الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

التذوق من دون دينيته (3 من 4).

SHARE
شربل داغر
(أنشر، في أربعة أيام متتالية، أربع نبذات مقتطَعة من دراسة عن التصوف والفن والأدب، ألقيتُها مؤخرًا في "بيت الزبير"، في عُمان – هنا النبذة الثالثة):
لا يستقر اسم "التصوف" ومشتقاته ("الصوفية" و"المتصوف" و"المتصوفة" وغيرها) على حال لجهة الأصل والدلالات. فكل من الدارسين المتأخرين يأخذ المعنى في جهة؛ وهي حال السابقين أيضًا، على ما نتأكد في كتاب: "الأسود والأبيض": في هذا الكتاب نجد أكثر من تفسير، من اجتهاد واقعًا، في تبيان معنى الاسم ومشتقاته، إلا أنها مما ورد بعد تأكد الصوفية طُرقًا ومشايخ وسلوكات. السراج جعل "التصوف" مشتقًا من الصوف؛ والجنيد: "أن تكون مع الله بلا علاقة"؛ وجاء في كتاب "طبقات الصوفية" للسلمي أن "التصوف رؤية الكون بعين النقص"؛ ويقول الشبلي: "الصوفي منقطع عن الخلق متصل بالحق"... كما يورد د. عبد الرحمن بدوي في كتابه، "تاريخ التصوف الإسلامي: من البداية حتى نهاية القرن الثاني"، خمسة وعشرين تعريفًا للتصوف والمتصوفة تحت عنوان: "حد التصوف". من يدقق في هذه التعريفات المختلفة يجد أنها تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ"إنشاء" التصوف، أي ببناء تفكري في ما يمكن أن يكون عليه التصوف، ولكن بعد قيامه، بعد انتظامه، بعد توكل أكثر من شيخ ومريد به، وبتعريفه، وبانتظامه.


جرى الكلام عن "متن" صوفي، ما يعني اجتماعًا لأكثر من منظور كتابي فيه. منهم من تعامل مع القرآن تعاملًا وفق سبيل "العبور"، أي الانطلاق من اللفظ صوب مجال التأويل الرحب، من دون الأخذ، في الغالب، بالناسخ والمنسوخ، ولا بالسياق. بل ذهبوا أبعد من ذلك، إذ جعلوا للفظ حروفًا، وللحرف معطى "أنطولوجيًّا"، تكوينيًا له. وهي طريقة معمول بها عند بعض المعجميين العرب القدامى، حيث للحرف معنى سابق، ثابت، فكانوا أن نقلوا الطريقة وحمَّلوها حمولات فلسفية، تكوينية. هكذا لم يتم التمييز بين العربية بعامة، وبين لغة القرآن بخاصة، وإنما جعلوا العربية، بمجموعها، بأصولها، صورة عن الوجود، فيُستعاض عنه بها. هكذا باتت العربية، ليس في "نزولها" وحسب، لغةً تصلح لعبادة، لتقديسٍ، سابقٍ حتى على التحقق، على التفسير. لغة، بل حروفٌ–ماهيات، أصولٌ متلازمةٌ في مادتها وقدسيتها، مثل آلهة متجسدة، معبودة.

إذا كنا نقع على متن صوفي قديم، فلا يمكن القول إنه متتابع في الدرس المتأخر، أو في الثقافة العربية الحديثة. فالبعض عاب على التصوف أن سياسات استعمارية هي التي شجعت على "تفعيل" الطرق الصوفية (ولا سيما في الجزائر وغيرها من بلدان المغرب العربي). أما غيرهم، ممن تطلعوا إلى "توجيه" الدول الناشئة في الكيانات العربية الحديثة، فقد عابوا على التصوف كونه "جلّاب" عاداتِ خنوعٍ ورجعيةٍ و"انخطافٍ"، ما لا يجعل التابعين والمريدين سوى منقادِين وغافلِين عن الحياة ومستلزماتها في البناء. وهناك غيرهم ممن وجد في التصوف خروجًا على الدين الحنيف، و"متاهةً" للمؤمن...

يذهب البعض إلى القول والتفسير بأن التصوف مؤسسة، أو أنه نظام خارج على الدين "الرسمي"؛ وفي ذلك تفسير على قدر من الصحة ما دام أن التصوف لم يَرِدْ لزومه في المتن الإسلامي "الرسمي" (من قرآن وسنة وحديث وغيرها). ومن يتتبَّع أخبار المتصوفة، أو شيوخَها، يتحقق من كونهم أقاموا "طريقة" و"طُرقًا" لهم، من دون أن يكونوا خاضعين لمرجع أو إفتاء أو قاض، أو مذهب بعينه، معولين على اجتهاد الشيخ وحسب، وعلى انضواء "مُريدين" تحت سلطته الناشئة. هذا ما جعل البعض يميل إلى تأكيد "تمرد" الطرق الصوفية على النظام الإسلامي، وأنهم "خارجون" عليه بالمعنى المؤسسي، وبالمعنى العقيدي أيضًا. بل يمكن أن يذهب بهم التفسير إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو التشديد على أن مسلك كبار المتصوفة "فرداني" النزعة، ما له علاقات ملزمة بما أبحث فيه، وهو التعالقات بين الفن والجمالية عبر التصوف. هذا مدعاة إلى طرح السؤال التالي : هل يوفر التصوف متنًا مناسبًا، أي صالحًا، لدرس العلاقات الحاصلة بين فنون الكتابة، من جهة، وبين أحكام الذوق والحُسن في الجمالية القديمة (على أن أثير في ضمنها أيضًا السؤال عن الجمالية الحديثة والمعاصرة) ؟ هذا ما يمكن صوغه بطريقة أخرى : هل توفر إنتاجات المتصوفة القدامى الكتابية (بين نثر وشعر) متنًا صالحًا نَستخرج منه ما كانت عليه أحكام "الأدب" والحُسن في العصور الإسلامية القديمة؟


ماذا لو توقفتُ عند بعض إنتاجات الأدب الصوفي؟
سأجد نصوصًا وكتبًا تتأتى من أنواع وأساليب مختلفة، ما يجعلها متنًا موافقًا ومباينًا في الوقت عينه للأدب العربي المتبع والمعهود :
- الشعر في المحبوب؛
- الشعر الوجداني (من وَجْد ووجدان)؛
- النثر الصوفي (لا سيما النفري في "المواقف")؛
- التفلسف العرفاني؛
- "التجربة الصوفية" : حفظتْ بعض كتب التصوف أخبارًا وأحاديث، تتشبه في بعضها بالحديث المسند، عما عايشه أو خبرَه بعض المتصوفة مع مُريدين وغيرهم. ومما ورد كذلك في هذه الأحاديث أخبار عما يمكن تسميته بـ"التجربة" الصوفية، اي ما كابدَه أو عايشه المتصوف وحده أو مع غيره، في ما يمكن تسميته بالأدب "الموازي" : أدب التجربة الصوفية. وهو أدب الشطح، والرقص من معانيه حتى اليوم في المغرب العربي...
بدل المؤسسة، التعبير الحر. بدل الطقس المنتظم، المَيَلان بين الحس والتفكر. إسلام الداخل بدل إسلام السلطة. هكذا لم يخرج المتصوف إلى الفعل الزمني الخارجي، وانما انتحى زاوية، طريقة سرية، وإن استجلبتْه السلطة القمعية من خلوته. هذا ما يجعل من التجربة والتجريب فعلًا جماليًّا وفرديًّا بمعنى ما. أتاح الخطاب مثل الممارسة الصوفيين حراكًا خارج البلاط، خارج المجالس، في الخلوة، أو بين أحباب منتخَبين. مثل هذا الخروج على القواعد الجَمْعية، على السنن، وعلى السياسة في نهاية المطاف، تحررٌ داخلي غير مقبول وغير مشرَّع، وإن جرى في لغة لغزية. التعبير عن هذه التجارب تحرير للقول وتوسعة له وتمكينه من انفعالات ومقاصد غير مطروقة.

الخطاب الصوفي بوصفه ممارسة وتعبيرًا ومنتهى معينًا مسبقًا، على أن ما يحركُه يقع في "البَيْنِيّة" وحسب: من القرآن في اتجاه خارجه؛ من القرآن في اتجاه داخل الإنسان؛ حيث اللغة تكون إبلاغًا يحتاج إلى استخراجٍ وضبطٍ، فتصبح اللغة صمتًا وحِسًّا يحتاج إلى تأكيد وجوده. هذا حيز الفقيه، وهذا حيز المتصوف.
هناك الفقيه، وهناك الأديب، وهناك الصوفي. سلطة الداخل بأكثر من معنى. سلطة ذات متن، وذات طُرق ما يُعد إنجازًا غير محسوب. سلطة فيها تجنبٌ وممانعة وإنشاء. وفيها ما يشبه بنية المشيخة والاستتباع، وإن كان ذلك من دون قهر أو غصب أو فرض. هناك من يتشبه بغيره ويأخذ منه ويقتدي به كما في الغزل، لكنه يختلف عنه ويجرب جديدًا مع النفري ومع بعض الحكاية الصوفية. إلا أن في الإنشاء سريةً ولغزيةً كذلك، ما يجعلُه مقيدًا ومحسوبًا.
حالُ المتصوف تجربة، وخطابُه تجربة؛ إلا أنها حال معيشة، ما لا يبلغنا في أحوال كثيرة. أما ما يبلغنا فليس لنا أن نحكم عليه إلا وفق ما يصل إلينا، وفق تذوقنا، لا وفق شهادة صنعٍ مسبوقة.

SHARE

Author: verified_user

0 facebook: