ماريو فارغاس يوسا : هكذا عرفت نيرودا

9:20:00 ص



حينما كنت طفلا في سروالي القصير هناك في كشاكومبا في بوليفيا, حيث قضيت السنوات العشر الأولى من حياتي كانت أمي تحتفظ في خزانتها بنسخة من كتاب مرشوش ببقع زرقاء ونهر من النجوم البيضاء عنوانه: عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة لبابلو نيرودا ··كنت أقرأ الكتاب وأعيد قراءته ··وكنت حديث عهد بالقراءة وكان منع أمي لي من قراءته بدعوى أنه ليس موجها للأطفال يزيد على نحو هائل من جاذبيته تلك ويضفي عليه إكليلا من السحر والفتنة· كنت أقرأ ه سرا دون أن أعرف ماذا تعني تلك الأبيات, ما كان يثيرني فيها هو أنني كنت أشعر أنه يثوي خلف علاماتها التعجبية عالم تعربد فيه الخطيئة:
جسدي جسد فلاح خشن
يحرثك ويقذف بالطفل من خارج أعماق الأرض
أواه يا أزهار العانة!"
نيرودا كان أول شاعر حفظت أشعاره وقرأتها على مسامع فتيات عشقتهن في مراهقتي·· وكان أكثر من قلدتهم حين بدأت أولى خربشاتي الشعرية، كان الشاعر الملحمي الثوري الذي رافق سنواتي الجامعية,وصاحب انبثاق وعيي السياسي ونضالي في منظمة Cahuide خلال السنوات الكارثية لدكتاتورية Odria·
في الإجتماعات السرية لخليتي كنت أحيانا أتوقف عن قراءة كتاب ما العمل للينين أو المقالات السبع لـ Mariàtegui لأنخرط بخشوع في قراءة صفحات من الغناء الشامل أو إسبانيا في القلب·
بعد ذلك، وفي مرحلة الشباب ولو أن قراءاتي اتخذت مسارا أكثر جدية واتخذت مسافة نقدية واضحة من شعر الدعاية غير أن نيرودا ظل بالنسبة لي شاعرا رائدا وظللت أفضله حتى على أحد الرموز الشعرية لسنواتي الأولى الشاعر الكبير César Vallejo ، لكن ليس نيرودا الغناء الشامل ولكن نيرودا الإقامة في الارض ·· الكتاب الذي قرأته وأعدت قراءته مرات عديدة وهو ما لم أفعله إلا مع أشعار Gongora أو بودلير أو روبين داريو ·· الكتاب الذي لا زالت البعض من قصائده من قبيل الأرمل ورقصة الطانغو و رجل وحيد تكهرب ظهري وتطوح بي في أقصى درجات الانتشاء ·· هذه الحمى السعيدة التي لا تستشعرها إلا إزاء الأعمال الخالدة والمطلقة·
تعرفت شخصيا على بابلو نيرودا في باريس في سنوات الستينيات في منزل جورج إدوارد·· لا زلت أتذكر لحدود اللحظة الإحساس الذي غمرني وأنا أقف أمام نيرودا بلحمه وعظمه·· أمام الرجل الذي كتب شعرا يشبه محيطا من بحار متنوعة ولانهائية من كائنات حيوانية ونباتية، شعرا لا حدود لأعماقه ولا حدود لغناه·· إحساس جعلني أفقد القدرة على الكلام·· ثم رحت تدريجيا أغالب تلعثمي وأنطق بكلمات تفيض إطراء ··وفيما كان هو يتلقى عبارات الإطراء بتلقائية الملوك والسادة المرموقين انبرى يصيح: "بما أن الليلة رائعة تعالوا بنا نأكل قطع اللحم المحشوة التي أعدتها عائلة إدوارد"كان نيرودا بدينا, لطيفا, نماما, معتدا بنفسه وذا شهية مفتوحة (صاح في ماتيلد Mathilde اذهبي إلى ذلك الصحن واختاري لي أفضل ما هناك) ·· كان بارع الحديث سباقا لكسر الجليد بينه وبين مخاطبه وجعله لا يشعر بقوة حضوره الكاسح·
رغم أننا فيما بعد صرنا أصدقاء حقيقيين فقد ظل بالنسبة لي الكاتب الوحيد الذي لا أستطيع مطاولة قامته, رغم وده وكرمه معي ظل إحساسي اتجاهه مشوبا بنوع من الرهبة والتقديس·· شخصه كان يسحرني ويشدني مثلما كانت تسحرني وتشدني قصائده·
كان شديد الحرص ألا يظهر بمظهر المثقف، ولم يكن يخفي ازدراءه لتنظيرات النقاد وتأويلاتهم·· حينما كان أحدهم يقوم بإثارة قضية مجردة أو نقاش أفكار كانت تعلو وجه نيرودا مسحة من الحزن, ويبدأ في التحايل للنزول بالنقاش إلى الأرض ·· إلى النكتة والمستملحة والتعليق البسيط·· كان يحب البساطة والمباشرة وكان ينفر ممن يسميهم بـ الكتاب الكتبيين الذين يرددون مع بورخيس: قرأت كثيرا وعشت قليلا كان يحب أن يعتقد الناس أنه قرأ أقل وعاش أكثر · لم يكن في كلامه مجال للإحالات أو الحماس الأدبي حتى وهو يستعرض بافتخار الطبعات الأولى لأعماله والمخطوطات الجميلة التي تمكن من جمعها في مكتبته الرائعة, كان يتجنب التقييمات الأدبية ليركز اهتمامه حول الجوانب المادية الصرف لتلك التحف الزاخرة بالكلمات·
نزعته اللامثقفية كانت تنطوي على قدر غير يسير من التصنع، لأن شخصا من هذا العيار ما كان ليتأتى له تثوير الكلمة الشعرية في الإسبانية، وما كان له أن يكتب شعرا متنوعا وجوهريا لولا القراءة والاستيعاب الجيد لأجود الأعمال الأدبية·
الخطر الأكبر بالنسبة للشاعر ـ حسب نيروداـ هو أن يزج بنفسه في عالم الأفكار والمجردات وكأنه بهذا الصنيع يطفئ ضوء الكلمة ويسكت نبضها ويبعدها عن الساحة العامة ويطوح بها في السراديب·
تصنعه هذا لم يطل حبه للمادة، للأشياء والمواد القابلة للمس، والمشاهدة، والشم، بما في ذلك حبه للطعام والشراب·· فإقامات نيرودا ـ وخاصة منزله الكائن بالجزيرة السوداء La isla negra ـ هي عبارة عن تحف لا تقل عن أكثر قصائد الشاعر روعة وجمالا·
كان ولعه شديدا بالتقاط المجسمات التي تثبت عادة في مقدمات السفن ·· بقوارب أعواد الكبريت المحشوة وسط القناني ··بالفراشات·· بالقواقع البحرية·· بالتحف الخزفية والكتب القديمة··
تحس وأنت تدخل منازل نيرودا أنك مغموس في مناخ من السحر والشهوانية الباذخة·
كان ذا عين لا تخطئ اصطياد الأشياء الغريبة والاستثنائية·· عندما يعجبه شيء ما يتحول إلى طفل نزوي مجنون لا يهدأ له بال حتى يحصل عليه·· أتذكر رسالة رائعة كتبها لجورج إدوارز يستعطفه فيها أن يشتري له بضعة طبول رآها تباع بإحدى المتاجر لدى عبوره بالعاصمة البريطانية، قال له:ما بال الحياة غير مستساغة بدون طبل؟ 
في صباحان الجزيرة السوداء كان يلبس طاقيته البحرية ينفخ في النفير ويرفع فوق العمود المركوز فوق الشاطئ رايته التي كانت عبارة عن سمكة·
كان منظرا رائعا أن ترى نيرودا وهو يأكل, حين تعرفت عليه في باريس وأنا أسجل معه مقابلة لفائدة الإذاعة والتلفزة الفرنسية طلبت منه أن يقرأ لي قصيدة الملك الشاب من ديوانه الإقامة في الأرض· رحب بالفكرة وعند عثوره على الصفحة المطلوبة تعجب قائلا: لكنها قصيدة نثر· أحسست بنصل ينغرس في قلبي، كيف أمكن لي أن أنسى إحدى أجمل ما أبدعه قلم هذا الشاعر من قصائد· بعد انتهاء المقابلة رغب نيرودا في تناول وجبة عربية ·· وفي المطعم المغربي الموجود بشارع Laharpe استغنى عن الشوكة وطلب ملعقة ثانية ·· كان يأكل بتركيز وسعادة شاهرا ملعقة في كل يد وحاله في ذلك حال الكيميائي الذي يحرك أنابيبه موشكا أن يتوصل إلى التركيبة النهائية··
يحصل لك انطباع وأنت تشاهد نيرودا يتناول طعامه بأن الحياة جديرة بأن تعاش وأن النعيم ممكن وأن شرارته قد تنبعث من مقلاة ··
بما أن نيرودا استطاع أن يكون مشهورا بكل هذا القدر وأن يحقق كل هذا النجاح والازدهار في العالم كله, فقد أيقظ من حوله مشاعر الحسد والضغينة حيثما حل وارتحل··لدرجة أن هذا قد نغص عليه بعض لحظات حياته·· أذكر مرة أني أطلعته وأنا في حالة من الاستياء الشديد على مقتطع جريدة يهاجمني فيها أحدهم فرمقني كمن ينظر إلى طفل ساذج قائلا: لدي صناديق مملوءة بمثل هذه لمقتطعات·· وما من شر أو مفسدة أو خسة إلا واتهمت بها في يوم من الأيام·
في الحقيقة كانت لديه قدرة عجيبة على الدفاع عن نفسه، ففي فترات معينة من حياته امتلأت أشعاره بالشتائم والتشهير ـ على نحو شرس ـ بخصومه، لكن الغريب هو أنني لم أسمعه يوما يتحدث عن أحد بسوء أو رأيته يمارس تلك الهواية الأثيرة لدى بعض الكتاب, أي النهش في لحم زملائهم الغائبين··
ذات مساء في الجزيرة السوداء وبعد عشاء فاخر، وبعيون مغمضة كعيون ضفدع حالم مضى يحكي بحزن عن كتابه الأخير الحديث النشر، والذي بعث منه بخمس نسخ مهداة لخمس شعراء شباب من الشيلي، دون أن يكلف احدهم نفسه عناء إشعاره بتسلم الكتاب···
في المرحلة الأخيرة من حياته، حاول أن يكون محبوبا من قبل الجميع، وينسى كل الضغائن والخصومات القديمة ويعلن السلام على الجميع· 
قناعاته الأيديولوجية الثابتة في سنوات الشباب والنضج بدأت تشهد هي الأخرى نوعا من الانطفاء رغم ولائه الدائم للحزب الشيوعي ·· هذا الولاء الذي جعله في بعض المراحل يمجد ستالين ويدافع عن مواقفه الدوغمائية·
انبثق لدى نيرودا أثناء شيخوخته نوع من الوعي النقدي اتجاه ما حدث في العالم الشيوعي، وقد انعكس هذا الوعي في موقف أكثر تحررا وانفتاحا وفي شعر أكثر انعتاقا من أي لون من أنواع الصراع أو التمجيد أو الأحقاد ··· أصبح شعره أكثر هدوءا ورصانة وتفهما واحتفالا بأشياء وكائنات هذا العالم··
لا يوجد في اللغة الإسبانية عمل شعري في مثل وفرة وغزارة عمل نيرودا، شعر طال عوالم متنوعة وأخصب قرائح وميولا لا حدود لها، ولا أعرف ما يماثله في لغات أخرى ما عدا حالة الكاتب الرومانسي الفرنسي فيكتور هوجو·
شعرنيرودا لم يكن كله على نفس الدرجة ·· فإلى جانب قصائده الكثيفة والغنية بوهج الابتكار هناك قصائد بسيطة وعادية ومحكومة بالصدفة أحيانا غير أن الأكيد هو أن شعره سيظل يسحر الأجيال القادمة مثلما سحر جيلنا نحن···

/

+ عن صحيفة El PAIS يونيو 2004 
+ ترجمها لملحق "ثقافة وإبداع" (الاتحاد الاشتراكي المغربي): محمد لعربي غجو.
02/12/2005.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا