حوار مع زيجمونت باومان

9:03:00 ص
أجرت الحوار فيونا أتوود، من جامعة ميدلسكس، بريطانيا. ترجمة: شريف مجدي

(يمكن الاطلاع على النسخة الأصلية من الحوار بالإنجليزية من خلال هذا الرابط)

اشتهر زيجمونت باومان -الذي توفي [العام قبل الماضي] عن عمر يناهز الواحد وتسعين عامًا- بتحليلاته للعولمة والسلطة واللامساواة وفكرته عن «الحداثة السائلة»، وهي الحالة المعاصرة التي يتجلى فيها ذوبان الهياكل والمؤسسات الاجتماعية الصلبة. وكما أشار كل من مارك ديفيز وتوم كامبيل في رثائهما لباومان (2017)، كانت أعماله مؤثرة بالأخص بين النشطاء التقدميين من الشباب، كما قام مؤخرًا بتحليل أزمة اللاجئين وتنامي الشعبوية اليمينية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

كذلك كانت أعمال باومان بالغة الأهمية في التنظير المعاصر للحميمية والإيروتيكية. وقد ركّز في تلك الناحية على الطريقة التي حلت بها الفردانية والاستهلاكية محل المواطنة، واصفًا في كتابه «الحب السائل» (2003) وضعًا صارت العلاقات فيه «سهلة الدخول والخروج»، وأصبحت الروابط الإنسانية فيه «خفيفة وسائبة». ويحلل باومان في مقاله الرائع «الاستخدامات ما بعد الحداثية للجنس» (1999) الطرق التي استقلت بها الإيروتيكية عن الإنجاب والحب، لتصبح «مكتفية بنفسها سببًا وغايةً»، فهي ضرورية من ناحية وتتسم «بالخفة والتطاير» من ناحية أخرى. وقد وصف كيف يتم تشجيع رعايا ما بعد الحداثة على السعي وراء ما هو حسّي ومُثير وعلى تحصيل التجارب الجنسية؛ ليكونوا مهتمين دائمًا وممتلئين بالحيوية في السعي وراء الجنس. ولكن يبقى هذا المسعى متناقضًا ومستحيلًا، فهو يتطلب انغماسًا كاملًا وتباعدًا في الوقت ذاته، لتصبح «التجربة الجنسية المبتغاة متعذرةً على الدوام»، فمع «انعدام تجربة جنسية حقيقية مُرضية، يبقى هناك احتياج دائم للتدريبات والإرشادات والاستشارات والوصفات والعقاقير والأدوات».

في صيف 2014، حاورتُ زيجمونت باومان في بيته بمدينة ليدز، وكان هذا الحوار جزءًا من مجموعة لقاءات أجريتها عن الجنسانية* مع ألمع منظّريها. وكان قد أخبرني أنه بالكاد يستطيع السمع، كما أنه يتعب بسرعة، لذا أرسلت له الأسئلة قبل اللقاء، وعندما وصلت تبيّن لي أنه استعد جيّدًا للإجابة عليها. كان سخيًّا معي للغاية، قدم لي الفراولة مع الكريمة وسكب لي الشاي. توقفنا عندما شعر بالإجهاد وقال لي حينها إنه «تحدّث في تلك الساعة أكثر مما تحدثه طوال الأسبوع». رحل باومان تاركًا وراءه أعماله الرائعة والملهمة، رحل ليترك لنا نموذجًا للباحث المُتقد البليغ، شديد الانشغال بالعالم الاجتماعي من حوله وبالأسئلة الهامة حول الحياة البشرية.   

أشرتَ في كتاب «الحب السائل» (2003) إلى أن الروابط الإنسانية أصبحت هشة وغير دائمة بشكل آخذ في التزايد. هل مازلت متمسكًا بوجهة النظر تلك؟

يدور قلق الناس اليوم، قبل الدخول في علاقات مُلزمة، حول سيناريوهات الخروج منها. عندما يلتقي اثنان للعيش سويًا يجري الأمر [تحت شعار] «سنرى كيف ستجري الأمور. سنرى كيف ستجري الأمور». وهو ما يجعل تلك العلاقة هشة. إذ أنه لو أقسم كل منكما للآخر يمين الولاء، حتى عندما تواجهان الصعوبات، سوف تلتقي شخصيتان وسلطتان. عليهما الجلوس والتفاوض حول ماضي كل منهما وأصدقائه وعاداته وتفضيلاته وهكذا. هذه الأمور دائمًا درامية جدًا. هناك الكثير من الصعوبات. في الماضي لم يكن الطلاق منتشرًا إلى هذا الحد. أما الآن فقد أصبح الأمر روتينيًا، لا مشكلة. تريد الطلاق، حسنًا لنحصل على طلاق. هذا كل ما في الأمر. وأغلب حالات الطلاق تحدث في السنة الأولى من الزواج.   

لماذا؟

لأن الأمر فقد رومانسيته، فالناس لم يكن لديهم الوقت للتفاوض حول كونهم معًا. كيف يعيشون مع أحدهم لمدة أربع وعشرون ساعة في اليوم وسبعة أيام في الأسبوع. إذا كنت تعرف أن طريق الخروج بالغ السهولة، حتى الخلافات الصغيرة لن يكون من السهل تجاوزها ونسيانها، وستغدو الخلافات والصعوبات التافهة بمثابة خلافات جذرية. لذا فالأمر ميؤوس منه.

قديمًا، لكن ليس في زمن بعيد – لن تتذكري أنتِ هذا فقد كنت صغيرة – أتذكر الوقت الذي كنت فيه تشتري أداة ما بنيّة الحفاظ عليها لعدة سنوات. إذا توقفت تلك الأداة عن العمل كان باستطاعتك دائمًا إصلاحها. كنت تعمل عليها وتصلحها. أما الآن إذا تعطلت ستذهب للمتجر لشراء أداة جديدة. إن لم توافق السلعة التي اشتريناها توقعاتنا، أو إذا شاهدنا على التلفاز أو الفيسبوك أو الإنترنت أو أي شيء آخر أن الكل يتسوّق للحصول على الأدوات الأفضل، فلن يبقى حينها سبب لعدم استبدال ما نمتلك. كلما زادت سهولة ربط العلاقات وكسرها، تزداد الهشاشة. نحن في صدد خسارة المهارات اللازمة لجعل علاقاتنا مستقرة. فالحب ليس شيئًا نجده، بل نجتهد في صنعه وإعادة صنعه. والوصفة هي أن نبذل قصارى جهدنا حتى لا يفرّقنا سوى الموت فعلًا. للأبد. وهي مهمة تستمر مادمت حيًا، وليست شيئًا يمكنك أن تجده بأعجوبة أو أن تدمره أو أن تحصل عليه من خلال موقع للمواعدة.    


يشهد الناس تناقضات جوهرية، فهناك تعارض بين رغبتنا في ما هو سهل ومريح في الحياة وتوقنا في الوقت ذاته للحميمية والحب الحقيقي العميق والعلاقات. هناك تضارب بين الاثنين. ولكن فكرة التقدم اليوم تتمثل في التخلص من المشاكل وجعل الحياة أكثر سهولة وإعطاء وأخذ نتائج لحظية، كالقهوة سريعة التحضير، تسكب المسحوق، تدير فوقه الماء، تشربه، وانتهى الموضوع. لذا نعم، إجابتي هي أن الروابط الإنسانية أصبحت هشة وعابرة بشكل متزايد. ولتعلمي أيضًا أن الأبحاث تشير إلى ذلك، فأنا لا أخترع هذا كما أنني لست واهمًا. ومن الحقائق الصعبة – في أمريكا، التي دائمًا ما تتصدر موجة التقدم – أن 80% من الزيجات تنتهي بالطلاق، هذا بالنسبة للزيجة الأولى، إذ تزداد النسب مع الزيجات الثانية والثالثة. يحدث الطلاق الأول بصعوبة ويأتي الثاني أسهل بشكل طفيف بينما يجيء الثالث خاليًا من أي صعوبات. يبدو أن 40% من الأطفال في أمريكا يولدون في بيت بلا أب. وحوالي 60% يخوضون تجربة العيش بدون أحد آبائهم في وقت ما من عمرهم.   

هناك رغبة في الحميمية العميقة، لأن تكون كل لحظة اتحاد اثنين لحظةً من الأزل، تدوم للأبد. ولكن في النهار التالي يستيقظ الناس ويجدون الفكرة مفزعة: إلى الأبد؟ دون القدرة على التخلص من تلك العلاقة في حال لم تسر الأمور بشكل جيد؟ وهذا ما يزعزع استقرار تلك اللحظات السعيدة. فهو التناقض بعينه. من ناحية، الأمان. أنا أريد على الدوام أن امتلك خيار الانسحاب. فإن لم تجرِ الأمور على ما يرام، لست ملتزمًا إلى الأبد. أستطيع أن أبدأ من جديد. ودائمًا ما توجد الفرصة لحياة أخرى وهوية أخرى. ومن ناحية أخرى فإن اجتماع هويتين معًا ليكمل كل منهما الآخر ويسعده هي تجربة حقيقية شديدة العمق، مشبعة ومرضية جدًا. الآن، كيف لنا أن نوفق بين الناحيتين؟ لا يوجد ما يمكّنك من أن تستمتع بالاثنين سويًا. فكما يقول المثل الإنجليزي، لا تستطيع أن تمتلك الكعكة..

..وأن تأكلها

لا تستطيع. لذلك ستجد نفسك دائمًا في اللحظات التي تشعر فيها أنك راضٍ كليًا، تشعر كذلك بقلق خفي بأن الخيار الآخر في خطر. لا يمكنك الحصول عليه في الوقت ذاته. أنا لا أدين، لكنني ببساطة أُذَكّر أنه مهما اخترنا، فإننا نكسب شيئًا ونخسر الآخر. فلا يوجد طريقة أخرى. لسوء الحظ لا يمكنك الحصول على كل شيء. لذا نجد الناس في حالة من التأرجح والتردد. فهم يتأرجحون بين حاجتين متساويتين في القوة داخلنا.  

هل ترى أي تغيرات إيجابية في العلاقات والصلات الإنسانية مؤخرًا؟

حسنًا، أنا لست متأكدًا ما إذا كان هذا إيجابيًا أم لا. هناك طرق علاج بديلة. بدائل لا تحل المشكلة بل على الأغلب تزيحها تحت السجادة وتخفيها عن النظر، لتخلق شعورًا بأن كل شيءٍ على ما يرام، وتتناسى أنه هناك ما هو ليس على ما يرام اجتماعيًا لكنك فقط تحررت من عبء التفكير فيه. أمثلة؟ حسنًا، لقد ذكرنا فيسبوك. ذكرنا تويتر. هناك اختراع آخر بالغ العظمة. هل تتذكرين «الووكمان»؟

نعم، نعم

هل تتذكرين كيف قُدم جهاز الووكمان في الأسواق؟ ماذا كان شعاره الدعائي؟ كان الشعار «لن تكون وحيدًا مرة أخرى». لن تكون وحيدًا مرة أخرى. للمرة الأولى، استطعنا أن نتجول في الغابات وحدنا وأن نتنزه في المساحات الخضراء بعيدًا عن الناس، بدون مجاورة أحدهم. وعندما كان يصيح بك أحدهم كنت لا تلقي بالًا إلا لجهازك. لم يحدث في تاريخ البشرية أن وُجِد شيء مثل هذا. فعندما كانوا وحدهم كانوا وحدهم تمامًا. نقطة. بينما الآن عندما تكون وحدك لا يزال بإمكانك سماع أشخاص يتحدثون إليك ويخاطبونك أو حتى يغنون لك. لقد كان جهازًا استثنائيًا إذ أنه مكّنك من الاستماع بلا تحدّث.  

لقد جادلت بأننا الآن بصدد الدخول في عصر يُجلّ الاتصالات بشكل أكبر من العلاقات و«العلاقات الافتراضية». وتحدثت عن الطريقة التي تمكنت من خلالها التكنولوجيا أن تجعل الروابط «أكثر تواترًا وأكثر ضحالة، وأكثر كثافةً وأكثر اقتضابًا». وقد كان هذا قبل ظهور الفيسبوك في 2004 وتويتر في 2006، فكيف ترى وَقع التطور التكنولوجي على علاقاتنا منذ أن كتبت «الحب السائل»؟  

حسنًا، لقد خلق الفيسبوك شيئًا مختلفًا. يمكنك الحديث، يمكنك المخاطبة، يمكنك محاورة شخص، حتى وإن كان هذا الشخص يبعد عنك مئات الآلاف من الكيلو مترات. لأربع وعشرين ساعة يوميًا على مدار الأسبوع، يمكنك التأكد من أنك ستجد دائمًا شخصًا ما مستعدًا لاستقبال رسائلك وحتى الرد عليها. عندما تكتب على تويتر إلى آلاف الناس في الوقت ذاته، فإنك لا تكتب لشخص واحد وصديق أوحد لا يمكن استبداله، ولكن، بالعكس، [فمن تكتب إليه] قابل للاستبدال في نهاية المطاف بمئات آخرين. جل ما في الأمر أنك ستتواصل [مع أحدهم] أو تقوم بإضافته على الفيسبوك. فالبعض يتفاخرون اليوم بالقدرة على كسب 500 صديق في يوم واحد. أنا في حياتي كلها لم أصنع 500 صديق، وقد عشت نحو تسعين عامًا. لذا فكما تعلمين، هناك فرق.  

وهذا لا يعني بالضرورة أنهم لم يعودوا وحيدين. حقيقة، في الحياة الواقعية، هم مهدّدون من قِبَل وضعهم الاجتماعي الذي اكتسبوه من خلال اجتهادهم في عملهم، وأن ذلك الوضع قد يختفي في أي لحظة باختفاء شركاتهم التي لطالما بذلوا لها حيواتهم. فقد تؤكل [هذه الشركات] من شركات أخرى أكبر. وقد تخسر كل شيء. لذا فالخوف من أن يتم التخلي عنك أو أن تصبح مستبعدًا أو مطرودًا من بيتك هو [خوف] حقيقي للغاية وليس متخيلًا. ففي الواقع سيتوجب عليك العيش وحيدًا تمامًا. الآن يدخل الأصغر حياة البالغين، نوعًا مختلف من الحياة. ليس لديهم مستقبل، ولا صنعة أو حظ، معدومو الآفاق. الخوف من الخسارة ومن الهجران هو [خوف] حقيقي للغاية. وليس متخيلًا. ولكنك إذا جلست أمام جهاز الكمبيوتر الخاص بك، من الممكن أن تنسى ذلك. بسبب المجتمع. هذا ليس رابطًا اجتماعيًا بل اتصالًا. ولكن الانفصال عن الناس يشكل أيضًا صعوبة. طبقًا لأحدث الأبحاث، فإن متوسط عدد الساعات التي يقضيها الفرد أمام الشاشات لا البشر، هي سبع ساعات – وهو نصف الوقت الذي يكون فيه مستيقظًا. [يتضمن هذا] جميع أنواع الشاشات سواء كان كمبيوتر محمول أو مكتبي أو هاتف محمول أو جهاز آيباد. فنحن لا نفارق الشاشات. نحملها معنا أينما ذهبنا. فإذا نسيتها، تشعر وكأنك نسيت سروالك أو تنورتك. لذا، فإن الوهم هو أننا لسنا وحيدين. لكن في ذاك العالم الافتراضي الذي نعيش فيه، نضع قلقنا جانبًا. نعم، نتناسى هذا القلق، لأن الضغط المصاحب لكونك على الدوام متصلًا بمئات الأشخاص يساعد على إخماد [القلق] بشكل مؤقت.     

لقد قلت إن الناس لديهم انطباع واهم بأنهم متصلون ببعضهم البعض. فهل تعتقد أن التكنولوجيا قد تصبح طريقة لإنشاء ترابط حقيقي، أم أنها مجرد أوهام؟ هل يعدّ هذا وهمًا بالتواصل والاتصال؟

تختلف القواعد إذا ما كنت متصلًا بالإنترنت أم لا. فعلى سبيل المثال، الناس يعانون، هناك مشكلة كبيرة اليوم وهي الهجرات الضخمة لأعداد كبيرة من الناس. فجأة، تجد أن البيئة التي اعتدت عليها قد تغيّرت بالكامل، شخصيتها تتغير، لتجد أناسًا بلغات مختلفة وعادات مختلفة وطرق عيش غريبة عنك. لذا، وكي لا تفقد توقعاتك التي ألفتها والتي جعلت حياتك على الأقل تتسم بالأمن واليقين، تريد من جيرانك أن يصبحوا بشكل أو بآخر مألوفين لك. فتتعلم من سلوكهم ما يجب عليك توقعه منهم، بِمَ قد يفيدونك، وكيف يمكن أن يضرّوك. فجأة يصبح هناك أعداد مهولة من الأغراب الذين تصعب قراءتهم، إن جاز التعبير. وهم أيضًا يعيشون الآن في عالم متعدد المراكز، حيث لا يوجد مبدأ أو هرمية أو قيم أو تفضيلات ثابتة ومستقرة. تصبح معرّضًا لوجهات نظر متناقضة. فكل فريقٍ يمدح ما يدينه الآخر. ولكل أطروحة أطروحة مضادة. في جوٍ عام ملبد بالخسارة ومشروط باللايقين، لا تعرف كيف يجب أن تتصرف. وستجد بمجرد أن تخرج من منزلك أو تتنزه في الشوارع أو تذهب لمكان عملك أو جامعتك أو مدرستك حيث تدرس أنك في هذا العالم غير المتصل بالإنترنت معرض لهذا تحديدًا، لهذا التنوع الهائل. رسائل متنوعة تخاطبك بشكل شخصي في نهاية المطاف، لتحاول أنت التوفيق بينها ولتحاول إيجاد طريقك بين الإشارات المتضادة. ولتقوم بالاختيارات التي سينبني عليها لاحقًا مسؤولياتك.


ثم تأتي للعالم المتصل بالإنترنت. تنعم بقسطٍ من الراحة. لتعثر أخيرًا على مأوى بعيدًا عن كل تلك الأهوال والفوضى. على الإنترنت، أو في العالم المتصل بالإنترنت، وعلى عكس العالم غير المتصل، يمكنك تجنب كل ما يثير قلقك في العالم الحقيقي وتفاديه ببساطة. فبالإضافة إلى الأفكار ووجهات النظر التي تعجبك وتبعث عليك الراحة وما إلى ذلك، هناك وجهات نظر ومقاصد تعترض عليها بشدة، بل أنك منزعج لوجودها. على الإنترنت يمكنك ببساطة إقصائها. فإذا تصفحت أحد المواقع التي تنشر وجهات النظر التي تضايقك، يمكنك ببساطة الضغط على زر «حذف»، لتجد قطاعًا آخر من الواقع الافتراضي بأناسٍ آخرين يفكرون مثلك، ويصفقون لك ويعززون أفكارك. هؤلاء فقط هم المسموح لهم بالكلام. ها أنت الآن في منطقة راحتك التي حتى وإن حملت نفسك على الإيمان بها ستظل مستحيلة. فالأمر، كما أبلغتك من قبل، أنك عندما تعود إلى مكتبك ستجد الناس بمختلف الألوان، حاملين مختلف وجهات النظر ومتناثرين بجوارك، سيتوجب عليك أن تتحاور معهم. يتفاوضون ويتشاجرون… محاولين الوصول لأي نوع من أنواع الاتفاق. كل هذا يُسلَب منك، إذ يمكنك بسهولة وضعهم جانبًا إذا كنت في ذاك العالم المتصل بالإنترنت. تُظهر الأبحاث أن الناس المتصلين بالإنترنت لديهم آمال بأن تلك الشبكة من شأنها أن توسّع آفاقنا. إذ أننا يمكننا من خلالها الوصول إلى أي شيء يحدث في أي مكان في العالم، إلى كل الدول وكل القضايا وكل الأيديولوجيات. كل شيء في متناول أيدينا، لا يجب أن نجهد أنفسنا في الوصول. كل شيء موجود. مما يعِد باختفاء أسباب الشك المتبادل والخوف من التنوع. بيد أن النتيجة في الواقع هي العكس من ذلك. فغالبية مستخدمي الإنترنت خلقوا ما يمكن أن يسمى بغرف الصدى، حيث كل ما يمكن سماعه في تلك الغرف هو مجرد أصداء لأصواتهم هم.  
    
يا له من مكانِ مريح، ولكنك إذا أمضيت الكثير من الوقت في هذا العالم المتصل بالإنترنت، ورجعت بعدها للعالم غير المتصل، سيتضاعف قلقك. فالعيش مع الاختلافات يتطلب استراتيجية محددة، بجانب كونه مرعبًا في أغلب الأحيان. يمكنك التهرب من ضرورة التعايش مع الاختلافات وجهًا لوجه. ولكن عند عودتك للبشر ومواجهتهم، فأنت في مأزق إذ أنك قد نسيت المهارات المطلوبة للتعامل معهم. لذا بدلًا من أن تعمل [الإنترنت] على جمع الناس، فهي تقوم بالنقيض، إذ أنها تمنعهم من الإصغاء لبعضهم البعض. فهي ببساطة تقوم بخلط صوت من يقف على أعتاب الشعور بالوحدة بأصوات الأخرين، كي يتوقف المرء عن مواجهة ذلك الشعور، فيصدر الإنترنت لهذا المرء وهمًا بأنه قد انتصر على شعوره بالوحدة. مارك زوكربيرغ مالك الفيسبوك كما تعلمين قد جنى 50 مليار دولار في البورصة، كيف؟ لأنه استغل خوفنا من الوحدة. نجاح الفيسبوك شديد البساطة. ولا يخفى على أحد. خوف الناس من الهجران هو منجم الذهب الذي وضع مارك زوكربيرغ إصبعه عليه. والفيسبوك هو الطريقة التي تمكننا من البقاء متصلين حتى وإن كنا وحيدين.

هذه واحدة من العمليات الحاصلة. العملية الأخرى هي المتاجرة. إن هشاشة الروابط الإنسانية التي ناقشناها تجعلنا نشعر بالذنب. كيفما عالجنا الموضوع أو عرضناه، نشعر بالذنب. ينفصل الآباء ليصبح أطفالهم لا هنا ولا هناك. نحن نحب أطفالنا، أليس كذلك؟ ونريد لهم الأفضل. إذا كنا لا نتصرف كما ينبغي، وكما يملي علينا شعورنا بالحب، سنشعر بتأنيب الضمير. بإمكانك شراء المهدئات. فقط اذهب إلى أي متجر، واشترِ هدية لطفلك. أعتقد أنها ستعمل كمهدئ.

يأتي عيد الميلاد، لتهدي أعزائك هدايا قد تجعلك مرتاح الضمير لعامٍ قادمٍ. وبالطبع هذا ليس بديلًا لأن تكون معهم، مضحيًا بوقتك وتفضيلاتك، إخبارهم عن أوقات فرحك وضيقك التي تمر بها خلال تجاربك أو عملك، أو التنمر الذي يتعرض له طفلك في المدرسة، عن صعوبة المهمة التي تقومان بها، تقومان بها معًا. هذا ما يجب فعله. ما يجب فعله هو أن تضحي براحتك من أجل تلبية احتياجات محبوبك. لكنك لن تستطيع فعل ذلك. فالحياة ليست هكذا. الحياة مختلفة ومشوشة. ما الذي تستطيع فعله إذن؟ يمكنك أن تستبدل كل هذا برموز للحب. كلما كانت تلك الرموز أغلى وكلّفتك أموالًا أكثر تزداد تباعًا قيمتها الأخلاقية. ويُعدّ هذا نوعًا آخر من أنواع البدائل التي لا حصر لها. فذلك البديل يتوسط بينك وبين ضميرك. وهذه هي الخدمة المقدّمة في السوق. مرة أخرى، أثر تلك البدائل مبهم إذ أنها تساعدك من ناحية على الهدوء الذي أنت بأمس الحاجة له، وتخفي الواقع الحقيقي، بينما تفاقم من ناحية أخرى شعورك بالعجز تجاه القيام بفعل حقيقي.  

إحدى التغيرات الدرامية في المجتمع الغربي في السنين الأخيرة هي فيما يتعلق بـ[منح] المساواة للمثليين. فعلى سبيل المثال، مؤخرًا أصبح زواج المثليين ممكنًا في المملكة المتحدة ولأول مرة. كيف ترى وتفسر تلك التغيرات؟

عندما كنت طفلًا، تعلمت أن الزواج يتم مرة واحدة، لتدوم تلك المرة إلى الأبد. لا يوجد مخرجٌ. قد تخرج ولكن سيبقيك هذا مدانًا حتى الموت. لم يكن هنالك سؤال حول ذلك. هذه هي الفكرة من الموضوع. الآن أصبح الزواج والعرس والأزواج والمنزل كفكرة النُزُل. بإمكانك المجئ والرحيل. لماذا لا نسمح إذًا بزواج المثليين في ظل هذا التحول؟ بإمكانهم أيضًا أن يكون لهم أبناءً بالتبني أو ما شابه. إذن كل شيء متاح. لماذا لا نسمح إذن للناس بأن يلعبوا دور العائلة؟ فهذا حق عالمي من حقوق الإنسان. وها هو يتم الموافقة عليه تدريجيًا. لم يعد الأمر كما كان في السابق قضية ساخنة، فالكثير من الدول الآن تتقبل تلك الإمكانية. أعتقد أنه من المحتمل جدًا جدًا أن يصبح الأمر، على الأقل في منطقتنا الثقافية، عامًا وشاملًا. بالطبع هناك دول إسلامية من المستبعد جدًا فيها حدوث هذا. وضع النساء هناك هو الأكثر أهمية. لا يسعك أن تقفز عدة مراحل. ربما – وهذا ليس أكيدًا فأنا لست نبيًا – ستصل فكرة زواج المثليين تلك الأماكن. ولكن يبقى هناك عدة مراحل عامة يجب اجتيازها أولًا، والأهم بين تلك المراحل هي مساواة النساء.    

تحدّثت في «الاستخدامات ما بعد الحداثية للجنس» (1998) عن كيفية انفصال الإيروتيكية عن الإنجاب والحب، وارتباطها باللذة والحس، وأنه قد نتج عن هذا عظيم القلق بدلًا من الرضا. وتحدثت بشكلٍ محدد عن «شبح الجنس» الذي يطارد علاقات البالغين بالأطفال، فكيف ترى تطور هذا الجانب من ثقافتنا في المملكة المتحدة في السنين الأخيرة؟

لديّ نظرية حول هذا. هل تتذكرين ميشيل فوكو؟ كتب ميشيل فوكو عن هذا. كان هناك ذعر من الاستمناء. حيث أنه يشير إلى أن الأطفال فاعلين جنسيًا، وليسوا مفعولًا به. بالطبع لم تكن الفكرة مدعومة من قِبَل السلطات الطبية – فقد كان الاستمناء ضارًّا للغاية، ويسبب العديد من التشوهات النفسية والعقلية وأنواع الأمراض المختلفة – وقد كانت الرسالة أنه إذا ظهر على الأطفال ميول لمثل هذه الممارسات السيئة والمؤذية جدًا، وجب على الأهل، الأب والأم، متابعتهم بشكل دوري. وهي فكرة البانوبتيكون* أو المراقبة. فباب غرفة الطفل يجب أن يكون مفتوحًا دائمًا. لا يجب أن يوصِد الأطفال أبواب الحمامات على أنفسهم. تساءل ميشيل فوكو عن فائدة هذا؟ حسنًا، فائدته أنه يزيد من سلطة الأهل. فقد كان هذا زمن العائلة المَرَضية. وكان ذلك عذرًا جيدًا للقيام بتلك الممارسات المَرَضية. لمراقبة كل خطوة يخطوها الأطفال والتحكم الكامل بحياتهم. أما الآن فقد انتهى الذعر من الاستمناء، ليحل محله الذعر من الاعتداء على الأطفال. الاعتداء الجنسي على الأطفال. ولكن من الجاني؟ ومَن الضحية؟ جنسانية البالغين والآباء هي التي تمثل المشكلة الآن. فما الأطفال إلا مفعول بهم لرغبات وشهوات الأهل والبالغين. فالأمر أن الآباء الآن يبتعدون عن الأطفال. دعهم يهتمون بشؤونهم – دعهم يوصدون أبواب غرفهم بإحكام. أعطهم الحرية ليتبعوا غرائزهم. ولأنك إذا أردت التدخل، سيعني هذا أنك تريدهم أن يتبعوا غرائزك أنت.


تفكك الروابط العائلية هو ما يسبب للأهل مشكلة تأنيب الضمير. وفي ظل الضغط الماثل عليهم من تحرير سوق العمل، أصبح خوفهم من خسارة الوظيفة هو ما يحكم واقع حياة الأطفال. على الأهل أن يكونوا مناوبين باستمرار [في أشغالهم]، لذا فهناك الكثير من الأسباب لإهمال الأطفال. لكنك تدفع ثمن ذلك، ألا وهو تأنيب الضمير. بيد أن تأنيب الضمير هذا سرعان ما يُفسَّر لك على أن سببه هو رغباتك المريضة الإجرامية في استغلال أطفالك. ترغب في تقبيلهم. من يعلم؟ ربما تكون مغتصِبًا محتملًا. لذا فلديك سببٌ غاية في النبل والراحة لإبقاء طفلك بعيدًا عنك. بالطبع هناك بعض المكاسب، وهي أننا الآن أكثر أمنًا وحذرًا. ولكن من ناحية أخرى نجد أن مئات الآلاف من الأطفال والأهل يعانون من أن الأطفال يترعرعون في بيوت تجفو عن إظهار الحب، باستثناء إعادة القول مرارًا وتكرارًا، وتحديدًا في أمريكا: أحبك، وأنا أيضًا أحبك. أحبك. وأنا أيضًا أحبك. أحبك. وأنا أيضًا أحبك. ولكن يبقى أي تعبير جسدي مُحرّمًا، ويترعرع الأطفال في تلك الظروف. نحن لا نعرف نتائج هذا بعد. فالفترة ليست كافية لمعرفة ذلك. لكن يمكننا أن نشك بأن هناك احتمالية أن يصبح هؤلاء الأطفال قُساة ومعدومي الإحساس.

هذا لأن التقارب والتجاور قد اختفى من حياة صغارنا، والجو المحيط بالأطفال واليافعين اليوم يتسم بالبعد والجفاء. أوصيكِ بأن تقرأي رواية ميشيل هولبيك السوداوية «احتمال جزيرة»، وهي رواية خيالية تقدم لنا صورة مستقبلية لمجتمعنا إذا تطوّر وفقًا لنزعاتنا الحالية دون أن يحدث شيئًا ليغيرها. وهي رؤية لوحدات منفصلة ومنعزلة إن جاز التعبير، يعيش فيها الكل وراء سوره بعيدًا عن جيرانه. وبالنسبة للتواصل – نعم، يتواصلون طوال الوقت ولكن من خلال الإلكترونيات. أعتقد أن تلك الرواية حكيمة جدًا جدًا وثاقبة للغاية. الأرضية التي نعيش عليها شديدة الغدر. والنتائج المترتبة على ذلك لا يمكن توقعها بالكامل. يمكننا فقط تخمين ما سيحدث. وفي كل الأحوال علينا التفكير مرتين قبل أن نقرر بين المكاسب والخسائر.  

ولكن، حسنًا، أعتقد أنني قد عشت حياةً يغمرها الحب. واختبرت الحب الحقيقي. لقد عشت مع زوجتي طيلة 62 عامًا. مررنا بأوقات يسر وأوقات عسر. مررنا باختبارات صعبة للغاية لكننا استطعنا أن ننجو منها. سأكرر ما قلته سابقًا. الحب ليس وصفة جاهزة لحياة هادئة. ليس شيئًا يمكنك العثور عليه أو وضعه في أحد الأركان، أو في الخزانة أو على الطاولة. بل هو شيء علينا أن نبذل فيه جهدنا مرارًا وتكرارًا، إذ أن ما سنجنيه منه لا تضاهي لذته أي لذة أخرى.  

موقع حبر

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا