محب جميل/ "زكي ناصيف... «قمر مشغرة» بين الموهبة والعِلم"

10:49:00 ص

في كتابه «زكي ناصيف الموهوب العالِم» (دار نلسن – بيروت) يذهب المؤرخ الموسيقي فكتور سحَّاب إلى الروافد الأولى والجذور التي أسهمت في تشكّل العالم الموسيقي الذي صاغه ناصيف. فبات من الواضح أن ثقافته الموسيقية مرت بعدّة مسارات أساسية أبرزها الموسيقى السوريانية والبيزنطية التي توارثها أهل الشام إلى جانب مدرسة الشيوخ والمقرئين الذين تحولوا من الإنشاد الديني إلى الغناء الدنيوي أمثال سلامة حجازي وأبي العلاء محمد وسيد الصفتي وغيرهم، وهؤلاء أثروا بدورهم على قطبي الأغنية العربية في القرن العشرين وهما أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. وأخيرًا هناك الموسيقى الكلاسيكية الراقية التي جاءت مع معلمين روس إلى الأراضي اللبنانية.
تعلَّق ناصيف منذ نعومة أظافره بالغناء، فوالدته رشيدة إبراهيم كانت صاحبة صوت حنون دافئ أما والده شاكر ناصيف كان أحد التجار المعروفين. وقد شكَّل عام 1936 نقطة تحول في حياته بعد أن التحق بمعهد الموسيقى في الجامعة الأمريكية ببيروت. وهناك تعرّف إلى البروفسور «برتران روبيار» (عازف أرغن ومدرس رياضيات) إلى جانب تعلمه عزف بعض سونتات بيتهوفن على يد مدرسة تشيكية. وبالرغم من عمله بالتجارة خلال هذه المرحلة فإنها لم تشغله عن مواصلة مشروعه الأساسي في الموسيقى والغناء.
على أن الانطلاقة الرسمية له كانت من خلال «إذاعة الشرق الأدني» ببيروت عام 1953 بتشجيع من صبري الشريف. وهناك رافق الأخوين رحباني وتوفيق الباشا وفليمون وهبي (عصبة الخمسة). وبدأ في تلحين مجموعة من الأغنيات الراقصة الخفيفة التي لاقت رواجًا واسعًا. وعقب توقف إذاعة الشرق الأدنى شارك في مهرجان بعلبك عام 1957، والذي دأب خلاله على إبراز الأنماط الفلكلورية في التراث الريفي اللبناني كما شارك في مهرجان الأنوار عام 1960وتغنّت من ألحانه ألمع الأصوات على الساحة اللبنانية أمثال وديع الصافي وصباح ونجاح سلام وسعاد هاشم.
خلال مشواره الفني زامل ناصيف مجموعة من الشعراء والموسيقيين الذين أثروا الساحة الفنية في لبنان، فكان من بينهم الشاعران «إميل رفول» و«مصطفى محمود» والموسيقي «خليل مكنية» الذي أدخله إلى الوسط الفني. وظلَّ الفونوغراف الذي ابتاعه والده من «محمد لحَّام» والد الفنان دريد لحام رفيق صباه الذي علَّمه أغنيات سلامة حجازي وسيد درويش. وبعد عام 1965 قام بتسجيل مجموعة من الأسطوانات التجارية بصوته بناء على طلب من شركة «عبد الله شاهين وأولاده». وقد توَّج ناصيف مسيرته الفنية بصدور أسطوانة «فيروز تغني زكي ناصيف» عام 1994 ضمت 9 أغنيات أشهرها موشح «سحرتنا البسمات» و«أمي الحبيبة» و«أهواك» و«ع بالي يا قمر» و«يا بني أمي» من كلمات الشاعر جبران خليل جبران.
كان ناصيف مؤمنًا بأن الطفل ينبغي أن يُربى على القطع الموسيقية الناعمة التي تفتح وعيه على قيم التسامح والحب والجمال فلولا الموسيقى لساد العنف. وقد اختتم سحَّاب كتابه بمجموعة من الصور الفوتوغرافية التي تناولت ناصيف باختلاف مراحله العمرية بما فيها أفراد عائلته والفنانين الذين تعاون معهم.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا