كـيف خـلـق ماركـيز عـالمـا في جـملـة؟

2:53:00 م

ماري موريس –
ترجمة أحمد شافعي –

حينما قرأت (مائة عام من العزلة) للمرة الأولى، كان ذلك في عام 1974، وكنت قد اتخذت للتو قرارا بترك كلية الدراسات العليا والسعي إلى أن أصبح كاتبة، فتحت الكتاب ذات يوم رمادي، وأنا مستلقية في سرير بشقتي الضيقة، تلك لحظة لم يكن فيها أحد في حياتي، كنت وحيدة تماما. وقد تكون الحياة في نيويورك وحيدة إلى ذلك الحد. لم أكن أعرف كيف ستكون خطوتي التالية. لم أكن أعرف ما الذي سوف أفعله.

كنت قبل ذلك أحاول الحصول على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن بجامعة كولمبيا، ولكن قلبي لم يكن مخلصا في ذلك. ولا بد أن ذلك كان واضحا. فقبل سنتين حينما ذهبت إلى أستاذي ميشيل ريفاتير ـ أستاذ الأدب الفرنسي الشهير الذي كان يدرِّس لي ـ طالبة منه توصية للحصول على منحة كنت أسعى إليها، فاجأني بأن قال لي أغلقي الباب. في أول الأمر لم أكن أعرف فيم ينبغي أن أفكر.
سألني (ماذا تفعلين بجانب دراستك العليا؟ هل أنت كاتبة؟)
الحقيقة أنني كنت أكتب في ذلك الوقت. وطول الوقت، وفي السر. قال: إنه خمَّن ذلك، من أبحاثي وإجاباتي في الامتحانات. الأمر المدهش أنه شجعني تماما. كان يعاملني تقريبا معاملة شخص تحت الوصاية، شخص في البدايات، ولكن ذلك ما كان، شجعني تقريبا على المضي في طريق مختلف تماما. وكان ذلك الطريق في نهاية المطاف هو الذي اخترته.
في ذلك الوقت كنت أقيم في سكن ظريف يدعى (البيت الدولي للممشى النهري) وكان يقيم فيه طلبة من جميع أنحاء العالم. كان رائعا من أوجه كثيرة، لكنه كان في الوقت نفسه فوضويا أيضا. فقد كانت تعيش في الغرفة المقابلة لي امرأة لا تكف عن تشغيل موسيقى شديدة الصخب، ومثيرة للضيق، فكانت تشتتني تشتيتا رهيبا حينما أحاول العمل. وحدث مرة أن طرقت بابها طالبة تخفيض الصوت فما كان منها إلا أن صرخت في وجهي في اهتياج. وفي النهاية كان عليّ أن أنتقل إلى غرفة أخرى في جزء أهدأ من المبنى. وتصورت أن تلك نهاية المطاف.
في ذلك الوقت تقريبا، سألتني صديقة كانت شاعرة باكستانية تدعى شوجا إن كنت أريد أن ألقي قصائدي ضمن قراءة يرتبها. ولم أكن عرضت كتابتي على أي أحد حتى ذلك الوقت. أقصد أنه كانت لديّ أدراج مليئة بالقصص والقصائد لكنني لم أفكر قط في أنني قد أكون بالفعل كاتبة. كان زمنا مختلفا للنساء. فكنت أفكر أنني في أفضل الحالات إذا حصلت على درجة الدكتوراه، فقد يكون بوسعي أن أدرِّس لبعض الوقت بضعة مساقات بينما أربي طفلين. ولم يخطر لي قط أنني قد أقفز القفزة اللازمة لأكون كاتبة حقا، بكل ما كان يعنيه ذلك.
لكنني وافقت بالطبع. ولما تقدمت للقراءة في تلك الليلة، كانت جالسة أمامي في الصف الأول، عدوتي، المرأة التي صرخت في وجهي حينما طلبت منها تخفيض صوت موسيقاها. خطر لي أن بوسعي أن أقرأ هذه القصائد أمام أي شخص، لكنني لا أحتمل أن أقرأها في مواجهتها هي. وبطريقة أو بأخرى، وبرغم فزعي التام، قرأت. والمدهش أنها بعد ذلك جاءت إلي وقالت (لو كنت أعرف أنك تكتبين هذه القصائد، لكنت خفضت صوت الموسيقى).
قالت لي إن عليَّ أن أبدأ في إرسال قصائدي إلى العالم، وإنني ينبغي أن أقدمها لمجلات أدبية. وتلك كانت البداية لي. بعثت بضع قصائد إلى مجلة (ذي كولمبيا رفيو)، ونشروها. وفي ظل تلك التجربة، لم يعد بوسعي أن أتظاهر بالعكس: ذلك ما أردت أن أفعله. بعد سنتين في كلية الدراسات العليا وبينما كنت أستمع إلى الناس وهم يتكلمون عن أشياء من قبيل النظائر الأدبية – التي لا أعرف ما معناها إلى الآن – قررت أن الدراسة ليست مناسبة لي. لم أكن أعرف ما المناسب لي، ولكنني كنت أعرف أنه ليس الدراسات العليا. لعلكم تعرفون النكتة التي تقول إن الطيور ليست بحاجة إلى علماء الطيور؟ لقد كنت لفترة طويلة أتظاهر أنني من علماء الطيور بينما الحقيقة أنني من جملة الطيور.
هكذا تركت الكلية. ولم تكن لديّ خطة. تركت السكن الجامعي وانتقلت إلى شقة صغيرة من غرفة واحدة. كنت أعمل في وظيفة مساعد مدرس، وبدأت الكتابة. لم يفهم والداي ما الذي كنت أفعله، أو السبب الذي يمنعني من النجاح في نيويورك مثلما كنت ناجحة في شيكاغو. لم يبد أن شيئا يسير على النحو الصحيح. حتى قطتي كانت تتجاهلني. وكنت قد عثرت على قطة في الشارع فتبنيتها، وتبيّن أنها من أخبث القطط. فذات ليلة هربت القطة إلى السطح وكان على فرقة إنقاذ الحيوانات أن تأتي لإنقاذها. وبعدما أتى بها الضابط قدَّم لي (كتاب أدعية) ظنا منه أنني (بحاجة إليه). مؤكدًا أنه لم يكن وقتا جيدا في حياتي.
لكن حدث في يوم من الأيام ـ ولا أتذكر السبب ـ أن بدأت قراءة (مائة عام من العزلة). كانت نسخة من الترجمة الإنجليزية الأولى، في غلاف جميل مقوّى. كانت تمطر، في نهار رمادي تماما، وأنا مستلقية بالكتاب في سريري. وفيما بدأت أقرأ، بدا وكأنني أرى اللون من جديد. تبدّد الرمادي. وحتى في هذا اليوم، بينما كنت أنظر إلى الكلمات الأولى مرة أخرى، شعرت بذلك الإحساس بالعمق واللون والثراء والخصوبة: شعرت بإحساس الحياة.
بدأت بتلك الجملة الأولى الفاتنة:
(بعد سنين كثيرة، فيما كان يواجه فصيلة الإعدام، كان على العقيد أورليانو بوينديا أن يتذكر عصر ذلك اليوم البعيد الذي اصطحبه فيه أبوه لاكتشاف الثلج).
كان عليّ أن أتوقف وأقرأ الجملة الأولى مرارا وتكرارا. لم أكن قرأت من قبل جملة كتلك، جملة بدا أنها تحتوي عالما بأكمله. كنت محبة للسفر وأدب الرحلات ولتلك اللحظة التي يطبع فيها الخاتم في جواز السفر. حينما قرأت الجملة الأولى من هذه الرواية، شعرت وكأن خاتما طبع للتو في جواز سفري. كنت قد خطوت إلى عالم مختلف تماما، عالم يتجاوز كل ما كنت رأيت أو تخيلت أو علمت أنه قد يكون ممكنا.
كيف يحقق ماركيز سحر هذه الجملة الافتتاحية؟ أولا، هناك حقيقة أن الشخصية تواجه فصيلة الإعدام، فثمة بالتالي ذلك التهديد بالموت الوشيك منذ اللحظة الأولى. ينتابك هذا الإحساس الفوري بعالم سياسي خطر، عالم مليء بالخطر. ومع ذلك يتجاور مع العتمة إحساس بالدهشة، بفضل تفصيلة تجعل الأمر كله فاتنا وخارجا عن المألوف: ذكرى رحلة في الطفولة ، ذكري يوم مر في (اكتشاف الثلج). كلنا نعلم ماذا يكون الثلج، هو مألوف لنا جميعا. لذلك تترك الجملة في نفسك هذا السؤال: في أي أرض يبدو الثلج أشبه بعنصر سحري ذي قوة توشك أن تكون ما وراء طبيعية؟ طبعا في كثير من أرجاء أمريكا اللاتينية في ذلك الوقت، كان الثلج شيئا نادرا، ولعله غرائبي. ولعل في هذا تذكرة بما قاله ماركيز دائما من أنه لم يكتب واقعية (سحرية) وإصراره على أن كل ما كان يكتبه إنما هي أشياء مرّ بها بطريقة أو بأخرى. في تلك التفصيلة البسيطة ترون مزيج العادي والاستثنائي شديد الارتباط بهذا الكاتب.

ثم تأتي الحقيقة المدهشة، في هذه اللحظة الصعبة من حياته، إذ يتذكر ذلك الشخص الناضج كيف كان إحساسه وهو مع أبيه، وكيف أن عصر ذلك اليوم البعيد قد غيّر مجرى حياته. بدا بديعا لي إحساسُ ماركيز بأن الماضي يبقى حميميا ومتاحا لنا، مجاوزا حدود الحاضر. حياتي أيضا كانت ممتلئة بالذكرى في ذلك الوقت. كنت بعيدة عن البيت، وأفكر في ذكريات عن أسرتي، وعن الأشياء التي سبق أن قمت بها مع أبويّ حينما كنت صغيرة، كما حدث وأنا طفلة صغيرة للغاية حينما لفني أبي في بطانية ووضعني في السيارة، ومضى بي إلى حقل مزارع فأجلسني على مقدمة السيارة ومضينا نشاهد الغروب الناري البديع. منحتني هذه الافتتاحية بطريقة ما تصريحا بالحفر في ذكرياتي، في تلك اللحظات المشرقة من طفولتي. رأيت في مائة عام من العزلة وشخصياتها الممتدة على مدار الأجيال، كيف يمكنني أخيرا أن أحاول معانقة التاريخ الشخصي الذي كنت أعرفه بينما أشتبك مع رؤية أوسع امتدادا.

لا بد أن يكون هذا هو أول كتاب قرأته فكان محتويا على خريطة نسب في بدايته. أتذكر دهشتي حينما أدركت أن بوسع المرء أن يحوي في كتاب واحد أجيالا عديدة وسنوات من التناسل والتعاقب. كان ماركيز هو الذي منحني التفويض بتجريب ذلك، في روايات سأجرب يدي فيها بعد ذلك بكثير. حينما بدأت كتابة "بوابة القمر"، شعرت بالروع من تحدي الكتابة عن أشخاص عاشوا قبل خمسمائة سنة، أشخاص عاشوا في فترة محاكم التفتيش. ذكرتني مائة عام من العزلة بأنني قادرة على كتابة تلك القصة، وأنها لا تستوجب أكثر من تصور الشخصيات في كفاحها وخيبتها وإحساسها. وفي رأيي أن من طرق القبض على الإنسانية طريق يتمثل في النظر إلى لحظات كالتي تستهل ذلك الكتاب، اللحظات الأصيلة التي تعاود الشخصية الرجوع إليها مرارا وتكرارا على مدار حياتها.
حينما بلغ أبي الثمانين، اتصلت لأتمنى له عيد ميلاد سعيدا، ففوجئت به ينخرط في البكاء. حكى لي أنه رأى في الليلة السابقة حلما عن شيء حدث له وهو في الرابعة من عمره، شيء لم يكن يتذكره إلى أن حلم به في الليلة السابقة. أذهله أن يقدر على استخراج الذكرى الضائعة منذ أمد بعيد، ويفعل ذلك على أتم أشكال الكمال. قال إن (حياتي كلها تعيش بداخلي). وقراءتي مفتتح مائة عام من العزلة تذكرني بأنني يجب أن أومن بهذا الشعور، أومن بأن الحياة كلها باقية بداخل المرء لا تغادره، منتظرة أن يجد سبيلا إلى الارتباط بها.

يبقى عصر ذلك اليوم البعيد الذي اكتشفت فيه تلك الجملة – مثلما تذكر الكولونيل أورليانو بوينديا اكتشافه للثلج – إحدى هذه اللحظات في نفسي، اللحظة التي تعاودك وأنت في مواجهة فصيلة الإعدام. شعرت كما لو أنني في مواجهة فصيلة إعدام ما في ذلك الوقت وإن لم يكن الخطر يتعلق بالحياة الأدبية أو الموت، وحتى لو أن بعض مشكلاتي كان من صنعي أنا. ولكنه أصبح بالنسبة لي أشبه بالمذهب المتكرر، اللحظة التي استلقيت فيها في السرير وحيدة ذات نهار رمادي قبل سنين بعيدة، غير عارفة شيئا عن الطريق الذي سوف أسلكه في حياتي. أرجع إلى اللحظة التي فتحت فيها كتابا فانتقلت من حيث كنت، إلى عالم مليء بإمكانيات جديدة انفتح أمامي، حيا، مشرقا، كامل الألوان.

* ماري موريس روائية أميركية صدرت لها سبع روايات منها "قصر الجاز"

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا