في ال1944 كان معرض الدويهي الفرديّ الأوّل وليس في ال 1945

7:47:00 ص

23 

لم يبتعد غابرييل غارسيا ماركيز عن الصواب يوم كتب ان " الزمن يحافظ على نفسه في الاشياء التي ما زالت تمتلك عمرها الاصلي، بينما القرون تهرم". فقد راودني شعور كهذا وأنا أقلّب الاوراق التي تركها الفنّان صليبا الدويهي في عهدة إبن شقيقته، ومسعفه الدائم، المرحوم طنّوس الشدياق. على أمل ان يُعيد الامانة إليه، في حال تعثّرت أموره في الخارج، وعاد الى وطنه. وهي أوراق آلت، من ثمّ، الى إبنه صليبا المسمّى على إسم خاله المعتبر مفخرة من مفاخر لبنان. وتشتمل على قصاصات صحافيّة بعضها يحمل تاريخاً ظاهراً، وبعضها الآخر ضائعة التاريخ، أو حتى المصدر. كما تشتمل على رسائل، وعلى مقالات تفاوت مصيرها في الحفظ كانت ساهمت، في زمانها، في تركيز الإنتباه عليه في خلال المرحلة التي حطّ فيها الرحال في بيروت ( 1943-1950)، وفتح محترفاً في شارع محّمد الحوت، في بناية نجيب موصلّي. الاّ أنها جميعها ذات فائدة أكيدة لإسهامها بزيادة معرفتنا بمراحل مساره الفنّي، وإلمامنا بتفاصيل ربّما كانت منسيّة.

وقد شاع طويلاً إن الدويهي أقام أوّل معرض فرديّ له في العاصمة اللبنانيّة في "فندق السان جورج" عام 1945. لكن مقتضيات الدقّة تستدعي تصويب الأمر. فقصاصاته تثبت بالبرهان القاطع أن معرضه هذا دُشّن عند الخامسة من يوم الخميس في 22 حزيران 1944، برعاية وحضور الرئيس بشارة الخوري، بحسب ما تُظهره صفحة صمدت من الأسبوعيّة اللبنانيّة باللغة الفرنسيّة : " لا ريفو دي ليبان" La Revue Du Liban التي أسسها الأخوان إبراهيم واميل مخلوف في باريس، عام 1928، قبل انتقالهما بها الى بيروت. وتحديداً
من عددها رقم 41 ( السنة الخامسة عشرة) الذي تلقّفته أيدي القرّاء في 25 حزيران 1944، وعلى صفحته مانشيت بالخطّ العريض "الفن اللبناني". ومقابله بخطّ أقلّ عرضاً: " تدشين معرض الرسّام الدويهي بحضور رئيس الجمهوريّة". وصورة فلشت على إمتداد اربعة أعمدة من أصل خمسة تُبرز الرئيس بشارة الخوري متوقّفاً أثناء جولته على اللوحات المعروضة أمام البورتريه خاصته كما خرج من تحت ريشة الدويهي، وإبتسامته العريضة لتعلن أمام العدسات رضاه التام عّما رأته عيناه واستوجب تهنئته الحارة للدويهي على عمله المشرّف للفنّ اللبناني. ومن حول الرئيس كان جورج حيمري، المسؤول آنئذ عن مديريّة التربية الوطنيّة، مسى مبارك، رئيس البروتوكول، والشاعر هيكتور خلاط، حافظ المكتبة الوطنيّة.وأسفلها صورة أقلّ حجماً لرئيس الجمهورية متوسّطاً حبيب أبو شهلا، نائب رئيس الحكومة، والوزير الفرنسي شاتانيو Chataigneau، فالدويهي وعقيلة توفيق الشرتوني، وخلفهم النقيب لحّود، والملازم الأمير عبد القادر شهاب، من ضباط المواكبة. وفي جوارها، من جملة المعروضات، لوحة لميدان إهدن، بملامحه القديمة، مغموراً بالثلوج التي يشقّ أحد المسنّين طريقه بصعوبة بين ما تراكم منها، مستعيناّ بعصاه. محاكياً بذلك المصان من محفوظات الدويهي وهو يشقّ الطريق إلينا، فإليكم معيداً عقارب زمنه للدوران في الذاكرة.

وصليبا، للإطلالة من الصورة، وكأنه في حالة نعمة ربّانيّة.
محسن أ. يمّين

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا