي: يا له من اسم جميل... من اسم مبتكر...!، فيما احتارَ فيه المغاربة، فسعوا إلى مغربته بما يناسب عاميتهم؛ فيما ارتبك تونسيون في ترتيبه، فكان البعضم منهم – في مراسلاتهم الإدارية معي – يبدلون بينه وبين اسمي العائلي، لدواع أجهلها؛ فيما اجتهد الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي فيه، وسألني عن أصله أكثر من مرة، لدرجة أنه صرخ في وجهي، ذات غروب، وقد التقينا في رحلتَين مختلفتَين في مطار "أورلي" الجنوبي بضاحية باريس: وجدتُه، يعود أصل الاسم إلى: شرحبيل.

مع ذلك، وجدتُ في قريتي رفاقًا لي، لهم الاسم عينه، حتى إنهم في عديدهم ينتسبون، مثلي، إلى العقود التي تلت خمسينيات القرن الماضي، وما بعدها. أحدثَ اسمي جلبة، لا تزال أصواتها تتفاعل أحيانًا، بدليل أن صحفيين، ومواقع إلكترونية تخلط – حتى سنوات أخيرة – بيني وبين العزيز: غسان شربل، لدرجة أنهم عينوني بدلًا منه: رئيسًا لتحرير جريدة "الحياة"، فيما كنتُ قد تركتها منذ العام 2000، قبل توليه المنصب.

لهذا لم أجدني أبحث عَمَّن أحمل اسمه، فهو أسبق وأعرف مني، وبلغني من دون أي مجهود من قبلي. وهو شهير للغاية في بلدي، فيما يتمُّ، في أكثر من بلد، فحصَ تركيبه، بما يشبه الشبهة، أو اللبس في أحسن الأحوال.
مَن أحملُ اسمه زرتُ بيته، في قرية بقاعكفرا (أعلى قرية مأهولة في لبنان، وهي على المقلب الآخر من قريتي في مرتفعات شمال لبنان)، بتدبير مدرسي؛ وزرتُ الصومعة التي عاش فيها ناسكًا، على مبعدة من ديره، في قرية عنّايا، التي تتوسط الطريق بين قريتي وجبيل : مَن أحمل اسمه، يسبقني في الصعود إلى بيتي، وإن طلبتُ الصعود المزيد لا يسعني الوصول إلى ما هو أبعد منه. كما لو أنه يجمعني بين منطلقي ونهاية دربي.

أمي كانت تتباهى بأنها هي من اختارت اسمي، ولمّا سألتُها، في سنواتي الجامعية ببيروت، عن سبب إعجابها، أخبرتني بأنني لمّا ولدتُ كانت قد تتالت، في قريتنا وما يحيطها، أخبار عجائبه، فقاطعتها ممازحًًا : أأكون إحدى عجائبه ؟ أنكرتْ والدتي سؤالي، وأخبرتني أن أخي الذي يكبرني مباشرة توفي بعد شهور قليلة على ولادته لأسباب مجهولة، فكانت أن "نذرتني" لشربل، ولاسمه.
- إذًا، أنا أعجوبته !
= لا، هو حارسك الأمين.

هكذا حرسني اسم شفيعي من أي مكروهٍ لسانيٍّ حتى اندلاع الحرب في لبنان، إذ بات – حيث كنتُ أقيم، في شارع محمد الحوت، وفي تنقلاتي عند حاجز "المرابطون" في مدخل الطريق الجديدة، وعند حاجز "الجبهة الشعبية..."، عند مدخل برج البراجنة، في سنة الحرب الأولى، اسمًا مشبوهًا، عميلًا قيد التشكل، اسمًا أُسقطت عليه مقتلات وشبهات، فيما كنت لا أمسك بمسدس، ولا أحسن التصويب به، إن أردت، ما دام أنهم – في الدراسة الثانوية – أعفوني من "خدمة العلم"، بسب نظري الضعيف.

لم يحرسني اسمي في سنة الحرب الأولى، ولم تشفع بي يساريتي إذ سقط عنها لونُها الذي بدا خفيفًا : بلى، نحن نعرف أنك يساري، لكننا يجب أن نحقق معك لدواع أمينة...
سقط اسمي بين الضحايا الأولى في الحرب. سقط مثل العشرات التي بلغتْني أخبارهم في جرائد الصباح، ممَّن كانوا يلقون جثثهم قرب "البربير"، تحت الجسر الفاصل بين ما بات يُسمّى : "الغربية" و"الشرقية". كنت أسكن، عشية الحرب، في شارع قريب من خط التماس الذي ارتفع سريعًا بعد "الجولة الرابعة"، وكان لي أن أبدل اسمي، ما اقترحَه عليَّ رفاق وأصدقاء، على أن يتدبروا لي اسمًا جديدًا وبطاقة هوية من: "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين". رفضتُ، يومها، هذا الحل المسرحي، فيما قبلَه كثير من رفاقي وأصدقائي، من مذاهب مسيحية مختلفة، بل أقدمتُ على تدبير بطاقة حزبية بنفسي، طبعتًها بنفسي على آلة الدكتيلو (في أول مسعى لي فوق آلة غير يدوية للكتابة)، محتفظًا باسمي الصريح، ولكن بوصفي عضوًا في : منظمة العمل الشيوعي في لبنان.
الواقف وراء حاجز "المرابطون" سخر من بطاقتي – "الولّادية" فعلًا - لما وقع عليها، ونظر إلى وجه رفيقي: نصير الاسعد (المعروف لديه، من دون شك): ما هذا ! لو يحمل مسدسًا معه، لكان هان الأمر، ولَما احتاج إلى هذه البطاقة... المدرسية أو الهزلية !

لهذا، لمّا خرجتُ من لبنان، استقبلني كثيرون كما لو أنني أحمل بطاقة هوية جديدة لاسم جديد، مبتكر، أو غريب عند أهل المغرب العربي خصوصًا. اسم جديد، بدليل أنني لم أبدله في سنة حصولي على الجنسية الفرنسية في العام 1994، بل حافظتُ عليه، هو واسم عائلتي، ما أثار غرابة موظف الإدارة في مدينة "نانتير". ما استوقفَ الموظف لم يكن اسمي الأول، بل اسم عائلتي، إذ قال: لماذا لا تعتمد اسمًا عائليًّا فرنسيًا شبيهًا تمامًا باسم عائلتك: داكير (daguerre)، بدل (dagher)، وله شارع يحمل اسمه في الدائرة الرابعة عشرة في باريس، وهو من أوائل مكتشفي الآلة الفوتوغرافية في العالم؟ لكنني لم أقبل، ما أدهشني بعد خروجي من مكتبه، وتساءلتُ
: لماذا فعلتُ هذا ؟ كان الأمر ممكنًا، من دون إعاقة أحد، من دون التباس بين الصيغتَين، إذ كان ممكنًا لفظ اسمي العائلي بطريقة مناسبة لأصله العربي، ومناسبة لتدوينه الفرنسي المستجد.
أدهشتُني ردة الفعل التي لم أقررها قبل دخولي إلى مكتب الإدارة، إذ ما كنتُ أعلم بوجود مثل هذا الخيار أمام المجنَّسين الجدد قبل إصدار بطاقة هويتهم الجديدة، الذي عرفتُ بعد وقت، من بعض اللبنانيين والعرب، أنهم شعروا بشيء من الحرج، عندما اقترحوا عليهم التبديل، بل بشيء من الخوف من أن لا تُعطى لهم الجنسية المكتسبة. 
أكتب هذا، ليس من باب التباهي، ولا من باب الوفاء، ولا من باب لامبالاتي بجنسيتي الفرنسية، وإنما لأن ردة فعلي تخبر عني أكثر مني.
يبدو أن لاسمي، سواء الأول أو الأخير، أسبابًا تشدني إليه، فلا أنكرها، وإن كان لا يقوم الأمر على أي تباهٍ أو تفاخر أو شعور بأصالة ما. 
الأمر بسيط : اسمي ليس لي، إنه لغيري.

(*) شاعر وناقد لبناني
عن الفايسبوك 

SHARE

Author: verified_user

0 facebook: