فادي سعد... الجميع ما زال ينتظر بحيرة عودة زميلي

3:36:00 ص


أسرّ إلي زميل في العمل، بينما كنّا جالسيَن سوية في استراحة الغداء، أنه ملّ من الإيقاع الرتيب الروتيني اليومي لعمله، وما يجعل ملله مُضاعَفاً حسب قوله، أنه يشعر منذ فترة طويلة بأن في داخلة موهبة أدبية تنتظر أن تتفجّر، وأن العمل اليومي الطويل يقف في وجه موهبته. أخبرني أنه كتب الكثير من النصوص في السرّ (ولا أعلم لماذا يكتبها في السر!)، وعلى الرغم من أنه لم ينشر أيّا منها بعد، إلّا أنه قرأها لنفسه أمام المرآة، وشعر بأنها أقرب إلى الشعر، بل هو متأكد من أنها على الأغلب قصائد شعر، وبعد التمعّن فيها، رأى أنها قصائد أكثر من ممتازة، بل قصائد يعتقد أن قليلين فقط يستطيعون أن يكتبوا مثلها بقوتها وجمالها. وهو مقتنع تماماً أنه إذا استمر في الكتابة، وبدأ بنشر قصائده، فلا بدّ أنه سيصبح اسماً لامعاً في عالم الأدب. 
قال إنه يتكلم معي في هذا الموضوع الخطير، لأنه يعلم من بعض الأصدقاء أني أكتب أيضاً، وأني الوحيد هنا في مكان عملنا الذي يمكن أن يفهمه، والأهم، أنني ربما أستطيع أن أوجّه إليه بعض النصائح، بما يجب عليه فعله الآن بتلك الموهبة التي يحملها في داخله والتي لا يريد أن يهدرها هباءً، ويريد أن يعرف ما هي الخطوات اللاحقة التي يجب أن يتخذها في هذا المنعطف الهام من حياته.

قلتُ له بأنه أولاً محظوظ جداً بامتلاك هذه الموهبة، وأنه بكل تأكيد يجب أن يلبّي نداء موهبته، وأن يتركها تقوده إلى قدره الأدبي العظيم، وأن موهبة كتلك التي يتحدّث عنها، لا يجب أن تبقى مدفونة في الظلام، وأنها ستكون خسارة كبيرة لنا جميعاً إذا لم يُطلع العالم عليها. 
انتشى زميلي في العمل من كلامي حتى بدا كأنه شرب زجاجة كاملة من النبيذ. احمرّت وجنتاه وبدا كأنه يريد أن يعانقني ويقبّلني من شدة الامتنان والحب. أكملتُ بسرعة كلامي وقلتُ له قبل أن يسترسل في أحلامه، بأنه مع ذلك، الموهبة لوحدها لا تكفي، ولكي يصبح شاعراً حقيقياً، لا يمكن أن يكتفي بكتابة الشعر، بل لا بدّ أن يعيش كشاعر، ويتنتفس كشاعر، ويأكل كشاعر، ويدّخن كشاعر، ويحبّ كشاعر، ويتكلم كشاعر، وحتى عندما يمارس الجنس، يجب أن يمارس الجنس كشاعر. قلت له أنه بالمختصر عليه أن يهب حياته للشعر، وأن ينسى حياته القديمة تماماً. "كي تكون شاعراً، عليك أن تعيش تماماً ودائماً كشاعر"، قلتُ له.
بعد الفرحة الأولية، تغيّرتْ ملامحه وهو يصغي إلى عباراتي الأخيرة. أصبح واجماً ساهماً. ظلّ مطرقاً لفترة بدتْ لي طويلة، ثم نهض عن كرسيه، وضرب الطاولة أمامنا بقبضته، وصرخ في وجهي: "معك حق، أنا شاعر ويجب أن أعيش كشاعر"، وغادر صالة الطعام مُسرعاً.
علمتُ في ما بعد أن زميلي استقال من عمله، طلّق زوجته، باع ما يملكه، ترك بيته، واختفى تماماً عن الأنظار. لم يعد يُسمع عنه شيء. لا أحد يعرف ماذا حدث له. لا أحد يعرف مالذي دفعه إلى أن يتصرّف بهذه الطريقة الكارثية الغريبة (أنا الوحيد الذي يعرف). ومضتْ الآن أكثر من ستة أشهر منذ جلسنا سوية في استراحة الغداء، والجميع ما زال ينتظر بحيرة عودة زميلي في العمل.
عن الفايسبوك

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا