السبت، 13 يناير 2018

أحمد زعزع... الإغراء العربي المنقوص

SHARE




استهوتني الأفلام والموسيقى الغربية في فترة المراهقة وأحسب أنها أبعدتني عن متابعة الأفلام العربية التي خلتها مضيعة للوقت، باستثناء الكوميدية منها بطبيعة الحال. لذا، فاتني التأمل في مكونات الإغراء المدسوسة بذكاء، كما اكتشفت في ما بعد، في أفلام عربية كثيرة. 

كنت في مراهقتي أقلّد أصوات الضحكات الأنثوية الخليعة في البارات القاهرية، والمشاهد الكليشيهاتية الفاقعة في الريف المصري، وطريقة وقوف الممثلين الغريبة في مواجهة الكاميرا بحيث يدير الممثل ظهره للآخر عند الحديث معه أو معها، وكنت أحفظ مع أخواتي مقاطع كاملة من حوارات إسماعيل ياسين وتوفيق الدقن ومحمود المليجي وماري منيب وعادل أدهم وغيرهم لنعيدها مرارا أمام والدتي، رحمها الله، التي شجّعت فينا الميل إلى السخرية والإضحاك والتقليد. من أين لي أن أجد، حينها، الإغراء في الأفلام العربية التي كنا نشاهدها؟ في صوت ماجدة المبحوح والمجروح والذي تطلقه غالبا وهي جالسة وتنظر راجية إلى الرجل الواقف فوقها بتسلّط ذكوري ما يدفعك إلى الرغبة العارمة في خنقها وكسر عنقها لإسكات هذه البحة الملحّة؟ ام في صرامة وجدية فاتن حمامة التي تذكرك بالخالة والعمة ومديرة المدرسة التي تطلب الإحترام الرصين وتفرضه ولا تسمح بغيره في المخاطبة؟ أم في برودة وجمود ميرفت أمين وشمس البارودي اللتين وإن لبستا القصير والمكشوف والمايوه إلا ان شيئا ما في قسماتهن الجامدة كان يوحي بإنفصالهن وترفعهن عما يؤدّين؟ أحسب أنني، منذ سن المراهقة، أقيم الوزن الأكبر في مشاهد الإغراء لتعابير الوجه وليس لقصر الثياب أو ضيقها أو تهتّكها. لا بديل عن نظرة العيون التي وحدها تثير الخيال وتشعل الأحاسيس و تخرج المكنون.

في مقابل العري المثير والقبل الملتهبة في الأفلام الأجنبية، كانت مشاهد الإغراء في الأفلام العربية، وهنا أتكلم بشكل عام عن الأفلام التجارية المتاحة حينها وأستثني الأعمال الطليعية والتجريبية والجادة بالطبع، لا تثير فينا سوى الضحك والقهقهة حينذاك، إذ كان يصعب غض النظر عن فجاجة الملابس ورداءة التمثيل وركاكة الديكورات وطغيان شريط الموسيقى المكرر إلى حد الغثيان. ربما لم يُتح لي كل ذلك أن "أقبض" الإغراء العربي وأن أصدّقه ولو للحظة.

الفيلم العربي الوحيد الذي خرجت منه غاضبا قبل أن ينتهي كان فيلم "بمبة كشر" لناديا الجندي الذي رافقت إليه الوالدة، رحمها الله، إلى سينما هيلتون في صيدا. بين طقطقة البزر والحديث النسوي بصوت عال وغلاظة أداء الجندي وتفاهة دورها لم أستطع البقاء إلى النهاية. منذ ذلك اليوم، آليت على نفسي ألا أخرج أبدا من أي فيلم أتورّط بمشاهدته مهما بلغت رداءته وتفاهته، بل أبقى إلى النهاية لأستطيع أن أقول أنني شاهدته كاملا وتحمّلت غلاظته كاملة. 

على العكس من ذلك، كنت شديد التأثر بالأفلام الإيطالية والفرنسية المغرية الأكثر إقناعا وواقعية بأماكنها وشخصياتها وحكاياتها. من مشاهد الإغراء الأجنبية التي لا تنسى، أذكر بشكل خاص أدوار الممثلة الإيطالية لورا أنطونيللي التي يُخفي شكلها الأقرب إلى العادية لهيب الإغراء وصهيل الجنس والدعوة المعلنة إلى المجون من العيون والنظرات بلا أي مجهود، والتي لعبت أمام مارسيللو ماستروياني في أحد الأفلام في دور زوجة خائنة، على ما أذكر، ليراقبها تستقبل عشاقها من نافذة مقابلة، ثم يخونها مارسيللو ماستروياني بدوره مع صبايا جميلات. أي فيلم عربي كان بإمكانه منافسة مشاهد كهذه؟ أي فيلم عربي يستطيع منافسة لورا أنطونيللي وهي تستعرض مفاتن جسدها الساحرة بتلكؤ قاتل أمام مراهق غرّ يتلصّص عليها من سقيفة عالية وهو يتصبّب عرقا وحسرة وإرتباكا؟ أكثر بكثير من سيلفيا كريستيل، بطلة أفلام سلسلة "إيمانويل" الإباحية الناعمة، التي تنضح أناقة بفرنسيتها وتكوينها الأوروبيين، كانت لورا أنطونيللي تبدو، بتقاطيعها العادية المتوسطية وشعرها المجعد، أقرب إلى إبنة الجيران الطيبة والمحتفظة بمسحة براءة ظاهرة حتى وهي تخلع ثيابها وتتلوى متلذذة بعذاب العيون المتلصصة. كانت لورا تبدو مرتبكة وخجولة بأنثويتها الطاغية، على عكس سيلفيا التي تدرك تماما جاذبيتها وأناقة جمالها بحيث تبدو عصية ومتكبرة وخارقة التوهج وبعيدة بشكل فلكي. سيلفيا لا تحتاج المتفرج لأنها تعلم أنها تسيطر عليه بالكامل. أما لورا فتستجدي عطفه لأنها تشاركه الحيرة والإرتباك والتعثر. هي تكتشف جسده وأحاسيسه معه. هذا الإلتباس وراء غلاف الطيبة الرقيق هو في أساس الإغراء الساحق والماحق الذي مارسته لورا على أبناء جيلي على ما أظن. أين أنت يا لورا وآه لو تعلمين ماذا فعلت بنا. ويلي لو يدرون ويلي.
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: