الخميس، 15 فبراير 2018

محسن يمين.. شامات الحروف ووشمات الجسد

SHARE

في تمام وقتها تُعقد هذه الندوة حول ديوان حبّ، في عيد الحبّ.
وشامات الحروف، ديوان أسعد المكاري الخامس، هو خامس برهان على ان صاحبه يقف في صفّ العشّاق الدائمين، العشّاق الأبديّين. أولئك الذين لا يريدون لعشقهم ان ينتهي بانتهائهم. بل يريدون له ان يستمّر على الأيّام، ويتفتّح على الورق، كالورد الذي يُهدى بالأطنان في كل أنحاء العالم في مثل هذا اليوم.
واذا كان الحبّ على ما ذهب إليه الدكتور يوسف زيدان في كتابه " فِقه الحبّ" الصادر عن "دار الشروق" المصريّة متوحّد بأحواله. لا يدور الاّ حول محوره، ولا حُكمَ فيه لمحبّ على محبوب. والعشق جوهره الإشتراك، والإشتباك، والإنهماك، وتلاشي العاشق في المعشوق. والذوبان التام. إلى درجة إنعدام الأنا والهو". فأسعد المكاري يتقلّب، منذ عهده الأول بالشعر، في أحوال الحبّ، ومراتبه، على جمر الفؤاد. وهو في معظم ما سال به قلمه سواء في إصداره الأخير أو فيما سبق، أم على صفحات الفضاء الإفتراضي، يدفعك بدون عناء الى الإحساس بأن أشعاره مكتوبة على الآهات، وعلى التنهّدات، وبعرق اللحظات المحمومة، وزغاريد النشوة.
جاري أسعد. وبين البيت والبيت رفّة جناح. ولولا ما كنا نسمّيه "السهلة" التي أكلت من أقدامنا ونحن نلعب لقلت ان بينهما فتحة شباك أو يكاد. وهو جاء الى الشعر من الصحافة المناطقيّة الشماليّة: مجلّة "الغد" ، جريدة "الجماهير" ، وجريدة "الألف الثالث". متأخّراً جاء. على النشر أعني ، وليس على الحبّ. لأن الحبّ لا قبل عنده ولا بعد. وهو لا يقفل أبوابه أمام طارق، أو سائل.
كما أنه لا يسدّ درفاته أمام ما يجيش في صدر شاعر من عواطف، وما ينطلق به لسانه من عباراتٍ أنيقةٍ، وأحاسيسٍ وجدانيّةٍ معادلة في حرارتها لدرجة الغليان. بل هو يتلقّاه بالأحضان ايّاً كان الوقت الذي يصل فيه. ويتلقّف منه ما يصبّه من مشاعر، وأشواقٍ، وإنفعالات، في كل بيت، وفي كل كلمة، وفي كل فاصلة. ويرحّب بالشعراء أينما وكيفما شرّفوه. وأسعد، بالطبع، في عدادهم. تاركاً للقارئ ان يستخلص الإتجاهات الشعريّة، وخصوصيّة اللغة، والفوارق بين تجربة وأخرى.
يتصاعد فعل الحبّ من شعر أسعد بقوّةٍ لا يحدّها سوى التعبير عمّا يضج به وجدانُه. وترسم دواوينه الخمسة على أجساد الأعوام التي مرّت ظلالَ نشوةٍ عارمةٍ موصولةٍ لا تخبو. الا انه يلتبس عليك هل المقصود هو إمرأة بعينها، كما في قصيدته هذه المرأة...لي(ص 17). أم المرأة ككل. المرأة بالمطلق. وفي الحالتين تتماهى المرأة والوطن "هذه المرأة لي / والوطن الذي ترتديه لي". وفي غمرة هذا التماهي تنسلّ إهدن على رؤوس أصابعها الى دخيلته، إنسلال الشعاع، ويزهر وزّالها على أصابعه، ويتكدّس بعضٌ من ثلجها، وضبابها، على صفحاته. وتلوّن شمس مغيبها بالأرجوان دفاتره.
ويشتاق الشاعر الى المرأة-المكان. وهو هنا: الجرد. يصير المكان الذي ضمّهما عتاباً، وصفحات، وأنّات (ص24) ، ومساحات وجد (ص25). ولفرط ما يبّرح به الوجد " يمشي دون نفسه / فتسبقه الدروب " (ص26) على قاعدة ان " الحبّ التام – كما كتب أنسي الحاج – يقود حتماً إلى الإيمان، لأنه تجربة بشريّة للحبّ الإلهي. وما ذوبان العاشق في المعشوق غير صورة بشريّة عن ذوبان الإنسان في الله، (راجع كتاب أمل جرّاح: "هؤلاء" ص 26).
وأسعد بهذا المعنى يقول:
"وقبل ان يصحو/ في جفني النعاس/ ضجّت في حلمي/ وأيقظتني.../ تلك المرأة/ سيّدة الغرام/ دخلتني/ ذابت في أحاسيسي/ فأذابتني..."
ويتواصل التماهي بين المرأة والمكان فيشبه نهدي حبيبته المكوّرين كقمر إهدن.
يعترض سبيله الى الحبّ عقبتان: السفر، والوقت. فهو إذ يسافر في الحبّ الى عينيها، وحبيبته ترتحل في البال كصوت فيروز، وصوت أمّه. "ويودّع الصّيف في عينيها في سيدني". "حتى الدرب تبدو في إرتحال".
ويتداخل الرحيل والوقت لإرتباطهما في عقارب الزمن، وعقارب الحبّ. يمضي الخريف ارتحالاً. فلا دفّة مسافر/ولا ضفّة منتظر". يبدي خوفه على حبّه "من العمر الذي يمضي، من الصور المنسلّة بين أصابع اللحظات". ويعلن "أنا فارس الرغبة/ أمتطي الوقت/ لتكبو تحت أقدامك/ اللحظات/ ويقف الزمن". ويتابع الإعلان " أسرجُ اشواقي/ وأمتطي البرهة"، حتى "الظلمة تنساب بين صمتِ الوقت".
لكن أسعد بحبّه يمتطي الأيّام والساعات، ويعرف كيف يسبقُ الدروب إليها. فيما الجسد الذي بإستلقائه على عشب يديه يقرأ أسرار الفصول. وهو إذ يهرم فجسدها هي يتجدّد فصولاً. وتطيعه القدرة على كتابة الوقت بدهشة اللقاء. لا وقت لأسعد خارج الحبّ. ولا وقتَ للوقتِ الذي يتعجّل وضع نقطة على آخر السطر.وأسعد بتخلّيه عن الأوزان التقليدية لا يتحرّر كلّياً من وسيلة التطريب الخارجية كما في قصيدة "تكابر وتقامر" (ص15) فيعوّض عنها بما يشبه القافية الموحدة، ان لم أقل السجع، في محاولة منه لإغناء قصيدته، عبر مزاوجة الإيقاعين الداخلي والخارجي. ولا يجد حرجاً في ان تتداخل على صفحات ديوانه الأخير الذي ننتدي له الفصحى التي نسج منها معظم ما يحتويه بالمحكيّة، تداخل حالات الوجد.حسبه هو ان يلتقط سحر التي أحبّها قلبُه، ويعبئه في قصائد. تارة تتحوّل لغتهُ الى إمرأة من نار (ص 19) وطوراً تجفّف لغتُه من حبر دهشتها" (ص22). كما لا يجد حرجاً في إستخدام بعض الكلمات العاميّة.
وتنتهي الى الظنّ وأنت تقرأه بأنه لا يستقي من إمرأة بعينها يتوهّج حضورها في داخله، إمرأة سكنت فيه. إنما من أوسع. وكل الذين نذروا أقلامهم للحبّ لحق بهم هذا الظنّ. وان كان بعض الظنّ إثم.
وهل أغالي إذا ظننت أيضاً ان ما يكتبه أسعد يصلح ان يُخطّ على الورق بأحمر الشفاه، وان تُشكّل عباراته بأقلام الكحل فاسمعوه يقول: " فمك الوردي/ ينثر أجمل القبل/ وأجملَ حروف الغزل" (ص16). ويقول أيضاً: "لوّني مسائي/ بنشوة القبل" (ص79). وأيضاً "سافرت بي/ مدى قبلة على عنقها"
ما من ورقة يخطّ عليها أسعد سطراً الاّ وعليها شميمُ عطر فضّاح.
ولا يخجل أسعد من الحبّ. فالحبّ هو الله.
محسن أ. يمّين
نصّ مداخلتي في الندوة التي نُظّمت في مركز الصفدي الثقافي في طرابلس يوم أمس حول كتاب "شامات الحروف" للشاعر أسعد المكاري، وشارك فيها معي الدكتور محمود عثمان والدكتور مصطفى الحلوة ، وقدّمتنا خلالها الدكتورة كارولينا عبّود البعيني، قبل أن ينهيها صاحب الديوان بكلمة شكر.
الصور المرفقة أدناه لفادي عاقلة وبدوي كرم.
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: