انهيار الوصاية المشتركة الإيرانيّة السعوديّة على الحكم اللبنانيّ

6:52:00 ص


بيان المركز المدنيّ للمبادرة الوطنيّة(نشر على صفحة د. طلال الحسيني)

ما الذي حدث في الحقيقة؟

الذي حدث هو انهيار الوصاية المشتركة الإيرانيّة السعوديّة على الحكم اللبنانيّ، حكم الأمر الواقع، وذلك بقرار سعوديّ منفرد، تعبيراً عن يأس هذا الطرف من الوصول إلى أهدافه من تلك الوصاية المشتركة واستئثار الطرف الآخر في تلك الوصاية بمنافع استقرارها واستمرارها. ومهما يكنْ من أمر استقالة رئيس حكومة الأمر الواقع، بإرادة أو بإكراه، فهذه الاستقالة ليست سوى أمر تفصيليّ في هذا السياق، ولا جدّيّة في اعتباراتها الدستوريّة طالما أنّ الحكم كلّه واقع خارج النظام وبخلاف الدستور، والاستقالة إنّما قُدِّمت أوّل ما قُدّمت للطرف الخارجيّ الذي أرادها وليس لمن يتولّى رئاسة الدولة اللبنانيّة.

ما الموقف الوطنيّ في مواجهة ذلك الانهيار وما ينطوي عليه من المخاطر والتهديدات الصريحة، وبعد انكشافٍ ما بعده انكشاف لمُريد؟

الوصاية الأجنبيّة المشتركةُ على حكم الأحزاب الطائفيّة قد سقطت ومعها ذلك الحكم. لكنّ الوصايات الأجنبيّة المتصارعة على تلك الأحزاب ما زالت بل هي متّجهةٌ إلى الاشتداد في اتّجاه الفتنة بين اللبنانيّين وفي اتّجاه تدمير الكيان اللبنانيّ في ظلّ الصراعات بين أطرافها وفي ظلّ العنصريات التي تمارسها الأحزاب الطائفيّة التابعة لها في صورة مباشرة أو غير مباشرة.

حقيقةٌ أولى،

لبنان للبنانيّين.
لكنّ هذه الحقيقة الدوليّة والدستوريّة التي دفع اللبنانيّون ويدفعون أثماناً غاليةّ لإثباتها مكفوفةٌ عن الفعل طالما كان اللبنانيّون ليسوا للبنان، وذلك باستبعادهم عن أنْ يكونوا مصدر السلطات ومرجعها وباستعبادهم لسلطات أجنبيّة متصارعة أو لسلطات طائفيّة متنازعة، سياسيّة أو دينيّة، وبتسليمهم بذلك الاستبعاد وذلك الاستعباد. وما نحن فيه اليوم ليس من واقع اليوم بل هو من واقع مسار طويل انتهى إلى انكشاف هذه الكارثة هذا اليوم.
أيّها اللبنانيّون،

ترون اليوم كيف يُهرع التابعون للوصايات الأجنبيّة والمستبدّون بحاضركم ومستقبلكم إلى الحديث عن ضبط النفس كأنّ غيرهم من يستثير العداوة في النفوس، وواضحاً في طلوعهم ونزولهم أنّ حديث النفس عندهم إنّما هو استرضاء الوصايات الأجنبيّة عليهم وتمنّي العودة إلى تسوية بين تلك الوصايات تتقاسم لبنان واللبنانيّين كأنّ كارثة اليوم ليست نتيجة تلك التسويات بين تلك الأطراف ذات المصالح المتضاربة إلى أجل ما زال يطول. بل أنظروا إلى أشتاتهم كلاَّ واحداً ضائعاً ينتظر التوجيهات الخارجيّة متظاهراً بالتزام احترام الدستور في الاستقالة كأنّ التكليف برئاسة الحكومة وتشكيلها والثقة بها كانت في حدود الدستور بل كأنّ الاستقالة نفسها في مظاهر تقديمها وطيّاتها وإخراجها ليست انتهاكاً صريحاً للدستور يستوجب محاكمة صاحبها لا التريّث في قبولها. ولكنْ ما العمل إذا كان ما من واحد منهم له أنْ يرجمها بحجر! 

وعلى ذلك، حقيقةٌ ثانية،
لا مواجهة للتحدّيات إلاّ بالعودة إلى اللبنانيّين وبأيدي اللبنانيّين.
العودة إلى اللبنانيّين إنّما تكون بإعادة تكوين السلطة، بدايةً بإجراء انتخابات نيابيّة حرّة نزيهة. ومهما يكن من أمر قانون هذه الانتخابات وما فيه من أحكام تحدّ من مدى التمثيل الذي يوفّره النظام النسبيّ فالذي يتوجّب على من يتولّى رئاسة الدولة إطلاق عمليّة تشكيل حكومة انتخابات تُصلح من شأن تلك الأحكام فتُجري تلك الانتخابات في أسرع وقت. حكومة انتخابات لا مجال للثرثرة في طبيعتها سياسيّة أو تكنوقراطيّة، فالذي يرسم طبيعتها هو مهمّتها التي هي تأمين إجراء تلك الانتخابات حرّةً نزيهة. لكنّ تلك الحريّة وتلك النزاهة لا حدوث لواحدة منهما بقدرة حكومة الانتخابات وحدها مهما تكن الثقة بأعضائها ومهما تتوافر لهم العزيمة الصادقة والوسائل المناسبة. فما أدّى إليه حكم الأحزاب الطائفيّة ووصايات الدول الأجنبيّة على ذلك الحكم، كما هو ظاهر لكلّ واحد - في شؤون المال والإعلام والسلاح في ظلّ التدخّل الأجنبيّ غير المشروع في الشؤون الداخليّة اللبنانيّة، وخصوصاً في عمليّة الانتخاب، ذلك التدخّل المباشر أو غير المباشر، فأضحت العمليّة الانتخابيّة محكومة بإثارة النعرات الطائفيّة من جهة أولى وبالرشوة من جهة ثانية وبالتهديدات الماديّة والمعنويّة من جهة ثالثة-، إنّ ما أدّى إليه ذلك الحكم وتلك الوصايات إنّما يفرض الاستعانة بالشرعيّة الدوليّة فتكون تلك الانتخابات تحت إشراف مجلس الأمن الدوليّ ورقابته. والمجتمع الدوليّ إنّما هو ملزم بتقديم ذلك العون الذي كان عليه أنْ يبذله من ربع قرن بعد إنهاء الحرب. فاللبنانيّون دفعوا وما زالوا يدفعون أثماناً باهظةً نتيجة صراعات دول ذلك المجتمع. وآخر الأثمان ما يعانيه اللبنانيّون من نتائج حروب هذه الدول على الأراضي السوريّة. وهذه أحدث الأثمان لكنها ليست أكبرها. وها هو التهديد لهم في أنْ يدفعوا ثمناً باهظاً نتيجة الصراع الدوليّ والإقليمي على شعوب المنطقة وثرواتها وموقعها. إنّ العون المطلوب من المجتمع الدوليّ حقٌّ للبنانيّين على ذلك المجتمع لا عيبَ فيه ولا منّة. فكيانهم إنّما يُمثّل في وجوده وفي مشروعه أرقى القيم الإنسانيّة.

أيّها اللبنانيّون،

حقيقة ثالثة ثابتة،
الركن الأوّل في الحقّ هو صاحبٌ للحقّ.
فلا نفع من أيّ نصّ دستوريّ أو دوليّ على حقّ من الحقوق إذا لم يقترن وجود النصّ على الحقّ بوجود إرادة وظهور صاحب الحقّ.
لكم أنْ تكونوا شعباً من الشعوب وعليكم عبءُ الإثبات.
ولا عذر لأحد وخصوصاً لمن يتولّى رئاسة الدولة. فمن واجبه أنْ يسعى هذا السعي:
حكومة انتخابات،
حرّةً نزيهة،
تحت إشراف ورقابة مجلس الأمن الدوليّ.
نعم. وخطوة أولى على كلّ مواطن أنْ يتقدّم بها من كلّ مواطن وللوطن اللبنانيّ الواحد هي المشاركة في الحملة الرامية إلى تأدية يمين المواطن، تمهيداً للمشاركة في الانتخابات، ناخبين ومرشّحين، على أساس تقديم الجواب عن هذا السؤال: كيف نفرض تطبيق الدستور.
أمّا الحديث عن حوار وطاولة للحوار فما الذي نتوقّعه من جلوس الأحزاب الطائفيّة التابعة للدول الأجنبيّة يساوم بعضها بعضاً باسم الحوار؟ هل تكون نتيجة المساومة الجديدة سوى نزاع جديد يعمّق الانقسام بين اللبنانيّين أو ترسيخ تسوية في ما بين تلك الأحزاب بتعديل حصّة هذه الدولة الأجنبيّة أو تلك من اقتسام لبنان واللبنانيّين. 
كلّا. فلا شرعيّة لأيّ اتّفاق على حساب السيادّة اللبنانيّة.

عاش لبنان.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا