الأربعاء، 22 أغسطس 2018

عندما ارتفعت «نعوش الزنك» في أفغانستان إبان الاحتلال السوفياتي

SHARE

أنطوان جوكي | 

حين نتحدّث عن الأسباب التي جعلت من أفغانستان مهداً لتنظيم «القاعدة»، نستحضر غالباً سياسات الولايات المتحدة وحروبها الأخيرة، وننسى الحرب التي قادها الاتحاد السوفياتي على هذا البلد ودامت عشر سنوات (1979- 1989). حربٌ تتجلى بكلّ فظاعتها وقذارتها في كتاب «نعوش من زنك» (1989) الذي وضعته الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش (نوبل 2015)، وصدرت ترجمة فرنسية أولى له عام 1990 عن دار «كريستيان بورجوا» الباريسية، قبل أن تُعاد ترجمته حديثاً إثر الإضافات والتعديلات المهمة التي أجرتها الكاتبة عليه.

وتجدر الإشارة بدايةً إلى أن اختيار أليكسيفيتش «نعوش من زنك» عنواناً لكتابها غايته الإشارة فوراً إلى أن شعوب الاتحاد السوفياتي لم تدرك ما كان يحصل في أفغانستان آنذاك إلا حين ارتفع عدد النعوش التي كانت تُنقَل فيها جثث الجنود إلى ديارهم بشكلٍ لم يعد ممكناً إخفاؤه. ولكتابة هذا النص الصاعق، أمضت الكاتبة فترةً طويلة في أفغانستان قبل أن ترصد أربع سنوات للتحقيق مع المعنيين في هذه الحرب داخل دول الاتحاد السوفياتي. وكما في كتابها الأول «لا وجه أنثوياً للحرب» وكتبها اللاحقة، لجأت في «نعوش من زنك» إلى نوعٍ أدبي ابتكرته بنفسها ويقوم على جمع شهادات حقيقية من أطراف مختلفة ثم تقطيعها وتنظيمها داخل نصٍّ تتحكّم بنثره غايةٌ أدبية.
بهذه الطريقة الفريدة نصغي في كتابها إلى ألم الأمّهات أمام النعوش التي وُضِعت فيها جثث أبنائهنّ، وأحياناً بعضٌ من التراب لرفع وزنها وإخفاء حالة الجثث التي لم يتبقّ منها سوى أشلاء. ألمٌ يحضر بكلمات تقع على حدود ما يُحتَمل، علماً أن الشهادات المستحضَرة في الكتاب لا تقتصر على ما أسرّت به هذه الأمّهات للكاتبة، بل تعود أيضاً إلى ممرّضات وأطبّاء نشطوا في أفغانستان خلال الحرب المذكورة، وإلى زوجات الجنود السوفيات وحبيباتهنّ، من دون أن ننسى الجهة الأهم، أي الجنود أنفسهم، الذين كانوا بمعظمهم يانعين وفقدوا بسبب مشاركتهم في هذه الحرب أصدقاءهم وأحلامهم وحتى نعمة النوم، وأصبح يتعذّر عليهم بناء حياة جديدة لهم. جنود تحوّلوا إلى قتلة ومغتصبين في عيون محيطهم ووسائل الإعلام فور صدور المقتطفات الأولى من كتاب أليكسييفيتش في الصحف.

قوة الكلمات التي يتألف منها هذا النص تعود بشكلٍ رئيس إلى المونتاج الحاذق الذي أجرته الكاتبة على مادّته الخام ويجعل الحرب تصدمنا بكل بربريّتها ونتائجها: أجساد ممزّقة أو محروقة، خوفٌ يوحّد المقاتلين أكثر من رفقة السلاح، كراهية تتنامى داخلهم مع سقوط رفاقهم قتلى، الواحد تلو الآخر، وتحوّلهم إلى وحوش لا يعرفون الرحمة فيمارسون القتل على الإنسان والحيوان ببرودة مرعبة، وكابوس العودة من أفغانستان إلى ديارهم حيث واجهوا صعوبات جمّة في التأقلم والعثور على عملٍ لتأمين قوتهم، كما واجهوا لا مبالاة مواطنيهم بما اختبروه وحوّلهم غالباً إلى معوقين أو مرضى في نفوسهم.

تعود أيضاً سطوة هذا النص على قارئه إلى عدم محاولة أليكسييفيتش تلطيف شهادات مَن حاورتهم، وبالتالي إلى نقلها غالباً إلينا كما تلقّتها؛ شهادات تكمن قوتها في طبيعتها العنيفة أو الفجّة، ولكن خصوصاً في التباين الناتج منها: تبايُن بين الصراحة الساذجة للجنود الشبّان ومدى فساد محيطهم وكلبيته، تبايُن بين حمّى الثراء السريع التي أصابت المسؤولين السوفيات خلال حربهم على أفغانستان وسوء تجهيز الفصائل العسكرية السوفياتية المشاركة فيها، وخصوصاً تبايُن بين العنف الحقيقي لهذه الحرب والخطاب الرسمي أو الإعلامي السوفياتي الذي تناولها.
من هنا غضب السلطات السوفياتية على الكاتبة التي تمكّنت في كتابها من تمزيق أسطورة الجندي السوفياتي الذي كان يؤدّي واجبه الأممي في أفغانستان، وغالباً ما صوّرته القنوات الرسمية يزرع شجرة تفاح أو يرمّم جدار مدرسة، في حين أنه كان يقصف القرى أو يرمي القنابل على منازل تؤوي نساءً وأطفالاً. وحول هذه الأسطورة، يقول أحد الجنود: «إنها وُلِدت هنا في روسيا. هناك (في أفغانستان)، كان كل شيء يُباع ويُشترى، بما في ذلك النساء. وعلى رغم ذلك، بقينا رومنطيقيين وصدّقنا هذه الأسطورة! الأخطر هو أننا توجّهنا إلى أفغانستان من دولة كانت ترغب في هذه الحرب، وعدنا إلى دولة لم تعد ترغب فيها».
ولا عجب بالتالي في الحملة المنظَّمة التي قادتها السلطات السوفياتية لمنع توزيع كتاب أليكسييفيتش، وفي الدعوى القضائية التي رُفِعت ضدها في مينسك عام 1992 وأُجبِر إثرها عدد من الشهود الحاضرين في الكتاب على التراجع عن شهاداتهم، فمثل «مقبرة لخمسمئة ألف جندي» (1967) الذي وضعه الفرنسي بيار غيوتا حول حرب التحرير الجزائرية، أو «إن متُّ في الحرب» (1973) الذي رصده الأميركي تيم أوبريان لحرب الفيتنام، يفضح «نعوش من زنك»، وإن بوسائل أدبية مختلفة، كذبة الدولة السوفياتية، أو ما يسمّى بـ «القصة الرسمية» التي تلازم كل مشروع حربي، سواء كان ذا طبيعة استعمارية إمبريالية أو مُنح طابع المساعدة لبلدٍ «شقيق»، وبالتالي طريقة تعامُل مَن يقف خلف هذه الكذبة مع الحياة والموت في المنطقة التي يُشعِل فيها حربه وداخل فضائه الجغرافي الخاص.
يبقى أن نشير إلى أن أليكسييفيتش، التي تفسّر في النسخة المعدّلة لكتابها منهج بحثها عن الحقيقة من خلال الأدب، تدعونا لدى مطالعة هذا العمل إلى مقاومة ميلنا إلى قراءة التاريخ بطريقة أحادية المعنى (أو مانويّة)، لأن الحرب، وخصوصاً تلك غير النظامية أو التي تحمل شعار مكافحة «التمرّد»، هي مسألة معقَّدة. ومن هذا المنطلق، لم يكن مقصد الكاتبة في «نعوش من زنك» محاكمة الجنود السوفيات الذين أُرسِلوا إلى الحرب في أفغانستان، كما اعتقد أولئك الذين انتقدوا كتابها أو تحمّسوا له لأسبابٍ غير بريئة، بل إظهار نتائج هذه الحرب ومواجهة، من خلال ذلك، المثال الذي رفعته سلطات الاتحاد السوفياتي آنذاك بواقع ما اقترفته، بالتواطؤ مع شعوب «الكتلة الشرقية» التي كانت منشغلة إمّا في كيفية البقاء على قيد الحياة (الفقراء) وإمّا في طريقة تحقيق أكبر ربحٍ مادّي من هذا الصراع.
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: