من داخل كنيس يهودي في طهران

11:27:00 ص

تاريا سالمي – جاكوبسون
ترجمة سمير طاهر  
 (نشرت المقالة في موقع تيدنينغين كولتورين السويدي وتنشر ترجمته في موقع الأوان بالاتفاق مع الكاتبة)

وأنا على أعتاب السفر إلى إيران تطلّعت في خريطة طهران، فمن المفروض أنّ كنيس أبريشمي يقع في أحد شوارع المدينة: “شارع فلسطين”. تساءلت وقتها إن كان يكمن دافع خاص لتسمية الشارع بهذا الاسم؟ وتمنيت أن يكون الفندق الّذي سوف أقيم فيه قريباً من المكان، وإلّا فسأبحث عن كنيس آخر، ربّما في أصفهان. لكن أنظر المصادفة: وأنا أتطلّع في خريطة أصفهان أجد أنّ أحد كنسها الثلاثة عشر يقع في مكان يحمل نفس الاسم: ساحة فلسطين!

في الفندق بطهران تبيّن لي أنّ كنيس أبريشمي لا يبعد عن الفندق سوى رمية حجر. عليّ إذن وقبل حلول الظّلام أن أستطلع إمكانية دخولي الكنيس صباح الغد، الّذي سيصادف السبت، عطلة اليهود الأسبوعيّة. شارع فلسطين هو شارع فرعي تمكن رؤيته من مكاني في الفندق.

عند بوابة الكنيس قدمت نفسي لمن استقبلني، وعبّرت عن رغبتي في زيارة الكنيس والتقاط بعض الصور وربّما الحديث مع شخص مّا من أجل مقال أنوي كتابته. في البداية وافقوا على دخولي ولكنهم أوقفوني عند البوابة سائلين إن كنت أحمل “رسالة التوصية” من مكتب الطائفة اليهوديّة. ولما أجبتهم بأنّي ليست عندي توصية ما أكّدوا لي بشرط الحصول عليها لكي يسمح لي بدخول الكنيس. مرت علي لحظات وأنا جامدة كتمثال. ثمّ رحت أخبرهم بأنّني سبق لي أن زرت كُنُساً في بلدان عديدة وكتبت عنها. كنت أقف هناك وأحاول أن أرتب تيار أفكاري للوصول إلى حلّ. وفي هذه الأثناء تجمع حولي عدد من الأشخاص وبدى عليهم الحزن مثلي. صارت وجوههم الحزينة مرايا لي. فكرت بأن أبرز لهم ما يؤكّد هويتي ثمّ تذكرت بأنّ الفندق قد احتفظ بجواز سفري. ولعدم وجود حلول جاهزة أمامي، أبرزت بطاقة التعريف الخاصّة بدليلنا في الرحلة (والّتي دون فيها رقم هاتف محلي يستخدمه في إيران) وقدمتها لامرأة من بينهم قائلة أنّ بامكانها الاتّصال به والاستعلام منه عنّي. وعدت أحدثهم عن زياراتي للكنس اليهوديّة في بورما وأثيوبيا وأوزبكستان وكتاباتي عنها. سألوني إن كنت يهوديّة، وأجبت بأنّي لست يهوديّة ولكن طول عمري كان عندي أصدقاء يهود. لكن بدا الموقف وكأن لا شيء يمكن فعله من دون تلك الأوراق، “التّوصية”. كانت مجموعة من معلمات المدرسة اليهوديّة المجاورة قد توقفت لاستطلاع الأمر، وتطوّعت إحداهنّ بصعود السلم صوب باب المعبد قائلة أنّها سوف تسأل في الدّاخل إن كان ممكناً أن أدخل حتّى من دون تلك الأوراق، فيما قالت أخرى بنبرة اعتذار لكن بصوت خفيض: “نحن نخشى قدوم إرهابيين”. أجبتها أنّني يحزنني أن أسمع هذا.



“نجاح عمليّة التّهريب!”

بدأ الحاضرون يتفرّقون ما عدا رجلين ظلاّ إلى جانبي. عرض الأوّل أن يتفحّص إمكانيّة تدبير طريقة مّا لدخولي. أخبرته عن السيّدة الّتي دخلت لكي تحاول مساعدتي فقال بأنّها خرجت للتّو وغادرت. ثمّ راح يصعد درجات السّلم وهو يقول بأنّه إذا تمكن من تدبير الأمر فسيعطيني إشارة لكي أدخل. بعد بضع دقائق خرج وهو يشير إليّ بأن آتي وأدخل، فتملكتني السّعادة لنجاح عمليّة تهريبي إلى الدّاخل!

كان الكنيس خالياً باستثناء الرجلين الّذين كرسا وقتهما لي (في الحقيقة كانا في طريقهما لمغادرة الكنيس لولا أن استوقفهما أمري) ومقاعده الخمسمائة خالية. غداً سيكون يوم “السبت” اليهودي. أخبرني الرّجلان بأنّه في المساء سيجلس حوالي 200 شخص في هذه القاعة. استزدت في أسئلتي عن يهود إيران ولم يبخل مرافقاي بالمعلومات. أخبراني أنّه كان في طهران سابقاً ثلاثون كنيساً لكن لم يبق اليوم منها سوى أحد عشر؛ وأنّ الأطفال اليهود يدرسون باللّغة العبريّة في بيوتهم وليس في المدرسة. علمت أيضاً أنّه رغم عدم وجود علاقات بين إيران وإسرائيل إلّا أنّ اليهود الإيرانيين بإمكانهم زيارة أقاربهم في إسرائيل عبر بلد ثالث. وحتّى الهجرة من البلاد ممكنة لمن يريد ولكن – مع ذلك – هناك صعوبات معينة وتكاليف لا يقدر عليها جميع النّاس، هي الّتي تجعل كثيرين من يهود إيران يختارون البقاء.




في إيران ما يقارب الستين كنيساً يهودياً، منها ثلاثون على الأقل مفتوحة وتمارس شعائرها. كما يوجد مطعمان في طهران يقدمان الطّعام الكوشر، وخمس مدارس يهوديّة وروضتا أطفال. وتدير الطّائفة اليهوديّة عدّة مراكز ثقافيّة، ومكتبة تضمّ 20 ألف عنوان، ومجلّة خاصّة، و”مستشفى الدكتور صابر جيويش” الّتي تعالج جميع المواطنين من دون تمييز. ويعلّق محدثي قائلاً: ليست لدينا أية مشكلة مع الحكومة الايرانيّة، كما أنّ لدينا مندوبنا في البرلمان. إنّ أحوالنا طيبة، ولكن لدينا أسبابنا الّتي تجعلنا حذرين.

العلاقات بين الطّائفة اليهوديّة والحكومة لا تخلو من تعقيدات. فحتّى حين أصدر الرّئيس حسن روحاني قراراته عام 2015 بالسّماح للمدارس اليهوديّة بالتّعطيل أيّام السّبت للاحتفال به حسب تقاليدهم، وبتقديم الدّعم المالي للمستشفى اليهوديّ الخيريّ في طهران، فقد حصل هذا بعد وقت قصير من خطابات الرّئيس السّابق أحمدي نجاد (2005 – 2013) الّتي أنكر فيها حدوث المحرقة نهائياً وأبدى فيها عداء صريحاً لليهود. هناك إحساس هنا بأنّه ما أن يزداد التّوتر سوءاً بين إيران وإسرائيل حتّى تسوء وبشكل سريع أحوال الطّائفة اليهوديّة.

بعد قيام الثّورة في إيران وتأسيس الجمهوريّة الإسلاميّة، إنغلق اليهود على أنفسهم، وحتّى العلمانيون منهم أصبحوا متدينين وأخذوا يمارسون حياتهم الاجتماعيّة في داخل الكُنُس. ويمكن أن نلحظ هذه التّغيرات عبر إحصائيات الزّواج: فحالات الزّواج المختلط في إيران لا تتعدى 0,1 بالمائة، مقارنة بها في بريطانيا مثلاً (40 بالمائة). صحيح أنّ مساحة الحريّات الدينيّة زادت إلّا أنّ التّمييز بسبب الدّين لم ينقطع. فرغم أنّ اليهود لديهم تعليم عال إلّا أنّهم لا يتمكنون من تولي مناصب عالية، عبر القضاء مثلاً أو في مجلس الوزراء، ولا الانخراط في السّلك العسكري على الرّغم من أنّهم، مثلهم مثل المسيحيين أيضاً، يستدعون لأداء الخدمة العسكريّة. إنطلاقاً من هذه الظّروف يمكنني أن أفهم لماذا لم أكن في الكنيس موضع ترحيب كـ “صحفية” حتّى عندما قدّمت نفسي ككاتبة حرّة. وفيما بعد علمت أنّه وبشكل عام من الصّعب أن يسمح لشخص غريب بزيارة هذا الكنيس أو غيره من الكنس اليهوديّة في إيران. وهو ما جعلني أقدّر عالياً أنّ هؤلاء النّاس خصوني باستثناءٍ كريم.

في المساء مشيت وشارع فلسطين، جنوب “ساحة فلسطين” الّتي يقوم في وسطها نصب كبير يمثل الانتفاضة الفلسطينيّة. وما أن تجاوزت بضع بيوت حتّى انتبهت إلى أنّني أقف أمام مبنى سفارة فلسطين. بعد أيّام من الثّورة الايرانيّة 1979 جاء ياسر عرفات ووفده إلى طهران. وفي خطوة رمزيّة، مُنِح مفاتيح السفارة الاسرائيليّة، الّتي سيعاد تأهيلها لتصبح مكتب منظمة التّحرير الفلسطينيّة. وقطع الخميني كلّ العلاقات مع إسرائيل، وقابلت الأخيرة ذلك بأن رفضت ردّ ديونها إلى إيران عن مشاريع نفطيّة من زمن الشّاه. ورغم أنّ المحكمة الأوروبيّة قرّرت وجوب أن تدفع إسرائيل ديونها لإيران وهي عدّة مليارات إلّا أنّ نتنياهو رفض الدّفع. وها أنا أقف الآن أمام مبنى توالت على سكناه دولتان عدوّتان لبعضهما! لكن هذا المبنى ليس الوحيد الّذي تبدّل اسمه بعد الثّورة، فكلّ أسماء الشّوارع والمناطق الّتي كانت لها علاقة بالشّاه والملكيّة وأمريكا استبدلت بأسماء جديدة. شارع فلسطين هذا الّذي أمشي فيه الآن كان اسمه قبل الثّورة شارع القصر الشمالي.

يرى عضو البرلمان الاإراني، اليهودي سيامك مرسيدي، إلى الصّراع الاسرائيلي – الفلسطيني هكذا: “بنيامين نتنياهو والمعادين لليهود بحاجة إلى بعضهم: إنّهم يزودون بعضهم بما يحتاجون إليه: التّعصب والكراهية. إنّه تحالف غير معلن يناسبهم، ولكنّه يلحق أذى كبيرا ببقيّة النّاس”.

مهما يقول المرء أو يظنّ حول الوضع المتضارب ليهود إيران، فإنّ المؤكّد أنّ المعابد اليهوديّة في إيران ليست بحاجة إلى شرطة حراسة كما هو الحال في أوروبا. فاليهود هنا لم يعودوا يتعرّضون للملاحقة كجماعة وإن تعرّضوا للتّمييز لاعتبارات معيّنة. إنّهم يتوقون للسّلام قبل كلّ شيء.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا