الخميس، 8 فبراير 2018

كلمة شاعر الطّوارق محمودن خَوَّد بمناسبة منحه جائزة الاركانة

SHARE
مُنحَت أمس في مكتبة مدينة الرّباط في المغرب جائزة الأركانة العالميّة للشعر، هذا العام، لشاعر الطّوارق محمودن خَوَّد. في ما يأتي، نصّ الكلمة التي ألقيتُها.
*
تتفتّح الوردة المُعتمة في قلب الليل، وردةُ الّذين يعيشون مصائرَ ليست مصائرهم، في العالم الأعمق عُزلة، وردةُ العطش والتِّيه والتَّرحال.
يحكي خوّد عن أولئك الذين "يسيرون/ على غرار نظرة/ خارج مدى العيون". هو المشّاء الذي لا يتوقَف عن المشي. في جسده يمشي وفي فكره. يجتاز صحارى الذّات والعالم، ولا يعنيه إلى أين ستُفضي الطّريق. إختراقُ الحدود هو الهدف وابتكارُ الفضاء الإنسانيّ الذي تَبطُل فيه الحواجز والحدود من أيّ نوع كانت.
"سنسيرُ مع كلّ ما انهارَ علينا، حتّى لو كانت السّماء"، يقول خوّد. الحركة لا الثّبات هي المكان الذي تختلج فيه مخيّلتُه وإبداعاتُه، شعراً ورسماً. هو الممسكُ بالجذور يبحث دائمًا عن أشكال جديدة في رحلة لا تنتهي. الممسك بالجذور يتطلّع أبدًا إلى التخطّي.
يسافر ويدعونا إلى السفر. إلى سفر آخر لا يؤتى إلاّ لمن استطاع أن يتجرّد من كلّ شيء حتّى من نفسه.
هذا الموقف من السّير والطريق يحيلُنا على المسار الذي عرفَته، بهذا الخصوص، التاويّة والصوفيّة. الطريق التي تبقى مجرّد احتمال ولا يُعرف مُنتهاها. يقول لاوتسه الذي عاش بين القرنَين السادس والخامس قبل الميلاد "لا تَرسم الطريق قطّ بشكل مُسْبَق"، أمّا الشاعر الإسبانيّ أنطونيو ماتشادو، إبن القرنين التاسع عشر والعشرين، فيقول: Caminante, no hay camino, se hace camino al andar "أيّها السّائر العابر ما من طريق. تنوجدُ الطريقُ بمقدار ما تسير".
نزعة الشّطح، هنا، مشفوعةً بالحُلُم والرؤية، لا تُطفئ نارَ العقل.
فالشاعر يعي معنى أن يكون الإنسان مُقتلَعًا وغريبًا، ويعي معنى الإحساس بالانتماء إلى ما هو على طريق الاندثار، والإحساس بِعَيشِ الحياة التي على شَفا هاوية. من هنا، تأتي الكتابة الاضطراريّة، كتابة الطوارئ الناجمة عن خطر الإبادة الذي يتهدَّد شعباً وثقافة. ولقد عرفنا هذا النّوع من الكتابة في آداب عدّة عاشت وتعيش تحت وطأة الخطر، ومنها، تمثيلًا لا حصرًا، الأدب الفسطينيّ في ظلّ الاحتلال والأدب الأميركيّ- اللاتينيّ زمنَ الحكم الديكاتاتوريّ.
يتحدّث الشاعر عن الأرض الأمّ، عن المصانع والآلات الحديثة التي لا يعنيها البشر بل الرِّبح. تَحفر في أحشاء الأرض وتمزّقها، وفي أحشاء أبنائها تَحفر. ليس المكان وحده هو المستباح، بل أيضًا جسد الإنسان والأُفُق الذي قٌبالتَه.
في قصيدة خوّد لا تعود الصّحراء رمالًا وسراباتٍ ولا موقع تنقيب عن الموارد الأوّليّة. "الصحراءُ جسدُنا"، يقول. وهذه الصّرخة صدى لصرخة الهنديّ الأحمر: "كلّ صَنَوبَرَة ملتمعة، كلّ شاطئ رمليّ، كلّ سحابة في الغابات المظلمة، كلّ فُرجَة مُضاءة وكلّ طنين حشرة، كلّها جميعًا مقدَّس في ذاكرتنا وتجربتنا... سوف تبقى الضِّفافُ والغابات مسكونة بأرواح شعبي، لأنّنا نحبُّ هذه البلاد مثلما الطّفل الرّضيع يُحبّ دقّات قلب أمّه".
الهنديُّ الأحمر هناك، هو، هنا، أبناء الطّوارق، وهو كلّ شعب مهدّد بالإبادة وكلّ ثقافة يُراد تهميشها وإقصاؤها. في هذا السّياق، تَطلُع الكلمة التي تؤاخي الصّمت، تَحوم حول الجروح وتوقظ الذاكرة المكلومة.
لا يبكي خوّد ولا ينوح. لا يَنعى فردوساً مفقودًا لأنّه يعرف أنَّ كلَّ فردوس مفقود. لا يستعطي ولا يستجدي ولا يدّعي المواجهة. لكنّه يَنقُضُ الواقع اليوميّ واعتباراته ويجعلنا نحلم بإمكانيّة تجاوز قَسوته وبشاعته، فتتحوّل الكلمةُ بذلك فعلاً محرّضًا ودافعًا، على الرَّغم من كلّ الأهوال والمآسي، إلى عدم الإذعان للخوف والموت.
ألا يتحدّث هو نفسه أيضًا، في "وصيّة البَدَويّ"، عن أصواتٍ من "أناشيد ودموع" وعن "رياحٍ صغيرة أخرى/ ستتأجّجُ غدًا"؟ أليست هي رياح الحرّيّة التي، كالهواءِ الطَّلْق السّارحِ في البَوادي، وهي الكتابة حين تتطلّع إلى اختراق المصائر المرسومة سلفًا وإلى تغيير مساراتها؟
في قصيدة خوّد، وفي ضربةِ ريشته الخاطفة، تخرج الصّرخة من ألمٍ مجاور ومن مكان محدَّد، لكنّها تلامس الظُّلم والآلام في كلّ الأزمنة والأمكنة. يقول البدويّ في "قافلة العطش": "إنسانٌ منتصب/ بَذرةُ صغيرة/ في أمواجِ الرّمل". وجهُ الإنسان، هنا، لا يحتلّ واجهةَ المشهد. إنّه، مثلما في المنمنمات اليابانيّة، نُقطةٌ فَحَسب في أوقيانوس الكون.
إنّه الشِّعر أو الذّهابُ بالحياة إلى أقصى الحدود، كما بعد كلّ ولادة وكما بعد كلّ موت، ليظلَّ بَرقُ الحلم بعالم جديد هو الواقعَ الحقيقيّ.
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: