الخميس، 19 يوليو 2018

ظِلّ بورخيس

SHARE
هبة فوق الطبيعية وَلّدها حضوره
للشاعر التشيلي أوسكار هان
 ترجمة: المهدي أخريف
سمِعْتُ باسم بورخيس للمرة الأُولى عام 1955. كنتُ في السابعة عشرة تلميذاً في ثانوية رانغوا (Rangua). مُدرِّسة اللغة الإسبانية كانت مشهورةً بأحكامها الأدبية المثيرة للخوف؛ غير أنني تشجَّعْتُ ذات يوم متسلِّحاً بثقتي بنفسي فعرضتُ عليها واحدة مِن أولى قصائدي التي كتبتها تحت عنوان: «تناسخ أكلة اللحوم». «ليست قصيدة سيِّئة، -عَلَّقت المدرّسة- يبدو أنك قرأت بورخيس، لأنك تستخدم الفعل الدائري بشكل جيد».


«بورخيس؟!» سألتها بانْدهاش.
«بالطبع.. خورخي لويس بورخيس، الكاتب الأرجنتيني».



لم تكن لديَّ أدنى فكرة عمَّن يكون بورخيس فكيف تتميز قصيدتي باستخدام الفعل الدائري!

على الفور توجَّهت إلى مكتبة الثانوية. بحثاً عن كتبٍ لِمُعَلّمي المجهول. وجدتُ كتاباً واحداً فقط: الأَلِف El Aleph. ولم يكن كتاب قصائد كما توقّعتُ، ولكن مجموعة حكايات. جلست وقرأت الحكاية الأولى: «الخالد». بدَت لي معقَّدة وكُتبِّيةً حدَّ الملل لأنّني نشأت على قراءة القصص الشيليّة الواقعيّة التي مسرحُها حياةُ القرى أو مناجم الفَحْم. ليس من السهل الانتقال مِن لُوطا المدينة المنجمية إلى مدينة الخالدين المتاهيّة.

لم أنجح، بما سبَّبه التبحُّر المعرفي من دُوار مرهق، في إيجاد طريق وسط غابة من الأسماء. بالكدّ كنتُ أتلفَّظ بها: جوزيف كارتافيلوس، أميرة لوسينج، ألكسندر يوب، الإمبراطور ديوكليسيانو، أرماركو فلامينيو رُوفو؛ كذلك لم أستطع التأقْلُم مع أمكنة بَدَتْ لي غير معقولة مثل إسْمِيرْنَا، أريزونا، بُولَار أو بيكافير. واصلتُ تَصفُّح الكِتاب مقلِّبا هنا وهناك لَعَلِّي أجد أماكن أكثر جاذبية، لكن عَبَثاً. وتوصلت إلى أن العلاقة المفترضة بين قصيدتي وكتابات بورخيس لم تكن بأكثر مِن هَلْوسَاتٍ أصابت مُدرِّستي.


بَعْد زمن على ذلك، وبينما كنت أتصفّحُ إِحدى المجلات الأميركية اللاتينية المُعارة عثرتُ على قصيدة لـبورخيس وليس على قصة. كان عنوانها: «الليلة الدوريَّة» ورغم حُفُولها بالكثير من الإحالات والحذلقات المعرفية، تمكَّنتُ من تذليلها من دون صعوبات تذكر وحتى من الاستمتاع بها. القصيدة عبارة عن معرض مُفصَّلٍ لعقيدة «العود الأبدي»:
عرف ذلك التلامذة المتعبون


لـفيثاغوراس،

الرجال والنجومُ عادتْ بصفة دورية، الذَرَّات الحتميَّة سَتُعيد أفروديت النجمية،
أهل طيبة، الاجتماعات في الساحة العامة.
وتصل «الليلة الدورية»، ذروتها في المقطع الذي يقوم بيته الأخير بوظيفة البيت الأوّل في القصيدة الأولى، هكذا يغدو القارئ مجبراً على تكريره بكيفية دائرية إلى ما لا نهاية:
تعود الليلة المقعّرة
التي فكَّ أنكساغوراس رموزها؛
تعود إلى لحمي الإنساني الأبديةُ الثابتة
والذكريات؟ والمشروع؟
في قصيدة لا تتوقف:
«عرف ذلك تلامذة فيثاغوراس المتعبون...»
غير أن قصيدتي لا علاقة لها البتّة لا بـفيثاغوراس ولا بـأنكساغوراس اللذَيْن كانَت معرفتي بهما محدودة جدّاً. فقصيدة «تناسخ أكلة اللحوم» هي قصيدة أليغورية (رمزية) هي إنذار بخطر اندلاع حرب عالمية ثالثة، تنسج مشهداً كابوسياً يتبارى أَكَلَة لحوم فيه باللعب بِنَرْد من نار. والخاسرون يتحوَّلون إلى حيوانات تُساق إلى المذابح حيث يُذْبحون من لدن أكلة لحوم آخرين. وهؤلاء يتجسدون أيضاً بعد موتهم بهيئة حيوانات يجري قتلُها بيدِ أبناء جنسها، وهكذا إلى ما لانهاية. هو ذا المقطع الأخير:
ورأيت أن الخاسرين صاروا
في اليوم الثالث يقتل بعضهم بعضاً بلا توقف
احذروا أيُّها السادة السفاحون،
الأيام الثلاثة لليالي الثلاث.


يبدو أن مُدَرِّستي، رغم أن قصيدتي تصوِّر عالماً مختلفاً عن عالم بورخيس، أوْجَدَتْ أو وَجَدتْ وشيجةً واتصالاً بينهما. الطبيعة الدورية للبنية الشعرية لقصيدتي بَدَتْ لهما سمة بورخيسية واضحة.
بعد سنوات عديدة كان لي لقاء مع بورخيس لكن هذه المرة في ظروف مأساوية، وتقريباً في مواجهة كتيبة الإعدام. حدث ذلك في سبتمبر 1973، أثناء الأيام الأولى من الانقلاب العسكري الذي أطاح بسلفادور أليندي. فقد أتى فَصِيلٌ مِن الجنود إلى منزلي في «أريكا» وأخرجني بِحدِّ بندقية رشاشة مُخضعاً إيَّاي إلى شتى أنواع الضربات والتنكيلات ثم رموا بي داخل سِجْن المدينة. في كل يوم كانوا يطلقون سراح خمسة أو ستة معتقلين لكنهم كانوا يأتون بدلاً منهم بخمسة عشر معتقلاً يحملون معهم أخباراً جديدة مرعبة، أخباراً عن إعدامات بالجملة، عن أنواع التعذيب أثناء الاستنطاقات وَعَنْ أشخاص اختفوا تماماً حتى بعد إطلاق سَرَاحِهم، لأنَّ الشرطة السرية كانت تعتقلهم عند خروجهم من السِّجن.


في إحدى الليالي، أطلّ علينا أحَدُ الحرَّاس مِنْ بين القضبان وقال بصوت عال:
«ليرفع الكاثوليكيون الموجودون هنا أيديهم».
جميعنا مؤمنين وغيرَ مؤمنين، رَفَعنا الأيدي ظنّاً منّا أنهم سيطلقون سراحَنا. «حسناً» قال الحارس: «اشرعوا في الصلاة، لأننا غداً في الصباح الباكر سوف نُعدمكم».
لم أسْتطع النوم طوال اللّيل. احْتَشَدتْ في ذهني رؤى غير مترابطة وسريالية تقريباً. صُور ومشاهد من الطفولة. وفجأة وأنا على هذه الحال بدأتْ أبياتٌ شعرية تمرّ مصطفة في ذهني:
دَوّت الرصاصات في المساء الأخير.
ثمة ريح وثمة أرمدةٌ في الريح،
يتبدّد النهار والمعركة تتشوّه،
والنّصْرُ نَصْرُ آخرين.
انتصر البرابرة انتصر رعاةُ البَقَر.
إنها القصيدة «النبوئية» لخورخي لويس بورخيس التي يُقتل فيها أحدُ أسلافه الدكتور فرنسيسكو نارسيسو دي لابريدا، بطريقة عنيفة على يد أحد أَعْدائه السياسيين. كررتُ ترنيمةً أخرى بصوت خفيض، كما لو كُنْت أَتَأَمَلُ مصيري الخاصَّ:
أنا الذي سعيت إلى أن أكون آخر،
أن أكون رجلَ قراراتٍ رجلَ كتبٍ رجل آراء.
بصدر مفتوح سأرقدُ في المستنقع.
لكنَّ بهجةً سريّة لا تُفسَّر
تُؤَلِّه صَدْري. أخيراً أُلَاقي
مصيري الأميركي اللاتيني.
في هذا المساء الكارثي سأحمل معي
المتاهة المتعدّدة للخطوات
التي نسجتْها أيامي لي منذ يوم طفولتي
أخيراً اكتشَفْتُ المفتاح الخفيَّ لسنواتي،
حَظَّ فرنسيسكو دي لابريدا،
الكلمة التي تنقصني، الشكل الأمْثل
الذي عرفه الله منذ البدء
في مرآة هذه الليلة أُوهَبُ
وجهيَ الخالدَ الذي لا شبهة فيه.
الدائرة على وشك الانغلاق. هكذا أنتظرها أن تكون.
في الفجر خرجنا إلى الساحة ونحن في غاية القلق وقد عَوَّلنا على حدوث الأسوأ. مرَّ الصباح فالمساء وخيَّم الليل، لكن لم يحدث شيء. حَقّاً لقد انتصر البرابرة مرة أخرى، غير أنَّ مصيري لم يتحدَّد هناك. والكلمة التي كانت تنقص لتنفيذ الحكم الحاسم لم يُتلفَّظْ بها بعدُ.
فيما بعد علّقتُ على سخرية ما حدث. إذ بدلاً من أَنْ يُسْعفني واحد من نصوص ابن بلادي بابلو نيرُودا، أي إحدى قصائده التي هي أقرب إلى غارسيا لوركا، أقرب إلى الموت منها إلى الفلسفة أقرب إلى الألم منها إلى الذكاء، فإنَّ خاطري في ساعات الرُّعب تلك كان عبارة عن أبيات لـخورخي لويس بورخيس، أي للشاعر الذي اتَّهمه أكثر من شاعر وناقد بكتابة شعر كُتُبيِّ مجرَّد من الحس الإنساني ولا مُبالٍ بحاجات الإنسان.


بورخيس مع بورخيس

في أبريل 1976، نظَّمتْ جامعة مَايْن (Maine) لقاءً أكاديمياً تحت عنوان: «سامبوزيوم عن بورخيس مع بورخيس» كنت محظوظاً بأنْ أُدْعى إلى الدورة التي كان عليَّ أن أقرا فيها مع مجموعة من الشّعراء قصائد مُهداةً إلى مؤلف «تخيُّلات». كانت فرصة فريدة وغير متوقّعة. أكيد أنني بتأثير من أعمال بورخيس لَمْ أتمكّن قطُّ من تصُوّره كشخص واقعي تصوراً عيانياً، رغم الصور الفوتوغرافية العديدة التي رأيتها له وكذا المعطيات البيوغرافية التي قرأتها عنه في الجرائد والكتب؛ فقد وجدت عناءً كبيراً في تخيل بنية ولون وجهه؛ ومثلما يقال إن شكسبير لم يوجد قط وإن المؤلف الحقيقي للأعمال المنسوبة إليه كان شخصاً يُدْعى فرنسيس باكون أو كريستوفر مارلوي، كذلك كان يخطر ببالي الارتياب في أنّ خورخي لويس بورخيس رُبَّما ليس بأكثر من اسْم مستعارٍ يتخفَّى خلفه عبقري أرجنتيني ما، وأن بورخيس مدير المكتبة الوطنية ليس سوى ممثل جرى التّعاقد معه ليلعب ذلك الدور.
أثناء حفل الكوكتيل المعد للمشاركين قام أحد منظِّمي السامبوزيوم، الشاعر التشيلي كارلوس كورتينس بالمناداة عليَّ على انفراد وهمس في أذني:
«بورخيس وَصل للتوِّ إلى الفندق، هَلَّا صاحبتني للبحث عنه؟».
كنت مرتبكاً وعصبياً. أخيراً ستتحوَّل لِقاءاتي مع بورخيس من فضاء التخيّل إلى الفضاء الواقعي. بعد دقائق دخلنا إلى الفندق الذي يقيم فيه بورخيس. انتظِرْني في البهو خاطبَنِي كورتينس: «سَأرى أَيْن تقع غرفته».
من حين إلى آخر كان كَارلُوس يظهر ويختفي عبر أحد السلالم موجِّهاً إشارات تدل على أنَّه لم ينجح في العثور عليه. أنا كنت جالساً على أريكة تُطِلُّ عَلَى أحد الممرَّات. في مواجهتي، في نهاية الممرّ، كنت ألمح حائطاً أبيْض بَدَا لي أشبه بشاشة سينمائية. فجأة، ارتسمتْ أمام ناظريّ عَصا مصنوعةٌ من ظِلٍّ. كان تمدُّدها يزداد يتبعها وَجْه أسود برأس مرفوع. كَبُر حجم الظلّ، انزلق عبر الحائط واختفى. سبق لي أنْ شاهدتُ تلك الأماكن «الغامضة» في صور فوتوغرافية جانبية لا نهاية لها. ذلك كان ظِلَّ بورخيس، عَلَى الفَوْر تذَكَّرْتُ أبياته: «بِبُطء أتحركُ في ظلي». بإمكاني الجزم حينئذٍ أنّ أوَّل ما عرفتُ قبل أن أعرف بورخيس الذي مِنْ لحم وعظم هو ظلَّه. تلك كَانَتْ ملاحظةً لم تتوقَّف عن إثارة القشعريرة فيَّ، لأن الظِّلَّ موضوع مركزيٌّ في أعماله، وكذلك في حياته منذ أَنْ كُفَّ بَصَرُه.
في النهار الموالي أَقام أحد العُمداء حفلة كوكتيل في بيته على شرف بورخيس، دَعا إليها جمَاعة من المشاركين. بورخيس استقر في أريكته. بجانبه وُضِعَ كرسيٌّ لِيتناوب عَلَيْهِ مَنْ يهمُّهم التحدُّث مع الكاتب. لكن لا أحد تجرأ على الجلوس بجانبه. أَنَا كُنْتُ وَاقفاً على مَقْربة منه أعاني صراعاً داخلياً بيْنَ الرغبة في الحديث معه والرَّهْبة فوق الطبيعية التي وَلّدها فيَّ حضوره. قال لي رودريغيز مونيغال وقد أدرك، نصف مازح نصف جادّ، حالة ارتباكي:
«هَيَّا يا رجل، لا تَكُنْ جَباناً. خُذْ مكانك هناك، وإلَّا دفعتك دَفْعاً إليه».
كَانَ ذلك كافياً. إذ، من دون أن أعرف كيف، وجدتني جالساً بجانب لويس بورخيس. كان بورخيس يستند على عصا بين ركبتيه وينظر دائماً إلى أعلى بِعَيْنين ذَوَاتي لَوْنَ سماوي. عَلَى وجهه ارتسمت شبه ابتسامة مَانِحةً إيَّاهُ تعبيراً تَهَكُّميّاً. كان نحيفاً ورَبّما كان ذا قامة متوسِّطة ذات يوم، لكن السِّنّ المتقدّمة ضَأَّلتْ مِن حجمه. الشعر رَماديٌّ أملس، قليل، مَمْشوط جِهة الخَلف. كان يلبس بَدْلة رمادية بخطوط بيضاء دقيقة. القميص أبيض وربطة العنق زرقاء مزيّنة بمُعيّنات صغيرة.
في البداية لم أَجْرُؤ على التفوُّه بكلمة. كُلُّ العُمْيان يبعثون الرهبة لا سيِّما إذا كان ذلك الأعمى هو خورخي لويس بورخيس، لكنني كَتَمْتُ تَنَفُّسي وسَأَلته:
«السيِّد بورخيس، لماذا أَقْصيْتُم قَصيدة «ثرثرة» من الطبعة الثانية مِن ديوان «حماسة» الصادر في بوينس أيريس؟ رَاجَعت الطبعات السَّابقة فَلَمْ أَجِدْها؟».
سؤالي نَاجِم عن كوني كَتَبْتُ مقالاً احتلَّتْ فيه تلك القصيدة مكاناً مهماً. إقصاؤها إذن وَمِنْ لَدُن بُورْخيس نَفْسه بَدَا لي مُسْتنكراً. بنبرته المميّزة البطيئة أجابني بُورْخيس:
«حسناً، أقصيتها بالفعل، لأن القصائد الأخرى أَفْضلُ منها».
لكنه صَحَّح على الفور:
«عفواً.. أريد أن أقول... لأن تلك القصيدة أَسْوأ من الأخريات».
فَاجَأنِي تواضُعُه. ظننتُ دائماً أنَّ بورخيس شخص متعجرف لعَلَّ الثقة المطلقة حَدَّ الفظاظة التي كان يدافع بها عن آرائه اللاشعبية تماماً هي ما سبَّبَ عندي ذلك الانطباع؛ لكِنَّني أثناء «السامبوزيوم» اكتشفتُ أن بورخيس، مقارنةً بعمله الأدبي، كان على تواضع مؤثِّر. لقد اعتَبر أَنّ أخذَ النقاد لأدبه مأخذ الجدِّ غير مفهوم، وأنهم يضيعون وقتهم في تمحيص حتى أدق التفاصيل في نصوصه.
بعدئذ دار حديثنا عن قِصَّته الشهيرة «الأطلال الدائرية» بطل هذه الحكاية كان هدفه خلقَ كائن إنساني بوساطة المادّة اللامترابطة والباعثة على الدُّوار تلك التي تتكوَّن مِنْها الأحلام، لكنه في السطور الأخيرة يكتشف بمهانة ورُعب أنه بدوره عبارة عن حلم، تجلٍّ من ضِمْن تجليات أو صور، محض ظلّ. عند وُصولنا إلى هذا المستوى جرُؤتُ على تقديم تفسيري الموجز والشخصي للقصة.
فعلَّق بلباقة قائلاً: «تأويل مهم» لكن من دون أن يُظهر اقتناعاً كبيراً برأيي «أعتقد - قال - إن الأمر يتعلَّق أكثر مِن أيِّ شيء آخر بكون القصة هي استعارة للخلق الأدبي». ولم أتردَّد في التساؤل بلباقة وأدب: ألا يمكن أن تكون أيضاً استعارة «للمثالية الفلسفية؟».
«بلا شك، كل تاريخ ذلك الإنسان المصنوع مِنْ حُلم يتوافق مع المثالية»
تجرأت على الذهاب أبعد قليلاً.
«مع مثالية باركلي أو مثالية أفلاطون؟»
«مع مثالية باركلي - أجاب-. تتذكَّر حضْرتك أن الكينونة لدى باركلي تعني أن تُحِسَّ وأن تكون محسوساً وهو ما يعادل أن تحلم وأن تكون محلوماً، أليس كذلك؟»
ومن دون مناسبة سألني إن كنت أعرف قصيدتُه «أغنية البرنس».
«بالطبع!»، أجَبْتُه: «تعجبني كثيراً أغانيك هل تَعْلم أنَّهم لحنوها وفق قالب موسيقى شعبي؟» قال بورخيس مُلتفتاً نحوي.
وإزاء مفاجأة الحاضرين، وبصوت واهن غَنَّى المقطع الأوّل:
«أحَدُهمْ غَنَّى الأيامَ
أحدُهمْ بات عارفاً بالساعة.
أحدُهمْ مِمَّن ليس على عجلة ولا إبطاء».
كم أنا محظوظٌ فَكَّرت: «أنْ أسمع الغناء اللاموزون لاثْنين مِن كبار الأدب الأميركي اللاتيني. الآخر كان بَابْلُو نيرودا الذي استمتعت إليه قبل سنواتٍ عديدة يؤدي أغنيةً عن الحرب الأهلية الإسبانية».
ثمة حَادث صَغير كان من شأنه أن يُرْبك أيَّ شَخْصٍ آخر، إلَّا بورخيس. جَرَى الحادث أثناء إحدى الجلسات. جُورْجيت دُورْن مِنْ مكتبة الكونغرس بواشنطن استعدّتْ لتُقدِّم تسجيلاً أنجزه بورخيس قبل ثماني عشرة سنة لـ«أرشيف الكلمة».
«القصيدة الأولى التي ستَستَمعون إليها للسيد بورخيس في هذا الشريط». -قالت جورجيت- عنوانها: «التأسيس الميثولوجي لبوينس أيريس».
قَبْل أن تُشغِّل آلة التسجيل قاطعها بورخيس:
«لحظة من فضلك»، قال: القصيدة عنوانها: «القاعدة الأسطورية لبوينس أيريس» وليس: «التأسيس الميثولوجي».
اعتذرتْ جورجيت بفزع، ثم شَغَّلت الشريط. وحينئذٍ سُمع صوت بورخيس وهو يعلن:
«والآن سأقرأ قصيدة: «التأسيس الميثولوجي لبوينس أيريس».
خَيَّم وقتئذٍ صَمت مطبق ثم بعض السعلات العَصبيّة، لكن بورخيس ظَلّ كما هو هناك لا مبالياً كما لو لم يحدث شيء بينما في الصّالة كان صوته يتردّد مِن زمنٍ آخر.
خاتمة السمبوزيوم كانت قراءات شعرية شارك فيها أدباء أميركيون وأميركيون لاتينيون بإلقاء قصائدهم تكريماً لبورخيس. بسبب العدد الكبير للجمهور الذي ملأ جنبات الصّالة فإنّ الصفِّ الأول من المقاعد التي كان يشغل بورخيس أحدها كان موقعه تقريباً فوق الموقع الذي كان الشعراء المدعوون يتناوبون على إلقاء قصائدهم منه وقوفاً. لم يبق ما يكفي من فراغ لوضع طاولة.
الشاعر الأميركي روبرت ليما قَرَأ ترجمته الإنجليزية لقصيدتي «الليل المعتم للِعَيْن» التي تقارب موضوع العمى. بعده جاء دوري لقراءة الأصل الإسباني. بورخيس الذي حضر جميع الجلسات من دون أن يتخلف عن أيٍّ منها أنْصَت إلى القصيدة باهتمام كبير، وفي نفس لحظة انتهائي من القراءة وإزاء اندهاشي رأيته ينحني باتجاه جاره في الصفِّ قائلاً له بصوت البوين أيريسي المميّز:
«يا لها من قصيدة غريبة!»
وكما كتب بورخيس نفسه بمناسبة موضوع آخر: «هذه الكلمات ينبغي الإنصات إليها، وليس قراءتها».
إذا كان عليَّ أن أعيِّن قصيدة واحدة لي نشأت مباشرة مِن معايشتي لأعمال بورخيس فستكون هي «ساعة الرمل». نحن جميعاً نتذكر تِعْداده لأفضلياته: «تعجبني ساعات الرمل، الخرائط، طوبوغرافيا القرن XVIII، الاشتقاقات. مذاق القهوة وَنَثْر ستيفنسون». وَلَعل واحداً مِن أعماله الأكثر تمثيلية ودلالة عنوانه «ساعة الرمل». «طقس تَصفية الرمل» يقول بورخيس «طقس لا نهائي. وَمَع الرمل تمضي مِنّا الحياة». مدفوعاً بلسانه حاولت أنا أيضاً كتابة نصٍّ -عبارة عن سونيتة - عن هذا الموضوع ـ لكنني تبنَّيت منظوراً مختلفاً، مغذَّى بانشغالاتي الأدبية الخاصة. بدلاً من أن أُمحور قصيدتي حول الساعة، وهو ما فعله بورخيس على أفضل وجه، راهنْتُ أنا على بناء قصيدتي كما لو كانت السونيتةُ نفسها ساعةً رملية؛ آلةً يُشغِّلها القارئ عندما يشرع في القراءة وحياته تنتهي مع سقوط الكلمة الأخيرة التي هي أيضاً ذرة الرمل الأخيرة:
ساعة الرمل
هذه السطور التي تقرأها الآن
بالذات هي أعمدة رمل عمودية
معها تمضي منساباً صوب الهاوية
تمضي متقطِّرا إلى عمق البلّور
لَكَمْ تنزلق بين الأبيات
انظر كَمْ انحدرتَ إلى الأسفل
واطئاً الريح من درجة إلى درجة:
فارغةٌ هي الكأس الأخرى الآن.
لقد نَفِدَ رَملك: لا تأخير البتة
وَدِّع الحياة أيّها القارئ: حانتْ ساعتك.
يوم 14 يونيو 1986 سمعتُ، أثناء زيارة عابرة لي إلى التشيلي، نبأ وفاة بورخيس عبر المذياع. أنْ تتحقَّق رغبته بالضبط في يوم محدد هو 14 بدا لي من قبيل المصادفة اللَّاتُصدق. حتى وإن كان بورخيس لم يأخذ أبداً مأخذ الجدِّ رمزيةَ الأرقام التي حاول النقاد تطبيقها على بعض نصوصه، فإنني لم أستطع التخلص من ذلك فاستحضرتُ قصته: «منزل أستريون». إذ لمّا أوضح الميناتور أنَّ أبواب المتاهة هي أبواب لا نهائية، وضع بورخيس مَلْحوظة ًجنب الصفحة كتب فيها:
«الأصل يقول أربعة عشر. لكن تبقى ثمة دوافع إضافية للاعتقاد أن ذلك التعيين العددي بلسان أستريون يساوي اللانهائي».
فكرت حينئذٍ أن الرقم أربعة عشر الذي يحدّد تاريخ وفاة بورخيس أصبح منذ ذلك اليوم يساوي اللانهائي بالنسبة إليه.
لقد اعترف بورخيس أنَّ «الظل الأخير» الذي يعني الموت لا يسبِّب له أيَّ خوف. إذا كنتُ -يقول- لم يُتَحْ لي الوجود في الألفيات السابقة لولادتي، فلماذا ينبغي عليّ أن أُوجد في الألفيات اللاحقة بعد موتي. تذكّرتُ أبياته القائلة:
«أحيا وسط أشكال مضيئة وغامضة لمَّا تَصِرْ ظلمةً بَعْدُ». تلك الأشكال صارتْ الآن ظلمة بالفعل لقد حَانَت اللحظة التي لم يعد العالم فيها محض ظلٍّ بالنسبة إلى بورخيس وإنما بورخيس نفسُه صَار محض ظلٍّ بالنسبة إلى العالم.


أوسكار هان
أوسكار هان شاعر وكاتب وناقد تشيلي (إيكيكي - الشيلي 1938) عمل في التدريس لمدة قصيرة. اعتقل في «أريكا» إثر الانقلاب العسكري الدموي ضد الرئيس سلفادور أليندي. عاش متخفياً في وطنه لبضعة شهور إلى أن تمكّن من مغادرة البلاد إلى الولايات المتحدة الأميركية التي أكمل فيها دراسته العليا بالحصول على الدكتوراه في الآداب. عمل في مجال التدريس الجامعي في جامعة «لُوَا»، حيث درّس الأدب الإسباني والأميركي اللاتيني وفي عام 2008 عاد إلى وطنه التشيلي، حيث مازال يقيم ويواصل نشاطه الإبداعي والصحفي والنقدي.
من أبرز أعماله الشعرية:»ماء نهائي 1967، مرض الحب 1981، وردة العشاق 1984، العزلة العليا 2012. حاصل على عدة جوائز أدبية ويعتبر من أبرز الأصوات الشعرية في أميركا اللاتينية والشعر المكتوب بالإسبانية بصفة عامة. من كتابه: «أعمال مختارة» الصادر عام 2003 اخترتُ للقراء هذا النص الممتع الهام.
ببطء يتحرك في ظله
كنت جالساً على أريكة تُطِلُّ عَلَى أحد الممرَّات. في مواجهتي، في نهاية الممرّ، كنت ألمح حائطاً أبيْض بَدَا لي أشبه بشاشة سينمائية. فجأة، ارتسمتْ أمامي ناظريّ عَصا مصنوعةٌ من ظِلٍّ. كان تمدُّدها يزداد يتبعها وَجْه أسود برأس مرفوع. كَبُر حجم الظلّ، انزلق عبر الحائط واختفى. سبق لي أنْ شاهدتُ تلك الأماكن «الغامضة» في صور فوتوغرافية جانبية لا نهاية لها. ذلك كان ظِلَّ بورخيس، عَلَى الفَوْر تذَكَّرْتُ أبياته: «بِبُطء أتحركُ في ظلي». بإمكاني الجزم حينئذٍ أنّ أوَّل ما عرفتُ قبل أن أعرف بورخيس الذي مِنْ لحم وعظم هو ظلَّه. تلك كَانَتْ ملاحظةً لم تتوقَّف عن إثارة القشعريرة فيَّ، لأن الظِّلَّ موضوع مركزيٌّ في أعماله وكذلك في حياته منذ أَنْ كُفَّ بَصَرُه.
القصيدة الأسوأ
في البداية لم أَجْرُؤ على التفوُّه بكلمة. كُلُّ العُمْيان يبعثون الرهبة لا سيِّما إذا كان ذلك الأعمى هو خورخي لويس بورخيس، لكنني كَتَمْتُ تَنَفُّسي وسَأَلته:
«السيِّد بورخيس، لماذا أَقْصيْتُم قَصيدة (ثرثرة) من الطبعة الثانية مِن ديوان (حماسة) الصادر في بوينس أيريس؟ رَاجَعت الطبعات السَّابقة فَلَمْ أَجِدْها؟».
سؤالي نَاجِم عن كوني كَتَبْتُ مقالاً احتلَّتْ فيه تلك القصيدة مكاناً مهماً. إقصاؤها إذن وَمِنْ لَدُن بُورْخيس نَفْسه بَدَا لي مُسْتنكراً. بنبرته المميّزة البطيئة أجابني بُورْخيس:
«حسناً، أقصيتها بالفعل؛ لأن القصائد الأخرى أَفْضلُ منها».
لكنه صَحَّح على الفور:
«عفواً.. أريد أن أقول... لأن تلك القصيدة أَسْوأ من الأخريات».
رمزيةَ الأرقام
يوم 14 يونيو 1986 سمعتُ، أثناء زيارة عابرة لي إلى التشيلي، نبأ وفاة بورخيس عبر المذياع. أنْ تتحقَّق رغبته بالضبط في يوم محدد هو 14 بدا لي من قبيل المصادفة اللَّا تُصدق. حتى وإن كان بورخيس لم يأخذ أبداً مأخذ الجدِّ رمزيةَ الأرقام التي حاول النقاد تطبيقها على بعض نصوصه، فإنني لم أستطع التخلص من ذلك فاستحضرتُ قصته: «منزل أستريون». إذ لمّا أوضح الميناتور أنَّ أبواب المتاهة هي أبواب لانهائية، وضع بورخيس مَلْحوظةً جنب الصفحة كتب فيها: «الأصل يقول أربعة عشر. لكن تبقى ثمة دوافع إضافية للاعتقاد أن ذلك التعيين العددي بلسان أستريون يساوي اللانهائي».
تناسخ أكلة اللحوم
قصيدة «تناسخ أكلة اللحوم» هي قصيدة أليغورية (رمزية) هي إنذار بخطر اندلاع حرب عالمية ثالثة، تنسج مشهداً كابوسياً يتبارى أَكَلَة لحوم فيه باللعب بِنَرْد من نار. والخاسرون يتحوَّلون إلى حيوانات تُساق إلى المذابح حيث يُذْبحون من لدن أكلة لحوم آخرين. وهؤلاء يتجسدون أيضاً بعد موتهم بهيئة حيوانات يجري قتلُها بيدِ أبناء جنسها، وهكذا إلى ما لانهاية.
SHARE

Author: verified_user

1 facebook: