الجمعة، 15 يونيو 2018

برنارد لويس... عن الديمقراطية والجنس والثورات والسؤال الذي يحيّره

SHARE
فواز طرابلسي

بمناسبة وفاة المستشرق برنارد لويس، أعيد نشر هذا المقال المكتوب في العام ٢٠١١ (جريدة السفير، في ١٦ آذار/مارس) وفيه عرض نقدي لعدد من أفكاره وتذكير بمدى نفوذ بعضها حتى لدى الذين قد لا يشاركونه الرأي (حور العين، الدولة الواحدة، الخ.) تتعلق الملاحظات بشغل المستشرق لويس بعدما حمل خريطة تقسيم الشرق الاوسط على أساس اثني وديني وطائفي وحطّ الرحال في الولايات المتحدة. وهي لا تتنافى مع الفائدة من قراءة نقدية لكتاباته السابقة من مثل العرب في التاريخ، ودور عرب في تجارة الرقيق، وتواريخه العثمانية بما فيها شغله على نظرة العثمانيين الى أوروبا، وغيرها.

«يقول المثل: خذوا أسرارهم من صغارهم.
اما برنارد لويس فينطبق عليه العكس: خذوا اسرارهم من كبارهم.
يتقدم المستشرق الانكلو-الاميركي حثيثا في التسعينات من عمره. والمؤرخ المختص بالتاريخ العثماني، لمن لا يعرفه، أمضى النصف الثاني من حياته استاذا جامعيا في الولايات المتحدة قبل ان يسطع نجمه في السياسة الاميركية بما هو كبير الليكوديين والاب الروحي للمحافظين الجدد واول الداعين لغزو العراق بعيد هجمات ١١ ايلول ٢٠٠١ والمستشار الابرز لبوش الاب والابن في امور الشرق الاوسط. 
ولويس، صاحب السؤال الشهير عن العرب والمسلمين: «لماذا يكرهوننا؟» والجواب الاشهر: «لأنهم تخلفوا وتقدمنا»، هو اول من نَحَتَ مفهوم «صراع الحضارات»، تعريفا ثقافيا-حضاريا لهوية الشعوب وتخصيصاً لتمايز الغرب وتفوقه، قبل ان يتناول صموئيل هنتينغتون المفهوم ويحوله الى نظرية في العلاقات الدولية. 
وكان لويس من بين الشخصيات الاميركية التي ارسلت الى ليبيا لامتحان العقيد القذافي بعد اعلان توبته الى السيد الامبراطوري الاميركي، ورفع تقريره الى ديك تشيني. على ان نجومية لويس حولته في الآونة الاخيرة الى عراف يقدّم لجمهور نهم للاثارة «وجبات سريعة» من التخريفات العنصرية والشعوذات الدينية. ففي عام ٢٠٠٦ مثلا تنبأ بأن احمدي نجاد، الذي عيّن يوم ٢٢ آب موعدا للتفاوض حول المشروع النووي الايراني، انما اختار ذلك التاريخ - الذي يصادف ليلة القدر خلال شهر رمضان - من اجل إطلاق تفجير نووي يشكل «نهاية الزمان» ويعلن عودة المهدي المنتظر! 
على ان العنصرية والشعوذة عند لويس تتلاقيان على محضه وقاحة وصراحة في التعبير لا تزال تفيد في تذكّر مبتكرات العهد الاستشراقي العتيق والتعرّف على عناصر صنع القرار في واشنطن تجاه الاحداث الجارية في المنطقة. 
يعترف لويس - في مقابلة اخيرة في «جيروزالم بوست» (٢٥ شباط الماضي) بأن الانتفاضات العربية تعبير عن الغضب ضد الظلم. ولكنه يعزو انطلاقها الى عاملين اضافيين. الاول هو نمو الوعي الناجم عن انتشار وسائل الاعلام والاتصال الحديثة التي بينت للعرب الفارق بين اوضاعهم واوضاع سائر العالم. اما العامل الثاني فهو «الكبت الجنسي». يستحق المقطع ان يقرأ كاملا: «يجب التذكير بأن الجنس العابر على الطريقة الغربية لا وجود له في العالم العربي. إذا اراد شاب الجنس لن يجد من امكانية امامه غير الزواج او المبغى. لديكم اعداد كبيرة من الشبّان قد شبّوا في عوز، لا يملكون من المال للدفع في المبغى او لمهر العروس، وهم يعانون شبقا جنسيا مهووسا. ينتج عن ذلك الانتحاري الذي يفجّر نفسه وقد أغوته عذارى الجنة وهن الوحيدات اللواتي في متناول اليد. او لا يبقى لديه غير الكبت الجنسي، فيأتي الانفجار...» 
قد يستغرب البعض في تشكيك لويس في رغبة الجماهير العربية في الديمقراطية. والحجة انها جزء من الخصوصية الغربية وغريبة عن تاريخهم والتراث. ثم انهم على كل حال «ليسوا جاهزين لانتخابات حرة ونزيهة». على اعتبار ان الانتخابات، إذا كانت حرة ونزيهة، فسوف «تأتي بالكوارث» مثلما حصل في فلسطين على حد قوله. اما في مصر فإن الاسلاميين سوف يكسبونها لأنهم يستخدمون لغة مألوفة لدى الناس، فيما الديمقراطية لا وجود لها في اللغة العربية (وهل هي موجودة في العبرية مثلا؟) ما يوجب على دعاتها الترجمة عن اللغات الغربية. 
وهكذا فالسيد لويس، الذي يتلاقى ورأي الرئيس بشار الاسد بأن الشعب ليس جاهزا بعد للديمقراطية، يوافق الحركات الاسلامية في الدعوة الى اعتماد «الشورى». و«الشورى» في عرفه هي مشاورة الحاكم - دون تحديد كيف يصل الى الحكم- لقوى ليست ديمقراطية وانما تستمد سلطتها من الجماعة التي تمثل. والنموذج في ذلك العراق، اي نظام المحاصصة الطائفية الاثنية فيه! 
قلنا خذوا اسرارهم من كبارهم. ها هو شيخ الاستشراقيين الغربيين يتوسع في المنظور الرئيسي للسياسة الاميركية الى الصراع العربي-الاسرائيلي: البحث للعرب عن اعداء بدائل لاسرائيل. ومثاله: عقد السادات الصلح مع اسرائيل عندما اكتشف ان خطر اسرائيل أرحم من خطر الاتحاد السوفياتي. ومثال آخر: خلال عدوان تموز ٢٠٠٦ على لبنان، كانت الحكومات العربية تصفق للجيش الاسرائيلي خفية، متمنية ان يحسم الامر، وقد خاب املها كثيرا لما فشلت اسرائيل في الحسم. لويس قال ووثائق ويكيليكس تصادق على قوله. اما إن سألتَ «وماذا عن العداء للامبريالية الاميركية؟» يأتيك جواب من اعماق التاريخ وغياهب الدجل: الحديث عن امبريالية اميركية مجرد هراء. والدليل انه عندما دخل الرومان بريطانيا منذ الفي سنة، او عندما ذهب البريطانيون الى الهند لثلاثمائة سنة خلت، لم تكن استراتيجية المغادرة هي الاولوية في اذهانهم! 
العدو الرئيسي والخطر الاكبر الآن هو الثورة الايرانية. جوابا على سؤال عما يقترحه لويس على اسرائيل، يدعوها الى ان تبادر لانتزاع امرين: النظر العربي اليها بما هي سدّ ضد الخطر الايراني. والنظر العربي اليها بما هي نموذج للحكم الديمقراطي. هذا بالرغم من ان الديمقراطية ليست من تقاليد العرب والمسلمين ولا من تاريخهم والتراث ومع ان الشعب العربي ليس جاهزا بعد لها!
على ماذا يحصل «العربي» في المقابل؟ على لا شيء. وإذا كنتم تفكرون في فلسطين، اعلموا ان برنارد لويس من دعاة الدولة الواحدة. ولسان حاله: خير للفلسطينيين العيش بما هم مواطنون من الدرجة الثانية في دولة يهودية من العيش في دولة عربية. 
هذا الحديث أشبه بالوصية السياسية لبرنارد لويس. في الحديث الاذاعي ذاته الذي اثار فيه سؤاله الشهير عن سبب كره العرب للغرب، استطرد قائلا ان كره العرب امر طبيعي «لأنه لا يمكنك ان تكون ثريا وقويا وناجحا وتكون محبوبا خصوصا ممن ليسوا اغنياء ولا اقوياء ولا ناجحين... السؤال الذي يجب ان نطرحه على أنفسنا هو: لماذا لا يهابوننا ولا يحترموننا؟»
انني اقرأ هذا السؤال على وجهين. الاول، أنه أرقى درجات المديح تأتي من عدو! رغم الهزائم، لم نهابهم ولم نحترمهم. واقرأه على وجه آخر: لأنه السؤال ذاته الذي يقضّ مضاجع كل حاكم عربي في زمن النيران هذا: لماذا رغم مالي وقوتي ونجاحي في حكمهم وقهرهم لا يهابونني ولا يحترمونني؟
شكرا للشباب العربي الثائر الذي يعلّمنا يوميا ان لا نهاب الطغيان وان لا نحترم الا ارادة الشعب.»
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: