في أصل المتنبي وفصله وكيسانيته...

2:24:00 ص

محمد الحجيري
«المتنبي كان كيسانياً» عنوان عريض ورد في الحوار الذي أجراه الكاتب صقر أبو فخر مع المؤرخ الراحل كمال الصليبي، وصدر في كتاب بعنوان «الهرطوقي الحكيم»(صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر). للوهلة الأولى تبدو لفظة كيسانيّ غريبة، لكن مع التدقيق، يتبين أنها ملّة من الملل كانت تتبع «المختار الثقفي« (الغريب ان مجموعة لبنانية خطفت بعض المواطنين السوريين في منطقة بعلبك أطلقت على نفسها هذا الإسم). وحين يقول الصليبي أن المتنبي كان كيسانياً، فهو يفتح النقاش في موضوع كثير التشعبات والتأويلات والصور الغامضة والمعقدة، ويشير بطريقة لماحة إلى أن المتنبي لم يكن يتبع المذهب الإثني عشري الشيعي. بالطبع من حق الصليبي أن يبحث من باب التأريخ في مذهب كل أديب أو شاعر، ففي الأمر غواية وفتنة في القول والفكرة، لكن في الجانب الآخر ثمة ما يثير السخرية اذ أن البعض من المثقفين يستعمل مذهب الأديب أو الكاتب كدلالة على عظمة «أمته»، وهذا يتجلى بقوة في كواليس الثقافة اللبنانية القائمة على العشائرية والطوائفية والمناطقية، إذ يعتبر بعضهم أن ثمة طوائف لديها القدرة على انتاج شعراء أو كتاب أكثر من غيرها لأسباب سياسية، وفي هذا الحكم أو الإستنتاج جانب من الحقيقة إذا نظرنا في بعض جوانب التاريخ العربي والإسلامي، ولكن فيه أيضا الكثير من الإعتباطية والتسرع، و«الإستشراق«. والمنطق العصبي، اذا تأملنا في نظرة شاملة إلى مختلف الثقافات. والحال إن الكتابة والشعر والفلسفة أمور لا يمكن تفسير ازدهارها بهذا التبسيط الأيديولوجي والطائفي، وان يكون الشاعر ابن طائفته فهذا يجعله يدخل في الشرنقة والموات، ذلك لأن الشعر على وجه التحديد هو نتاج العالم الكوني والأحلام، وحين يبدأ الحديث عن طائفة الشاعر فتلك دلالة من دلالات عصر الانحطاط في الشعر والثقافة. ومعظم الأدباء والشعراء الكبار كانوا أشبه بالمنشقين عن طوائفهم، أو لهم أنماطهم الخاصة في الحياة وفي طريقة التفكير.
وقفات
استطردت في هذا التقديم لأقول إنني لاحظت في السنوات القليلة الماضية، مدى اهتمام بعض الباحثين بطوائف الشعراء في العالم العربي عموماً، وفي لبنان خصوصاً، وقرأت عن تشيّع المتنبي في المرة الأولى في كتاب «وقفات مع أبي الطيب المتنبي وغيره» للكاتب العراقي إبراهيم السامرائي(منشورات الجمل). بدا لي الأمر مستغرباً، ربما لأني لم أكن اهتم بهذه المواضيع، وقلما اهتم بهذه الموضوعات. وقلما اهتممت بالولاءات الدينية والطائفية للشعراء القدماء (في الزمن الراهن تبدو الولاءات على الملأ)، لكن حين بحثت في أروقة الانترنت والكتب والأبحاث، لاحظت ان الكثير من الكتاب تناولوا موضوع «طائفة» المتنبي كل على طريقته، من عميد الأدب طه حسين إلى المستشرقين لويس ماسينيون وريجي بلاشير والكثير من الكتاب الذين سُحروا بشخصية المتنبي قبل شعره.
والحديث عن «تشيّع» المتنبي أو قرمطيته أو كيسانيته أو درزيته أو اسماعيليته أو علويته، يشبه الحديث عن «أسلمة» الشاعر الألماني غوته، أو لاعب الملاكمة محمد علي كلاي، أو مصمم الرقص موريس بيجار، أمر فيه من التضخيم ما يكفي للتأثير على إبداع كل واحد من هؤلاء، وفيه قدر من الالتباس يحتاج الى إضاءة من مختلف الجوانب. فقد وصف أحد المؤرخين المتنبي بأنه كان «معجباً بنفسه، كثير التيه، فمقته لذلك» كما أنه «خرج في شبابه إلى قبيلة بني كلب وأقام فيهم وزعم أنه علوي ثم ادعى «النبوة» فافتضح أمره وحبس دهراً وأشرف على القتل ثم تاب» كما تقول المصادر التاريخية. يعود السامرائي إلى ما قيل عن «تشيّع» المتنبي، وما تخبط فيه أهل الرأي، ولم يكن لهم من سند في شعره. ويؤكد انه بعد قراءته لماسينيون وجده مغالياً في حديثه عن تشيع المتنبي، وسبق أن كان مغالياً في حديثه عن «مسيحية» بعض المتصوفين المسلمين.
يبين السامرائي في صلات المتنبي وأدبه أنه انصرف انصرافاً تاماً عن الخلافة العباسية، ويؤكد صلاته بالدويلات التي حكم فيها أصحابها مبتعدين عن الخلافة العباسية منقطعين عنها كل الإنقطاع، أو بتلك الدويلات التي احتفظت بخيط واهٍِ من الاعتراف بالخلافة. غير أن ذلك لم يمنع المتنبي من الإتصال بمن انقطع عن الخلافة وعُرف بتشيّعه كالحمدانيين، وبغيرهم ممن بقوا على ولائهم الضعيف بالخلافة العباسية ولم يكونوا أصحاب تشيّع.
يلحظ السامرائي أن المتنبي اتصل بالشيعة في البلاد التي عرفها، واختلط بهم، فقد عرف في اللاذقية أصحابه التنوخيين فمدحهم ومدح الحسين ابن إسحاق التنوخي. لكن من خلال دراسة ديوان المتنبي، يشعرنا الأخير أنه غير مؤمن بما يفرضه التشيّع من رأي، وقد تخبّط الباحثون في أمر تشيّع المتنبي حتى غلا بعضهم فألقى عليه لبوساً شيعياً ووصله بالإمام «القائم«.
كافور
يعتقد الكاتب أنه إذا وُجد «التشيع» لدى المتنبي فهو غير ذي قيمة، وما من دلالة خاصة، فقد مدح عموماً من جنح إلى التشيّع مذهباً، وقد نجد بينهم علويي النسب، ومن هؤلاء أبو القاسم طاهر بن الحسين العلوي. لكن ذلك لا يدل على ميله إلى طائفة بعينها، والدليل على ذلك صلته بكافور الإخشيدي (السني) وغيره ممن لم يكونوا أصحاب تشيّع.
على أن اغلبية الذين بحثوا في سيرة المتنبي ذكروا أنّه كان ينتمي لإحدى تلك الحركات الباطنية الفلسفية بل كان أحد دعاتها، ويُقال إنه كان يُطلق عليه، في إحدى مراحله، لقب الإمام وكان له مُريدون كُثُر، يقال انه في نشأته أُتهم بحقارة مهنة والده، بل في نسبه طَعنٌ ولمز، فما بالنا في دينه وعقيدته. فالمستشرق ريجي بلاشير ذهب في دراسته عن المتنبي أنه كان قرمطياً، وذهب المستشرق ماسينيون: إلى أن القرمطية أثّرت في أسلوب المتنبي وصياغته. ولكن عبد الوهاب عزام محقق ديوان المتنبي نفى هذه «التهمة«(القرمطية)، أما محمود شاكر، فقد نفى في كتاب «المتنبي/ رسالة في الطريق إلى ثقافتنا»(دار الهلال) انتساب المتنبي إلى هذه الفرقة الإسماعلية الباطنية، وذهب إلى أنه علوي النسب! ولاحظ ماسينيون أستعمال المتنبي لبعض الألفاظ التي توجد لدى الإسماعيلية في إخوان الصفا من مثل: قدس الله روحه، الفلك الدوار، الثقلان «بمعنى القرآن والعترة» إذ يقول في كافور:
فما لك تختار القسيّ وإنما
عن السعد يرمى دونك الثقلان
غير أن بعض الباحثين لا يرون قرمطية المتنبي أو تصوفه، ولكن قد يكون لهما تأثيرعلى شعره، ويذهب البعض إلى أثر الصوفية في شعره وما يُعبر عنه بالصنعة، فهو أقرب إلى الصوفية الصنعة. وثمة من يربط بين المتنبي وطائفة الموحدين الدروز لأنه في شعره كان متأثراً بمقولات فلسفية لأرسطو وغيره, وكان الدروز اتخذوا من الفلسفة اليونانية قاعدة أساسية في بناء مذهبهم، خصوصاً فيثاغورس وأفلاطون وأرسطو. فالأخير يعتبر في المذهب التوحيدي «الدرزي» مولى الكَلِمة، وأفلاطون النَفسْ، وفيثاغورس العَقلْ.
وبالرجوع إلى الجذور الأولى لحياة المتنبي تتضح العوامل المهمة التي ساعدت في تكوين ثقافته والحديث عن ولاءاته، يقول ابن الانباري في «نزهة الالباء في طبقات الأدباء»: «ولد المتنبي في اسرة شيعية» وعن بواكير نشأته العلمية ينقل لنا محمد بن جعفر النجار المتوفى سنة 402هـ في «تاريخ الكوفة» وهو اقرب المؤرخين إلى عصر المتنبي: «ان المتنبي إلتحق بمدرسة اشراف الكوفة وتعلم الدروس العلوية شعراً ولغة وإعراباً». يعتبر بعض النقاد أن ولاء المتنبي للتشيع يتجلى في اعترافه بأفضلية اهل البيت على غيرهم. وقد أحس معاصروه بهذا الامر في عدم تعرضه لقضيه أهل البيت فسأله بعضهم: «لِمَ لم تذكر عليا»؟ فقال في ذلك بيتين نقلهما الواحدي في «شرح ديوان المتنبي«:
وتركت مدحي للوصي تعمداً
إذ كان نوراً مستطيلاً شاملاً
واذا استقل الشيء قام بنفسه
وصفاء ضوء الشمس يذهب باطلاً
وبمنأى عن «طائفة» المتنبي، يعتبر النقاد أنه كان براغماتياً بلا مبدأ، فقد مدح سيف الدولة الحمداني الحاكم في الشام وكافور الأخشيدي الحاكم في مصر. على الرغم من أن الاثنين كانا عدوين وصلت بهما العداوة إلى الحرب. لعل هذا هو السبب الذي جعل سيف الدولة وكافور يحرمان أبا الطيب من حلم حياته، وهو أن يكون أميراً على ولاية يمنحها له أحدهما، لم يفعلا ذلك لأن أبا الطيب كان بلا ولاء سياسي. ويذكر المؤرّخ السوري سهيل زكّار في كتابه «أخبار القرامطة»(دار الكوثر)، أن المتنبي قد ذهب إلى مصر في عهد الإخشيديين مرتين، وكانت الأولى قبل أن يُصبح شاعراً مشهوراً، عندما ذهب كداعية إسماعيلي من دون أن تُعرف هويته. لهذا كان شعره في المدح أو الهجاء ذا أهداف سياسية وشخصية وسلطوية، فقد مدح الأخشيدي لينال مراده وعندما توجّس منه كافور ولم يعطه مبتغاه قام المتنبي بهجائه بأشنع الألفاظ.
بعد انفصال المتنبي عن كافور حاول الأخير اغتياله على أرض الجولان، في منطقة تُدعى «كفر عاقب»، كما يروي الكاتب تيسير خلف في كتابه «الجولان في مصادر التأريخ العربي»(دار كنعان - دمشق) ويورد فيه أبيات من الشعر للمتنبي تَصف تلك المحاولة:
أتاني وعيدُ الأدعياء وأنهم أعدّوا ليَ السودان في كفرِ عاقبِ
ولو صدقوا في جدّهم لحذِرتَهم فهل في وحدي قولهم غير كاذبِ
وعلى أرض الجولان أيضاً أنشد المتنبي قصيدته في مدح أمير طبريا بدر بن عمّار محاولاً استمالته إلى مذهبه القرمطي الذي كان عليه بدر، ويقول في مدحه لابن عمّار:
وردٌ إذا وَرَدَ البحيرةَ شارِباً وَرَدَ الفراتَ زئيره والنيلا
مُتخضِّبٌ بدمِ الفوارس لابس في غيلهِ من لُبدتيه غيلا
وكما كان نسب المتنبي ومسيرته مثاراً للجدل والاختلاف، كان مقتله أيضاً عام 965م، مثار اجتهادات عدّة، فالقصة الرائجة أنه قُتل على يد فاتك الأسدي (القرمطي) خال ضبّة بن يزيد الأسدي التي هجاها المتنبي.
لكن آخرين يعتقدون أن موته كان اغتيالاً سياسياً بامتياز، لِما كان يُشكّل المتنبي من خطرٍ على الملوك والخلفاء، ويرجّح بعضهم أن (البويهيين) وراء اغتياله، وربما غيرهم، ليبقى سر قتله كلغز معتقده.
صراع الرمز
هكذا هي صورة المتنبي «الأيقونية»، ضائعة وملتبسة وملتهبة ومشتتة، وهي عرضة للتأويلات الجامحة والتوظيف الاعتباطي في الخنادق الطائفية، لأنها تحمل في جوهرها ثقافة أمة قائمة على القرابة والنسب والدم والعصبيات. والكل يهوى ضم المتنبي لصفه، ويرغب نسبته لمذهبه، شأن الفنانة فيروز أو المخرج يوسف شاهين أو الشاعر محمود درويش أو الأديب جبران خليل جبران، إنها عقدة «الرمز» في الثقافة العربية، الثقافة القائمة على الكليشيات و»الشاعر الأوحد» و»القائد الأوحد»(هل تنتهي هذه الظاهرة مع «الربيع العربي«؟) والمطرب الأوحد. فهل نبتدئ ثقافة حقيقية تقوم على تفكيك الرموز والاساطير؟
ليس هناك محاولة جدية لتفكيك ايقونة المتنبي، التي طالما شغلت أهل الأدب. ولم نقرأ إلى اليوم أي بحث حديث يرفع الأقنعة عن شخصيته أو عنصريته أو طموحه و»سوبرمانيته» ثمة من يتحدث عن تلاقي الافكار بين نيتشه والمتنبي) و»جنونه» وأنانيته، في المقابل ثم أبحاث فيها من السطحية ما يجعل القارئ يبتعد عنها..

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا