روضة الصحراء

1:32:00 م

تناقلت الألسن أخبار مجنون ليلى وأشعاره العذبة عبر الزمن، وتعددت الروايات حول عشقه وهيامه في البرية مع الوحوش، لا يأكل فيها إلا مما ينبت فيها من بقل، "ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها". وذكر الصفدي في "الوافي بالوفيات" أنه ظل "يهيم في كل واد، ويتبع الظباء، ويكتب ما يقوله على الرمل، ولا يأنس بالناس".

نقل الأصفهاني في كتاب الأغاني رواية تقول: " كان يهيم في البرية مع الوحش ولا يأكل إلا ما ينبت في البرية من بقل ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها، وطال شعر جسده ورأسه، وألفته الظباء والوحوش فكانت لا تنفر منه، وجعل يهيم حتى يبلغ حدود الشام، فإذا ثاب إليه عقله سأل من يمر به من أحياء العرب عن نجدٍ، فيقال له: وأين أنت من نجد. فيقول: فأروني وجهة الطريق. فيرحمونه ويعرضون عليه أن يحملوه وأن يكسوه فيأبى، فيدلونه على طريق نجد فيتوجه نحوه".
تردد صدى هذه الروايات في ميدان الشعر الفارسي. ظلّ عاشق ليلى على ولهه رغم اصطدام حبّه المستحيل بالتقاليد والقيود، ففرّ من الخلق، وسلك طريق صحراء نجْد حيث ألف الوحشة وألفته الوحوش. بعيداً عن أرضه وأهله، انقطع المجنون عن الدنيا ونسي العقبى، و"شرب خمر الوحدة الصرف"، وعاش من العشق وبالعشق، فاستكانت وحوش الصحراء عند قدميه حتى ماثلت الغزلان في وداعتها، وباتت تجلس إليه وتحرسه في وحشة الليل والنهار.

في الرواية التي نظمها نظامي الكنجوي، احترف العشق الوحدة وتوحّد في العشق حتى صار صديقاً للأسد ورفيقاً للنسر، وبات كل حيوان من الحيوانات المفترسة متلهفا لخدمته، فصار عليها سيدا وصارت تخضع له وكأنه سليمان. وقد ظلّت الوحوش على هذه الحال بالقرب من العاشق، وحين لفظ أنفاسه الأخيرة، استعادت الحيوانات طبيعتها الأولى بعد أن ظلت تحرس الشهيد لحين.
في نسخة من "خمسة نظامي" أُنجزت في عام 950 هـ، وهي من محفوظات معهد الدراسات الشرقية في بطرسبرغ، يظهر مجنون وسط جمع من الحيوانات التي تتجه نحوه من كل صوب. الأرض عسلية والسماء ذهبية. تزهر صحراء نجْد وتتحول إلى حديقة نيّرة، الثعلب فيها رفيق الأرنب، والغزال صديق الأسد. في حركة موازية، ينزل طير أبيض من السماء لينضمّ إلى الحلقة، ويتقدّم نمر بخفر باتجاه سيّد هذا الجمع. تحتل وسط الصورة شجرة كبيرة تلتف حول جذعها أبيض أفعى رصاصية اللون. يجلس مجنون ليلى تحت هذه الشجرة مما يجعل منه نقطة التقاء الخطوط في هذا التأليف.
يستعيد العاشق مجد آدم الأول يوم جعله الله "في الأرض خليفة" وعلّمه "الأسماء كلها" (البقرة 30-31). تبدو الصحراء المزهرة وكأنها روضة من رياض الجنة التي احتار المفسرون في تحديد موقعها، فقال البعض إنها في السماء، وقال البعض الآخر إنها في الأرض. وثمة من رأى أنها جنة المأوى التي وعد الله المتقين أن يدخلوها في الآخرة، فيما رأى فريق آخر أنها جنة من جنات الدنيا لأن إبليس دخلها ووسوس إلى آدم فيها.

كتبها محمود الزيباوي في صفحته الفايسبوكية

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا