رقاد مجنون ليلى

3:39:00 ص

في الروايات العربية، يأتي خبر وفاة قيس العاشق على لسان شيخ من بني عمرة خرج إلى أرض بني عامر ليلقى المجنون، فسأل عنه، وأدركه في البرية، وتحدث معه حتى بانت ظبية، "فوثب يعدو خلفها حتى غاب". عاد الشيخ في اليوم التالي فلم يجده، "وجاءت امرأةٌ كانت تصنع له طعامه إلى الطعام فوجدته بحاله". وعاد الشيخ في اليوم الثالث مع أهل المجنون، ولم يظهر قيس، فرجعوا في اليوم الرابع، واقتفوا أثره حتى وجدوه "في وادٍ كثير الحجارة خشنٍ، وهو ميتٌ بين تلك الحجارة، فاحتمله أهله فغسلوه وكفنوه ودفنوه". بكى الجميع مجنون ليلى، و"لم تبق فتاةٌ من بني جعدة ولا بني الحريش إلا خرجت حاسرةً صارخةً عليه تندبه، واجتمع فتيان الحي يبكون عليه أحر بكاء، وينشجون عليه أشد نشيج، وحضرهم حي ليلى معزين وأبوها معهم، فكان أشد القوم جزعاً وبكاءً عليه.
استعاد الشاعر الفارسي عبد الرحمن الجامي هذه الأخبار في منظومته الشعرية الطويلة، وفيها يتحول شيخ بني عمرة إلى بدوي "ألف النجاد والهاد". يسأل عن أخبار المجنون، ويجيبه أهل قبيلة عامر: "منذ قرابة أسبوعين وقلب هذه القبيلة مصاب من أجله، فلم ير أحد له أثرا، ولم يسمع عنه خبرا". يمضي الأعرابي إلى شطر الصحراء بحثا عن العاشق المجنون، وبعد يومين أو ثلاثة، يرى قطعان من الوحوش دون الجبل، فيذهب صوبها، ويجد في وسطها المجنون، راقدا رقدة الموت. يبكي الاعرابي ويرثي شهيد العشق، ثم ينقل الخبر إلى أهله، فينتحب الجميع. يُحمل المجنون، وهو "في مغيب نعشه كالقمر". يتحول مقام المجنون إلى مزار "لكل يائس مجروح من جور الدهر"، ويصل الخبر إلى ليلى، فتسقط "صريعة في هاطل من الدموع"، ثم تعود إلى نفسها وتروح تردد: "كنت جسدا روحه قيس، فكيف لي العيش بلا روح؟ ها قد دق لروحي طبل الرحيل، وهأنذى مقفية على أثر روحي. وحين أقضي نحبي غارقة في البكاء بعيدة عنه، وأنأى بجانبي عن شؤون هذا العالم، ليكن مرقدي قريبا منه حتى أضع رأسي على كف قدميه". تترك ليلى العالم وتنصرف "إلى خيمتها جاعلة منها مأوى الحزن" حتى الرمق الأخير، وترحل عن الدنيا في الخريف، وهي "لم تتجاوز بعد ربيع حياتها"، وتبدو في نعشها "كالعروس في هودجها". تُحمل وفقا وصيتها إلى "حظيرة المجنون"، وتُدفن بجوار الحبيب، كأنها "في الثرى جوهرة". وتتحول روضة الشهيدين "مزارا للعاشقين من كل أنحاء العالم".
في نسخة مزوقة من منظومة الجامي محفوظة في سراي توبكابي، أُنجزت عام 1483 في قزوين، يظهر المجنون راقدا على الأرض وسط حلقة من البكائين، حاضنا بذراعه اليمنى ظبية تغمض عينيها عند كتفه. وفقا لرواية الشاعر، بحث الإعرابي عن المجنون في الصحراء، ووجده راقدا "مع ظبي ناصع البياض، شبيه ليلى عيناً وجيداً، وقد تعانقا في حفيرة، ورقدا رقدة أعوزتها الرعاية، هي رقدة الموت، وسريراً من الشوك". بعدها، نقل الشيخ الخبر إلى الأهل الفقيد، وعاد معهم إلى البرية لحمل الميت. حُمل الشهيد إلى موطنه، ووُضع بجانبه "الظبي الذي قضى معه وفاءً له". سار العامريون بالنعش، وسارت الوحوش من خلفهم، "مطلقة أنواع صيحاتها بأنغام الأسى". غسل الباكون الميت بفيض عيونهم، وخضبوا وجهه بدم دموعهم من "قُتل بسيف العشق". وتمّ دفن قيس في حفرة، ومعه عند قدميه "ذلك الظبي الذي قضى في هواه".

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا