وضاح شرارة... الكبة النيئة والمجدرة الحمراء، أو قران الطبع والصنع

9:43:00 ص



ظهيرة سوق الخميس، بسطات وناس وثياب ومونة. السوق التحتاني، منتصف اسبعينات

قد لا يتعدى الأمر - والأمر هو جوارُ الكبة النيئة والمجدرة الحمراء أو مدردرة العدس بالبرغل على ما تسميها بعض كتب المطبخ[1] وتعالُقهما - المصادفة والاتفاق. فحين كتب حسن الساحلي بموقع «المدن» الالكتروني (14/5/2017) عجالة في «المطبخ الأرمني» و«تحرره من ربات المنازل» أراد التمثيل على اشتراك أرمن لبنان وسكان الشرق الأوسط «في عدد كبير من الأطباق»، أحصى «الكبة النية (و) المجدرة» وصدَّرهما اللائحةَ المشتركة التي أكملها بالغمة والمحاشي وورق العنب والتبولة، وكلها مآكل ذات قدر وقيمة. وبعد أسبوع على عجالة الساحلي، روى سيمون نصار على صفحته فايسبوك، في 21/5/2017، تحت وسم «لقاء المشتاق#» فراقه الطويل «طبقـ(ه) الجنوبي المفضل»، يريد المجدرة «الحمرا». ولم يقصر نصار «شوقه والتياعه» (على قوله) على المجدرة، فقدَّم عليها «الفراكة»، صنو الكبة النيئة، فكتب في المجدرة: «طبقي الجنوبي المفضل بعد الفراكة». وتفرد السيدة نجلاء مروة الزين للكبة العتيدة باباً على حدة، تجمع فيه الكبة النيئة إلى الفراكة من غير تفريق، وتولي المكانة الأولى فيه إلى الكمونة (أو التتبيلة) التي تتشاركها الصحون الأخرى.[2] وتذهب السيدتان صدوف كمال وسيما عثمان إلى دمج الكبة النيئة بالفراكة[3] قبل تمييزهما الواحدة من الأخرى .[(4] وعلى هذا، فمن يحمل الفراكة على الكبة النيئة، ويفرّعها على هذا الأصل ويوحدها فيه، لم يظلمها ولا ظلم نفسه.

قطبا المائدة
 وقبل عطف «الأكلتين»، المجدرة الحمراء والكبة النيئة، الجنوبيتين على سبيل التضييق والتخصيص، الواحدة على الأخرى، وإشهاد كاتبين مدونين مختلفين عليه، شهدت مائدة الأكل، وشهد تناوله وتذوقه في بلدة جنوبية كبيرة، هي بنت جبيل، على قران الصحنين. ولئن صلحت المجدرة الحمراء طعاماً في أيام الأسبوع كلها، من غير تمييز - ما خلا يوم الخميس، وهو يوم السوق الأسبوعي ويوم الكبة النيئة والفراكة ـ معاً وجميعاً، تربعت في مائدة يومي الإثنين والأربعاء طعاماً أثيراً ومشتهى. وقد يحن إليها الطاعمون في اليوم التالي الخميس وغداته، وهو يوم الجمعة، على ما تنشد فرقة «الراحل الكبير» في «يوم الأربعاء». وعلى هذا، تقوم  الطبختان الواحدة من الأخرى مقام قطب المائدة، أو قطب صدرية القش لما كانت هذه معرض الطعام أو قطب الخوان، لا يلقى على الأرض ويتحلق الآكلون جلوساً حوله. والقطبية تعني الصدارة. فتتقدم مكانة الصحن أو الأكلة على الصحون الأخرى غير الملحقة بها (شأن السلاطة مع المجدرة)، ويسمى اليوم الطاعم باسمها، فيقال: اليوم مجدرة، اليوم فوارغ، اليوم رز بدجاج، الخ. وقد تعني القطبية الانفراد أو شبه الانفراد. فلا يشارك الطبخة الأثيرة والعزيزة شريك، إلا في حال دعوة ضيوف «أعزاء» إلى مائدة البيت. وهذا يلزم البيت بميزان مراتب يختلف عن ميزانها المنزلي والداخلي، وعليه أن يحتسب أمرين آخرين هما منزلة المدعو(ين)، ومنزلة صاحب الدعوة. والأمران لا يحتسبان (تقريباً) في حال اقتصار الطعام على أهل بيت واحد.





المراتب والداخل
 والحق أن المراتب المنزلية والداخلية لا تستقل بنفسها الاستقلال التام، ولو على وجه التقريب، عن مراتب الجماعة. فكبة الخميس النيئة في بنت جبيل (أربعينات القرن العشرين وخمسيناته وبعض ستيناته، على ما أعلم)، على رغم طيب طعمها في الفم والحلق وعلى اللسان، لم تكن في بيوت متوسطي الحال وميسوريه، المقيمين حكماً في حارات متلاصقة حيطان المنازل والأحواش، اختياراً معياراه الذوق والرغبة وحدهما. فلا يُعذر متوسط الحال وميسوره إذا لم يسمع جيرانه، وهم على الأغلب أقرباؤه صليبة، خبط المطرقة الخشب على بلاطة الكبة (وليس جرنها، على ما يصنع أهل العشائر الهرملية المتدرجون على سلم التذوق)، وعلى لحم الغنم.[5] فالكبة النيئة، وإعدادها الطويل والدقيق والمرهق عن يد ربة البيت (وليس بالواسطة)، ولحمتها التي تتصدر أصناف اللحمة الأخرى (من عجل وماعز وناقة أو ليس جمل) شرفاً وسعراً، واستحالة تدليس أو تمويه كمية اللحمة المعدة والمستهلكة من طريق مواد أخرى رخيصة، وعلانيتها الصاخبة وغير الخافية، هذا كله وجه من وجوه (يوم) السوق المشهود. وعلانيةُ السوق، على شاكلة «بسطاته» المطروحة تحت الخيم في الهواء الطلق (وهي معظم السوق ونواته)، معرضُ مقارنة لا قيد عليه (وعليها). فالجودة والسعر وحسن العرض، كلها مطروحة من غير مواربة على المشترين. ولا يخفى على هؤلاء رواج البسطة التي يمرون بها أو كسادها. فيقصدونها، تبعاً لما يرون، أو يحجمون.

العلانية والظل
 وعلى الضد من الكبة النيئة، وعلانيتها المتبجحة بعض الشيء واندراجها في مقارنة السوق ومنافسته (وذلك قبل أفول عوامل المكانة والعلانية ورسومهما: فرق السعر، وجلبة البلاطة، وشاهد السوق)، قبعت المجدرة في ظل طبخها من مواد رخيصة وأساسية وعمومية. فالعدس والبرغل، المادتان الأولان، من محاصيل المونة (المؤونة) التي تخزن في كوائر الخشب بصدر البيت، وتقوم مقام رأس مال سنوي يصرف على الطعام اليومي طوال السنة الجارية منذ أوائل الصيف إلى أواخر الربيع التالي. فهما على شاكلة القورمة التي تحفظ لأيام الشتاء والثلج، في التشارين والكوانين المتعدية إلى شباط وآذار. فتجمع ستةَ أشهر تكاد تكون كاملة، تنطوي فيه البيوت على دواخلها الباردة والمنقطعة من مصادر الحبوب والمواشي المجاورة، وأولها بلاد حوران والجولان والحولة. [6] فالعدس والبرغل، إلى زيت الزيتون والبصل اللذين يتممان إعداد الأكلة أو الوجبة (والطبق، في هذا المعرض، لفظة دخيلة ومقحمة)، هما من المحاصيل المزمنة، أي التي تحفظ أو تخزن وقتاً أو زمناً مديداً. واستعمالهما على مدار السنة، ومقسطيْن على الأسبوع وأيامه، ينأى بهما من العلانية الفاقعة، من غير أن يقطعهما منها. فسلق القمح قبل فرشه على الأسطح وتجفيفه تمهيداً لخزنه، ثم طحنه دقيقاً أو جرشه برغلاً، يكاد أن يكون في الخمسينات احتفالاً يشترك أهل الحارة في إحيائه والقيام بشعائره.

الطبخ والصنع
 ولعل الوجه الأبرز من قطبية الكبة النيئة والمجدرة الثنائية، وقرانهما واستدعاء الواحدة الأخرى، معاً، يعود إلى دخولهما في بابين عريضين وجامعين هما باب النيئ وباب المطبوخ،[7] أو باب الطبع وباب الصنع.[8] ويستدعي البابُ البابَ على نحو ما يستدعي الساكنُ المتحرك في اللفظ، ويقوم قرانهما أو جمعهما من الكلام، ومن اللغة، مقام التركيب الأول، غير الدال، وهو شرط الدلالة «فيما بعد» (وهو بَعد ذهني وليس بَعداً زمنياً أو تاريخياً). ولكن سرعان ما يبدو الزوجان، النيئ والمطبوخ، على مثال زوجي الطبيعة والصناعة المفترض، خارجين عن الرسم الإثنيني وتقابله. فلحم الكبة النيئة، على النحو الذي يدخل عليه في الأكل ويؤكل أو يُطعم، بعيد  من المادة الخام، أو الطبيعة الخالصة التي يمثل عليها العسل في نظام المأكل الأميركي الهندي [الهامش 7]. فهو لا «يُقطف»، على ما يقال في جمع العسل من أقراصه وشهده وقفيره. ولا يبلغ إلا في مراحل متأخرة يسبقها النحر والسلخ والتقطيع.

 ويُشترط خُلوه من الدهن شرطاً لازماً، وأن «يؤخذ من الفخذ».[9] وليس هذا إلا بداية المسير الشاق الى الأكل. فالبلاطة التي يدق عليها اللحم النيئ، بعيداً من النار وضروب الطبخ بها، تستل منه أدق عروقه وأوردته وأعصابه، وتعريه من كل ما كان يتماسك به اللحم الحي حين كان عالقاً بعظم الفخذ أو بسلسلة الظهر إلى الرقبة (في صيغ تفضيل أخرى). وتُقدم البلاطة، في آداب بنت جبيل وإقليم التفاح وصيدا (الشيعية) وغيرها ربما، على الجرن الهرملي. (ويذكر الكاتب يوم كان في العاشرة، صحنَ كبة نيئة على مائدة بالهرمل، ظَهَر عرق غليظ وسليم على سطحه، خلف غثياناً في الولد وقرفاً حاداً، وكاد أن يؤدي إلى قيء محقق لولا تدارك الأمر، وتعليل الأهل: «منين لوين! شو جاب أهل الهرمل والكبّة»!). فالبلاطة قمينة وحدها، على زعم أصحابها، بأداء التطهير و«التنظيف» اللذين لا يستساغ أكل الكبة النيئة (والفراكة بداهة) إلا بعد انجازهما إلى ختامهما وتمامهما. وآية التنظيف جلاء اللحمة المدقوقة، قبل مزجها بالبرغل الناعم والمغسول والمعصور، على صورة كتلة زهرية ورقيقة، خالصة من أضعف وريد أو عصب أبيض قد يغشى اللون الزهري ويكدر صفاءه الأملس والناعم والفردوسي. وتُصنَّف الزهرة (أم الزهراء؟) في أعلى أبواب الحشيشة (الخشخاش) وأجودها. ويُقال فيمن تأخذه نشوة الحشيشة أنه «يزهر»، وفيمن لم يخسر شهوته الى المجامعة انه «زهري». وتنعَّم لحمة الكبة على مثال (لغوي) نسوي: فالعروس «تنظف» في جلوتها من زوائد الشعر وخشونته، و«تنعَّم» لتليق بعرسها الذي ينقلها من فجاجة (حال) البكارة الى «نضج» أنوثة تامة تفضي، بعد وقت يرجى مديداً، إلى «الرماد». وفي وصف الإعداد تكتب صاحبة «مطبخ بيتنا»، «يطحن (اللحم) مع الدهن في الماجيميكس حتى ينعم جداً»، و«يفرك البرغل باليد حتى ينعم»، وتقدم الكبة «فوراً بعد دعكها».[10] فتصلح اللحمة، بعد إعمال دق وهرس صبورين ودؤوبين ومرهقين على صفحة بلاطة من غير داخل أو جوف، للأكل الهانئ والذائب في الفم من غير مضاف إليها غير التتبيلة والخبز (ويفضل المرقوق، وهو يضاهي اللحمة المدقوقة رقة ونعومة وشفاً، ولكنه لا يكتم أثر الحرق بالنار، على خلاف اللحمة الخالية من أي أثر ظاهر).


 التطرية المجلوبة 
 ويلحق الصنع، على وجوهه النارية والمائية والميكانيكية، باللحمة المدقوقة من طريق البرغل، أو القمح المسلوق والمنشور والمجفف والمكسَّر، على مراحله المتعاقبة، ثم من طريق التتبيلة أو الكمونة.[11] وهذه، على خلاف البرغل، تقتصر على مواد نباتية وطبيعية خالصة، لولا «1/4 فنجان البرغل» الذي يخلط، من طريق الدق، بعروق النعناع والحبق والمردكوش وغيرها مثلها من مواد الخليط. فالكبة مركبٌ من لحمة ردت، بعد تنظيفها من مواد هي منها وفيها بالطبع وبعد تنعيمها، إلى جوهر لا تبلغه الطبيعة وهي في صورة محضها الخالص، ومن مادة صلبة مستخرجة من تكسير القمح الجاف والقاسي والمسلوق. فيخلط الناعم والطري والملس بالجاف والصلب، بعد الغسل والفرك، ثم الدعك. فيربح الناعم المتداعي (اللحمة المدقوقة) مُسكة لا غنى له عنها. ويميل الطعم الذائب العاري، بعد المزيج، إلى استبطان نكهة الخبز الجافة والمحروقة. وتؤازر الكمونة جنوح الطعم غير المُطعِم إلى الحدة. فتأتلف الكبة النيئة، أو الخضراء (على إسم من أسمائها)، من أضداد أو فروق لا تصلح مأكلاً ولا مذاقاً، إذا تناولها فم إنسي بمفردها، وعلى حدة من غيرها. فلا اللحمة المدقوقة وحدها، على هبرتها «الزلط»، تصلح طعاماً أو تشتهى، ولا الكمونة ولا البرغل. فإذا جمعت معاً، ودخل بعضها في البعضين الآخرين على مقادير معروفة، وتولت امرأة هي سيدة البيت أو من ينوب عنها وتندبه ضمناً أو علناً، ائتلف طعام شريف المكانة، يوصف بيدي صاحبته و«نَفَسها» وتوصف صاحبته بـ«طيبة»، على ما يقال في روائح دار النعيم وأطيابها.


سلاطة النار
 والمجدرة شأنها، من وجوه كثيرة، على خلاف شأن الكبة النيئة. فهي صناعة من ألفها إلى يائها، ولا تدخلها مادة من موادها، وهي العدس والبرغل والبصل (إلى الزيت والتوابل)، إلا بعد الغلي «على نار قوية»، وقلي البصل بعد فرمه بالزيت «حتى يحمر جيداً». ويصفّى زيت البصل فوق العدس، وتصب ملعقتان «من ماء العدس فوق البصل المقلي». و«يحرك المزيج (وهو مزيج ماء العدس والبصل المقلي - الكاتب) على نار متوسطة وتهرس البصلة بأسفل ملعقة الخشب حتى تذوب»، و«يضاف البصل إلى العدس ويغلى عشر دقائق على نار خفيفة». وأخيراً، يصب البرغل المغسول في العدس، و«يغلى الكل في طنجرة مغطاة على نار خفيفة حتى تنشف الماء»، على قول صاحبة «مطبخ بيتنا».[12]  فلا يخلو وقت من أوقات الإعداد من «التعرض للنار»، على قول المفسرين العرب، ومن إعمال النار في «إنضاج» المواد، ونقلها من حال إلى حال، ومن لون إلى لون، ومن طعم إلى طعم. ولا يقل عدد العمليات الوسيطة عن تسع. ولئن كان إعداد الكبة النيئة يتوسل بالبلل والمزج والموازنة إلى بلوغ المركب المقصود، ويقتصد أشد الاقتصاد في استدارج العوامل الخارجية، يسترسل إعداد المجدرة في تسليط هذه على المواد الأولى، وفي إخراجها عن سويتها. فالغلي الطويل، والقلي بالزيت، وتصفية الزيت الساخن على العدس وماء العدس على البصل إلخ. كلها تنم بإرادة استنباط طعوم مختلفة وتخليقها تخليقاً جديداً بقوة النار وجبروتها. وتليين العدس، ومراسه الصعب، يقتضي مثل هذا التعريض القوي والطويل (يغلى العدس نصف ساعة، ثم يغلى هو والبرغل عشرين دقيقة).

 التناسل والإمساك
فإن ماشت الكبة النيئة، في شطرها الأعظم أو الغالب، طباع المواد الأولى التي تأتلف منها، فلا ريب في أن المجدرة هي وليدة صناعة محمومة. وتبدو الكبة النيئة، على حالها «الطبيعية» الأولى - وهي أولى على سلم التركيب والتعقيد وليس على سلم الزمن والتعاقب و«التقدم» - نواة كوكبة من المآكل والصحون المتفرعة على هذا الأصل (وعنه). فالفراكة، هي من بنات الكبة النيئة. وتختلف عنها بحصة البرغل: فهذه تقتصر على فنجان برغل ناعم واحد في حال إعداد نصف كلغ لحمة (في صحن كبة نيئة)، ولكنها لا تقل عن 3 فناجين برغل على كمية اللحمة نفسها. ويبلغ الماء الذي تبل به الكبة نصف فنجان، ولا يزيد عن ملعقة ماء كبيرة في الفراكة.[13] ومن بناتها، إذا أضيفت إليها الحشوة والسمنة وأضيف السماق و... النار (إحماء الفرن جيداً الى 350 درجة)، الكبة بالصينية،[14] والكبة الحميص،[15] والكبة الأرنبية،[16] والكبة المقلية، والكبة اللبنية... وهذه كلها تحتفظ بنواة الكبة النيئة المتحولة كبة بالصينية، ويزاد عليها النقر والقرص (الأقراص)، على وجه إخراج الشكل، وتزاد مواد أخرى كثيرة.[17] وعلى هذا، يلد تقشف الكبة النيئة الأول، ما التزمت أحوال الطبع والمطبوع واستبعدت النار وصناعتها، ذرية ونسلاً كثيرين.

 وتقتصر المجدرة، في مقابلة ذلك، على باب من أربعة أصناف أو صحون.[18] فالنواة الحمراء، وهي من ثلاثة أنواع من الحبوب الأساسية: العدس والبرغل (القمح) ويضاف إليها الرز المتأخر الاستنبات والتأنيس، ضيقة وضعيفة التوليد، ورخيصة السعر وفي متناول جمهور طاعميها. وقد يلاحظ أن تناسل الكبة أصنافاً وصحوناً إنما شرطه إقحام عوامل بنيوية على النواة الأولى. وهذا لا جدال فيه. وينبغي ربما التوسع في الملاحظة، والتنبه إلى أن إغناء صنف من المأكل بمواد جديدة مثل السمك وحشوة اللحمة واليقطين والتوابل (في حال الكبة طبعاً)، يفترض يسر الجمهور الطاعم، وانتخابه صنوف طعامه، وتلوينه إياها تبعاً للمواسم وتعاقبها ولفرص الحفظ والوقاية من التلف (قبل زراعة الخيم وبرادات التخزين والنقل الجوي المبرد، وليست هذه من دون تكلفة).

الإمساك والشبع
 ولا يفترض تناول الكبة النيئة الشبعَ. فهي زينة مائدة الطعام، ومقدمتها، والباب على صحون أو أكلات أخرى. ولا يتصور ازدرادها، بل يُوجب تناولها على مهل يقارن إعدادها بطءاً وأناة وإعمالَ اليد النسائية فيها. وينبغي ألا تعد لعدد كبير من الناس، وإذا اضطر بيت المضيف إلى استقبال ضيوف كثر جاز له تقليل حصة الكبة النيئة. وفي هذه الأمور، تخالف المجدرة الحمراء الكبة النيئة: فالمجدرة طعام تخمة. ويُهجم عليها من غير تحفظ، ولا تراعى في أكلها الموازنة مع أطعمة أخرى، وتنفرد بالمائدة و«لائحتها»، وترفق بالسَّلطة، واقتراح أكلها مع اللبن محدث ومولَّد وعامي. وتُشبع السلطة التي تؤكل مع المجدرة الحمراء وتخلط بها بالفلفل الحر، وتترع بالحامض. فآكل المجدرة، على مثال النار التي تسلط على سلق موادها وطبخ بصلها بالزيت، يقبل على ما في صحنه إقبال المشتهي المحموم والمستزيد.



هوامش

[1] على سبيل المثل صدوف كمال وسيما عثمان، «ألف باء الطبخ الموسع»، دار العلم للملايين (بيروت)، 2004، الطبعة التاسعة عشرة، ص 360، ونجلاء مروة الزين، «مطبخ بيتنا»، دار كتب (بيروت)، 2005، ص 61.

[2] «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور، ص 144-152، والجمع بين الطعامين أو الصحنين، في ص 147 و148.

[3] «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، ص 47، كتبت السيدتان: (الكبة النيئة «الفراكة»)

[4] المرجع السابق، ص281.

[5] على ما توصي نجلاء مروة الزين وتخصص: «لحم غنم خال تماماً من الدهن»، ص 147 من «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور. وحين تكتب صدوف كمال وسيما عثمان: «هبرة العجل»، في باب إعداد (الكبة النيئة «الفراكة»)، تشيان بـ«أصل» أو منبت مديني ليست الكبة النيئة من خصاله «الفطرية»، «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، ص47.

[6] على ما يخبر كاتبان عاصرا أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، محسن الأمين، «خطط جبل عامل» (1945)، ط1983، الدار العالمية (بيروت)، وسليمان ضاهر (أو ظاهر)، «معجم قرى جبل عامل»، مجلة «العرفان»، مجلد 20 (1930)، و24 (1933).

[7] يطلق (الطَّبْخ) على «إنضاج اللحم وغيره اشتواءً (أو شياً، من الكاتب) واقتداراً (في القدر، سلقاً، من الكاتب)، طبخ القدر واللحم... يقال: هذه خبزة جيدة الطبخ (في الفرن أو الموقد، الكاتب)، وآجُرَّه جيدة الطبخ... والطبخ: اللحم المطبوخ، والطبيخ: كالقدير... والطباخة: الفُوارة، وهو ما فار من رغوة القدر إذا طبخ فيها...»، ابن منظور،«لسان العرب»، مادة «طَبَخَ». فالطبْخ هو الشواء والسلق والخَبْز معاً. وفي كلود ليفي–ستروس، «النيئ والمطبوخ» (Le cru et le cuit)، دار بلون (باريس)، 1964، ص341، يُنسب المطبوخ إلى الفرن أو الموقد، ثم إلى الشواء، بموقد أو من دونه. وفي فاتحة كلامه على العسل، وهو فن صنع «غير إنسيين» و«يسبق المطبخ»، وعلى التبغ، و«هو يتعدى المطبخ» و«يُحرق»، يعارض الكاتب نفسه العسل والتبغ معاً، وهما على طرفي تقابل، بـ«المطبخ» و«التعريض للنار»، «من العسل إلى الرماد»، دار بلون (باريس)، 1966، ص11. ويذهب ابن سيرين في «تفسير الأحلام الكبير»، مادة «الخَبَّاز» أن «النار أصل عمل (الخباز)»، نشر دار ومكتبة الهلال ودار البحار، بيروت، 2009، ص188. ويخص الكتاب بمواد ومداخل الخباز (والخُبز)، والسلق، والشواء، والطباخ والطَبْخ، وليس في المواد القلي (وهي في «لسان العرب»: «أنضجه على المقلاة»). والطباخ هو «من يعالج في صناعته النار». و(الطبخ) يكون «بالنار». وفي مؤلَّف عبد الغني بن اسماعيل النابلسي (ت.1143ه/1731م)، «تعطير الأنام في تعبير المنام»، يكون (الطبخ) «بالنار»، ويكون (اللحم) إما «مطبوخاً» وإما «نيئاً». وليس في كتاب النابلسي مواد (خبز) ولا (خباز) ولا(سلق)، وكلها في معاجم اللغة، وبعضها في ابن سيرين، على ما مر.

[8] معارضة أو مقابلة النيئ بالمطبوخ مرادفة لمقابلة الطبع أو الطبيعة أو المطبوع بالصنع أو الصناعة أو المصنوع، كلود ليفي-ستروس، «النيء والمطبوخ»، المرجع المذكور، ص341.

[9] نجلاء مروة الزين، «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور، ص147، واللحم لحم غنم، على ما مر. وإذا كان لحم عجل، وجب أن يكون «هبرة»، صدوف كمال وسيما عثمان، «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، ص47.

[10] ص147 من المرجع المذكور. وصاحبتا «ألف باء الطبخ الموسع»، على رغم اقتصادهما وإمساكهما اللغويين، لا مناص لهما من المرور بـ«دق الخليط (الملح والدهن واللحم) حتى ينعم كلياً»، ص47.

[11] يفرد باب للكمونة وصنعها في «مطبخ...»، نجلاء مروة الزين، ص144.

[12] والوصف في المرجعين، «مطبخ...» ص61، و«ألف باء...»، ص314.

[13] نجلاء مروة الزين، «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور، ص147-148. وعلى خلاف الوصفة هذه، تقصر صاحبتا «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، البرغل في الفراكة (ص47) وفي الكبة النيئة (ص281) على «كوب من البرغل الناعم»، والبصلة في الفراكة «متوسطة وفي الكبة النيئة «صغيرة»، ويدخل المردكوش في الفراكة وتخلو الكبة منه، وهذه تخلو من الدهن على خلاف الفراكة...

[14] نجلاء مروة الزين، «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور، ص149- 150.

[15] المرجع السابق، ص151.

[16] المرجع نفسه، ص152-153.

[17] تحصي صدوف كمال وسيما عثمان: «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، في باب الكبة، 17 صنفاً، ص273-281، تُعملان فيها مواد متفرقة مثل البطاطا والسمك واليقطين والسماق.

[18] صدوف كمال وسيما عثمان، المرجع السابق، ص358-360، وهي المجدرة البيضاء (مع العدس الأحمر المجروش)، والمجدرة السوداء، والمدردرتان (بالبرغل والعدس).

* جميع الصور من «بنت جبيل 1852-1980: ذكريات مصورة»، إعداد حسن بيضون ووضاح جمعة، دار الأمير، بيروت، الطبعة الأولى 2011.



وضّاح شرارة كاتب وصحافيّ ومترجم لبنانيّ، درّس مادّة العلوم الاجتماعيّة في الجامعة اللبنانيّة. شارك في العمل النقابيّ والسياسيّ الحزبيّ، وترك المشاركة قبيل انفجار الحروب اللبنانيّة. انصرف إلى الكتابة، فكتب في المسائل اللبنانيّة: «في أصول لبنان الطائفيّ» (1974)، «حروب الاستتباع ــ لبنان الحرب الأهليّة الدائمة» (1977)، «السلم الأهليّ البارد ــ لبنان المجتمع والدولة 1964ــ1967» (1980)، خروج الأهل على الدولة (2000). كتب في الحركات السياسيّة الإسلاميّة و«دُوَلها»: «الأهل والغنيمة ــ مقوّمات السياسة في المملكة العربيّة السعوديّة» (1981)، «دولة حزب الله ــ لبنان مجتمعًا إسلاميًّا» (1996)، «طوق العِمامة ــ الدولة الإيرانيّة الخمينيّة في معترك المذاهب والطوائف» (2013). تناولَ اجتماعيّات بيروت في: «المدينة الموقوفة» (1986)، «أهواء بيروت ومسارحها» (2008). جمع مقالات في الكتب والسينما والشعر في كتابين: تشريق وتغريب (1989)، «تعبير الصور» (1990). كتب مقالة طويلة في «أخبار الخبر، تعليقًا على أخبار مجنون بني عامر» (1991)، وصدر له أخيراً «ترجمة النساء» (2014). نقل إلى العربيّة بعض أعمال أنطونيو غرامشي، وكورنيليوس كاستورياديس، وألكسندر سولجينيتسين، ورينيه شار، وميشال تارديو، وآنا أخماتوفا، وباول تسيلان.
مصدر البحث هنا

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا