طريق كافكا المسدود

8:37:00 ص

فادي سعد

ليس من الصعب كتابة جملة أو مقالة أو بحث عن سحر الكتابة الكافكاوية، كثيرون سيهزّون رؤوسهم موافقين على هذا المديح (حتى لو لم يقرأوا كافكا). والحقيقة أن المرء لا يمكن أن يخطئ كثيراً في مديح الموهبة التي تملّكها كافكا بشكل متفرّد، والتي جعلتْهُ يحتلّ مكانة استثنائية في تاريخ السرد القصصي والروائي. 
نقْدُ كافكا لا يمتلك الشعبية نفسها، فالكافكاويون المنتشرون في كل مكان، لا تنقصهم الحميّة للاستماتة في الدفاع عن صاحب «القلعة»، لكن غاية هذه المقالة هي محاولة النظر إلى المنجز الكافكاوي بعين أخرى، تبحث بشكل مقصود عن نقاط ضعف هذا المنجز. 
بداية، لا بد من استهلال (مدحي نوعاً ما) يعترف بفرادة كافكا، ممّهداً بذلك الوصول إلى الخاصرة الرخوة للكتابة الكافكاوية بموضوعية أكبر ربّما. فلا أحد ينكر التفرّد الكافكاوي: ذاك الأسلوب الذي يمزج بين مخيّلة مخيفة في وساعتها وغناها وغرابتها ووعي في الكتابة مخيف أيضاً في حريّته وانضباطه؛ التفرّد الذي أفضل من لخصّه ربّما غابرييل غارسيا ماركيز في قوله بأن «كافكا هو الذي جعلني أفهم أنه يمكنني أن أكتب بشكل مختلف» («الوصايا المغدورة»، ميلان كونديرا). لكن هذا الكافكا «المختلف» الذي يصفه ماركيز، لم يكن كذلك في بداياته الكتابية (كحال معظم الكتّاب بالضرورة)، فالقصص الأولى التي كتبها من عام 1904 حتى 1912، والتي تُرجمتْ إلى الإنكليزية كمجموعتين قصصيتَيْن تحت العنوانين: «القصص المبكرة» و«تأمل»، لم تكن تمتلك بعد ذاك النضج والتوهّج الذي تميّزت به كتابة كافكا في مراحل لاحقة (مع أنّ اللمعات النثرية الكافكاوية كانت واضحة فيها). حتى القصة القصيرة «الحُكم» (1912) التي كتبها كافكا (حسب مذكراته) في ليلة واحدة ويعتبرها هو نفسه نقطة تحوّل في مسيرته ككاتب، ليست أهم وأجمل ما كتبَ، بل انطلق كافكا بعد ذلك ليكتب مجموعات وقصصاً أجمل وأقوى فنياً؛ فقصّة مثل «مستعمرة العقاب» (1914) تعادل لوحدها ثقل كل قصص كافكا الأولى، وقصصه اللاحقة كـ»طبيب ريفي»، «سور الصين العظيم»، «أبحاث كلب»، «فنان الجوع» هي التي تعبّر بأفضل ما يمكن عن الروح الفريدة المـُجدِّدة لمشروع كافكا الكتابي. 
لا يهمّنا هنا التأويلات الدينية والاجتماعية والماركسية و«الصهيونية» التي حاول كثيرون إلصاقها بالمجاز الكافكاوي، ففي رأيي ليست هذه التأويلات ـ إن صحّتْ إحداها ـ جوهر المنجز الكافكاوي وغايته. الجوهر هو في تلك الاستعارة المشهدية الكافكاوية الهائلة بغناها وحداثتها التاريخية وجمالياتها الأسلوبية، التي عمل كافكا على حفرها في مسار الكتابة النثرية الروائية. باختصار، كافكا هو ذاك الأسلوب في الكتابة الذي لم يستطع أحد من قبل تخـيّله ثم إنجازه بهذه البراعة والجرأة. أسلوب كان حديثاً في زمنه بكل ما يحتمله معنى الحداثة من قطيعة مع ما سبقه وبناء أفق جديد تماما لما سيلحقه؛ أسلوب كما أشرنا كان يتطوّر مع حياة كافكا (لا بدّ في النهاية من بصمة الأسلوب كأحد أهم العوامل – إن لم يكن أهمّها – التي تحدّد أهمية منجز إبداعي ما وقدرته على ترك أثر تاريخي في مسيرة الفن). 
لكن، مع التطوّر الذي كان يحصل في الأسلوب، كان يبدو كأن هذا الأسلوب يتقوقع بشكل مطّرد في دائرة ثيمية بقي سجيناً داخلها. كانت كتابة كافكا تتطوّر مع الزمن شكلاً فقط بدون تطوّر موازٍ في المضمون. كان قلم كافكا يزداد جمالاً بدون أن يزداد عمقاً. لقد صوّر كافكا في كتاباته متاهة كابوسية عالقا فيها إنسان مهزوم لا يستطيع الهرب من عبثية هذه المتاهة. لكن لا يمكن المرء أن يرى في هذه المتاهة، رغم كل البراعة في التعبير، سوى نظرة كافكا الخاصة جداً إلى الواقع. لقد صوّر كافكا واقعاً خاصاً به، واقعاً ذاتياً جداً، واقعاً محتملاً، لكنه في النهاية خالٍ من أيّ غنى وتنوّع. لم يخرج كافكا في كتابته من سجن الواقع الذي كان يشعر أنه يسحقه، وظلّ يدور في أعماله واحداً تلو الآخر في المساحة الضيّقة لهذا السجن، الذي لم يكن يرى غيره؛ سجنٌ كتيم ليس فيه أي نافذة من النوع الذي يتوقع المرء أن يجده في بناء روائي من المفترض أن يكون متعدد الاحتمالات. بالتأكيد، نظرة كهذه إلى الواقع يمكن أن تُكتَب عنها قصص عديدة، يمكن أن تُكتَب عنها رواية، لكن أن ينهض منجز إبداعي كامل على فكرة شبه وحيدة تتكرّر بأوجه مختلفة بشكل دائري، يبدو في النهاية تدريباً سيزيفياً خانقاً ومملاً. 
هل من المحتمل أن كافكا كان كاتباً موهوباً بدون أن يكون لديه الكثير ليقوله؟ أم أن فكرته عن حياته ونفسه كانت تستحوذ عليه إلى درجة أنه لم يكن في إمكانه النظر أبعد من دائرة الوجود الصغيرة المحيطة به؟ الوجود الذاتي الذي كان يراه هو. عندما كنتُ أقرأ روايات كافكا الثلاث، لم أستطع تجنّب ذاك الشعور الثقيل بالانقباض، الذي ينتاب المرء عندما يقرأ قصة تراجيدية طويلة لا تريد أن تنتهي، وجلّ اهتمامها هو إثارة إحساس التعاطف لدى الآخرين. فكيف إذا كان يتم سرد هذه التراجيديا نفسها ثلاث مرات! يبدو لي أحياناً كأنّ كافكا كان منشغلاً كثيراً بنفسه إلى درجة العجز؛ ذاك العجز الذي يوصل في النهاية إلى حالة الضعف المطلق ووضعية الاستسلام غير المشروط، كأنه كان يسير منكّس الرأس، وأراد أن يكتب (ثانية بجمالية استثنائية) كل ما يراه أمام قدمَيْه من الأرض فقط، بدون النظر أبعد من ذلك. ليس الحديث هنا عن بديهية الضعف الإنساني، بل عن نظرة الروائي، فمن المستغرب أن يكون جلّ ما يكتبه أي روائي هو ما يراه من خلال زاوية نظر بهذا الضيق وتلك الذاتية.
ربما بسبب ذاك الضيق وتلك المحدودية الثيمية يبدو كأن سحر كافكا يبهت كلّما زاد طول عمله. في الكثافة والقصر ينجو أسلوب كافكا من عبثية الدوران المكرّر حول ذاته. قصصه تبدو ألمع وأكثر تماسكاً من رواياته. عمله «التحوّل»، نجا من التفكك في كونه رواية قصيرة (أو قصة طويلة). هل يمكن أن نتجرّأ ونقول إن كافكا كاتب قصة ساحر، لكنه روائي مملّ ومكرّر؟ (لا أظن سيبقى كافكاوي الآن يتابع هذه المقالة). 
من الممكن أن نحاول الآن، بالاعتماد على هذا التحليل، استحضار بعض الإجابات على تلك الألغاز الكافكاوية التي التصقتْ بحياة كافكا. هل السبب أن روايات كافكا بقيت مخطوطات غير منتهية حتى موته، يعود إلى أن كافكا كان مهتماً بسرد التراجيديا التي كان يراها ممسكة برقبة الإنسان الحديث، ولم يكن لديه أدنى فكرة (أو رغبة) عن كيفية إيجاد نهاية أو احتمال نهاية لهذه التراجيديا. أخبر صديقه ماكس برود في شهر سبتمبر/أيلول 1922 بأنه تخلّى عن إكمال رواية «القلعة»، بشكل نهائي على الأغلب، وكان على برود أن يختار هو النهاية في الطبعة الأولى التي حرّرها بنفسه ونشرها عام 1926. رواية «المحاكمة» لم تكن مُنتهية أيضاً، وكان على برود ثانية أن يقوم بتحرير المخطوطة وترتيب فصولها (التي لم يرقّمها كافكا) حسب رؤيته الشخصية. المصير نفسه من التشرذم في ترتيب الفصول والتقطّع في الكتابة والالتباس في النهاية، كان من نصيب رواية «أمريكا» التي كانت الرواية الأولى التي بدأ كافكا بكتابتها، والرواية الأخيرة التي نشرها برود بعد وفاة صديقه. «أمريكا»، التي أراها برأيي الرواية التي تُثبت أكثر من غيرها لماذا كافكا كاتب نثر عظيم، ولكنه روائي عادي. 
أما اللغز الآخر، ذاك الذي يخصّ طلب كافكا من صديقه برود أن يحرق ما كتبه، فلا أرى أنه من الصعب تفسيره. فالكاتب الذي يرى أن مصير بطله جوزيف. ك المأساوي يجب أن يتكرّر بطريقة أو بأخرى في كل رواياته، لا بدّ أن يشعر، ولو للحظة قصيرة، بعبثية ما يكتب. كافكا الذي كان بالتأكيد يدرك أكثر من غيره قيمة ما يكتب، وفي الوقت نفسه، مقدار الفراغ الكامن في روح ما يكتب. ربّما أكثر مَنْ يُضيء لنا ذلك التناقض بين جمالية الكتابة وعقمها هو كافكا نفسه، ففي كتاب عن كافكا بعنوان «كافكا: السنوات الأولى»، يُعيد الكاتب الألماني رينر ستاش (أحد المتخصصين في السيرة الكافكاوية) تحليل سيرة كافكا ونظرته إلى الكتابة والأدب، ليصل، بالاعتماد على كتابات ومذكرات وأقوال كافكا، إلى ذاك الاستنتاج: «بأن كافكا كان دائماً يتحدث عن كون عملية الكتابة نفسها هي العنصر الجوهري الأكثر قيمة في الواقع، وليس المنتج النهائي لهذه الكتابة؛ حيث أن المنتج النهائي لا يعكس سوى صورة ضبابية لبريق الإبداع». 
نفهم من هذا التحليل أن ما كان يهمّ كافكا (ما يُمتِعه حقا) هو لعبة الكتابة نفسها، لا ماذا يقول. هذا قد يفسّر الكثير، ويمكن أن ننظر إليه كنظرية أدبية جمالية، لكن مجرّد نظرية قد تحمل الكثير من الثقوب والعيوب؛ نظرية لا تستحق دائماً تعظيماً أعمى لصاحبها.

٭ كاتب سوري
عن القدس العربي

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا