أومبرتو إكو... عن الكتب التي لا تقرؤها

7:52:00 ص



أتذكر، وقد تزلُّ ذاكرتي، مقالة بديعة لجورجو مانجانيلي يشرح فيها كيف يمكن أن يعرف القارئ الحصيف أي الكتب جدير بالقراءة حتى قبل أن يفتحه. لم يكن يشير إلى المقدرة المطلوبة غالبا في القارئ المحترف، أو القارئ الشغوف والفطن، وهي مقدرة الحكم من السطر الأول، أو من صفحتين يلقي عليهما نظره اعتباطا، أو من الفهرس، أو من السيرة الذاتية في كثير من الحالات، سواء أكان الكتاب جديرا بالقراءة، أم غير جدير بها. فهذه ببساطة، في رأيي، خبرة. أما مانجانيلي فكان يتكلم عن نوع من الإشراق، عن موهبة كان واضحا وغريبا أنه يزعم امتلاكها.
كتاب "كيف نتكلم عن كتب لم نقرأها" للمحلل النفسي وأستاذ الأدب بيير بيار لا يتكلم عن كيفية استطاعتك ألا تقرأ كتابا بل عن كيفية تمكنك من الكلام ببساطة عن كتاب لم تقرأه، حتى أمام تلاميذك، وحتى لو أنه كتاب ذو أهمية استثنائية. والحسابات التي يقيم عليها كتابه شديدة العلمية. ففي المكتبات الجيدة ملايين عديدة من الكتب: بحيث أننا حتى لو قرأنا كتابا كل يوم فلن نقرأ غير 365 كتابا في السنة، أي قرابة 3600 كتاب كل عشر سنوات، فلا نقرأ بين العاشرة من العمر والثمانين إلا 25200 كتاب. أي لا شيء. في المقابل، يعرف أي إيطالي تلقَّى تعليما ثانويا جيدا تمام المعرفة أن بوسعه الاشتراك في مناقشة حول ماتيو بانديلو مثلا أو فرانشيسكو جيتشيارديني، أو ماتيو بوياردو، أو مآسي فيتوريو ألفيري، أو "اعترافات إيطالي" لإبوليتو نيفو، بدون أن يعرف شيئا غير الاسم والعنوان وطرف من السياق النقدي، وبدون أن يكون قد قرأ كلمة من أي منها.

والسياق النقدي هو النقطة الحاسمة عند بيار. فهو يعلن دونما خجل أنه لم يقرأ قط "عوليس" لجيمس جويس، ولكنه مع ذلك قادر على الكلام عنها بالإشارة إلى حقيقة أنها إعادة حكي للأوديسة ـ التي يعترف أنه لم يقرأها قط بالكامل ـ وأنها قائمة على مونولوج داخلي، وأن الحدث يجري في دابلن على مدار يوم واحد، وما إلى ذلك. "ونتيجة لذلك" حسبما يكتب "غالبا ما أجد نفسي أشير إلى جويس بدون أدني قدر من القلق". فغالبا ما تعني  معرفة علاقة كتاب بغيره من الكتب أنك تعرف عنه أكثر مما يمكن أن تعرف من خلال قراءته الفعلية.

يبيِّن بيار كيف أنك تدرك حينما تقرأ بعضا من الكتب المهملة أنك على دراية بمحتوياتها، لأن آخرين قرأوها وتكلموا عنها واستشهدوا بفقرات منها، أو نقلوا أفكارها. ويقدم بعض الملاحظات الطريفة عن إشارات نصوص أدبية إلى كتب من التي لا تقرأ مطلقا لكتاب من أمثال روبرت موزيل وغراهام غرين وبول فاليري وأناتول فرانس وديفيد لودج. وهو يشرفني بتخصيص فصل كامل لروايتي "اسم الوردة" حيث يوضح وليم من بسكارفيل معرفته بكتاب "فن الشعر" الثاني لأرسطو بينما يمسكه بيديه للمرة الأولى. وهو يفعل هذا لسبب بسيط هو أنه يستنتج مقولات الكتاب من صفحات أخرى عند أرسطو. ولست أشير إلى هذه الفقرة بدافع من الزهو المحض كما سنرى في نهاية هذه المقالة.

الجانب الآسر في هذا الكتاب ـ وهو أقل تناقضا مما قد يبدو ـ هو أننا ننسى نسبة هائلة من الكتب التي قرأناها بالفعل، وأننا في واقع الأمر نقيم ما يشبه صورة بصرية لهذه الكتب لا تتألف مما تقوله الكتب فعليا بل مما تشكَّل منها في عقولنا. وهكذا حينما يشير شخص لم يقرأ كتابا إلى فقرات أو مواقف فيه وهي غير موجودة فيه، نكون مستعدين لتصديق وجودها في الكتاب.

بيار لا يبدي كثير اهتمام بمن يقرؤون الكتب، بل بالفكرة ـ وهنا يظهر صوت المحلل النفسي لا أستاذ الأدب ـ فكرة أن كل قراءة أو عدم قراءة أو قراءة معيبة فيها جانب إبداعي، وأن على القراء ـ وأقولها بهذه البساطة ـ أن يعملوا قدراتهم الإبداعية. لدرجة أنه يتطلع إلى مدرسة في المستقبل "يخترع" فيها الطلبة كتبا لا يكون لزاما عليهم أن يقرؤوها بما أن الحديث عن كتب لم تقرأ هو وسيلة وعي بالذات.

لولا أن بيار يبين كيف أنه حينما يتكلم امرؤ عن كتاب لم يقرأه، فحتى الذين قرؤوا الكتاب لا يدركون ما قاله عنه من خطأ. ويعترف قرب نهاية الكتاب أنه قدَّم ثلاث معلومات خاطئة عن "اسم الوردة" وعن "الرجل الثالث" لغراهام غرين وعن "أماكن متغيرة" لديفيد لودج. والمدهش أنني حين قرأت تلك المعلومات المغلوطة لاحظت فورا الخطأ المتعلق بغراهام غرين، وتشككت في المعلومة المتعلقة بديفيد لودج، ولم أنتبه على الإطلاق للخطأ في كتابي أنا. ولعل معنى هذا أنني لم أقرأ كتاب بيار حق قراءته، أو أنني بالأحرى تصفحته تصفحا، وله ولقرائي أن يرتابوا في هذا. ولكن الأكثر إثارة للاهتمام هو أن بيار عجز عن ملاحظة أنه ـ إذ يعترف بأخطائه الثلاثة العمدية ـ يفترض ضمنا أن بعض طرق القراءة أصح من بعضها، وأنه من ثم يدرس بتمعن الكتب التي يستشهد بها لدعم نظريته عن عدم ضرورة قراءة هذه الكتب. وهذا التناقض واضح إلى حد أنه يجعل المرء يتساءل عما لو كان بيار قد قرأ أصلا كتابه هذا الذي كتبه.


المقال مأخوذ من كتاب Chronicles of a Liquid Society  لأمبرتو إكو، وقد ترجمه من الإيطالية إلى الإنجليزية ريتشارد ديكسن، وأعيد نشر هذا المقال في موقع مجلة ذي باريس رفيو

نشرت هذه الترجمة في جريدة عمان
ترجمة أحمد الشافعي

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا