الخميس، 31 مايو 2018

محمد الحارثي، العصي على الترحيل من القلب إلى الذاكرة

SHARE


محمد العباس*

ذات (جنادرية) صادفت محمد الحارثي الذي كنت قد التقيته من قبل في نصوصه (أبعد من زنجبار). وبإيقاع الأرواح المتآلفة تعارفنا. تحدثنا بشراهة، لكأننا نحرق الزمن لنلتقي على حافة آدميتنا. سألني بحُبٍّ وأسى عن مثقفين من السعودية انقطعت أخبارهم عنه، وكان قد نادمهم لفترة من حياتهم. خمسة أيام قضيناها في الفندق نتجادل حول الإنسان والشعر والفن، أحيانًا بمفردنا وأحيانًا ينضم إلينا محمد المحروقي وآخرون، حيث كان الحوار بالنسبة لنا (لعبة لا تُمل). لم نخرج من الفندق أبدًا لأسباب تتعلق ببلادة تنظيم المناسبة ولكثافة الغبار الذي احتل الرياض لأيام. الأمر الذي جعله يشعر بالضيق ويعبر عن نزقه المكبوت بعبارات ساخطة ونوبات من التدخين. لأنه العاشق للترحال، المحمول على (عين وجناح) الذي لا يحتمل الركون. إلى أن غادر إلى عُمان ومن هناك أرسل لي رسالة هاتفية (أخيرًا صرت خارج معتقل الماريوت).

وذات مناسبة ثقافية في عُمان هاتفني بشوق وطلب مني أن أمدّد إقامتي ليريني عُمان الأرض والإنسان ففعلت بكل المحبة التي أكنها له. أخذني بسيارته الصغيرة من (مسقط) باتجاه مسقط رأسه (المُضيرب) ومهد طفولته في (المنترب). لا أدري كيف اهتدى لبئره الأولى، حيث كان يومها يعاني من غبش في الرؤية بسبب إصابة في عينه. ربما كانت بصيرته لا بصره هو الذي مكنّه من السير كل تلك المسافة من دون ارتباك. المهم أنه طوال الرحلة كان يشير إلى معالم المكان ويستنطقه جغرافيًا وتاريخيًا وثقافيًا وسياسيًا وكأنه يقول أنا أباهي بهذه الأرض، وأنا أشبهها لأني مقدود منها. وكلما مررنا بأرض قال: هذه بلدة سيف الرحبي، وهنا وُلد زاهر الغافري. وهكذا بسط لي أطلس شعراء قصيدة النثر في عُمان فيما كنا نطوي الطريق ونحمل بعضنا بالذكريات والحوارات.

في واحة نهار، أخذني إلى بناء فاتن قيد الإنشاء يُفترض أن يكون مسكنه المستقبلي. وكان قد صمّمه بنفسه وسط فضاء فسيح. حمل بيده بلاطة أقرب ما تكون بلوحة فنية عتيقة، وطلب مني أن أقترح مكانًا لها على جدارٍ عارٍ. قال: جلبتها من أسبانيا إلى جانب بلاطات أخرى انتقيتها خلال تجوالي في مدن العالم لأزين بها بيتي. كنت متأكدًا أنه لن يكمل مسكنه الذي يُفترض أن يستريح فيه. فهو كائن ترحالي، فوضوي، معاند للاستقرار والانتظام الرتيب للحياة. تأكد لي هاجسي عندما أدخلني إلى غرفة شبه مهجورة كانت هي الورشة التي كتب فيها مجلده الضخم (الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني). حيث الأوراق المبعثرة في كل أرجاء الغرفة، والمُضطجع البالي الملقى على سجادة متآكلة، وغلاية الماء الصدئة. وكان يومها قد فرغ لتوه من تحقيق ودراسة تلك الآثار الضاربة في القدم. حيث أوحت الغرفة بمعركة فكرية شعورية استمرت لثلاث سنوات، كما أخبرني.

خرجنا من الغرفة لكأننا نخرج من تاريخ ساكن إلى حياة متحركة. لاحظ اندهاشتي فاستأنف الإجابة على أسئلتي قبل أن أنطقها: أعرف أنك تتساءل عن سر اهتمامي بشاعر تقليدي قديم وأنا المسكون بالحداثة الشعرية. ربما لا تعرف ما الذي يعنيه لنا البهلاني. قاطعته لأستكمل فكرته وأعيد تفصيلها على مقاسه وذاتيته. قلت له: إن الشاعر لا يكون شاعرًا حتى يتعرف على سابع جد له، كما يقول الشاعر صلاح عبدالصبور. وأفترض أن البهلاني بالنسبة لك هو بمثابة الأب الروحي. وأحس أن جهدك تكثيف وتأصيل على درجة من الوعي لعُمانيتك. وأعتقد أنه يشكل لك كما للعمانيين المزاج الديني المفكرن والمشعرن. ليستلم بعدها دفة الحديث ويتكلم عنه بحُب ووعي وكأنه ما زال مأسورًا لسحرانية خطابه الشعري. وهكذا صار يعدد مآثر البهلاني حتى شعرت بأنه أُصيب بدوخة الصوفي.

الذكريات هي عضلات محمد العاطفية التي تحرك فيه الرغبة بالحياة، ولذلك كان يُكثر من استدعاء أصدقائه والأماكن التي استوطنت روحه. حدثني عن طابور طويل من الذين تقاسم معهم البهجات وعن الذين غادرهم أو غادروه بأسى الفاقد للصُحبة. هكذا بدا لي شفافًا كمرآة بلا قاع، محتشدًا في داخله بالناس والأحداث والأوجاع والمواقف والخيبات والانتصارات والآمال المعلقة في فضاء الوقت. كان فنانًا بالفعل في تخليق الذكريات التي لا يطمسها الزمن. وبروحه التواقة إلى الانفلات مما سمّاه موبقات المدن اقترح أن ننطلق إلى مخيم شقيقه عبدالله في رمال وهيبة. وبالفعل انضم إلينا إبراهيم سعيد لنقيم في المنتجع الصحراوي (الف ليلة وليلة) أيامًا تعجز اللغة عن وصف بهجتها. فمحمد نديم آسر، وهو ليس من الناس القابلين للترحيل من القلب إلى الذاكرة
….. للقصة والغصة بقية
(*) ناقد سعودي


SHARE

Author: verified_user

0 facebook: