الأربعاء، 14 فبراير 2018

عيسى مخلوف... عن الشعر

SHARE
تناولتُ في مُداخلتي، في "المعرض الدّولي للنّشر والكتاب" في الدار البيضاء، الوضعَ الذي آل إليه الشعر، مع تغيُّر المعنى الثقافي في العالم ومع التقدّم التكنولوجي وهيمنة رأس المال ومعاييره على أحوال الدنيا والآخرة ! 
هنا، في ما يأتي، بعض النقاط:
الشعر، بدايةً، ليس فقط كلمات وأسلوباً وبُنيَة فنّيّة، وإنّما هو أيضًا رؤية خاصّة ومتميّزة للإنسان والطبيعة، للحياة وللعالم. من هذا المنطلق، فإنّ الشعريّة لا توجد في القصيدة فحسب، بل تتجاوزها إلى كافّة أنواع الكتابة والفنون.
*
الشعر في أزمة، نعم. لكن ما هي أسباب هذه الأزمة؟ هل تمسّ الشعر وحده؟ ومن الذي يتحكّم في طبيعة النتاجات الإبداعية وفي أنماط إنتاجها وتوزيعها، بل وفي شروط وجودها بالذات؟
*
أختصر وجوه الأزمة في ثلاثة أسباب (وأتوسّع، هنا، في سببين اثنين فقط): أوّلًا، مستوى التلقّي الذي يزداد تدهورًا ضمن مشهد ثقافي جماعي مُتراجع، يُقابله تَراجُع شعري يطالعنا في نسبة كبيرة من النتاجات المنشورة. ثانيًا، الثورة العلمية والتكنولوجية وانعكاساتها على الإبداع. ثالثًا، المال. كلّ ما يتعذّر تحويله إلى سلعة تُباع وتُشترى لا مكان له في السّباق.
*
يُلقي الاقتصاد ظلالاً كبيرة على أحوال التربية والتعليم، ومن خلالها على التوجّهات الجديدة التي تعمل على تهميش الجماليّات والمعارف الإنسانية وكلّ ما لا يمتّ بصلة إلى عالم المال. إنّها المرّة الأولى التي يجتاح فيها رأسُ المال، وبهذه الحدّة، الثقافة ويُحكم قبضته عليها ويُخضعها لشروطه ومعاييره.
*
كَثُرَ الحديث في السنوات الأخيرة عن موت الشعر؟ هل يمكن الحديث عن "موت الشعر" بدون الالتفات إلى التحوّل الذي طرأ على العالم منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتّى الآن؟ ما حالُ بعض المجالات الإبداعية الأخرى التي تعيش اليوم، وإن بنسب متفاوتة، المصير نفسه الذي يعيشه الشعر؟ ثمّ، هل يمكن إغفال التحدّي الذي يفرضه التقدّم العلمي وهل بالإمكان إشاحة النظر عن الإنجازات التقنية التي تجسّد بعض الرؤى وتعطي الحدس شكلاً فتسبق بذلك، في أحيان كثيرة، روايات الخيال العلمي، بل وتفتح أمام الحلم آفاقًا جديدة لم تكن موجودة من قبل؟ هل يمكن ألاّ يؤخذ في الاعتبار التطوّر التكنولوجي وأثره في التغيّر العميق في المجتمعات الإنسانية وعلاقة البشر في ما بينهم، وكذلك مع محيطهم والبيئة التي يقيمون فيها؟
*
لا يتحرّك الشعر وحده في المشهد الثقافي الراهن، شرقاً وغرباً. إنّه جزء من منظومة ثقافيّة تتغيّر ملامحها كما تتغيّر طريقة التعاطي معها والنظرة إليها ضمن الحياة العامّة ككلّ.
*
لم تكن القصيدة غريبة كما هي الآن. غريبة ليس فقط عن الآخر، وإنّما أيضًا عن نفسها. وإن خرجت من مخبئها فلا أحد يعرفها ولا تعرف أحدًا. ليس فقط القصيدة بل الأدب الجادّ. بل الإبداع الجادّ بأكمله. ولأنه خارج دورة الاقتصاد، فهذا يعني أنه خارج الشاشة الصغيرة وخارج الحيّز الاجتماعي العامّ...
*
ينحسر الشعر، إذاً، وتتصدّر الرواية المجال الأدبيّ في العالم. يصدر في باريس وحدها، خريف كلّ عام، أكثر من ستمئة رواية. بعض هذه الروايات يموت لحظة ولادته، وبعضها الآخر لا يعيش في المكتبات أكثر من شهر أو شهرين. ضمن هذا المناخ التسويقيّ الذي لا يرحم، تصبح الكتابة التي تبلغ النجاح المادّي والإعلامي أشبه بالنُّطفة الأولى التي تُخَصِّب بُوَيضة رأس المال، وما دونها يتخلّف وراءها ويضيع.
*
الأدب الرّائج اليوم ينطلق، في الغالب، من قضايا اجتماعية وسياسية وإنسانية عامّة. يثير فضول القارئ ويكون، في معظم الأحيان، أدبًا مسلّيًا لا تتطلّب قراءته جهدًا. وهذا ما يفسّر نجاح بعض الروايات على المستوى العالمي. لكن، هذه العالميّة لا تعني شيئًا في زمن العولمة، ونَقل عمل روائي إلى الكثير من اللغات لا يعكس دائمًا، بالضرورة، مدى قيمته وأهمّيته...
الروائي مارك ليفي يتناوله بعض النقد بصفته الكاتب الفرنسي الأكثر مبيعًا والأكثر ترجمة. أمّا التعريف به فغالباً ما يكون بالأرقام، على الصورة الآتية: «بدأ الكتابة منذ عشر سنوات. له عشرة كُتب نُقلت إلى إحدى وأربعين لغة، وبيع منها أكثر من عشرين مليون نسخة. روايته الأخيرة «سارق الظلال» بيع منها أربعمئة وخمسين ألف نسخة. معدّل المسافة التي يجتازها خلال شهرين ونصف الشهر للترويج عن كتاب جديد له تبلغ مئة ألف كلم» (نقلًا عن صحيفة "لوفيغارو").
*
يقول الكاتب الفرنسي باسكال كينيار في كتابه "ظلال تائهة" الحائز على جائزة غونكور إنّ "الكتاب الوحيد الذي يُقرأ في معرض فرنكفورت الدولي للكتاب هو دفتر الشيكات".
*
يكشف هذا الواقع الوجه الآخر للكتابة في الوقت الراهن. إنّ ما يحدّد أهمّية الكتاب ونجاحه وشهرته هو، في المقام الأول، قيمته الشرائية. التجارة هي الأساس بعدما أصبحت الروايات تشكّل صناعة قائمة بذاتها في الغرب. صناعة تستخدم قنوات محدّدة وجيوشاً من المتواطئين، من وسائل الإعلام والنقّاد وسوق النشر إلى المهرجانات والجوائز. هذا لا يعني أن ليس ثمة روايات تستحقّ التقدير والجوائز، لكن مثل هذه الأعمال الأدبية أصبح ينتمي إلى النّدرة والاستثناء...
والحال هذه، أليست الرواية، وعلى الرغم من شيوعها وانتشارها، هي أيضًا في أزمة، كما الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية، فضلاً عن الفنون التشكيلية؟
*
يُعلَن عن الأدب بالأرقام، وبالأرقام يتمّ التداول مع الفنّ التشكيلي. مئة مليون دولار كان سعر الجمجمة المرصّعة بالألماس التي أنجزها الفنّان البريطاني داميان هورست، وخمسون مليون دولار ثمن بالون البلاستيك الأحمر المنفوخ على شكل كلب صغير ويحمل توقيع الفنّان الأميركي جيف كونز...
إنّ الفنّ الذي يدغدغ العين ويستميل العواطف ويستقطب الاهتمام هو تجسيد لانحطاط المشروع الحداثي مثلما كان الفنان الفرنسي فرنسوا بوشيه في القرن الثامن عشر تجسيدًا لتردّي القيم الكلاسيكية، ومثلما رأينا ما آلت إليه النهضة الإيطالية وأين استقرّت بعض الأشكال والأساليب الفنية التي عُرفت باسم «مانييريسم» (التكلّف في الفنّ)، ومثلما تحوّلت الرومانسية والكلاسيكية الجديدة في القرن التاسع عشر، في إنكلترا وفي فرنسا على السواء، إلى فنّ أكاديمي صرف.
*
إنّ الوهج الذي عرفه الغرب، وفرنسا بالأخصّ، في الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية، والذي بلغ أوجه في النصف الأول من القرن الماضي، يشهد تراجعًا كبيرًا اليوم. تضؤل الأصوات التي بلوَرها الفكرُ النقديّ وصقلتها النزعة الإنسانية، تلك النزعة التي تعاني في الزمن الراهن من عزلة قلّما شهدتها في تاريخ الفكر، منذ الفلاسفة الإغريق حتى اليوم.
*
منطق الرأسمالية المتوحّشة لم يترك آثاره فقط على الاقتصاد والاجتماع والبيئة والمناخ والثروات الطبيعيّة، وإنما أيضًا على المسار الثقافي وإنجازاته عبر الزمن. هناك، الآن، نظام بيئيّ مهدَّد وأجناس حيّة تنقرض أو هي مهدّدة بالانقراض، وهناك، في المقابل، كائنات من طبيعة فكرية وجمالية، على طريق الزوال. هناك مجالات إبداعية كانت أساسية في الثقافة الإنسانية طوال مئات السنين، وفي مقدّمها الشعر والفكر والفلسفة، وأضحت اليوم في موقع الهامش لأنها غير قابلة للتسليع ولا يمكن إخضاعها لمعادلة العرض والطلب.
*
حيال هذا الواقع، وفي موازاة ما تُطلقه ثقافة الإعلان والدعاية والاستعراض، وتسليع كلّ شيء بما في ذلك الأحاسيس والعلاقات الإنسانية، ثمّة أصوات لا تزال تمثّل التجربة المتوهّجة صاحبة البُعد الكوني. أصوات تؤمن بأنّ الاقتصاد وحده لا يكفي للنموّ، وأنّ التقدّم التقني والتكنولوجي لا يستقيم فعلاً بدون تقدّم على المستوى المعرفي والإنساني، وأنّ الجماليات والفنون والعلوم الإنسانية تساعد أيضًا على مُقاربة نوازع البشر وفهمها حتى لا يصبح الإنسان نفسه فريسةَ تلك النوازع. صحيح أنّ هذه الأصوات باتت قليلة، غير أنّ أهمّيتها تزداد في مقدار ندرتها، وفي عدم انصياعها للأنساق السائدة، وفي قدرتها على أن تكون، على الرغم من التهميش المفروض عليها الآن، نُواة حيّة لأزمنة آتية...
ألا يقول جلال الدين الرومي إنّ «الجوهرة تحت الأنقاض»؟
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: