العثمانيون سبقوا الاسرائيليين في اللعب بتاريخ القدس

1:33:00 ص
علي دانيش نيزي

إن الحديث الشاعري عن القدس أسهل بكثير من كتابة مقال صحفي عنها. فبينما تقوم الأشعار على الأحاسيس والخرافات والأساطير، يحتاج المقال الصحفي إلى الحقائق المستمدة من أرض الواقع. وعندما يتعلق الأمر بالقدس، فهناك الكثير مما يدور حول الأمور الثلاثة الأولى، والقليل مما يرتبط بالأخيرة.

يتصدر النقاش السياسي الدولي حول القدس الواجهة مرة أخرى. إذ يدفعنا كل من قرار إدارة دونالد ترامب بنقل مقر سفارة الولايات المتحدة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالقدس عاصمةً لدولة إسرائيل، فضلاً عن إعلان ترامب الأخير بأن الدول التي تعارض "خطوة القدس أعداء"، بالإضافة إلى رد الفعل القوي من جانب إدارة أردوغان، وغيرها من الدول العربية على الخطوة التي اتخذها ترامب، دفعاً إلى إعادة النظر في مدى مصداقية الخطاب السياسي الدائر حول القدس.

صخب الغرباء وصمت المقدسيين

ثمة فصيلان يثيران السخرية: السياسيون الصاخبون، ووسائل الإعلام المثيرة للضجيج. إذ يثير السياسيون القصص الخرافية ويحيكونها حول القدس، من أجل تحقيق أجنداتهم وأهدافهم الخاصة، دون أدنى اعتبار للماضي والحاضر والمستقبل السياسي للمدينة. أما وسائل الإعلام، فقد تفتق عنها عدد من التقارير الإخبارية، والمقالات، والتصريحات حول هذا الموضوع الخلافي، إلا أن جُلّ ما قيل بشأن قرار القدس، لا ينطوي على ما قد يتضمنه هذا القرار من أثر على سكان مدينة القدس.

يوضح روبرتو مازا، المؤرخ المتخصص في شؤون القدس، أن الاستخفاف بسكان مدينة القدس في الخطابات العامة عن المدينة ليس بالأمر الجديد. إذ لم يسقط السياسيون فقط في هذا الفخ، بل سقط فيه المؤرخون أيضاً. فبسبب الهوس بالأساطير المرتبطة بالمدينة، أصبح بإمكان المرء أن يتصور القدس على أنها "مجتمع مُتخيل"، "أكثر من مثالي" بدلاً من اعتبارها مدينة حقيقية يعيش فيها الناس بالفعل. يقول مازا "إن سكان القدس كانوا هم مدينة القدس"، ويضيف أن أكثر الأخطاء التاريخية فداحةً في الأبحاث المتعلقة بالقدس، هي تبني آراء الزائرين الأجانب للقدس، دون الأخذ في الحسبان تحيزاتهم ودوافعهم السياسية. وهو ما يذكرنا بأن شعب القدس لا يزال هو المدينة، وأن أي دراسة للمدينة، يجب أن تضع أفضلية لصوت سكان المدينة على آراء الأجانب أو الزوار أو السياسيين، الذي عادةً ما تكون أصواتهم أعلى من أصوات المقدسيين.

أساطير القدس المسيسة

كلا المشروعين الحكوميين السياسيين لإسرائيل وتركيا يقومان بشكل أساسي على سرد خيالي، وكلاهما يستند إلى مدلولات مختلفة لمدينة القدس. فالإعلان والاعتراف بالقدس عاصمة للدولة اليهودية، ينطوي على أهمية كبرى للنزعة الصهيونية. كما أن منع حدوث ذلك يتضمن نفس التأثير بالنسبة لسياسات العثمانيين الجدد تحت إدارة رجب طيب أردوغان، والذين أخذوا على عاتقهم إحياء التراث العثماني في تركيا.

تعود الجذور التاريخية لكلا السردين المتعارضين إلى أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين. إذ دائماً ما يعود طرفي النزاع إلى هاذين القرنين، مستندين إلى ما لديهم في التأكيد على مدى فضل أو سوء الحكومة العثمانية آنذاك. وبينما تشير الحُجة الإسرائيلية إلى التاريخ الحديث للقدس، وتخليصها من سطوة استبداد العثمانيين، يتحدث العثمانيون الجدد عما يسمونه التسامح العثماني، والتعايش المشترك. كلا الرأيين دائم التردد على مسامعنا، وما هما إلا تشويه تاريخي يخدم الأجندات السياسية الحالية، وتنقصهما الدقة التاريخية.

الحاكم العثماني على القدس أثناء العليا الأولى -علي أكرم بك

إن الاستماع إلى ما قاله المؤرخون عن القدس بدلاً مما ينشره الاتجاه السائد من وسائل الإعلام، يبين أن سياق أحداث "العليا" الأولى، أو الموجة الأولى من هجرة اليهود إلى يهودا، منذ عام 1880 حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، يتشابه نظرياً من عدة أوجه مع النزاع المحتدم حالياً. فعلى الرغم من تغير بعض اللاعبين الرئيسيين في اللعبة السياسية حول القدس، إلا أن الأفكار المحركة لمختلف الأجندات السياسية تكاد تتطابق بشكل مذهل. فمن خلال كتابه عن حياة علي أكرم بك -الحاكم العثماني لمدينة القدس خلال الفترة من 1906 إلى 1908- الخاصة والمهنية، يخبرنا المؤرخ ديفيد كوشنر بطبيعة العلاقة بين المجتمعات اليهودية المهاجرة القادمة، والمدينة العثمانية.

يقول كوشنر في كتابه "رأت السلطات العثمانية أن الغالبية العظمى من المهاجرين اليهود قد احتفظوا بجنسياتهم الأجنبية، واستفادوا من حماية واحدة أو أكثر من الدول الأوروبية، وهو ما يهدد سيادتهم على تلك المناطق في المستقبل. أضف إلى ذلك، قلقهم من الطموح الصهيوني المتنامي، على الرغم من صعوبة تحقق ذلك في بداية الأمر. وقد بذل السلطان بما يتماشى مع سياسته الإسلامية جهوداً عظيمة لتعزيز موقفه في نظر الجماهير العرب، من خلال تشييد وزخرفة المؤسسات الدينية من جهة، ومن خلال الثناء على النبلاء العرب من جهة أخرى".

حسب كوشنر، كان الشاغل الأكبر للدولة العثمانية فيما يتعلق بمدينة القدس، هو الاحتفاظ "بسيادتها على المنطقة". وما كانت السياسة "الإسلامية"، أو محاباة العرب في المنطقة، واتخاذ تدابير عدائية ضد العليا الأولى، إلا مجرد أدوات تخدم المصالح السياسية والاقتصادية العثمانية.

وكان والد علي أكرم بك، نامك كمال، شاعراً وكاتباً مسرحياً ومفكراً سياسياً، وكان له تأثير كبير على صعود التيار البرلماني في أواخر العهد العثماني، وكذلك التيار الجمهوري، مما أدى في النهاية إلى تأسيس الجمهورية التركية الحديثة. ويذكر كوشنر أن علي أكرم بك، الذي كان متأثراً بأبيه بلا شك، كان أحياناً يظهر ميوله الأدبية في رسائله الرسمية كموظف حكومي، من خلال "اللجوء في بعض الأحيان إلى التعبيرات الشعرية". كما كتب في رسائله الخاصة أنه "كان ينتقد الأساليب الاستبدادية والقمعية للسلطان" عبد الحميد الثاني.

في الفصل الأخير، الذي يكرسه كوشنر لترجمات بعض الوثائق الهامة بقلم علي أكرم بك، يتضح "قلقه من طموحات الصهيونية". وفي حديثه عن المجتمعات اليهودية في تقريره إلى الوزير الأول في اسطنبول، يقول علي أكرم:

"... السبب الحاسم لقدومهم إلى القدس ... هو التعصب الديني ... إذا أردنا أن نضيف إلى هذا التعلق الاستثنائي الدعم الذي يتلقونه من الأثرياء، مثل روتشيلد وهيرش، سنجد أنه لا مفر من أن الهجرة اليهودية إلى القدس تتسع وتزداد أهمية يوماً بعد يوم ... فإن حظر [هجرة اليهود إلى القدس] الذي بدأته الحكومة لا يمكن أن يكسر حماسهم تجاه القدس. على العكس من ذلك، ... ينظر اليهود إلى هذا الحظر على أنهم يُحرمون من حق كانوا قد اكتسبوه بالفعل، ويعتبرونه غير عادل".  

لم يكن علي أكرم رجلاً ضحلاً، وتعليقه على الهجرات اليهودية كان متعدد الطبقات. وهو يطرح حجة ثلاثية الأبعاد تنتقد جهود الحكومة العثمانية لمنع الهجرة اليهود إلى المنطقة. في البداية يدعمها بالإشارة إلى دعم الحركة من قبل القوى الغربية. والأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أنه يشير إلى اعتقاده بأن التعصب الديني لا يمكن مواجهته بالقمع السياسي. ويعترف علي أكرم، من موقعه في القدس، بالديناميات المعقدة على الأرض، وينتقد الدوافع السياسية المعادية ويطالب بالحلول السياسية والحلول الدبلوماسية.

ولكن يجب ألا نغفل أن حجة علي أكرم التي قد تبدو معقولة، قام بشرحها بدقة لأن تلك الدوافع والتصرفات ربما لم تكن متوافقة مع سياسات الباب العالي. إن تعليقات علي أكرم الجانبية على الدعم المالي من بارون موريس دي هيرش وبارون إدموند جيمس دي روتشيلد، وإشارته غير المباشرة إلى منظمة جمعية الاستعمار اليهودي (JCA)، التي أنشأها الأول ودعمها بقوة، جديرة بالاهتمام. ويتحدث علي أكرم عن المؤيدين الماليين الخارجيين تقريباً، كفصيل مختلف عن المستوطنين اليهود، ويتحدث كما لو كان هناك محرضون من جهة ومنفذون من جهة أخرى. ويبدو أن علي أكرم حذر الحكومة العثمانية بالتلميح بشكل وصفي إلى عملية تسييس الأجندة الصهيونية، والتوصية بتطوير مشروع سياسي رداً على ذلك، أفضل من السياسات العثمانية السابقة العدائية.

التاريخ العثماني وأهميته للوضع الراهن

إن أهمية رسائل علي أكرم بك الرسمية والخاصة التي كتبها في أثناء القيام بمهام منصبه في القدس لها جانبان. أولاً، أنها تشكك في التوحيد المفترض في سياسات رجال الدولة العثمانيين. وبما أن محافظ القدس انتقد وقدم نظرة سياسية بديلة إلى الوزير الأول، فإن أي بيان متجانس بشأن الحكم العثماني في القدس لا بد أن يكون غير دقيق.

ثانياً، رأي علي أكرم بك أن السياسات العدوانية التي اتبعها العثمانيون ضد المهاجرين اليهود، لا جدوى منها في مواجهة "التعصب الديني"، وأنها تعمل فقط على تعزيز الادعاءات الصهيونية التي تتجلى في جدل اليوم حول تحرك القدس. في حجته المقدمة إلى الوزير الأول، يأخذ علي أكرم بعين الاعتبار الديناميات بين الزعماء السياسيين الخارجيين وبين المقدسيين. ربما كان متفائلاً أكثر من اللازم، لأنه لم يحتفظ بمنصبه في القدس لفترة طويلة. وربما يكون من المفيد أن نتوقع أن القادة السياسيين خارج القدس سوف يفكرون في تلك الديناميات، ولكن بالتأكيد يمكن للتيار الرئيس في وسائل الإعلام أن يفعل ما فعله علي أكرم، بل وينبغي عليها ذلك.

إن الأهمية العلمية للمصادر التاريخية المقدسية، مثل كتابات علي أكرم بك، ذات صلة بالتحليل الصحفي للقدس اليوم، فالخلافات الحالية هي مجرد استمرار للتفاعل بين العثمانيين والمهاجرين اليهود و"القوى الغربية"، التي وقعت قبل قرن من الزمان. إن الأحداث الدرامية التي وقعت خلال ذلك القرن (التغييرات بعد الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، وتأسيس دولة إسرائيل، والانتفاضة الأولى والثانية، الخ) يجب ألا تخدعنا فتجعلنا نعتبر هذه التفاعلات أبعد مما هي عليه بالنسبة لبعضها البعض.

في الختام، سأفعل بالضبط ما يفعله الخطاب السياسي السائد، سأستخدم الشعر لصالح حجتي السياسية. البيت المتكرر في قصيدة تميم البرغوثي بعنوان "في القدس" والذي يقول فيه: "في القدسِ مَن في القدسِ إلا أنْتْ"، هو على الأرجح مقصود للقارئ الفلسطيني. ولكن ربما يمكن أن يقال نفس البيت عن المقدسيين، الذين يبدو أنهم لا يشاركون، أو لا يستطيعون المشاركة، في المناقشات السياسية الدولية التي تخص مدينتهم.

علي نيزي مؤرخ وكاتب تركي
قرصنة عن موقع درج

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا